الموات بفتح الميم والواو الخفيفة قال الفراء: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياؤها هو عمارتها، فالإحياء استعارة أصلية، والموات استعارة أصلية [أيضًا] (أ)، وإحياؤه هو عمارة الأرض وسقيها وزرعها وغرسها وقلع ما فيها من الخَلَا (١) وتنقيتها ونحو ذلك، قال الإمام يحيى: الإحياء ورد مطلقًا من جهة الشرع، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد تبين مطلقات (ب) الشارع، كما قلنا في قبض المبيعات والحرز في السرقة مما يحكم به العرف، والمستعمل في الإحياء عرفًا هي أسباب خمسة؛ وهي تبييض الأرض وتنقيتها حتى تصلح للزرع أو غيره، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير (٢) الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع، وقالت الفقهاء الأربعة: ليس ذلك شرطًا، بل المعتبر فيه كالحائط؛ ما يمنع الداخل والخارج كما في الجَرِين (٣) لا في غيره، والمسُنَّاة (٤) للغدير من ثلاث جهات، والحفر في المعدن والبئر وإن لم يصل إلى الماء، واعتبر الإمام يحيى الوصول إلى الماء في البئر.
٧٤٥ - وعن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال:
_________________
(١) (أ) ساقطة من: ب. (ب) في جـ: مطلقا.
(٢) الخَلَا مقصور: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه: قطعه. النهاية ٢/ ٧٥.
(٣) القعير: أي العميق. وينظر تاج العروس (ق ع ر).
(٤) الجَرِين: هو موضع تجفيف التمر.
(٥) المسناة: ما يبنى للسيل ليرُدَّ الماء. المغرب ١/ ٤١٩.
[ ٦ / ٣٧٧ ]
"من عمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها". قال عروة: وقضى به عمر في خلافته. رواه البخاري (١).
قوله: "عمر". بلفظ الفعل الثلاثي ذكره الحميدي (٢) في "جامعه"، وكذا عند الإسماعيلي من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري، وفي البخاري: "من أعمر" بفتح الهمزة والميم من الرباعي، قال القاضي عياض (٢): كذا وقع والصواب: "عمر" ثلاثيًّا. قال الله تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ (٣). إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارًا. قال ابن بطال (٤): ويمكن أن يكون أصله: من اعتمر أرضًا. أي اتخذها، وسقطت التاء من الأصل. وقال غيره: قد سمع (أ) الرباعي، يقال (ب): أعمر الله بك منزلك. فالمراد (جـ): من أعمر أرضًا بالإحياء فهو أحق بها من غيره. وحذف متعلق "أحق" للعلم به (٥)، ووقع (د) في رواية أبي ذر (٦): "من أُعمر" بضم
_________________
(١) (أ) زاد في جـ: أبيه. ولعل الصواب: فيه. وينظر الفتح ٥/ ٢٠. (ب) في ب، جـ: فقال. (جـ) في جـ: يقال المراد. (د) سقط من: جـ.
(٢) البخاري، كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضا مواتا ٥/ ١٨ ح ٢٣٣٥. وليس عنده: بها.
(٣) الفتح ٥/ ٢٠.
(٤) الآية ٩ من سورة الروم.
(٥) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٦/ ٤٧٨.
(٦) ذكر المصنف في روايته متعلق "أحق"، وما ذكره هو من كلام ابن حجر في الفتح ٥/ ٢٠ تعليقا على رواية البخاري، وليس عنده متعلق "أحق" كما أشرنا.
(٧) الفتح ٥/ ٢٠.
[ ٦ / ٣٧٨ ]
الهمزة، أي: أعمره غيره، وكأن المراد بالغير هو الإمام.
الحديث فيه دلالة على أن الإحياء مملك ولكنه شرط ألا يكون قد ملكها مسلم أو ذمي، وكذلك إذا كان تعلق بها حق للغير، وسواء كان الحق خاصًّا كالطريق المخصوص وكالمتحجر بما لا يفيد الملك، أو كان عامًّا كالمحتطب والمرعى والميدان وغير ذلك، وظاهر الحديث أنه لا يحتاج إلى إذن الإمام إلا على رواية "أعمر" [مغير الصيغة] (أ) كما عرفت، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا بد من إذن الإمام مطلقًا، وعن مالك أنه يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب، وضابط القرب [أنه] (ب) ما بأهل القرية إليه حاجة من رعي ونحوه، واحتج الطحاوي (١) للجمهور مع هذا الحديث بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد من طير وحيوان، فإنهم اتفقوا على أن أخذه لا يحتاج إلى إذن الإمام سواء قرب أو بعد، وسواء أذن أم لم يأذن. وأما ما تقدم عليها يد لغير معين ثم ماتت فلا يجوز إحياؤها إلا بإذن الإمام.
ولا يمكن الكافر من الإحياء، لقوله - ﷺ -: "عاديّ (٢) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم" (٣). فلا يمكن الكافر لأن الخطاب للمؤمنين، وأما
_________________
(١) (أ) غير منقوط في: ب، جـ. (ب) ساقطة من: ب.
