إن السبب للحروب الداخلية هو التنافس على الإمام، ومبعث هذا شيء واحد هو وجود العدد الكافي من الهاشميين الذين كانوا يُحَتِّمُون على أنفسهم وجوب القيام بمجرد إحساس أحدهم بشيءٍ من الفضل على الآخر، ومع هذا فإنَّه لم يحدث في الغالب وخصوصًا فيما بعد القرن العاشر الهجري أنْ مات إمام ولم يعقبه إمامان أو أكثر، كل منهم يرى أنَّه حقيق بالإمامة، وهذه الرغبة هي التي ساعدت الدولة على الاستمرار والبقاء طوال عدة قرون بغضّ النظر عما كانت تجرّه من التطاحن والانقسامات التي لا يتسع المقام لذكرها، ثم ما خلّفته من ضغائن وأحقاد بين القبائل جعلتهم يعيشون في صراع مستمر وفوضى مستحكِمة.
يقول أحمد حسين شرف الدين في وصف الحالة الداخلية لليمن (٣):
عندما نتصفح كتب التاريخ في هذا الوقت بالذات نجد أن اليمن قد عاش حوالَي قرنَيْن من الزمان كلها فوضى وقلاقل وفتن داخلية، وإن القبائل اليمنية قد سئمت
_________________
(١) المرجع السابق ٢٤٣.
(٢) تاريخ اليمن السياسي ٦٧.
(٣) اليمن عبر التاريخ ٢٤٣.
[ المقدمة / ١٤ ]
هذا الوضع الذي أصبح فيه معظم الأئمة من آل القاسم يتكالبون على الحُكم ويتناحرون على كُرسيّ الإمامة تاركين وراءهم رعاية الأمة، والعمل على نشر العدل وإقرار الأمن في البلاد.
كما نجد أن البلاد قد تفرقت إلى شِيَع وأحزاب نتيجة لقيام عدة أئمة في آنٍ واحد كل منهم يقود الحملات ضد صاحبه ويؤلّب عليه القبائل ثم يناجزه الحرب كما حدث مثلًا بين المهدي صاحب "المواهب" وبين ابن عمه المنصور الحسين بن القاسم من جهة، وكما حدث أن قام أئمة خلال خمس سنوات فقط.
هذا وصفٌ عام للحالة وحينما نتصفح التاريخ ونرصد أحداثه في هذا الزمن نجد أنَّه بعد موت المتوكل إسماعيل ١٠٨٧ قامت القيامة على اغتنام الإمامة فقد قام أحمد بن الحسين صاحب "الغراس" وتلقب بالمهدي، ثم أعقب هذه الدعوة ظهور دعوة القاسم بن محمد -بشهاره- وأجابته الأهنوم.
وظهور دعوة الحسين بن الحسن بعمران وتلقب بالواثق ثم دعوة السيد محمد بن علي الغرياني -ببرط- والسيد أحمد بن إبراهيم المؤيد -بثلا- والسيد علي بن أحمد بصعدة وتلقب بالمنصور فكان السابع.
وانتهى الأمر بأن يكون المهدي حاكمًا شريطة أن يقطع المهدي للقاسم بن محمد المؤيد بلاد حجة وعفار وكحلان والأهنوم، وتمّ الأمر على ذلك، وفي سنة ١٠٩٢ توفي الإمام المهدي أحمد بن الحسين فدعا بعده الأمير محمد بن إسماعيل بن القاسم وتلقب بالمؤيد، وعارضه بعض آل القاسم وفي النهاية استقر الأمر له وأقام في ضوران، وفي ١٠٩٧ توفي المؤيد وقام كل واحد من القاسمية بالدعوة لنفسه في شبام كوكبان -وفي صعدة- ورادع -وصنعاء- ومسور خولان، وفي النهاية تمّ الأمر للمهدي بن محمد واستقر بالمواهب بالقرب من ذمار وتغلب على معارضيه يوسف بن المتوكل وجماعته وقيدهم في -قلعة الدملوة-، ثم أطلقهم في سنة ١١٠٩ ثم أعاد الكرة مرَّة أخرى فعثر به المهدي واستفتى في أمره العلماء فأفتوا بقتله إلَّا أحدهم رجح
[ المقدمة / ١٥ ]
حبسه فحبسه ثم أفرج عنه في سنة ١١١٣ وأقطعه بلاد سنحان، وفي عام ١١٢٤ قامت معارك بين الحسين بن القاسم بن المؤيد والإمام المهدي انتصر فيها الحسين بن القاسم حيث حاصره في مكانه المواهب وتنازل المهدي للحسين بن القاسم وتلقب بالمنصور.
هذه هي الصورة التي كانت تعيشها اليمن خلال تلك الفترة وهي جلية واضحة في الدلالة على الحالة التي عاشها اليمن آنذاك من حروب ودمار يلحق بالديار، ويساعدنا على تصور ذلك إذا عرفنا الصورة التي تقوم بها الحروب حيث تخرج القبيلة بأكملها للحرب تاركة ديارها ومزارعها، ثم إن اليمن بلد مغلق يعتمد على نفسه في السراء والضراء، كل هذا يعطينا صورة لما كانت عليه حياتهم اليومية وحياتهم الاجتماعية.
وما كانت الحياة الاجتماعية إلَّا صورة للواقع السياسي فتلك الحروب الدامية المستمرة المتصلة الحلقات التي لا تكاد تقف بين الأئمة قد أثَّرت على الحياة الاجتماعية تأثيرًا بينا (١).
على أن استقرار الإمام المغربي في صنعاء وهي بلد ربما كان لها وضعها الاستقراري لبعدِها عن القبائل -ساعد على نشر العلم بها وبقائها بعيدة عن الحروب وهذا ما سنراه في الحالة العلمية.