فذهب بعض المالكية في القول بوجوبها، وقال غيره من المالكية: إنها من السنن الواجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات والحجة على ذلك الحديث الذي فيه ذكر "فقد جفاني" (١) والجفاء للنبي - ﷺ - محرم فتجب الزيارة لئلا يرتكب الوجه المحرم وقد استدل بمثل ذلك من أوجب الصلاة عليه - ﷺ - كلما (أ) ذكر بحديث "من الجفاء أن أُذكر عند الرجل ولم يصل علي" ونحوه من الأحاديث في ذلك المعنى، فإن جماعة من علماء المذاهب الأربعة أوجبوا الصلاة عليه كلما ذكر للحديث. والأحاديث وإنْ كان في بعضها مقال فبعضها يقوي بعضًا، وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة غير واجبة للأحاديث الواردة في الترغيب إليها، وفضيلة (ب) من فعلها وأجابوا بأن الجفاء ليس فيه (جـ) دلالة صريحة على ترك الواجب بل يصح أن يقال على ترك المندوب إنه جفاء، كما يقال في ترك البر والصلة، ويطلق الجفاء أيضًا على غلظ الطبع والبعد عن الشيء كما في حديث: "من بدا فقد جفا" (٢) وعلى كل تقدير فهي من المقاصد المهمة والأعمال المحمودة المشكورة وإذا كان قد وردت الأحاديث في زياة القبور على جهة الإطلاق والأمر بهذا فكيف الظن بزيارة قبر سيد
_________________
(١) (أ) هي: (كما). (ب) سقط من هـ: (من). (جـ) هـ: (له).
(٢) لكن الحديث موضوع وباطل فما بُني على باطل فهو باطل. انظر ص ٤٦٨.
(٣) أحمد ٢: ٣٧١.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
الخلائق الذي هو أعظم الوسائل للخلق أجمعين (١) - ﷺ - مع ما قد ثبت من أنه حيّ - ﷺ - في قبره حياة حقيقية، ولذلك أجاب - ﷺ - على من قال له: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمْتَ -بفتح أوله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، وبعده تاء الخاطب المفتوحة أَي بليت- قال: (إن الله -﷿- حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٢) صححه ابن حبان والحاكم، وذكر له البيهقي شواهد.
وأخرج ابن حبّان (أ) بإسناد جيد أنه قال لأبي الدرداء في جوابه لما قال - ﷺ -: "وإن أحدًا لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها" فقال أبو الدرداء: وبعد الموت؟ قال "وبعد الموت، إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٣).
وفي رواية للطبراني: "ليس من عبد يصلي علي إلا بلغني صوته، قلنا: وبعد وفاتك؟ قال: وبعد وفاتي إن الله ﷿ حرم على الأرض أن يل أجساد الأنبياء" (٤).
فالأحاديث تدل على أن الإدراك بعد الموت كالإدراك قبله. وأخرج جماعة من الأئمة أنه قال - ﷺ -: "إنَّ لله ﷿ ملكًا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي علي صلاة إلا
_________________
(١) (أ) في حاشية الأصل، وهـ: "ابن ماجه".
(٢) النقل من فتاوى شيخ الإسلام من ص ٢٥ من قوله فإن جفاء الرسول إلى ص ٢٧ والمسجد الأقصى السطر الثالث من أعلى جـ ٢٧.
(٣) أبو داود الصلاة، باب فضل يوم الجممة وليلة الجمعة ١: ٦٣٥ ح ١٠٤٧ أحمد ٤: ٨، البيهقي ٢٤٩:٣.
(٤) ابن ماجه الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه - ﷺ - ح ١٦٣٧.
(٥) لم أقف عليه في الطبراني وقال السخاوي في القول البديع عن العراقي إنه لا يصح ٢٣٤.
[ ٥ / ٤٠٦ ]
قال: يا محمد صلى عليك فلان بن فلان فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرًا" (١).