(٢) شرح معاني الآثار ٣/ ٢٦٨.
(٣) عاديّ: بتشديد المثناة التحتية، يعني القديم الذي من عهد عاد وهلم جرا، قال الرافعي: يقال للشيء القديم: عاديّ. نسبة إلى عاد الأولى، والمراد هنا الأرض غير المملوكة الآن، وإن تقدم ملكها ومضت عليها الأزمان، فليس ذلك مختصا بقوم عاد، فالنسبة إليهم للتمثيل لما لم يعلم مالكه. فيض القدر ٤/ ٢٩٨.
(٤) البيهقي ٦/ ١٤٣، وابن الجوزي في التحقيق ٢/ ٢٢٤ ح ١٦٠٠ من مرسل طاوس.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
إحياء ما تعلق به حق لغير معين كبطون الأودية فلا يجوز إلا بإذن الإمام بما لا ضرر فيه لمصلحة عامة، كذا ذكره بعض الهدوية، وقال أبو طالب: يجوز إحياؤها بغير إذن الإمام مع أنه يشترط في إحياء الموات إذن الإمام، قال: لأنها جارية مجرى الغيطة المباحة، وفرق بين بطون الأودية والأرض الموات لقوله - ﷺ -: "موتان (٥) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني" (١) بخلاف بطون الأودية فإنه قال فيها: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له". ولم يشترط إذنه فيها، فهذا هو الفرق عنده. ذكره الإمام يحيى عنه، وقال المؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة: لا يجوز؛ لجريها مجرى الأملاك لتعلق [حق] (ب) المسلمين بها؛ إذ هي مجرى السيول. قال الإمام المهدي: وهو قوي، فإن تحول عنها جري الماء جاز إحياؤها بإذن الإمام لانقطاع الحق وعدم تعين أهله، وليس للإمام الإذن بعد ذلك إلا لمصلحة عامة لا ضرر فيها. وقال المؤيد بالله وأبو طالب: يحرم إحياء محتطب القرية ومرعاها لتعلق حقهم به، وهو مفهوم من قوله: "ليست لأحد". إذ هو يعم ما كان حقًّا وما كان ملكًا. قال المؤيد بالله: ومن فعل ملك وإن أثم. وحمل قوله على أنها متسعة بحيث لا ضرر، هكذا في "الانتصار" عن المؤيد بالله، وروى في "الزهور" عنه أنه لا إثم عليه، قيل: وهو قول الشافعي. وقال القاضي زيد: يفصل فإن أضر لم يجز، وإلا جاز. وجعل كلامه هذا تأويلًا لقول المؤيد بالله، قال الفقيه يحيى: وفي تأويله نظر؛ لأن المؤيد بالله صرح في الزيادات أنه يجوز وإن أضر بهم.
_________________
(١) (أ) في جـ: موات. (ب) في الأصل: سعوا، وفي ب: سعو. وفي جـ: سقط. وفي سبل السلام ٣/ ١١٥: سيول. ولعل المثبت أنسب للسياق.
(٢) البيهقي ٦/ ١٤٣ بنحوه.
[ ٦ / ٣٨٠ ]
وقوله: وقضى به عمر. هذا في حكم المرسل؛ لأن عروة ولد في آخر خلافة عمر، قال خليفة: وهو قضيةُ قولِ ابن أبي خيثمة؛ أنه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة سنة؛ لأن يوم الجمل كان سنة ست وثلاثين، وعمر توفي سنة ثلاث وعشرين. وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: رددت يوم الجمل؛ استصغرت (١).
٧٤٦ - وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". رواه الثلاثة (٢)، وحسنه الترمذي وقال: روي مرسلًا. وهو كما قال، واختلف في صحابيه (أ)، فقيل: جابر. وقيل: عائشة. وقيل: عبد الله بن عمر. والراجح (ب) الأول.
وهو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، بضم النون وفتح الفاء، العدوي القرشي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قديمًا قبل أن يدخل النبي - ﷺ - دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع النبي - ﷺ - غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر عير قريش، وضرب له النبي - ﷺ -
_________________
(١) (أ) في ب، جـ: صحابته. (ب) في جـ: الأرجح.
(٢) تاريخ ابن أبي خيثمة ٢/ ١٧٣. ولفظه: رددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من الطريق من الجمل؛ استصغرنا.
(٣) أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات ٣/ ١٧٤، ١٧٥ ح ٣٠٧٣، والترمذي، كتاب الأحكام، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات ٣/ ٦٦٢ ح ١٣٧٨، والنسائي في الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد ٣/ ٤٠٥ ح ٥٧٦١، وعند الجميع بزيادة: "وليس لعرق ظالم أجر"، وينظر ح ٧٢٧.
[ ٦ / ٣٨١ ]
بسهم، كان آدمَ طويلًا أشعر، مات بالعقيق قريبًا من المدينة، فحمل إليها، ودفن بها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وله بضع وسبعون سنة. وقيل: مات بالكوفة ودفن بها. يلقى النبي - ﷺ - في كعب بن لؤي، روى عنه عمرو بن حُرَيث -بحاء مهملة مضمومة وفتح الراء المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من أسفل وبالثاء المثلثة- وعروة بن الزبير، وقيس بن أبي (أ) حازم، وعباس بن سهل بن سعد (١).
