وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٢٣] (٣٠٣٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا، إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ [١٠]، تقدم في "القسامة" ٤/ ٤٣٦٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو هَاشِمٍ) الرُّمّانيّ -بضمّ الراء، وتشديد الميم- يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن أبي الأسود، وقيل: ابن نافع الواسطيّ، ثقةٌ [٦].
رأي أنسًا، روى عن أبي وائل، وأبي مجلز، وأبي العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وأبي قِلابة، وغيرهم.
وروى عنه منصور بن المعتمر، وهو من أقرانه، والثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، والحمادان، وشعيب بن ميمون، وهشيم، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: كان فقيهًا صدوقًا، وذكره ابن سعد في تسمية من كان بواسط من الفقهاء والمحدثين، وقال: كان صدوقًا، وقال ابن عبد البرّ: لم يختلفوا في أن اسمه يحيى، وأجمعوا على أنه ثقة.
قال الجامع عفا الله عنه: أما قول ابن حبّان في "الثقات": أبو هاشم الرمانيّ اسمه يحيى بن أبي الأسود، واسم أبي الأسود: بشر، وقيل: دينار، كان يخطئ، يُعتَبر حديثه، إذا كان من رواية الثقات، لا من رواية الضعفاء؛
[ ٤٥ / ٤٥٩ ]
لأنه صدوق لم يكن سبب موهن به غير الخطأ، والخطأ متى لم يفحش لم يستحقّ صاحبه الترك. انتهى.
ففيه نظر لا يخفى، فقد سمعت أن الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبا زرعة، والنسائيّ، وغيرهم اتّفقوا على توثيقه، وقال ابن عبد البرّ: وأجمعوا على توثيقه، فكيف يقول ابن حبّان: كان يُخطئ؟ إلى آخر كلامه، فهذا من العجائب، وأعجب منه سكوت الحافظ في "تهذيبه" عليه، ولم يعلّق عليه شيئًا، والله تعالى المستعان.
قال عبد الحميد بن بيان الواسطيّ عن أبيه: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن منجويه: مات سنة خمس وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (أَبُو مِجْلَزٍ) -بكسر الميم، وسكون الجيم- لاحق بن حُميد بن سعيد السَّدوسيّ البصريّ، من كبار [٣]، تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٤٧.
٥ - (قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) -بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة- الضُّبَعيّ، أبو عبد الله البصريّ مخضرم [٢]، تقدم في "فضائل الصحابة" ٣٣/ ٦٣٦١.
٦ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الغفاريّ الصحابيّ الشهير -﵀-، تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
شرح الحديث:
(عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) الضبعيّ؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ) -﵁- (يُقْسِمُ) بضمّ أوله، من الإقسام، وهو الحلف؛ أي: يحلف، وقوله: (قَسَمًا) بفتحتين: اسم من الإقسام، (إِنَّ) قوله تعالى: (﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾؛ أي: هذان الفريقان المتنازلان من المؤمنين والمشركين، ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ [الحج: ١٩]؛ أي: متنازعان، ﴿اخْتَصَمُوا﴾؛ أي: تنازعوا ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾؛ أي: في دين ربهم، واختلفوا، وتقاتلوا، كلّ على نَصْر دينه، والخصم في الأصل مصدر، فيوحّد، ويذكّر غالبًا، كقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١]، ويجوز أن يثنّى، ويُجمع، ويؤنث، كهذه الآية، ولمّا
[ ٤٥ / ٤٦٠ ]