وقد روي هذا بألفاظ مختلفة اللفظ متفقة المعنى، وفي سند الجميع راوٍ قال البخاري فيه: إنه لَيِّن، ووثقه (أ) ابن حبان، وراو آخر ضعفه (ب) بعضهم ولا تعارض بين تبليغ الملك وسماعه - ﷺ - فإنه يسمع (جـ) ويبلغه إشعارًا بمزيد الخصوصية، والاعتناء بشأنه. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي قال المتكلمون المحقون من أصحابنا: إن نبينا - ﷺ - حيّ بعد وفاته وأنه بشر بطاعات أمته وأن الأنبياء لا يبلون مع أنا نعتقد ثبوت الإدراكات كالعلم والسماع لسائر الموتى ونقطع بعود حياة كل ميت في قبره ونعيم القبر وعذابه ثابتان وهما من الأعراض المشروطة بالحياة لكنه لا يتوقف على النية، وقد صح عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن -وفي رواية بقبر الرجل- كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه" (٢).
ولابن أبي الدنيا: "إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد - ﵇ - وعرفه، وإذا مَرَّ بقبر لا يعرفه ردَّ - ﵇ -" (٣).
_________________
(١) (أ) ي: (ورفعه). (ب) سقط من ي: (ضعفه). (جـ) كذا في الأصل، وفي هـ، ي: (يسمعه).
(٢) عزاه السخاوي في "القول البديع" (ص ١١٢) لأبي الشيخ ابن حبان وأبي القاسم التيمي في ترغيبه وغيرهما. وحَسَّنه الألباني لغيره في سلسلة الأحاديث الصحيحة ح ١٥٣٠. وقال السبكي لا يثبت الصارم ١٩٥.
(٣) رواه ابن عبد البر في "التمهيد" و"الاستذكار" (إتحاف السادة المتقين ١٠: ٣٦٥).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" (إتحاف السادة المتقين ١٠: ٣٦٥ - ٣٦٦)، البيهقي في شعب الإيمان ٧: ١٧ ح ٩٢٩٦ مكرر.
[ ٥ / ٤٠٧ ]
وقد ذكر ابن تيمية في (أ) اقتضاء الصراط المستقيم (١) أن الشهداء بل كل المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردوا - ﵇ - وصح أنه - ﷺ - كان يخرج إلى البقيع ويسلم عليهم ويقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" وورد النص في كتاب الله تعالى في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد كما روي أنه (ب) لما حفر السيل في أُحد في قبر عبد الله بن حرام والد جابر وعمرو بن الجموح وهما من شهداء أحدٍ بعد ست وأربعين سنة (جـ فوجدا لم يتغيرا جـ) وكان أحدهما جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأمسكت يده على جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت (٢)، ولما حفر معاوية العين التي استنبطها بالمدينة بعد أحد بنحو خمسين سنة، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة - ﵁ - فسال الدم عنه، والظاهر أن حياة الشهداء أقوى من حياة الأولياء.
وجمهور العلماء أن حياة الشهداء حقيقية (د) للجسد، وفي قول بعض أنها للروح فقط، وفي قول أنها للجسد فقط بمعنى أنه لا يبلى ويستمر فيه أمارة الحياة من الدوام وطراوة البدن، وإذا كان هذا في آحاد المسلمين فكيف بالنبيين والمرسلين؟ وكيف سيد المرسلين - صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وقد صح في الحديث كما رواه الحافظ المنذري: "الأنبياء
_________________
(١) (أ) هـ، ي: (من). (ب) سقط من هـ: (أنه). (جـ - جـ) ي: (فوجدوا الشم متغيرًا). (د) هـ، ي: (حقيقة).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم. ٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣ بنحوه.
(٣) الموطأ الجهاد، باب الدفن في قبر واحد ٢: ٤٧٠ ح ٤٩.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
أحياء في قبورهم يصلون" (١) وصححه البيهقي.
وفي صحيح مسلم "مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره" (٢).
وفي صحيح مسلم أيضًا: "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسريا " الحديث وفيه: "رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب من الرجال جعد" وفيه "وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي وأقرب الناس به (أ) شبهًا عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم -يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم" (٣).