الحديث أخرجه أبو داود عن سعيد بن زيد من رواية هشام، عن أبيه عروة، عن سعيد. وأخرجه أيضًا من رواية ابن إسحاق (٢)، عن يحيى بن عروة، عن أبيه مرسلًا، أن رسول الله - ﷺ - فذكر مثله. قال: فلقد خبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ -، غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها. قال: فلقد رأيتها وإنها لتُضرب أصولها بالفئوس، وإنها لنخل عُمٌّ (٣)، حتى أخرجت منها. وأخرجه أحمد والعدني وأبو يعلى وابن أبي عاصم والبيهقي والضياء (٤)، عن (ب) سعيد بن زيد.
_________________
(١) (أ) ساقطة من: جـ. (ب) في جـ: أيضًا عن.
(٢) الإصابة ٣/ ١٠٣ - ١٠٥.
(٣) أبو داود ٣/ ١٧٥ ح ٣٠٧٤.
(٤) نخل عم: أي تامة في طولها والتفافها. النهاية ٣/ ٣٠١.
(٥) أحمد ٣/ ٣٠٤، ٣٥٦ من حديث جابر، وينظر أطراف المسند ٢/ ٤٦٨ - ٤٧٣، وأبو يعلى ٢/ ٢٥٢ ح ٩٥٧، والبيهقي ٦/ ٩٩، والضياء في المختارة ح ١٠٩٦، ١٠٩٧ من حديث سعيد بن زيد.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
وأخرجه الشافعي ومالك عن [كثير] (أ) بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جدِّه (١). وأخرجه البيهقي (٢) عن عروة أيضًا مرسلًا. وأخرجه العسكري في "الأمثال" عن ابن عمر.
تقدم الكلام على فقه هذا الحديث.
٧٤٧ - وعن ابن عباس ﵄ أن الصعب بن جَثَّامة ﵁ أخبره أن النبي - ﷺ - قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله". رواه البخاري (٣).
الحمى مقصور وممدود، والأكثر القصر، وهو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، والمراد هنا هو منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات، فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلًا، وأصله عند العرب، أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره، [ويرعى هو مع غيره] (ب) فيما سواه، وهذه كانت عادة جاهلية أماتها الإسلام. والحديث فيه دلالة على أن جواز الحمى مختص بالرسول، قال الشافعي: يحتمل معنى الحديث شيئين؛ أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه
_________________
(١) (أ) في النسخ: سعيد. وتقدم ح ٧٠٤. (ب) ساقط من: الأصل.
(٢) مالك في الموطأ ٢/ ٧٤٤، والشافعي في الأم ٧/ ٢٣٠ عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ﷺ. وحديث كثير بن عبد الله أخرجه الطحاوي ٣/ ٢٦٨، والطبراني ١٧/ ١٤ ح ٥، والبيهقي ٦/ ١٤٢.
(٣) البيهقي ٦/ ٩٩.
(٤) البخاري، كتاب المساقاة، باب في الشرب، باب لا حمى إلا لله ولرسوله ٥/ ٤٤ ح ٢٣٧٠.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
النبي - ﷺ -، والآخر معناه: إلّا على مثل ما حماه عليه النبي - ﷺ -. فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن (أ) قام مقام رسول الله - ﷺ -، وهو الخليفة خاصة، وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألة قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا الثاني بما ذكره البخاري (١) عن الزهري تعليقًا، أن عمر حمى الشرف (ب) والربذة. وهو بالشين (جـ) المعجمة المفتوحة والراء بعدها والفاء في المشهور. وذكر عياض (٢) أنه [عند] (د) البخاري بفتح المهملة وكسر الراء. قال: وفي "موطأ ابن وهب" بفتح [المعجمة] (هـ) والراء. قال: وكذا رواه بعض رواة البخاري أو أصلحه، وهو الصواب. وأما سرف بكسر الراء فهو موضع بقرب مكة ولا تدخله الألف واللام، والربذة بفتح الراء والموحدة بعدها ذال معجمة، موضع معروف بين مكة والمدينة. وقد أخرج أيضًا ابن أبي شيبة (٣) بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر، أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة. ولكن الأرجح عند الشافعية أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، إلا أنه يشترط ألا يضر بكافة المسلمين. والنبي - ﷺ - حمي النقيع -بالنون- وهو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره
_________________
(١) (أ) في جـ: لمن. (ب) في جـ: السرف. (جـ) في جـ: بالسين. (د) في النسخ: عن. والتصويب من الفتح. (هـ) في النسخ: المهملة. والتصويب من الفتح.
(٢) البخاري ٥/ ٤٤.
(٣) الفتح ٥/ ٤٥.
(٤) ابن أبي شيبة ٧/ ٣٠٤.