كان كلّ خصم فريقًا يجمع طائفة قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ بصيغة الجمع، كقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فالجمع مراعاة للمعنى، وقال في "الكشّاف": الخصم صفة وُصف بها الفوج، أو الفريق، فكأنه قيل هذان فوجان، أو فريقان يختصمان، وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ نظرًا للّفظ، و﴿اخْتَصَمُوا﴾ نظرًا للمعنى، قال في "الدرّ": إن عنى بقوله: إن الخصم صفة بطريق الاستعمال المجازيّ فمسلّم؛ لأن المصدر يكثر الوصف به، وإن أراد أنه صفة حقيقة فخطؤه ظاهر؛ لتصريحهم بأن رجل خصم مثل رجل عدل. انتهى من "شرح القسطلانيّ" (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: "هذان" إشارة إلى الفريقين اللذين ذكرهما أبو ذرّ -﵁-، وهما: عليّ، وحمزة، وعُبيدة، وهم المؤمنون، والفريق الآخر عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، التقيا يوم بدر في أول الحرب، فافتخر المشركون بدينهم، وانتسبوا إلى شركهم، وافتخر المسلمون بالإسلام، وانتسبوا إلى التوحيد، ولمّا خرج المشركون، ودعوا إلى البراز، خرج إليهم عوف ومعوِّذ ابنا عفراء، وعبد الله بن رواحة الأنصاريّ، فلما انتسبوا لهم قالوا: أكفاء كرام، ولكنا نريد قومنا، فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب، وعُبيدة بن الحارث، وعليّ -﵃-، فأمّا حمزة وعليّ فلم يُمهلا صاحبيهما، فقتلاهما، واختَلَفت بين عُبيدة وشيبة ضربتان، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة، وعليّ على شيبة، فقتلاه، واحتملا صاحبيهما، فمات من جرحه ذلك بالصفراء عند رجوعه.
وقال قتادة: هم: أهل الكتاب، افتخروا بسبق دينهم، وكتابهم، فقال المسلمون: كتابنا مهيمن على الكتب، ونبيّنا خاتم الأنبياء.
وقال مقاتل: أهل الملل في دعوى الحق.
وقوله: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]؛ أي: أُعدّت، كما يقطع
_________________
(١) راجع: "الكوكب الوهّاج" ٢٦/ ٥٥٧ - ٥٥٨.
[ ٤٥ / ٤٦١ ]
من الثوب القميص، والسراويل، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ [إبراهيم: ٥٠]، فأُلبسوا والله ثيابًا العري خير منها، كما أُطعموا طعامًا، وسُقوا شرابًا، الجوع والظمأ خير منهما.
وقوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ٢٠] أي: يقطع به، ويُنضج، ويُذاب. انتهى (^١).
وقوله: (إِنَّهَا) تأكيد، (نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا)؛ أي: ظهروا لملاقاة أعدائهم (يَوْمَ بَدْرٍ)؛ أي: يوم غزوة بدر، وهو بفتح، فسكون: موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخًا، على منتصف الطريق تقريبًا، وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمِّيت بَدْرًا؛ لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بَدْرٌ، وقال الواقِديُّ: كان شيوخ غفار يقولون: بدر ماؤنا، ومنزلنا، وما مَلَكَه أحد قبلنا، وهو من ديار غفار (^٢).
(حَمْزَةُ) بن عبد المطّلب بن هاشم (وَعَلِيُّ) بن أبي طالب (وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عبد المطّلب، (وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، ابْنَا رَبِيعَةَ) بن عبد شمس، (وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ) بن ربيعة المذكور قبله.
وفي رواية للبخاريّ: "نزلت في ستة من قريش"؛ يعني: ثلاثة من المسلمين، من بني عبد مناف، اثنين من بني هاشم، وواحد من بني المطلب، وثلاثة من المشركين، من بني عبد شمس بن عبد مناف.
[تنبيه]: لم يقع في هذه الرواية تفصيل المبارزين، وذكر ابن إسحاق أن عُبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة كانا أسنّ القوم، فبرز عُبيدة لعتبة، وحمزة لشيبة، وعليّ للوليد.
وعند موسى بن عقبة: برز حمزة لعتبة، وعُبيدة لشيبة، وعليّ للوليد، ثم اتفقا: فقتل عليّ الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه، واختَلَف عُبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عُبيدة، فمات منها لمّا رجعوا بالصفراء، ومال حمزة وعليّ إلى الذي بارز عُبيدة، فأعاناه على قتله.