وفي حديث آخر أنه لقيهم ببيت المقدس (ب) وفي أخرى أنه لقيهم في جماعة من الأنبياء بالسماوات وكلمهم وكلموه (٤).
قال البيهقي (٥): وكل ذلك صحيح لا يخالف بعضه فقد يرى موسى قائمًا يصلي في قبره ثم يسر بموسى وغيره إلى بيت المقدس كما أسري
_________________
(١) (أ) هـ: (منه). (ب) زادت ي هنا: (وفي أخرى أنه لقيهم ببيت المقدس) -وهو تكرار.
(٢) أخرجه البيهقي في "حياة الأنبياء" ص ٤، والبزار (كما في مجمع الزوائد ٨: ٢١١). وقول المصنف هنا "صححه البيهقي" خطأ إنما قال: "وهذا إن صح بهذا اللفظ فالمراد به -والله أعلم- لا يتركون يصلون هذا المقدار ثم يكونون مصلين فيما بين يدي الله ﷿". وقال الألباني: "موضوع" (سلسلة الأحاديث الضعيفة ح ٢٠٢).
(٣) مسلم الفضائل، باب فضائل موسى - ﷺ - ٤: ١٨٤٥ ح ٢٣٧٥ - ١٦٤.
(٤) مسلم الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ١: ١٥٦ - ١٥٧ ح ١٧٢ - ٢٧٨.
(٥) مسلم الإيمان، باب الإسراء برسول الله إلى السماوات وفرض الصلوات ١: ١٤٨ - ١٤٩ ح ٢٦٣ - ١٦٣.
(٦) حياة الأنبياء ٨٥.
[ ٥ / ٤٠٩ ]
بنبينا فيراهم فيه ثم يعرج بهم إلى السماوات كما عرج بنبينا فيراهم فيها، كما أخبر وحلولهم في أوقات مختلفة جائز عقلًا كما ورد به (أ) خبر الصادق مع أنه يجب الإيمان بما صح عن النبي - ﷺ - ونعلم أنه له معنى ثابت وإن عسر على العقل تعقله (ب) ومع ثبوت ذلك في حق الأنبياء فنبينا - ﷺ - أولى بهذه المرتبة العلية، وقد ألَّفَ البيهقي جزءًا في إثبات حياة الأنبياء في قبورهم، واستدل بأحاديث كثيرة، وذهب بعض الأكابر من العلماء أن نبينا - ﷺ - امتاز بثبوت ذلك في بعض أحكام الدنيا منها أن الذي خلفه باقٍ على ما كان في حياته فكان ينفق من نصيبه - ﷺ - على أهله وخدمه على حسب ما كان يفعله - ﷺ -، وتحريم أزواجه من بعده من ذلك، ولم يصل على جنازته بإمام لكونه هو إمام أمته وغير ذلك لا ينافي ما ذكر من حياة الأنبياء ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عجوز بني إسرائيل أنها دلت موسى - ﵇ - على الصندوق الذي فيه عظام يوسف - ﵇ - فاستخرجه وحمله (جـ) معهم عند قصدهم الذهاب من مصر إلى الأرض المقدسة، أما لأنها أرادت بالعظام كل البدن لأن الجسد لما لم يشاهد فيه روح عبر عنه بالعظام الذي من شأنه عدم الإحساس وأن ذلك باعتبار ظنها أن أبدان (د) الأنبياء كأبدان غيرهم في البلاء، وكذلك قوله - ﷺ - "أنا أكرم على ربي ﷿ أن يتركني في قبري بعد ثلاث" (١) وكذلك ما رواه ابن أبي ليلى وهو سيء
_________________
(١) (أ) سقط من هـ، ي: (به). (ب) هـ: (تعلقه). (جـ) سقط من ى: (وحملة). (د) سقط من هـ: (أبدان).
(٢) قال الزركشي: "أجده". (اللآليء المصنوعة للسيوطي ١: ٢٨٥).