[ ٦ / ٣٨٤ ]
ميل في ثمانية أميال. ذكر ذلك ابن وهب في "موطئه" (١). وأصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء، وهو غير نقيع [الخَضِمات] (أ) الذي جَمَّع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة. وحكى ابن الجوزي (١) أن بعضهم قال: إنهما واحد. قال: والأول أصح. قال الإمام المهدي في "البحر": وكان للنبي - ﷺ - أن يحمي لنفسه وللمسلمين، لكنه - ﷺ - لم يحم لنفسه؛ إذ لم يملك ما يُحْمى لأجله. ثم قال الإمام يحيى، والمذهب، ومالك، والفريقان: ولا يحمي الإمام لنفسه، بل لخيل المجاهدين وأنعام الصدقة ومن ضعف من المسلمين عن الانتجاع؛ لقوله - ﷺ -: "لا حمى" الحديث. وإذ حمى عمر موضعًا وولى عليه مولاه هُنيًّا، وأمره بألا يمنع رب الصُّرَيمة -تصغير صِرْمة، وهي ما بين الثلاثين إلى العشرين (ب) من الإبل، أو من العشر إلى أربعين- والغُنَيمة. والقصة مشهورة، انتهى. والقصة أخرجها مالك، وأبو (جـ) عبيد في "الأموال"، وابن أبي شيبة، والبخاري، والبيهقي (٢)، عن أسلم، أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى هُنيًّا على الحمى؛ فقال له: يا هُنَيُّ، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصُّرَيمة والغُنَيمة، وإيَّايَ ونَعَم ابن عوف ونَعَم ابن عفان؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان (د) إلى نخل وزرع، وإن رب
_________________
(١) (أ) في الأصل: الحصمان، وفي ب: الخصمات. وينظر النهاية ٢/ ٤٤، ٥/ ١٠٨، ومعجم البلدان ٢/ ٤٥٢، ٤/ ٨٠٨. (ب) في ب: العشر. وينظر النهاية ٣/ ٢٧. (جـ) في جـ: ابن. (د) في البخاري: يرجعا. ورفع جواب الشرط، وإن كان فعل الشرط مضارعا لغة. النحو الوافي ٤/ ٤٧٤.
(٢) الفتح ٥/ ٤٥.
(٣) مالك ٢/ ١٠٠٣ ح ١، وأبو عبيد ص ٣٧٦ ح ٧٤١، وابن أبي شيبة ١٢/ ٣٢٩، والبخاري ٦/ ١٧٥ ح ٣٠٥٩، والبيهقي ٦/ ١٤٦، ١٤٧.
[ ٦ / ٣٨٥ ]
الصُّريمة والغُنَيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني (أ) ببنيه يقول: يا أمير المؤمنين. أفتاركهم أنا لا أبا لك؟! فالكلأ أيسر علي من الذهب والورِق، وايم الله، إنهم يرون أني ظلمتهم؛ إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حمَيت على الناس في بلادهم. انتهى. فهذا تصريح منه ﵁ أن الحِمى إنما هو لمصلحة المسلمين، فلا يجوز أن يحمي لنفسه، ولا لأحد غير الإمام أن يفعل ذلك. والله أعلم.
٧٤٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا ضرر (ب) ولا ضرار". رواه أحمد وابن ماجه (١). وله من حديث أبي سعيد مثله، وهو في "الموطأ" مرسل (٢).
وأخرج الحديث الطبراني (٣) عن ابن عباس ﵄، وأخرجه ابن ماجه والبيهقي (٤)، عن عبادة بن الصامت، والطبراني في "الكبير" وأبو نعيم (٥)، عن ثعلبة بن مالك القرظي، وأخرجه مالك، عن عمرو بن يحيى
_________________
(١) (أ) في البخاري: يأتني. (ب) في النسخ: ضر. والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) أحمد ١/ ٣١٣، وابن ماجه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ٢/ ٧٨٤ ح ٢٣٤١.
(٣) الموطأ ٢/ ٧٤٥ ح ٣١.
(٤) الطبراني ١١/ ٢٢٨، ٢٢٩ - ح ١١٥٧٦.
(٥) ابن ماجه ٢/ ٧٨٤ ح ٢٣٤٠، والبيهقي ١٠/ ١٣٣.
(٦) الطبراني ٢/ ٨٠، ٨١ ح ١٣٨٧، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ١/ ٤١٣ ح ١٣٩٦.
[ ٦ / ٣٨٦ ]
المازني عن أبيه مرسلًا بزيادة: "من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شَقَّ الله عليه" (١). وأخرجه بالزيادة الدارقطني والحاكم والبيهقي (٢)، عن أبي سعيد مرفوعًا. وأخرجه عبد الرزاق (٣) وأحمد (٤) أيضًا عن ابن عباس بزيادة: "وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، والطريق الميتاء سبعة أذرع".
وقوله: "لا ضرر". الضرُّ ضد النفع، تقول: ضرَّه يضره ضرًّا وضرارًا، وأضر به يضر ضرارًا. فمعنى قوله: "لا ضرر". أي لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئًا من حقه، والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، [والضرر] (أ) فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين. [والضرر] (أ) ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه. وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع. وقيل: هما بمعنى، وتكرارهما للتأكيد.