_________________
(١) "المفهم" ٧/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٨.
[ ٤٥ / ٤٦٢ ]
وعند الحاكم من طريق عبد خير، عن عليّ -﵁- مثل قول موسى بن عقبة، وعند أبي الأسود، عن عروة مثله.
وأورد ابن سعد من طريق عبيدة السلماني أن شيبة لحمزة، وعُبيدة لعتبة، وعليًّا للولِيد، ثم قال الليث: إن عتبة لحمزة، وشيبة لعبيدة. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: قال بعض من لقيناه: اتفقت الروايات على أن عليًّا للوليد، وإنما اختَلَفت في عتبة وشيبة أيهما لعُبيدة وحمزة، والأكثر على أن شيبة لعُبيدة.
قال الحافظ: وفي دعوى الاتفاق نظر، فقد أخرج أبو داود من طريق حارثة بن مُضرِّب عن عليّ قال: تقدم عتبة، وتبعه ابنه وأخوه، فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله -ﷺ-: "قُم يا حمزة، قم يا عليّ، قم يا عبيدة"، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عُبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم مِلْنا على الوليد، فقتلناه، واحتملنا عُبيدة، قال: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السِّيَر من أن الذي بارزه عليّ هو الوليد هو المشهور، وهو اللائق بالمقام؛ لأن عُبيدة وشيبة كانا شيخين، كعتبة وحمزة، بخلاف عليّ والوليد، فكانا شابين، وقد روى الطبرانيّ بإسناد حسن عن عليّ قال: أعنت أنا وحمزة عُبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يَعِب النبيّ -ﷺ- ذلك علينا، وهذا موافق لرواية أبي داود، فالله تعالى أعلم (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ، فقال: أخرجه البخاريّ عن أبي مِجلز، عن قيس، عن عليّ -﵁-: "أنا أول من يجثو للخصومة"، قال قيس: وفيهم نزلت الآية، ولم يجاوز به قيسًا، ثم قال البخاريّ: وقال عثمان، عن جرير، عن منصور، عن أبي هاشم،
_________________
(١) "الفتح" ٣٤، "كتاب المغازي" رقم (٣٩٦٥).
[ ٤٥ / ٤٦٣ ]
عن أبي مِجلز قولَهُ، قال الدارقطنيّ: فاضطرب الحديث. انتهى.
قال النوويّ: لا يلزم من هذا ضَعف الحديث، واضطرابه؛ لأن قيسًا سمعه من أبي ذرّ، كما رواه مسلم هنا، فرواه عنه، وسمع من عليّ بعضه، وأضاف إليه قيس ما سمعه من أبي ذرّ، وأفتى به أبو مجلز تارةً، ولم يقل: إنه من كلام نفسه ورأيه، وقد عَمِلت الصحابة -﵃-، ومَن بعدَهم بمثل هذا، فيفتي الإنسان منهم بمعنى الحديث عند الحاجة إلى الفتوى دون الرواية، ولا يرفعه، فإذا كان وقت آخر، وقصد الرواية رفعه، وذكر لفظه، وليس في هذا اضطراب. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو جواب مقبول، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٧٥٢٣ و٧٥٢٤] (٣٠٣٣)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٣٩٦٦ و٣٩٦٨ و٣٩٦٩) و"التفسير" (٤٧٤٣)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٨٦٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤١٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٥٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ١٤٩)، و(البزّار) في "مسنده" (٢/ ٢٩٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١/ ٤١٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٤١٨ و٤١٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٧٦ و٩/ ١٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان جواز المبارزة خلافًا لمن أنكرها، كالحسن البصريّ، وشَرَط الأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق للجواز إذن الأمير على الجبش.