[ ٥ / ٤١٠ ]
الحفظ (١): "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكن يصلون بين يدي الله - تعالى - حتى ينفخ في الصور" (٢) فمعناه على ما قال البيهقي أنهم لا يتركون غير مصلين إلا هذا القدر، وبعد ذلك القدر يؤذن لهم بالصلاة بين يدي الله تعالى وهم أحياء في القبور المدة كلها. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "بقي ثلاثة أيام في مسجد النبي - ﷺ - منفرد، في أيام فتنة يزيد بن معاوية ومحاصرته لأهل المدينة فخلا المسجد عن إقامة الصلاة فيه قال ولم يكن يعلم بدخول أوقات الصلاة إلا بسماع الأذان والإقامة (أ) من داخل القبر، فإذا علم الزائر أنه - ﷺ - حيّ في قبره يسمع صوته وتوسله وتشفعه به وسؤاله منه أن يشفع له إلى ربه - ﷿ - حتى يرضى عنه ويعطيه ما يحبه من خير الدنيا والآخرة سعى في تحصيل الوصول إلى ذلك الموقف الشريف بما أمكنه لينال هذه الفضائل ويدرك سنّي الرغائب والفواضل.
وأما ما رواه المنهال بن عمرو قال: "كنت أنا وسعيد بن المسيب إلى جنب حجرة أم سلمة فجعل الناس يدخلون بيت رسول الله - ﷺ - فقال سعيد أترى هؤلاء ما أحمقهم إنهم يرون (ب) أنه في بيته قلت: أجل قال (جـ):
_________________
(١) (أ) سقط من هـ: (والإقامة). (ب) هـ: (إنهم يرونه)، ي: (إنه يرون). (جـ) سقط من هـ، ي: (قال).
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى صدوق إمام سيء الحفظ جدا وقد وُثِّق - انظر: ميزان الاعتدال ٣: ٦١٣ - ٦١٦، المجروحين لابن حبان ٢: ٢٤٣، تقريب التهذيب ٢: ١٨٤.
(٣) حياة الأنبياء للبيهقي ص ٤. قال الألباني: "موضوع" (سلسلة الأحاديث الضعيفة ح ٢٠٢).
[ ٥ / ٤١١ ]
إنه لا (أ) يبقى نبي من أُولي العزم فوق أربعين ليلة حتى يرفع والنبي - ﷺ - لم يبق في الأرض في أربعين ليلة حتى رفع وأنه ليس من يوم إلا ويعرض عليه أعمال أمته طرفي النهار فيعرفهم بأسمائهم ونسبهم وبذلك يشهد عليهم. ورواه عبد الرزاق بلفظ: "إن سعيد بن المسيب رأى قومًا يسلمون على النبي - ﷺ - فقال: ما يمكث (ب) نبي في الأرض أكثر من أربعين يومًا" (١) ثم عقبه بحديث: "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" (٢) فهم متأول بأن المراد بالرفع هو الاتصال بالملكوت الأعلى مع كونه متصلًا بالقبر، والاتصال الروحاني يخالف اتصال الأجسام وقد حصل القطع بأنه وضع - ﷺ - في قبره فيستصحب ذلك الوضع ويتأيد ذلك أن الاستصحاب بالأحاديث التي مرت في سماعه ورده على من سلم عليه.
وقد أخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء قصة نزول بلال بن رباح بداريا بعد فتح عمر بيت المقدس قال: ثم إن بلالًا رأى النبي - ﷺ - وهو يقول له: ما هذه الجفوة (جـ) يا بلال أما آن لك أن تزورني (د)؟ فأتيته حزينًا خائفًا (هـ) فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر رسول الله - ﷺ - فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين - ﵄ - فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا: نشتهي نسمع أذانك
_________________
(١) (أ) سقط من هـ: (لا). (ب) تشبه أن تكون في الأصل: (مكث). (جـ) ي: (الحياة). (د) هـ، ي: (تزرني). (هـ) غير واضحة بالنسخ.