والحديث فيه دلالة على تحريم الضرر؛ لأنه إذا نفي (ب) ذات الضرر دل على النهي عنه، إذ النهي لطلب الكف عن الفعل، وهو يلزم منه عدم ذات الفعل، فاستعمل اللازم في الملزوم. وتحريم الضر معلوم عقلًا وشرعًا، إلا ما دل الشرع على إباحته، رعاية للمصلحة التي تربو على مفسدة الضر، مثل إقامة الحدود وغيرها كما ذلك معلوم في تفاصيل الشريعة. وفي عطف:
_________________
(١) (أ) في النسخ: الضر. والمثبت من النهاية ٣/ ٨١، ٨٢. (ب) في جـ: بقي. (جـ) في جـ: الأخير.
(٢) هذه الزيادة ليست عند مالك.
(٣) الدارقطني ٣/ ٧٧ ح ٢٨٨، والحاكم ٢/ ٥٧، ٥٨، والبيهقي ٦/ ٦٩.
(٤) عبد الرزاق -ومن طريقه ابن ماجه ٢/ ٧٨٤ ح ٢٣٤١ دون الزيادة.
(٥) تقدم تخريجه الصفحة السابقة.
[ ٦ / ٣٨٧ ]
"وللرجل" إلخ (أ). كما في رواية عبد الرزاق، تنبيه أن ذلك ليس بإضرار بجدار الجار، وأنه نفع بما لا يضر، وإن أوهم الضر. والله أعلم.
٧٤٩ - وعن سمُرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". رواه أبو داود (١)، وصححه ابن الجارود (٢).
وأخرجه أحمد والطبراني والبيهقي (٣) من حديث الحسن عنه، وفي صحة سماعه منه خلاف. ورواه عبد بن حميد من طريق سليمان اليشكري عن جابر.
الحديث فيه دلالة على أن عمارة الأرض المحياة مُملكة للعامر كما تقدم، والمراد بالأرض في قوله: "على أرض". هي الأرض المباحة، وذلك معلوم.
٧٥٠ - وعن عبد الله بن مغفل ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: "من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا (٤) لماشيته". رواه ابن ماجه (٥) بإسناد ضعيف.
_________________
(١) (أ) في جـ: الأخير.
(٢) أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إحياء الموات ٣/ ١٧٥ ح ٣٠٧٧.
(٣) ابن الجارود ص ٣٧٣ ح ١٠١٥.
(٤) أحمد ٥/ ١٢، والطبراني ٧/ ٢٥٣ ح ٦٨٦٧، والبيهقي ٦/ ١٤٨.
(٥) العطن: مبرك الإبل حول الماء. النهاية ٣/ ٢٥٨.
(٦) ابن ماجه، كتاب الرهون، باب حريم البئر ٢/ ٨٣١ ح ٢٤٨٦.
[ ٦ / ٣٨٨ ]
في الإسناد إسماعيل بن مسلم (١). وقد أخرجه الطبراني من طريق [أشعث] (أ) عن الحسن. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد (٢): "حريم البئر البَدِيء خمسة وعشرون ذراعًا وحريم البئر العاديِّ خمسون ذراعًا". والبديء بفتح الموحدة وكسر الدال بعدها مدة وهمزة، هي التي ابتدأتها أنت، والعاديَّة القديمة.
وقال في "النهاية" (٣): البديء بوزن البديع، البئر التي حفرت في الإسلام وليست بعاديَّة قديمة.
وأخرجه الدارقطني (٤) من طريق سعيد بن المسيب عنه، وأعله بالإرسال، وقال: من أسنده فقد وهم. وفي سنده محمد بن يوسف المقري شيخ شيخ الدارقطني، وهو متهم بالوضع، وأطلق عليه [ذلك] (ب) الدارقطني وغيره (٥). ورواه البيهقي (٦) من طريق يونس عن الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وزاد: "وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواجيها كلها". ورواه (٧)
_________________
(١) (أ) في ب: أشعب. (ب) ساقطة من النسخ، والمثبت من التلخيص الحبير ٣/ ٦٣.
(٢) تقدمت ترجمته في ٢/ ٤٠٠.
(٣) أحمد ٢/ ٤٩٤ بلفظ: "حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها، كلها لأعطان الإبل والغنم، وابن السبيل أول شارب، ولا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلأ".
(٤) النهاية ١/ ١٠٤.
(٥) الدارقطني ٤/ ٢٢٠ ح ٦٣.
(٦) محمد بن يوسف بن يعقوب الرازي، قال الخطيب: متهم بوضع الحديث. وقال الدارقطني: وضع نحوا من ستين نسخة قراءات ليس لشيء منها أصل. تاريخ بغداد ٣/ ٣٩٧، ولسان الميزان ٥/ ٤٣٥.
(٧) البيهقي ٦/ ١٥٥.
