١٤ - عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافِهما، فإنَّها لهم في الدينا، ولكم في الآخرة" (١) متفق عليه.
هو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل مصغرا، وقيل: حسل بكسر الحاء المهملة وسكون السين ولقب باليمان لأنه أصاب في قومه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية يعنون الأنصار، وهو عبسى بالعين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة.
شهد حذيفة وأبوه أحدا وهو صاحب سر رسول الله - ﷺ -، وهاجر إلى النبي - ﷺ - مع أبيه أيام بدر ولم يشهدها. روى عنه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة ﵃ والتابعين مات بالمدائن، وبها قبره -سنة خمس وثلاثين، وقيل: سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ليلة (٢).
قال ابن منده: وهذا الحديث مجمع على صحته، وهو صريح في تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة والأكل في صحافهما، والصحاف (أ): جمع صحفة وهي دون القصعة.
_________________
(١) (أ) ساقطة من هـ.
(٢) البخاري كتاب الأطعمة باب الأكل في إناء مفضض ٩/ ٥٥٤ ح ٥٤٢٦ بلفظ "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا. .". "ولنا" بدل "لكم". وفي رواية أخرى بلفظ "لكم" ١٠/ ٩٦ ح ٦٥٣٣، ومسلم بلفظه ولم يذكر (لكم في الآخرة) وهي في رواية ابن عكيم عن حذيفة كتاب اللباس والزينة باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة إلخ ٣/ ١٦٣٨ ح ٥ - ٢٠٦٧، وأبو داود بمعناه ٤/ ١١٢ ح ٣٧٢٣، والترمذي بمعناه ٤/ ٢٩٨ ح ١٨٧٨، وابن ماجه بمعناه ٢/ ١١٣٠ ح ٣٤١٤، وأحمد ٥/ ٣٩٧.
(٣) الاستيعاب ٢/ ٣١٨، الإصابة ٢/ ٢٢٣.
[ ١ / ١٢٧ ]
قال الجوهري: قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها، تشبع العشرة، ثم الصحفة، تشبع الخمسة، ثم المئكلة، تشبع الرجلين والثلاثة ثم الصحيفة تشبع الرجل (١).
(ويلحق بالأكل والشرب سائر الانتفاعات. قال النووي (٢): قال أصاحبنا: انعقد الإِجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات في إناء ذهب أو فضة إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل، وقول قديم للشافعي والعراقيين، فقال بالكراهة دون التحريم وقد رجع عنه وتأوله أيضًا صاحب التقريب ولم يحمله على ظاهره فثبتت صحة دعوى الإِجماع (٣) على ذلك) (أ)، ويلحق بالذهب والفضة ما شابهها (ب) في نفاسة القدر كالجواهر واليواقيت (٤)، (واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال النووي: الأصح عند بعض أصحاب الشافعي عدم جواز استعمالها) (جـ) (٥)، لا ما ارتفع
_________________
(١) (أ) بهامش الأصل. (ب) في جـ ما شابههما، وفي ب ما يشابهما. (جـ) بهامش الأصل.
(٢) مختار الصحاح ٣٢٤.
(٣) شرح مسلم ٤/ ٧٦٤.
(٤) حكى الإمام النووي الإجماع وذكر مخالفة داود وهو لا يعتد بمخالفة داود حيث قال: (قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمال في إناء ذهب أو فضة إلا ما حكي عن داود وقول الشافعي في القديم فهما مردودان بالنصوص والإجماع وهذا إنما يحتاج إليه على قول من يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف، وإلا فالمحققون يقولون: لا يعتد به لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به .. شرح مسلم ٤/ ٧٦٤، وفي المجموع قال: وحكى المصنف وآخرون من العراقيين والقاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي قولا قديما أنه يكره كراهة تنزيه ولا يكرم" ١/ ٢٨٨ فحكاية الإجماع منتقضة وإن كان الدليل بينا في التحريم، وحكى الإمام ابن قدامة أنه لا يعلم خلافا، المغني ١/ ٧٥.
(٥) هل يلحق بالذهب والفضة ما يشابهها؟ قيل، يلحق، قيل: لا يلحق لأن النص ورد فلا يعدل إلى غيره، المغني ١/ ٧٨ المجموع ١/ ٢٨٨.