(٢) عبد الرزاق ٣: ٥٧٦ - ٥٧٧ ح ٦٧٢٥.
(٣) عبد الرزاق ٣: ٥٧٧ ح ٦٧٢٧.
[ ٥ / ٤١٢ ]
الذي كنت تؤذن به لرسول الله - ﷺ - في المسجد فعلا سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها، فلما قال أشهد أن محمدًا رسول الله - ﷺ - خرجن العواتق من خدورهن وقالوا بُعث رسول الله - ﷺ - فما رُئي يومًا أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله - ﷺ - من ذلك اليوم (١).
وقال الحافظ عبد المغني إن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد النبي - ﷺ - إلا مرة في قدمة قدمها للزيارة، فطلب إليه الصحابة ذلك فأذن ولم يتم الأذان، فقدوم بلال للزيارة والصحابة متوافرون بالمدينة دال على سنية الزيارة، وقد اشتهر أن عمر بن عبد العزيز (٢) كان يسير البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله - ﷺ - ثم يرجع، وفي فتوح الشام أن عمر قال لكعب الأحبار بعد فتح بيت المقدس (٣): هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي - ﷺ -، فقال: نعم يا أمير المؤمنين (٤). ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله - ﷺ - وصح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفرٍ أتى قبر النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
وفي الموطأ (٥) أن ابن عمر كان يقف على قبر النبي - ﷺ - فيصلي على النبي - ﷺ - وعلى أبي بكر وعمر.
_________________
(١) قال ابن عبد الهادي: الأثر المذكور عن بلال ليس بصحيح عه الصارم ص ٢٣٠.
(٢) فتوح الشام للواقدي ١: ١٦٥.
(٣) لقول ابن عبد الهادي: المطالبة بصحة السند إلى عمر بن عبد العزيز ص ٢٣٦.
(٤) فتوح الشام للواقدي ١: ١٦٥.
(٥) الموطأ كتاب قصر الصلاة في السفر ١٦٦١١ ح ٦٨.
[ ٥ / ٤١٣ ]
وعن ابن (أ) القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر.
وعن ابن عون: سأل رجلٌ نافعًا (ب) هل كان ابن عمر يسلم على القبر؟ قال: نعم، لقد رأيته مائة مرة أو أكثر كان يأتي القبر فيقوم عنده (جـ) فيقول: السلام على النبي - ﷺ - السلام على أبي بكر، السلام على أبي.
وروى أبو حنيفة عن ابن عمر من قوله أنه قال: السنة أن تأتي قبر النبي - ﷺ - من قبل القبلة. فجعل ذلك من السنة. وروى أحمد أن أبا أيوب وَجَده مروان واضعًا وجهه على قبر رسول الله - ﷺ - (د وفي "الشفاء" قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي - ﷺ - د) - فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي - ﷺ - ثم انصرف.
وفي البزار: خرج عمر إلى منبر رسول الله - ﷺ - فإذا معاذ بن جبل قائم يبكي عند قبر رسول الله - ﷺ - فقال: ما يبكيك يا معاذ الحديث.
وأخرج الحافظ أبو ذر الهروي في آخر كتابه "المسند" من طريق محمد بن يوسف بن الطباخ قال حدثنا مصعب قال: قال الدراورديّ: رأيتُ جعفر بن محمد -أي الصادق ابن الباقر- جاء فسلم على رسول الله - ﷺ - ثم انتهى فسلم على أبي بكر وعمر فرآني كأني تعجبت أو قال: فسرني لإكذابه بذلك ما يزعمه الشيعة من بغضهم للشيخين، قال: فقال لي: والله إن هذا أدين الله به.
_________________
(١) (أ) هـ: (أبي). (ب) ي: (نافعًا) - غير منقوطة. (جـ) سقط من هـ: (قيومُ عنده). (د - د) سقط من هـ، ي.