(٨) البيهقي ٦/ ١٥٦.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
من طريق مراسيل أبي داود أيضًا. وأخرجه الحاكم (١) من حديث أبي هريرة موصولًا ومرسلًا، والموصول من طريق عمر بن قيس عن الزهري، وعمر فيه ضعف (٢). ورواه البيهقي (٣) من وجه آخر عن أبي هريرة، وفيه رجل لم يسم.
الحديث فيه دلالة على ثبوت حريم البئر، والمراد بالحريم أنه يمنع المحيي والمحتفر لإضراره.
وفي "النهاية" (٤): سُمِّي بالحريم لأنه يَحْرُم منع صاحبه منه (أ)، [أو] (ب) لأنه يحرم على غيره التصرف فيه. وهذا نص في حريم البئر. وظاهر حديث عبد الله أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقي إبله، لاجتماعها على الماء، وحديث أبي هريرة يدل على أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه البئر، لئلا تحصل المضرة عليها بقرب الإحياء منها، ولذلك اختلف الحال في البديء والعادي. وفيما رواه في "شرح مختصر الحنفية" (٥): حريم (ب) بئر العطن أربعون ذراعًا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعًا. وذهب إليه أبو يوسف ومحمد. كذلك دلالة على اختلاف حال
_________________
(١) (أ) في جـ: فيه. (ب) في النسخ: و. والمثبت من النهاية. (جـ) بعده في جـ: ثم.
(٢) الحاكم ٤/ ٩٧، ٩٨.
(٣) عمر بن قيس المكي، أبو حفص المعروف بسندل، قال أحمد بن حنبل: متروك لحديث، ليس يسوى حديثه شيئًا. وقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث. تهذيب الكمال ٢١/ ٤٨٧.
(٤) البيهقي ٦/ ١٥٥.
(٥) النهاية ١/ ٣٧٥.
(٦) ينظر مختصر القدوري ص ٧٦.
[ ٦ / ٣٩٠ ]
البئر في العمق، فيكون الحريم على قدر ذلك لحاجة البئر إليه، ويمكن أن يجمع بين هذه الأحاديث، [ويؤخذ من ذلك] (أ) قدر مشترك بينها، وهو ما يحتاج إليه؛ إما لأجل البئر أو لسقي الماشية.
وقد اختلف الأئمة في ذلك؛ فذهب الهادي وأبو حنيفة والشافعي إلى أن حريم البئر الإسلامية أربعون ذراعًا، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الحريم خمسة وعشرون، ويقاس على البئر غيرها مثل العين، وقد ذهب الهادي وأبو يوسف إلى أن حريم العين الكبرى الفوارة خمسمائة ذراع من كل جانب، استحسانًا، وكأنه نظر إلى ذلك في أرض رخوة، تحتاج إلى ذلك القدر، وأما في الأرض الصلبة فدون ذلك. وبهذا تأول أبو طالب إطلاق كلام الهادي وهو الأولى، إذ ثبوت ذلك بالقياس على البئر، وكذلك الدار المنفردة حريمها فناؤها، وهو مقدار أطول جدار في الدار. وقيل: ما تصل إليه الحجارة إذا انهدمت. وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي وغيره من الأئمة، وحريم النهر قدره ما يُلقَى فيه طينُ كَشحِه، صرح بذلك الهدوية. وقال أبو يوسف: مثل نصفه من كل جانب. وقال محمد بن الحسن: بل بقدر أرض النهر جميعًا. وكذا الأرض، حريمها ما يحتاج إليه وقت عملها، وإلقاء كَسْحِها. وكذا المسيل، حريمه مثل النهر، على الخلاف، وثبوت هذا جميعه بالقياس على البئر بجامع الحاجة، وهذا في الأرض المباحة، وأما الأرض المملوكة فلا حريم في شيء من ذلك، بل لكل أن يفعل في ملكه ما شاء. والله أعلم.
٧٥١ - وعن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - أقطعه أرضًا
_________________
(١) (أ) ساقط من: جـ.
[ ٦ / ٣٩١ ]
بحضرموت. رواه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان (١).
وصحح الحديث الترمذي والبيهقي (٢)، وعنده قصة لمعاوية (أ) معه في ذلك، وأخرجه الطبراني (٣).
قوله: أقطعه أرضًا. أي جعل الأرض له قطيعة، والمراد به أنه خصه (ب) ببعض الأرض الموات، فيختص به، ويصير أولى بإحيائه ممن لم يَسبق إلى إحيائه. واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية والهدوية وغيرهم، كما أطلقه الإمام المهدي في "البحر" قال: مسألة: وللإمام إقطاع الموات، لإقطاع النبي - ﷺ - الزبير حُضْر فرسه، ولفعل أبي بكر وعمر. انتهى. وحكى القاضي عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك. قال: وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يُخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة. انتهى. قال السبكي: والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعًا، ولم أر أحدًا من أصحابنا ذكره، وتخريجه على طريق فقهي مشكل. قال: والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر، ولكنه لا
_________________
(١) (أ) في جـ: بمعاوية. (ب) في جـ: خص.
(٢) أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إقطاع الأرضين ٣/ ١٧٠ ح ٣٠٥٨، والترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القطائع ٣/ ٦٦٥ ح ١٣٨١، وابن حبان كتاب إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، باب ذكر وائل بن حجر ﵁ ١٦/ ١٨٢. ح ٧٢٠٥.
