فيندب له أن يخرج كل يوم إلى البقيع لا سيما يوم الجمعة، والأولى أن يكون ذلك بعد السلام على رسول الله - ﷺ - وعلى صاحبيه، فإذا انتهى إلى البقيع قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين -وهو بتقدير مضاف محذوف أي أهل دار أو سكان أو يجوز بالدار عن أهلها إطلاقًا لاسم المحل على الحال والمراد الأرواح- وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم اغفر لنا ولهم ثم يسلم على من في قبة العباس (١) وفيها العباس وفاطمة بنت رسول الله - ﷺ - على ما هو المشهور أنها بجنب العباس والحسن بن علي وزين العابدين ومحمد بن على الباقر وجعفر الصادق فيسلم على كل واحد منهم ثم سيدنا إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - وعنده جماعة من الصحابة ثم أمهات المؤمنين وكلهن في البقيع إلا خديجة فبمكة وميمونة بسَرَف، ويزور قبر مالك بن أنس وشيخه نافع وقبر صفية عمة رسول الله - ﷺ - ويأتي قبر عثمان بن عفان ويزوره ثم مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق وهو بركن سور المدينة من داخله، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري وهو ملصق إلى السور غربي المدينة ثم مشهد الإِمام محمَّد بن عبد الله النفس الزكية وهو خارج السور شرقي المدينة بشرقي سلع ثم يأتي أُحُد لزيارة الشهداء فيبدأ بزيارة حمزة عم رسول الله - ﷺ - سيد الشهداء ثم يزور الشهداء ويقصد إلى
_________________
(١) اتفق الأئمة على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد على القبور ولا يشرع اتخاذها. والسنة لمن زار قبر مسلم ميت إما نبي أو رجل صالح أو غيرهما أن يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته. الفتاوى ٢٧: ٤٤٨.
[ ٥ / ٤٤٥ ]
جبل أحد فإنه الجبل الذي قال فيه - ﷺ - "أحد نحبه ويحبنا" (١) ويقصد زيارتهم يوم الخميس لأن الموتى يزداد علمهم ومعرفتهم للزائر في يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، ويندب التبكير ليعود لصلاة الظهر، ويندب أن يخرج إلى قباء يوم السبت متطهرًا من حين خروجه إلى مسجد قباء ناويًا التقرب بزيارته والصلاة فيه للحديث الصحيح "صلاة في مسجد قباء كعمرة" (٢).
وأخرج الشيخان: "كان - ﷺ - يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين" (٣).
وقد جاء في الحديث الصحيح "أنه - ﷺ - كان يأتيه في كل سبت، وكان يأتي إلى أحد في كل خميس" (٤) وكان الحكمة في ذلك أنه لما كان قصد الموتى يوم الخميس ويوم الجمعة لزيادة شعورهم، فبقي السبت لزيارة قباء وأهله ويؤخذ من قصد النبي - ﷺ - أنه يشد الرجل إليه، وكان حقه أن يذكر مع المساجد الثلاثة، ولعل الحكمة في عدم ذكره أن القاصد إليه قاصد إلى المدينة، وكان مسجد المدينة هو الأفضل فاستغنى بذكر الأفضل وهو مسجد المدينة فإنه المسجد الذي أسس على التقوى كما قال - ﷺ - "هو مسجدكم هذا" (٥) يشير إلى مسجد المدينة ويأتي الآبار التي بالمدينة وهي مشهورة لأهل المدينة، وعدَّ النووي (٦) سبعًا وهي التي كان النبي - ﷺ - يتوضأ منها أو يغتسل، وذكر غيره أنها سبع عشرة
_________________
(١) البخاري ١٣: ٣٠٤ ح ٧٣٣٣، مسلم ٢: ١٠١١ ح ٥٠٤ - ١٣٩٣.
(٢) الترمذي ٢: ١٤٥ - ١٤٦ ح ٣٢٤ ابن ماجه ١: ٤٥٢ ح ١٤١١.
(٣) البخاري ٣: ٦٩ ح ١١٩٤ مسلم ٢: ١٠١٦ ح ٥١٥ - ١٣٩٩.
(٤) الشق الأول عند البخاري ٣: ٦٨ ح ١١٩١.
(٥) مسلم ٢: ١٠١٥ ح ٥١٤ - ١٣٩٨.
(٦) المجموع ٨: ٢٠٨.
[ ٥ / ٤٤٦ ]
ولعل النووي أراد المشتهر (أ) منها، ويندب له أيضًا أن يأتي المساجد التي بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعًا وسوى علمت عينه أو جهته (١) وقد كان ابن عمر - ﵄ - يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل - ﷺ - ونزل (٢).
وما جاء عن عمر أنه رأى الناس في الرجوع من الحج ابتدروا مسجدًا فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ - فقال: هكذا هكذا (ب) أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء تبعًا، من عرضت له منكم الصلاة فليصل فيه، ومن لم تعرض له فليمض (٣).
وروي مثل هذا عن مالك ولكنه محمول على سد الذرائع خشية أن يتخذ ذلك العامة تشريعًا (٤).
_________________
(١) (أ) هـ، ي: (المشهور). (ب) ضرب علي (هكذا) الثانية في هـ.
(٢) المجموع ٢٠٨:٨.
(٣) البخاري ٣: ٥٩٢ ح ١٧٦٩.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٢: ١١٨ - ١١٩ ح ٢٧٣٤.
(٥) وقد ذكر شيخ الإِسلام في اقتضاء الصراط المستقيم عن هذه المشاهد فقال: وقد فصل أبو عبد الله ﵀ المشاهد، وهي الأمكنة إلى فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيد، والكثير الذي يتخذونه عيدًا) إلى أن قال وقد اختلف العلماء ﵏ في إتيان المشاهد. فقال محمَّد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء واحدًا. ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها فهؤلاء كرهوها مطلقًا لحديث عمر وهو يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياد أو إلى التشبه بأهل الكتاب ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه أحد عليه من الصحابة فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا عن غيرهم من المهاجرين والأنصار =
[ ٥ / ٤٤٧ ]
وقد قال القاضي عياض في "الشفا": ومن إعظامه - ﷺ - وإكبَاره إعظام مشاهده (أ) وأمكنته ومعاهده وما لمسه - ﷺ - بيده أو عرف به؛ انتهى.
_________________
(١) (أ) هـ: (مشاهد). = أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي - ﷺ - والصواب مع جمهور الصحابة لأن متابعة النبي - ﷺ - تكون بطاعه أمره ) اقتضاء الصراط المستقيم ٢: ٧٤٥.
[ ٥ / ٤٤٨ ]