[ ٥ / ٤١٤ ]
وأخرج الدارقطني في الفضائل عن عبد الله بن جعفر أن علي بن أبي طالب ﵁ - دخل المسجد فبكى حتى نظر إلى بيت فاطمة فأطال البكاء ثم انصرف إلى قبر النبي - ﷺ - فبكى فأطال عنده ثم قال: وعليكما السلام يا أخوي ورحمة الله وبركاته قد كنتما هاديين مهديين خرجتما من الدنيا خميصَيْن -يعني أبا بكر وعمر.
وفي الشفاء (١) قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطيء قدميه (أ) والعمود الذي يستند إليه وينزل جبريل بالوحي عليه (ب) ومن عَمَّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله فتقرر مما ذكر من (جـ) أن زيارته - ﷺ - إن (د) لم تكن واجبة فهي سنة مواظب عليها، وأن ذلك مشروع للرجال والنساء كما في سائر القبور، وقبره - ﷺ - أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم ولتنزل الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملاثكة الحافّين به والتبرك وبذكر الآخرة، وقد قال بعض الظاهرية بوجوب زيارة القبور على الإطلاق في حق الرجال، واختلفوا في حق النساء، ويستثنى من محل الخلاف النساء عند من منعهن من زيارة القبور ولعموم الوارد في زيارته - ﷺ - لهن، وقد أشار إليه السبكي والدعي (هـ)
_________________
(١) (أ) سقط من ي: (قدميه). (ب) هـ: (فيه عليه). (جـ) هـ: (مما ذكر بأنه )، ي: (مما ذكر أن ). (د) سقط من هـ: (أن). (هـ) غير واضحة بالنسخ.
(٢) الشفاء ٢: ٦٦٩.
[ ٥ / ٤١٥ ]
وهو مقتضى إطلاق الأئمة ولعموم قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ (١) الآية وهذه المزية لا تنقطع بموته (٢) وقد ورد أنه يستغفر لأمته إذا عرضت أعمالهم عليه ولذلك استحب العلماء قراءة الآية الكريمة لمن وصل إلى قبره، والخلاف في مشروعية زيارة قبره - ﷺ - لابن تيمية الحنبلي رواه عنه تقي الدين السبكي (٣) من خطه وتبعه بعض من الحنابلة، واحتج على ذلك بحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " (٤) الحديث الصحيح، وحديث "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا" رواه عبد الرزاق عن الحسن بن الحسن (٤).
نهى قومًا رآهم عند القبر، وروى الحديث، ولأن الأحاديث الواردة في الزيارة كلها ضعيفة. والجواب عليه بأن حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة" لا بد فيه من تقدير المستثنى منه، والتقدير: لا تشد الرحال إلى مسجد لتعظيمه والصلاة فيه إلا إلى ثلاثة بدليل أنه يجب شد الرحل إلى عرفة للوقوف وإلى منى للمناسك التي فيها، وإلى مزدلفة، وكذلك يشد الرحل للجهاد وللهجرة من دار الكفر ولطلب العلم الواجب، والإجماع
_________________
(١) الآية من سورة النساء ٦٤.
(٢) هذا النقل من كلام السبكي، وقد رد عليه ابن عبد الهادي ما مفاده: دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾. وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذا ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم أن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون عصوا هذه الطاعة وعطلوها ) الصارم ٣٢١.
(٣) الصارم المنكي ٢٥.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٥ / ٤١٦ ]
على جواز شد الرحل للتجارة ومطالب الدنيا المباحة والمندوبة، فزيارة قبر النبي - ﷺ - لطلب خير الدنيا والآخرة من جملة المقاصد وأعظمها لإدراك خير الدنيا والآخرة، وقصدها أيضًا هو قصد لمسجد المدينة فهو من أحد الثلاثة المستثناة مع أنه جاء في لفظ الحديث بإسناد حسن: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" (١) فالزيارة وغيرها من سائر الواجبات والمندوبات التي يسافر لها خارجة عن النهي، ويحتمل الحديث أن المعنى: لا تشد الرحال إلى مسجد لابتغاء مضاعفة الصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة فلا ينبغي شد الرحل إلى مسجد آخر للصلاة فيه كمسجد قباء، ويؤخذ من هذه التأويلات ضعف ما قاله النووي في شرح مسلم (٢): "اختلف العلماء في شد الرحل لغير الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة الثابتة إنما هي شد الرحل إلى هذه الثلاثة خاصة، انتهى. ووجه ضعف هذا أن الذي ذكره خارج عن النهي على التأويل المذكور، وفي "مغني (٣) " الحنابلة عن ابن عقيل أن من سار لزيارة القبور والمشاهد لا يباح له الترخص يعني في قصر الصلاة لخبر "لا تشد الرحال" يحمل على نفي الفضيلة لا على التحريم، انتهى كلامه (٤).