٣ - (ومنها): بيان جواز إعانة المبارِز رفيقه.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة ظاهرة لحمزة، وعليّ، وعُبيدة بن الحارث -﵃-، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٢٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي
[ ٤٥ / ٤٦٤ ]
هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ، لَنَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] بِمِثْلِ حَدِيثِ هُشَيْمٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلهم تقدّموا قريبًا. و"وكيع" هو: ابن الجرّاح. و"عبد الرحمن" هو: ابن مهديّ. و"سفيان" هو الثوريّ.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ)؛ يعني: أن كلًّا من وكيع، وعبد الرحمن بن مهديّ رويا هذا الحديث عن سفيان الثوريّ.
[تنبيه]: أما رواية وكيع عن سفيان الثوريّ عن أبي هاشم، فقد ساقها ابن أبي شيبة -﵀- في "مصنّفه"، فقال:
(٣٦٦٨٣) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي هاشم الواسطيّ، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ يُقسم، أُنزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الرهط الستة، يوم بدر: عليّ، وحمزة، وعُبيدة بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. انتهى (^١).
وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن أبي هاشم، فقد ساقها النسائيّ -﵀- في "الكبرى"، فقال:
(٨٢٠٣) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: أنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، قال: سمعت أبا ذرّ يُقسم قَسَمًا، لقد أُنزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في عليّ، وحمزة، وعُبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، اختصموا يوم بدر. انتهى (^٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة -عفا الله عنه وعن والديه-:
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٧/ ٣٥٧.
(٢) "السنن الكبرى" للنسائيّ ٥/ ٥٨.
[ ٤٥ / ٤٦٥ ]
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الخامس والأربعين من "شرح صحيح الإمام مسلم -المسمَّى- البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج -﵀-" في الثلث الأخير من ليلة الخميس وهي السادسة عشرة من شهر ذي الحجة المبارك (^١) (١٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ الموافق ١/ نوفمبر - تشرين الثاني / ٢٠١٢ م).
وكان ذلك في مكة المكرمة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا.
[تنبيه]: إن من حسن حظي أن ذلك الوقت وقت نزول الربّ ﵎، كما صحّ بذلك حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يتنزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له"، متّفق عليه.
فأسألك اللَّهُمَّ أن تجعل هذا الكتاب خالصًا لوجهك الكريم، ومقبولًا مرضيًّا عندك وعند طلّاب العلم أجمعين، وسببًا للفوز بجنّات النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال الجامع عفا الله عنه: ينبغي لي أن أختم كتابي هذا بذكر حديث كفّارة المجلس المشهور الذي ينبغي للعبد أن يختم مجلسه به، مع ذكر سندي فيه، فأسوقه من رواية الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في "جامعه"، فأقول:
أخبرني والدي العلامة النحرير، والدرّاكة الكبير عليّ بن آدم، والعلامة النحويّ عبد الباسط بن محمد بن حسن، والعلامة المقرئ حياة بن علي رحمهم الله تعالى إجازةً، كلهم عن العلامة المقرئ المحدث كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعَدّيّ الحسنيّ الدّويّ، عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدلّتّيّ، عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن السيد
_________________
(١) قال الجامع عفا الله عنه: مدّة ما بينه وبين الجزء الذي قبله في الكتابة (٢٤) يومًا، وهذا من فضل ربي، وله الحمد، والفضل، والمنّة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
[ ٤٥ / ٤٦٦ ]
أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن خاله عماد الدين يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر بن عليّ البطاح الأهدل، عن عمه يوسف بن محمد البطاح الأهدل، عن الطاهر بن حسين الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن عليّ الديبع الشيبانيّ، عن زين الدين الشرجيّ، عن نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلويّ، عن والده، وشيخه موفّق الدين علي بن أبي بكر بن شدّاد، كلاهما عن أحمد بن أبي الخير الشماخي، عن والده، عن شرف الدين أبي بكر بن أحمد بن محمد الشراحيّ اليمنيّ، عن الصالح مكين الدين زاهر بن رسم بن أبي الرجاء الأصفهانيّ، عن أبي الفتح عبد الملك بن عبد الله الهرويّ الكروخيّ، عن المشايخ الثلاثة. . .