(٦) الأصح باتفاق أصحاب الشافعي الجواز، المجموع ١/ ٢٩٠، وعند الإمام أحمد فسائر الآنية مباح اتخاذها واستعمالها مواء كانت ثمينة أو غير ثمينة. المغني ١/ ٧٨.
[ ١ / ١٢٨ ]
قدره لأجل الصنعة فقط، كما يتخذ من الزجاج والصفر ونحوهما فإنه يجوز استعماله إجماعا (أ)، واختلف العلماء ما (ب) العلة المناسبة في ذلك؟ فقيل: هي الخيلاء، فعلى هذا إذا طلي الفضة برصاص أو نحاس زال سبب التحريم، وحل استعماله، وقيل: العين (١)، فلا يحل المذكور لأن العين باقية، وأما المذهبة، والمفضضة، فإن كان الذهب والفضة مستهلكين بأن يكونا مموهين لا يمكن فصلهما فإنه: يجوز استعماله (٢) وإن كان غير مستهلك حرم، إن عم الإِناء إجماعا لأنه مستعمل للذهب والفضة، وأما إذا لم يعمه فكذلك عند أهل البيت -﵈وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة: يجوز الشرب من القدح المغشى بالفضة ونحوها (٣) إذا كان الشارب لا يضع فاه على الفضة، إذ المقصود هو الإِناء والحلية تابعة. قلنا: لم يفصل الدليل، قال الإِمام يحيى: وأما ضبة الإناء فيجوز إجماعا ما لم تكثر، وسيأتي حديث أنس في قدح النبي - ﷺ -.
ولا فرق في تحريم ذلك في حق الرجال والنساء، وإن حلت الحلية للنساء، ولعل الحلية مخصوصة في حق النساء لحاجتهن إلى ذلك لما تجلب من الرغبة إليهن فلا يقاس الاستعمال عليها، إذ دليل التحريم شامل، والقياس غير صحيح (٤).
_________________
(١) (أ) في هـ وب: إجماعا استعماله. (ب) في جـ: "في" بدل "ماء".
(٢) وقيل لكونها الأثمان، وقيل: المتلفات، فلو أبيح استعمالها لجاز اتخاذ الآلات منهما فيفضي إلى قلتها في أيدي الناس فيجحف بهم" الفتح ١٠/ ٩٨.
(٣) وقيل بالتفريق بين الذهب والفضة. فلا يباح الذهب مطلقا إلا ما دعت الضرورة إليه كأنف الذهب وشد الأسنان لكون الحلي لا يؤثر فيه. أما الفضة ففيه التقسيم. فإن كان يسيرا فلا بأس للرخصة في ذلك. كالقدح وغيره وإن كان كثيرا فيحرم. المغني ١/ ٧٨. المجموع ١/ ٢٩١.
(٤) المجموع ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، الهداية / ٧٨ - ٧٩.
(٥) ولأنه ثبت عن النبي - ﷺ - جواز استعمال النساء للذهب والفضة فخرجت من العموم فعن ابن عباس =
[ ١ / ١٢٩ ]
والضمير في قوله: لهم في الدنيا للكفار، أي إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، وأما الآخرة فليس لهم فيها نصيب، وأما المسلمون (أ) فلهم في الجنة "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (١)، وليس في ذلك حجة لمن يقول: الكفار غير مخاطبين بالشريعة، فإنه ليس المقصود منه إلا ما ذكر. والله سبحانه أعلم.
١٥ - وعن أم سلمة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "الذي يشرب في إناء الفضة إنَّما يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِه نَارَ جَهنَّم". متفق عليه (٢).
هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية، واسم أبي أمية: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمها عاتكة بنت عامر، ويقال: إن اسم أم سلمة رملة، وليس بشيء، كانت قبل النبي - ﷺ - تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهي وزوجها أول من هاجر إلى الحبشة، ويقال: إنها أول ظعينة هاجرت إلى المدينة وولدت بأرض الحبشة زينب (٣)، وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ودرة،
_________________
(١) (أ) في هـ: زيادة: "منهم". = قال: خرج النبي - ﷺ - يوم عيد فصلى ركعتين يصل قبل ولا بعد ثم أتى النساء فأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تصدق بخرصها وسخابها، وفي رواية قرطها. وعند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم" قال الترمذي: حديث حسن صحيح رواه أبو داود والنسائي من رواية علي بن أبي طالب بدون "وأحل لإناثهم".