_________________
(١) أحمد ٣: ٦٤ وتقدم في ص ٢٦١.
(٢) شرح مسلم ١٠٦:٩.
(٣) وبقية كلامه: وليست الفضيلة شرطًا في إباحة القصر، فلا يضر انتفاؤها. اهـ ٣: ١١٨.
(٤) قال شيخ الإسلام تعليقًا على كلام الإمام المقدسي ما نصه: (وقوله: بأن الحديث الذي مضمونه "لا تشد الرحال" محمول على نفي الاستحباب يجاب عنه بوجهين أحدهما أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح، ولا قربة، ولا طاعة، ولا هو من الحسنات =
[ ٥ / ٤١٧ ]
ويجاب عنه بما تقدم أن ذلك خارج عن محل النهي فبطل الاحتجاج بالحديث، وأما حديث "لا تتخذوا قبري عيدًا" (١) فقال الحافظ المنذري يحتمل أن يكون حثًّا على كثرة الزيارة وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد، ويؤيده قوله "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" أي لا تتركوا الصلاة فيها. قال السبكي: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له (أ) وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلا فيه أو لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع للهو وغيره كما يُفعل في الأعياد بل لا يُؤتى إلا للزيارة، والدعاء والصلاة والسلام، ثم ينصرف عنه، ويدل على التأويل أن ابن الحسن لم يرد منع الزيارة ما رواه القاضي إسماعيل عن سهل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على النبي - ﷺ - وحسن بن حسن يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك واقفًا قلت: وقفت أسلم على النبي - ﷺ - قال: إذا دخلت فسلم عليه وذكر الحديث.
وفي رواية للقاضي إسماعيل أن رجلًا كان يأتي كل غداة فيزور قبر
_________________
(١) (أ) سقط من ي: (له). = فإذا من اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع. وإذا سافر سافر لاعتقاد أن ذلك طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة. ومعلوم أن أحد لا يسافر إليها إلا لذلك. الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي - ﷺ - فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث. بل هي موضوعة لم يرد أحد من أهل السنة المعتمدة شيئًا فيها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها. الفتاوى ٢٧: ١٨٥ - ١٨٦.
(٢) فضل الصلاة للقاضي ح ٣٠، مصنف ابن أبي شيبة ٢: ٣٧٥، أحمد ٢/ ٣٦٧.
[ ٥ / ٤١٨ ]
النبي - ﷺ - ويصلي إليه ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين فقال له: ما يحملك على هذا؟ فقال: أحب التسليم على النبي - ﷺ - فقال له علي: أخبرني أبي وذكر الحديث، فالرواية تدل على أن الرجل لم يقف على حد الزيارة، قد روى يحيى بن الحسن (أ) أن علي بن الحسين كان إذا جاء يسلم على النبي - ﷺ - وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة ثم يسلّم ثم يقول: ها هنا رأس النبي - ﷺ - قال المطري: وهو موقف السلف قبل إدخال الحجرة في المسجد.