(ح) وأخبرني شيخي العلامة المحدّث محمد بن رافع بن بصيري، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني، نزيل مكة، عن محمد يحيى الكاندهلويّ، عن رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغنيّ المجددي، عن محمد إسحاق الدهلويّ المكيّ، عن عبد العزيز الدهلويّ، عن والده الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلويّ، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكرديّ المدنيّ، عن والده إبراهيم حسن الكرديّ المدنيّ، عن أبي العزائم سلطان بن أحمد المزّاحيّ، عن الشهاب أحمد بن خليل السبكيّ، عن النجم الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن العزّ عبد الرحيم بن محمد بن الفرات القاهريّ، عن أبي حفص عمر بن حسن المراغيّ، عن الفخر بن البخاريّ، عن عمر بن طبرد البغداديّ، عن أبي الفتح عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل الهروي الكروخيّ، عن أبي عامر محمود بن القاسم بن محمد الأزديّ، وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقيّ، وأبي بكر أحمد بن عبد الصمد التاجر الْغُورَجيّ، قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله الْجَرّاحيّ المروزيّ، عن أبي العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبيّ، قال: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، قال:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ الْكُوفِيُّ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ
[ ٤٥ / ٤٦٧ ]
عُقْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ".
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" بحثًا نفيسًا يتعلّق بهذا الحديث، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، قال رحمه الله تعالى:
وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس: ما أخرجه الترمذي في "الجامع"، والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الدعاء"، والحاكم في "المستدرك" كلهم من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من جلس في مجلس، وكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك"، هذا لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي برزة، وعائشة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، إلا أنّ البخاري أعله برواية وهيب، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، عن أبيه، عن كعب الأحبار، كذا قال في "المستدرك"، ووَهِم في ذلك، فليس في هذا السند ذِكر لوالد سهيل، ولا كعب، والصواب عن سهيل، عن عون، وكذا ذكره على الصواب في "علوم الحديث"، فإنه ساقه فيه من طريق البخاري، عن محمد بن سلام، عن مخلد بن يزيد، عن ابن جريج بسنده، ثم قال: قال البخاري: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن
[ ٤٥ / ٤٦٨ ]
عبد الله، قولَهُ، قال البخاري: هذا أَولى، فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعًا من سهيل. انتهى.
وأخرجه البيهقي في "المدخل" عن الحاكم بسنده المذكور، في "علوم الحديث" عن البخاري، فقال: عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، كلاهما عن حجاج بن محمد، وساق كلام البخاري، لكن قال: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث، إلا أنه معلول. وقوله: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا، هو المنقول عن البخاري، لا قوله: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب، فإن في الباب عدة أحاديث، لا تخفى على البخاري، وقد ساق الخليليّ في "الإرشاد" هذه القصة، عن غير الحاكم، وذكر فيها أن مسلمًا قال للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا؟ فقال: لا، إلا أنه معلول، ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله قولَهُ، وهو موافق لِمَا في "علوم الحديث"، في سند التعليل، لا في قوله: في هذا الباب، فهو موافق لرواية البيهقي في قوله: بهذا الإسناد، وكأن الحاكم وَهِمَ في هذه اللفظة، وهي قوله: في هذا الباب، وإنما هي: بهذا الإسناد، وهو كما قال؛ لأن هذا الإسناد، وهو ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، لا يوجد إلا في هذا المتن، ولهذا قال البخاري: لا أعلم لموسى سماعًا من سهيل؛ يعني: أنه إذا لم يكن معروفًا بالأخذ عنه، وجاءت عنه رواية خالف راويها، وهو ابن جريج، من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه، رُجّحت رواية المُلازِم، فهذا يوجبه تعليل البخاري.