(٣) البيهقي ٦/ ١٤٤.
(٤) الطبراني ٢٢/ ١٠٩ ح ٤.
[ ٦ / ٣٩٢ ]
يملك الرقبة بذلك. انتهى. وبهذا جزم المحب الطبري. وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرض، إذا كان مستحقًّا لذلك، وقال ابن التين: إنما يسمى إقطاعًا إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. قال: وقد يكون الإقطاع تمليكًا وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه - ﷺ - الدور؛ أي أنزل المهاجرين دور الأنصار برضاهم. انتهى. قال في "البحر": وللإمام أيضًا إقطاع بقاع في الأسواق والطرق الواسعة، بغير إضرار؛ بأن يقطع حق من سبق إليها، بعد رفع قماشه (١)، ويجعل غيره أولى فلا يستحق العود إليها، بل المُقْطَع أحق. قلت: ووجهه القياس على حق المتحجر. (أوفيه نظر. انتهى. ولعل وجه النظر: أن المتحجر إنما للإمام إبطال حق المتحجر أ) دفعًا للضرر عن (ب) المسلمين؛ لعدم إحياء المتحجر، وهنا لا ضرر عليهم، والأولى أن يقال: إن البقاع لما كان الحق فيها للمسلمين على العموم، أشبهت المباح، وكان للإمام أن يقطع ما لا ضرر فيه للمصلحة. والله أعلم.
٧٥٢ - وعن ابن عمر ﵄، أن النبي - ﷺ - أقطع الزبير حُضْر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه حيث بلغ السوط". رواه أبو داود وفيه ضعف (٢).
وأخرجه أحمد (٣) من حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي - ﷺ - أقطع
_________________
(١) (أ- أ) ليس في: ب. (ب) في ب: على.
(٢) القماش: المتاع. ينظر التاج (ق م ش).
(٣) أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب إقطاع الأرضين ٣/ ١٧٤ ح ٣٠٧٢.
(٤) أحمد ٦/ ٣٤٧.
[ ٦ / ٣٩٣ ]
الزبير أرضًا من أموال بني النضير.
وقوله: حضر فرسه. بضم الحاء وإسكان الضاد المعجمة، هو العدو. وقوله: ثم رمى بسوطه. أي بعد أن قام الفرس ولم يَعْدُ، رمى سوطه طلبًا للزيادة على مقدار حضر الفرس فزاده النبي - ﷺ - قدر ذلك، والله أعلم.
٧٥٣ - وعن رجل من الصحابة ﵁ قال: غزوت مع النبي - ﷺ - فسمعته يقول: "الناس شركاء في ثلاث؛ الكلأ والاء والنار". رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات (١).
ورواه أحمد في "المسند" من حديث أبي خداش أنه سمع رجلًا من المهاجرين (أ) الحديث، بلفظ: "المسلمون شركاء". ورواه أبو نعيم في "الصحابة" (٢) في ترجمة أبي خداش، ولم يذكر الرجل. وقد سئل أبو حاتم (٣) عنه فقال: أبو خداش لم يدرك النبي - ﷺ -. وهو كما قال، فقد سماه أبو داود في روايته حبان بن زيد الشامي، وهو الشرعبي (٤)، من قريش، وهو تابعي معروف. وروي من حديث ابن عباس (٥) أيضًا بلفظ: "المسلمون".
_________________
(١) (أ) بعده في جـ: قال.
(٢) أحمد ٥/ ٣٦٤، وأبو داود، كتاب البيوع، باب منع الماء ٣/ ٢٧٦ ح ٣٤٧٧.
(٣) أبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ٤٦٣ ح ٦٨٠٥.
(٤) علل الحديث ١/ ٣٢٢.
(٥) حبان بن زيد الشرعبي أبو خداش، ثقة، أخطأ من زعم أن له صحبة. التقريب ص ١٤٩، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٣٦.
(٦) ابن ماجه ٢/ ٨٢٦ ح ٢٤٧٢، والطبراني ١/ ٨٠١ ح ١١١٠٥.
[ ٦ / ٣٩٤ ]
وفيه عبد الله بن خراش وهو متروك (١)، وقد صححه ابن السكن، ورواه الخطيب في "الرواة عن مالك" عن نافع عن ابن عمر وزاد: "والملح". وفيه: [عبد الحكم] (أ) بن ميسرة راويه عن مالك وهو عند الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمر كالأول، وله عنده طرق أخرى. ولابن ماجه (٢) من حديث أبي هريرة بسند صحيح: "ثلاث لا تمنعهن (ب)؛ الماء والكلأ والنار". ولأبي داود (٣) من حديث بُهَيْسة، عن أبيها، أنه قال: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعُه؟ قال: "الماء". ثم أعاد، فقال: "الملح". وفيه قصة. وأعله عبد الحق (٤) وابن القطان بأنها لا تعرف، لكن ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة (٥)، ولابن ماجه (٦) من حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح والماء والنار" الحديث. وإسناده ضعيف. وللطبراني في "الصغير" (٧) من حديث أنس: "خصلتان لا يحل منعهما؛ الماء والنار". قال أبو حاتم في "العلل" (٨): هذا حديث منكر. وللعقيلي في "الضعفاء" (٩) عن عبد الله
_________________
(١) (أ) في النسخ: عند الحاكم. والمثبت من التلخيص الحبير ٣/ ٦٥. وينظر ميزان الاعتدال ٢/ ٥٣٧. (ب) في الأصل، جـ: يمنعهن. وفي مصدر التخريج: يمنعن.