وقد روي عن مالك (١) أنه كره زيارة قبر (ب) النبي - ﷺ - وهو متأول بأنه إنما كره إطلاق لفظ الزيارة لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبي - ﷺ - واجبة، كذا قال عبد الحق (٢)، وقال يعني من السنن الواجبة، وقيل إنما قال مالك ذلك قطعًا للذريعة، وقيل لأن الوصول إليه ليس ليصله أو لينفعه كما هو مفهوم الزيارة، وإنما ذلك رغبة في الثواب فالنفع للزائر لا للمزور متبين بما ذكرنا بطلان ما احتج به ابن تيمية ومن تبعه، وترجح ما ذهب إليه الجمهور من السلف والخلف على مشروعية الزيارة وسنيتها، وأنها من أفضل القرب والمستحبات، بل تقرب من مرتبة الواجبات فإن المسلمين من جميع أقطار الأرض لم يزل من
_________________
(١) (أ) هـ: (يحيى بن الحسن عن الحسن). (ب) سقط من هـ: (قبر).
(٢) الصارم ١١٥.
(٣) قبر النبي - ﷺ - خص بالمنع شرعًا وحسًّا كما دفن في الحجرة وذلك لتحقيق توحيد وعبادته وحده لا شريك وإخلاص الدين له وهذا أيضًا من علو قدره ودرجته - ﷺ -. انظر الصارم ١١٨ - ١٢٠ وما بعدها.
[ ٥ / ٤١٩ ]
شأن (أ) من حَجَّ منهم المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي - ﷺ - والتسليم عليه والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه ومواطئ قدميه من زمان الصحابة إلى الآن ويعدون ذلك من أفضل الأعمال وأنجح مساعي الخيرات والسعادات الدينية والدنيوية، وقد مضى شطر صالح في ذلك (١).
وقالت الحنفية زيارته - ﷺ - من أفضل المندوبات والمستحبات بل تقرب من درج الواجبات فذلك إجماع يفيد القطع بالمشروعية، والأحاديث الواردة متضافرة يقوي بعضها بعضًا وأسانيد أكثرها صحيحة أو حسنة فالأدلة من الكتاب والإجماع تؤيد السنة الواردة في ذلك وما تخيله بعض المحرومين أن السفر للزيارة والقصد إليها قد يفضي إلى أن يعتقد بعض الجهلة أن غير الله -﷾- يضر وينفع فيسوّي في التعظيم بين البارئ - ﷾ - وغير ذلك، وقد أشير إلى التحرز من هذا في حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢) لولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خَشِي أو خُشِي أن يتخذ مسجدًا أخرجه البخاري وقال العلماء: إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ولما احتاجت الصحابة
_________________
(١) (أ) سقط من ي: (شأن).
(٢) لا بطلان لما احتج به ابن تيمية فإن ما ذهب إليه ابن تيمية هو ما يوافق الدليل وعليه الإجماع. الصارم ١١٦.
(٣) البخاري المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ٨: ١٤٠ ح ٤٤٤١، مسلم المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ٣٧٧:١ ح ٢١ - ٥٣٠.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله - ﷺ - حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أنْ دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة مدفن رسول الله - ﷺ - وصاحبيه أبو بكر وعمر بنوا على القبر حيطانًا مربعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي فيه العوام فيؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارًا من ركني القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا أدركي الجدار حتى لا يمكن أحد من استقبال القبر فذلك الذي تخيله غير واقع، فإن الزائر للنبي - ﷺ - إنما يقصد بذلك التقرب إلى الله - والتوسل بالنبي - ﷺ - ليحصل مطلبه من الله - ﷾ - لا من النبي - ﷺ - فلا تسوية في التعظيم بين الله - سبحانه - وبين النبي - ﷺ - ومن سوى في التعظيم كان المحذور لازمًا له بعينه ولا يمنع غيره لأجله، وهذا القول الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط (١).
_________________
(١) ما ذكره هو سر المنع والنهي لأن الإنسان إذا أيقن أن في زيارة قبر النبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وشفاعته أعرضوا عن حق ربهم وانصرفوا إلى الاشتغال بأغراضهم وانظر إلى من يقصدون القبور المعظمة ويقصدونها لطلب الحوائج. فلا يسأل إلا الله ولا يطلب إلا منه ﷾.
[ ٥ / ٤٢١ ]