وأما من صححه، فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة، بل يُجَوّز أنه عند موسى بن عقبة على الوجهين. وقد سبق البخاريَّ إلى تعليل هذه الرواية أحمد بن حنبل، فذكر الدارقطني في "العلل" عنه أنه قال: حديث ابن جريج وَهَمٌ، والصحيح قول وهيب: عن سهيل، عن عون بن عبد الله، قال الدارقطني: والقول قول أحمد، وعلى ذلك جرى أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، قال ابن أبي حاتم في "العلل": سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقالا: هذا خطأ، رواه وهيب، عن سهيل، عن عون بن عبد الله
[ ٤٥ / ٤٦٩ ]
موقوفًا، وهذا أصح، قال أبو حاتم: يَحْتَمِل أن يكون الوهم من ابن جريج، ويَحتمل أن يكون من سهيل. انتهى.
قال الحافظ: وقد وجدناه من رواية أربعة عن سهيل، غير موسى بن عقبة، ففي "الأفراد" للدارقطني، من طريق عاصم بن عمرو، وسليمان بن بلال، وفي "الذكر" لجعفر الفريابي، من طريق إسماعيل بن عياش، وفي "الدعاء" للطبراني من طريق محمد بن أبي حميد، أربعتهم عن سهيل، والراوي عن عاصم، وسليمان هو الواقدي، وهو ضعيف، وكذا محمد بن أبي حميد، وأما إسماعيل، فإن روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، وقد قال أبو حاتم: هذه الرواية ما أدري ما هي، ولا أعلم رُوي عن النبيّ -ﷺ-، في شيء من طريق أبي هريرة، إلا من رواية موسى، عن سهيل. انتهى.
وقد أخرجه أبو داود في "السنن"، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "الدعاء" من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أبي عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، مرفوعًا، وعن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.
وذكر شيخ الإسلام، أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ في "النكت" التي جمعها على "علوم الحديث" لابن الصلاح: أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة من الصحابة، عِدَّتهم سبعة زائدة على من ذكر الترمذي، وأحال ببيان ذلك على تخريجه لأحاديث "الإحياء".
قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه، فوجدته من رواية خمسة آخرين، فكملوا خمسة عشر نفسًا، ومعهم صحابي لم يُسَمَّ، فلم أضفه إلى العدد؛ لاحتمال أن يكون أحدهم، وقد خرّجت طرقه فيما كتبته على "علوم الحديث"، وأذكره هنا ملخصًا، وهم:
عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه عند الطبراني في "المعجم الكبير"، أخرجه موقوفًا، وعند أبي داود أخرجه موقوفًا، كما تقدم التنبيه عليه، وأبو برزة الأسلمي، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، والدارمي، وسنده قوي، وجبير بن مطعم، وحديثه عند النسائي، وابن أبي عاصم، ورجاله ثقات، والزبير بن العوام، وحديثه عند الطبراني في "المعجم الصغير"، وسنده ضعيف،
[ ٤٥ / ٤٧٠ ]
وعبد الله بن مسعود، وحديثه عند ابن عدي في "الكامل"، وسنده ضعيف، والسائب بن يزيد، وحديثه عند الطحاوي في "مشكل الآثار"، والطبراني في "الكبير"، وسنده صحيح، وأنس بن مالك، وحديثه عند الطحاوي، والطبراني، وسنده ضعيف، وعائشة، وحديثها عند النسائي، وسنده قوي، وأبو سعيد الخدري، وحديثه في "كتاب الذكر" لجعفر الفريابي، وسنده صحيح، إلا أنه لم يصرح برفعه، وأبو أمامة، وحديثه عند أبي يعلى، وابن السني، وسنده ضعيف، ورافع بن خديج، وحديثه عند الحاكم، والطبراني في "الصغير"، ورجاله كل موثوقون، إلا أنه اختُلف على راويه في سنده، وأبي بن كعب، ذكره أبو موسي المديني، ولم أقف على سنده، ومعاوية، ذكره أبو موسى أيضًا، وأشار إلي أنه وقع في بعض رواته تصحيف، وأبو أيوب الأنصاري، وحديثه في "الذكر" للفريابي أيضًا، وفي سنده ضَعف يسير، وعلي بن أبي طالب، وحديثه عند أبي علي بن الأشعث، في "السنن" المروية عن أهل البيت، وسنده واه، وعبد الله بن عمر، وحديثه في "الدعوات" من "مستدرك الحاكم"، وحديث رجل من الصحابة لم يُسَمَّ، أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من طريق أبي معشر زياد بن كليب، قال: حدثنا رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- عنه، ورجاله ثقات.