(٢) أحمد ٢/ ٥٠٦، مجمع الزوائد وعزاه إلى البزار والطبراني في الأوسط قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح ١٠/ ٤١٢.
(٣) صحيح البخاري كتاب الأشربة باب آنية الفضة ١٠/ ٩٦ ح ٥٦٣٤، وصحيح مسلم بلفظ (آنية) كتاب اللباس باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره على الرجال والنساء ٣/ ١٦٣٤ ح ١ - ٢٠٦٥، وابن ماجه كتاب الأشربة باب الشرب في آنية الفضة ٢/ ١١٣٠ ح ٤٣١٣، أحمد ٦/ ٣٠١.
(٤) ذكر ابن حجر أن المولود بأرض الحبشة سلمة وأخرج النسائي بسنده من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن أن أم سلمة أخبرته أنها لما قدمت المدينة. . . وفيه: فلما وضعت زينب جاءني رسول الله - ﷺ - فخطبني. . وسبق الشارح صاحب الاستيعاب فإنه قال: ولدت بأبيض الحبشة، الاستيعاب ١٣/ ٢٧، الإصابة ٨/ ٢٢١.
[ ١ / ١٣٠ ]
ومات أبو سلمة سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث، فتزوجها النبي - ﷺ - في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، والأول أصح، ودفنت بالبقيع (أ)، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد، وكان عمرها أربعا وثمانين سنة. روي عنها ابن عباس وعائشة وزينب ابنتها وعمر ابنها وابن المسيب وخلق سواهم من الصحابة والتابعين (١).
والحديث متفق عليه باللفظ المذكور، ورواه أيضًا مسلم (٢) بلفظ: إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب عن أبي بكر بن أبي شيبة، والوليد بن شجاع عن علي بن مسهر، تفرد بهذه الزيادة علي بن مسهر (٣)، وفي رواية الطبراني عنه (٤)، إلا أن يتوب. وفي الباب عن عائشة رواه الدارقطني في (جـ) العلل من طريق شعبة والثوري، وحديث شعبة في الجعديات (٥) وصحيح أبي عوانة بلفظ: الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نارا. وفيه مقال.
وقوله: يجرجر (د)، بكسر الجيم الأخيرة أي يحدر فيه فيجعل الشرب والجرع جرجرة، وهي (هـ) صوت وقوع الماء في الجوف. قال (و) الزمخشري (٦) يروي
_________________
(١) (أ) في هـ: في البقيع. (ب) زاد في اليمنية: كثير. (جـ) زاد في جـ: كتاب. (د) زاد في هـ: في جوفه. (هـ) في جـ: وهو. (و) في ب: قاله.
(٢) الاستيعاب ١٣/ ١٧٢، ١٣/ ٢٣٠، سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٠١، الإصابة ٣/ ٢٢١.
(٣) صحيح مسلم ٣/ ١٦٣٤ ح ١ - ٢٠٦٥ م.
(٤) أي ليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر، صحيح مسلم ٣/ ١٦٣٤.
(٥) أخرجه في صحيح الزوائد وقال: هو في الصحيح ولم يذكر (إلا أن يتوب) ٥/ ٧٧.
(٦) مسند علي بن الجعد ٢/ ٦٦٥ ح ١٦٠٢.
(٧) الفائق في غريب الحديث ١/ ٢٠٢، ولم يذكر الروايات، وقال ابن الأثير: قال الزمخشري، النهاية ١/ ٢٥٥.
