تنفرد اليمن بصفات خاصة بوضعه السياسي -الحكم الإمامي- والقبلي. وبالمذهب الزيدي. وقد استمر على هذا ردحًا من الزمن وكان لصيحات محمد بن إبراهيم بن الوزير (ت ٨٤٠) أثر في ترك المذهب والانفتاح الفكري على المذاهب الأخرى وبقيت صيحات ابن الوزير زمنًا حتَّى استجاب لها العلامة صالح بن مهدي
_________________
(١) انظر: تاريخ اليمن السياسي ص ٢٢٦، وتاريخ اليمن الثقافي، واليمن عبر التاريخ ٢٤٤.
[ المقدمة / ١٦ ]
المقبلي (ت ١١٠٨) الذي ألف "العَلَم الشامخ في إيثار الحق على المشايخ". وهذا الإِمام المغربي شرح بلوغ المرام، والإِمام الشوكاني شرح المنتقى للمجد ابن تيمية.
وحينما ننظر إلى التعليم نجد أن المدن الكبيرة ينتشر فيها العلم والدين، فشهدت حركة علمية لا بأس بها والسبب في ذلك أن أهل المدن يكون التأثير القبلي عليها ضعيفًا، ثم إن الحروب التي دارت بين الأئمة كانت بعيدة عن صنعاء، بل ولم يؤثر الفقر وشظف العيش على طلب العلم. يصف أحد طلبة العلم حالة الطالب وحرصه على العلم مع شظف العيش قائلًا:
كم بها من طالب فقير يقنع في الأرزاق باليسير
لا يجعل الفقر له ذريعة إلى اطراح العلم والشريعة
موزع أوقاته شطرَيْن على الذي ينفع في الدارين (١)
وحينما نقرأ "أدب الطّلب" (٢) للإِمام الشوكاني نجد صورة لما كانت عليه المدارس والكتب، فقد ذكر كتب التفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو والبلاغة وآداب المناظرة وكتب المنطق.
وكانت إجازات العلماء مستمرة للطلاب يجيزون فيها طلابهم إيذانًا بالانتهاء والتأهيل للتعليم، وإليك صورة من ذلك:
فقد أجزت ما قرأ في فقه آل المرسل
وإنني أجبته إلى بلوغ الأمل
منها تصانيف رقت على محل زحل (٣)
بعكس الأرياف التي قَلَّ فيها العلم فانعكَست على أوضاعهم السلوكية، قال الجرموزي واصف الحال:
_________________
(١) الأدب اليمني ما بين ١٠٤٥ - ١٢٨٩.
(٢) أدب الطّلب ١٠٧.
(٣) الأدب اليمني ٨٥.
[ المقدمة / ١٧ ]
جهلة غمر وأنعام مكلفون لا يوجدُ فيهم من الألف من يصلِّي أو يعرف شيئًا من التكليف الشرعي ولا العقلي.
ويصف سلطانهم بأنه جاهل لا يعرف شيئًا وأنه كانت تصله رسائل من الإِمام فكانت تُقرأ عليه فلا يعرف معانيها، وربما يضحك ويقول: هذا كلام مليح ولكن وِش يبغي مني الزيدي (١).
هذه صورة للناحية العلمية، على أن قلة الكتب التي وصفت أوضاع اليمن في هذا العصر مع أن أكثرها لا يزال مخطوطًا جعلني لا أستطيع أن أقف على الصورة لذلك العصر وما ذكرته في هذا لعله يؤدي الغرض في الجملة. وبالله التوفيق.