(٢) عبد الله بن خراش بن حوشب الشيباني، أبو جعفر الكوفي، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب. التقريب ص ٣٠١.
(٣) ابن ماجه ٢/ ٨٢٦ ح ٢٤٧٣.
(٤) أبو داود ٣/ ٢٧٥، ٢٧٦ ح ٣٤٧٦.
(٥) الأحكام الوسطى ٣/ ٢٩٩.
(٦) ينظر الإصابة ٧/ ٥٣٩، والتلخيص الحبير ٣/ ٦٥.
(٧) ابن ماجه ٢/ ٨٢٦ ح ٢٤٧٤.
(٨) المعجم الصغير ١/ ٢٤٢.
(٩) علل الحديث ١/ ٣٧٨.
(١٠) ينظر التلخيص الحبير ٣/ ٦٥.
[ ٦ / ٣٩٥ ]
ابن سرجس نحو حديث بهيسة. ولابن ماجه (١) من حديث ابن عباس وزاد فيه: "وثمنه حرام". وروى ابن ماجه (٢) من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ثلاث لا يمنعن (أ)؛ الماء والكلأ والنار". وإسناده صحيح.
قوله: "الكلأ". قال أهل اللغة (٣): الكلأ، مهموز مقصور، هو النبات، سواء كان رَطْبًا أو يابسًا، وأما الحشيش والهشيم فمختص باليابس، وأما الخلا فمقصور غير مهموز، والعشب فمختص بالرَّطْب، ويقال له أيضًا: الرُّطْب. بضم الراء وإسكان الطاء. و"الماء" ظاهر معناه. و"النار" قيل: أراد بها الشجر الذي يحتطبه الناس. وقيل: المراد بالنار هنا هو الاستصباح من النار والاستضاءة بضوئها. وقيل: المراد بها الحجارة التي توري النار إذا كانت في موات.
والمراد بالكلأ هنا هو الكلأ الذي يكون في الأرض المباحة والجبال الذي لم يحرزه (ب) أحد بقطعه، فليس لأحد أن يتملكه وهو في منابته، والظاهر أن ذلك إجماع، وما تقدم من الحمى للإمام ونحوه فهو ليس من باب التمليك، وإنما هو من رعاية المصلحة العامة وتقديمها على الخاصة. وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ففيه خلاف بين العلماء؛ فعند الهدوية وغيرهم أن ذلك مباح؛ من سبق إلى قطعه كان له، وظاهر الحديث العموم فهو حجة لهم، وعند المؤيد بالله وغيره أن ذلك تابع للأرض النابت فيها؛
_________________
(١) (أ) في ب: يمنعهن. (ب) في جـ: يحزه.
(٢) ابن ماجه ٢/ ٨٢٦ ح ٢٤٧٢.
(٣) ابن ماجه ٢/ ٨٢٦ ح ٢٤٧٣.
(٤) تهذيب اللغة ١٠/ ٣٦٢، والنهاية ٤/ ١٩٤.
[ ٦ / ٣٩٦ ]
فإن كانت مملوكة كان ملكًا لصاحبها، وإن كانت وقفًا كان له حكم غلة الأرض الموقوفة، وإن كانت مباحة كان مباحًا، ولعله نظر إلى أن ذلك نماء الأرض فيكون تابعًا لأصله ويجعل (أ) ذلك مخصوصًا من عموم الحديث قياسًا على المتفق عليه من سائر نماء الأشياء المملوكة، والتخصيص بالقياس صحيح.
وأما الكلام في إباحة الماء وتملكه فقد تقدم (١) في ذلك شطر صالح، وهو باق على عمومه في حق الشرب لبني آدم وغيرهم من الحيوان والاستعمال به.
وأما النار فإن كانت من الحطب المملوك (ب فجرم الجمر ب) يكون حكمه حكم أصله، ولعله يجيء فيه الكلام الذي في الماء، وذلك لعموم الحاجة إلى النار، وتسامح الناس بذلك في العادة، وقد فسر "الماعون" في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢). بالماء والملح والنار، وإن كان المراد بها الضوء فذلك اتفاق أنه لا يختص به صاحبه، وأن للغير الاستضاءة بذلك، لأنه لم يأخذ شيئًا من ملك غيره وإنما أجزاء الهواء اكتست النور، والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في ب: ويكون. (ب) في ب، جـ: فالجمر.
(٢) تقدم ص ٥٦ - ٦١.
(٣) الآية ٧ من سورة الماعون.
[ ٦ / ٣٩٧ ]