ووقع مع ذلك من مراسيل جماعة من التابعين، منهم الشعبي، وروايته عند جعفر الفريابي في "الذكر"، ويزيد الفقير، وروايته في "الكنى" لأبي بشر الدولابي، وجعفر أبو سلمة، وروايته في "الكنى" للنسائي، ومجاهد، وعطاء، ويحيى بن جعدة، ورواياتهم في زيادات البر والصلة، للحسين بن الحسن المروزي، وحسان بن عطية، وحديثه في ترجمته في "الحلية" لأبي نعيم، وأسانيد هذه المراسيل جياد، وفي بعض هذا ما يدل على أن للحديث أصلًا، قال: وقد استوعبت طرقها، وبيَّنت اختلاف أسانيدها، وألفاظ متونها فيما علّقته على "علوم الحديث" لابن الصلاح، في الكلام على الحديث المعلول.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ورأيت ختم هذا "الفتح" بطريق من طرق هذا الحديث، مناسبة للختم، أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والإجازة، إلى منتهاه.
[ ٤٥ / ٤٧١ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أيضًا أصل سندي بالحافظ ﵀ تعالي في هذا الحديث؛ اقتفاء لأثر المحدثين، وإحياء لسنتهم، فأقول:
أخبرني إجازةً الشيخ المسند الكبير محمد ياسين بن محمد عيسى الفاداني المكيّ، عن الشيخ عمر بن حمدان المحرسيّ، والشيخ علي بن فالح الظاهريّ المدنيّ، ثم المكيّ، كلاهما عن والد الثاني، فالح بن محمد الظاهريّ، عن السيد محمد بن علي السنوسيّ المكيّ، عن المعمر أبي المواهب المازونيّ، عن المسند المنلا إبراهيم بن حسن الكورانيّ المدنيّ، عن أحمد بن محمد المدنيّ الشهير بالْقُشَاشيّ، عن محمد بن أحمد الرمليّ، عن الزين زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن عليّ العسقلانيّ، قال:
قرأت على الشيخ الإمام العدل المسند المكثر الفقيه، شهاب الدين، أبي العباس أحمد بن الحسن بن محمد بن محمد بن زكريا القدسي الزينبي، بمنزله ظاهر القاهرة، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر الأيوبي، أنبأنا إسماعيل بن عبد المنعم بن الخيمي، أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن باقا، أنبأنا أبو زرعة، طاهر بن محمد بن طاهر، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد. . .
(ح) وقرأته عاليًا على الشيخ الإمام المقرئ المفتي العلامة، أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن كامل، عن أيوب بن نعمة النابلسي، سماعًا عليه، أنبأنا إسماعيل بن أحمد العراقي، عن عبد الرزاق بن إسماعيل القومسي، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد الدُّونيّ، أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحسين الكسار، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق، الحافظ المعروف بابن السني، أنبأنا أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب النسائي، أنبأنا محمد بن إسحاق، هو الصغاني، حدثنا أبو مسلم، منصور بن سلمة الخزاعي، حدثنا خلاد بن سليمان، هو الحضرمي، عن خالد بن أبي عمران، عن عروة، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله -ﷺ-، إذا جلس مجلسًا، أو صلى تكلم بكلمات، فسألته عن ذلك؟ فقال: إن تكلم بكلام خير كان طابعًا عليه -يعني: خاتمًا عليه إلى يوم القيامة-، وإن تكلم بغير ذلك، كانت كفارة له: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". انتهى.
[ ٤٥ / ٤٧٢ ]
وبهذا انتهى الشرح المبارك -إن شاء الله تعالى- أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكل من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللَّهُمَّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته".
"سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ٤٥ / ٤٧٣ ]