فظاهر كلام جماعة من الشافعية ومنهم النووي أنه يبدأ بالحج ثم بالزيارة، وذهب إلى هذا الإِمام أبو حنيفة. ﵀. وروي عن أحمد بن حنبل أنه لما سئل عن ذلك ذكر بإسناده عن عطاء ومجاهد والنخعي أنك إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة واجعل كل شيء لمكة تبعًا. وذهب علقمة والأسود وعمرو بن ميمون من التابعين إلى تقديم الزيارة على الحج. والأولى أنه إذا كان الوقت متسعًا فالأولى تقديم الزيارة إذا أطاقها لتحصيل هذه الفضيلة فإنه قد يحج ويعوقه عن الزيارة عائق وليكون وسيلة إلى قبول حجه وتوفيقه للإتيان به على أكمل وجوه الكمال والسداد، ومن خشي فوت الحج قدم الحج، وقد أشار إلى مثل هذا في كلام أحمد بن حنبل (١)، وكذا الإِمام تقي الدين السبكي، وذكر بعض العلماء فائدة حسنة وهو أن الحكمة في دفنه - ﷺ - في المدينة ولم يدفن في مكة مع أنه ورد في الحديث أن كل أحد يدفن في الطينة التي خلق منها ورواية: "خلق من طينة الكعبة" وهي لئلا تكون زيارته تابعة لقصد الحج فتكون متبوعة للحج، فكان دفنه في المدينة لتكون زيارته مقصودة في نفسها مستقلة مفردة بالتعظيم الذي يستحقه على قدره وكرمه على ربه مع أنه قد ذكر صاحب عوارت المعارف، وتبعه جماعة من حفاظ المحدثين والفقهاء المحققين أن الطوفان لما علا الكعبة موج منها ما
_________________
(١) الصارم المنكي ٢٤٢.
[ ٥ / ٤٢٣ ]
رَبَا على وجه الماء من أصلها إلى أن وصل به إلى محل قبره الشريف، فهو - ﷺ - مدفون في ترب الكعبة، وكانت الحكمة في ذلك هي ما ذكر من إفراده بالقصد والعناية، ويؤيد هذا ما روي أن سليمان - صلى الله على نبينا وعليه- زار محل قبر نبينا محمَّد - ﷺ - وأخبر أنه سيقبر فيه، وترك هناك أربعمائة من أحبار بني إسرائيل ينتظرون بعثته وهجرته إليهم، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
_________________
(١) سورة البقرة آية ٨٩.
[ ٥ / ٤٢٤ ]