[ ١ / ١٣١ ]
برفع النار (أ)، والأكثر النصب وهذا مجاز؛ لأن نار جهنم على الحقيقة لا تجرجر في جوفه، والجرجرة صوت البعير عند الضجر (١)، ولكنه جعل صوت جرع الإِنسان للماء في هذه الأواني الخصوصة لوقوع النهى عنها واستحقاق العقاب عليها كجرجرة نار جهنم في بطنه من طريق المجاز. هذا وجه الرفع، وذَكَّرَ الفعل وإن كان مسندًا إلى النار وهي مؤنث لوقوع (ب) الفصل وكونها غير حقيقي التأنيث، وأما وجه النصب فالفاعل ضمير الشارب (جـ) والنار مفعوله. وجرجر فلان الماء إذا جرعه (د جرعا متواترا، له صوت، والمعنى: كأنما يجرع نار جهنم. قال النووي (٢): والنصب د) هو الصحيح المشهور الذي عليه الشارحون، وأهل الغريب واللغة، وجزم به الأزهري وآخرون من المحققين، ورجحه الخطابي والزجاج، وتؤيده الرواية إنما يجرجر في جوفه نارا (٣)، ويسمى المشروب نارا لأنه يؤول إليها، وأما جهنم -أعاذنا الله منها ومن كل بلاء- فقال الواحدي: قال يونس وأكثر النحويين: هي عجمية لا تنصرف للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك (هـ) لبعد قعرها، يقال (و): بئر جهنام، إذا كانت عميقة القعر وقيل: مشتقة من الجهومة، وهي الغلظ، سميت به لغلظ أمرها في العذاب (٤).
_________________
(١) (أ) في جـ: الراء. (ب) في هـ: الوقوع. (جـ) في جـ: الشأن، وفي هـ: ضمير الشارب والنصب. (د) ما بينهما كرره في هـ وأشار إليه المصحح. (هـ) كررها في هـ. (و) في هـ: فقال.
(٢) النهاية ١/ ٢٥٥.
(٣) شرح مسلم ٤/ ٧٦٣، غريب الحديث للخطابي ٣/ ٢٦٤، إعلام السنن ٣/ ١١٠٠ ولم يذكر ترجيحا في الكتابين.
(٤) صحيح مسلم ٣/ ١٦٣٤ ح ١/ ٢٠٦٥.
(٥) القاموس ٤/ ٩٤٠، الصحاح ٥/ ١٨٩٢.
[ ١ / ١٣٢ ]
قيل: والحديث إخبار عن الكفار من ملوك العجم وغيرهم الذين عادتهم فعل ذلك، وقيل: المراد النهي عن ذلك، وأن من ارتكب هذا النهي عنه استوجب هذا العقاب.
فائدة: قال النووي: قال أصحابنا: فإن ابتلي الإِنسان بطعام في إناء ذهب أو فضة فليخرج الطعام إلى إناء آخر، ويأكل منه فإن لم يجد آخر فليجعله على رغيف إن أمكن، وإذا ابتلي بقارورة فيها دهن فليصب في يده اليسرى ثم يصبه إلى اليمنى ويدهن به (١).
قالوا: ويحرم تزيين الأماكن بآنية الذهب والفضة، أما إذا اضطر إلى استعمال إناء فلم يجد إلا ذهبا أو فضة فله استعماله بلا خلاف كالميتة للمضطر.
وأما اتخاذ الآنية من دون استعمال فللشافعي وأصحابه فيه خلاف، الأصح التحريم (٢) والشافي الكراهة (٣). انتهى كلامه.
والمختار لمذهب الأئمة -﵈- جواز التجمل بها. قال في شرح الأثمار: وهو أحد قولي الشافعي.
١٦ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا دُبِغ الإِهابُ فَقَد طَهُر" أخرجه مسلم (٤).
وعند الأربعة: أيما إهاب دبغ (أ). .
_________________
(١) (أ) زاد بهامش هـ: فقد طهر.
(٢) نسبة الإمام النووي إلى القاضي حسين. شرح مسلم ٤/ ٧٦٥.
(٣) وهو قول الجمهور، المغني ١/ ٧٧ المجموع ١/ ٢٩٠.
(٤) شرح مسلم ٤/ ٧٦٥.
(٥) مسلم كتاب الحيض باب طهارة جلود الميتة بالدباغ ١/ ٢٧٧ ح ١٠٥/ ٣٦٦، أبو داود بلفظ مسلم كتاب اللباس باب في أهب الميتة ٤/ ٣٦٧ ح ٤١٢٣، الترمذي كتاب اللباس باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت ٤/ ٢٢٠ ح ١٧٢٧، ابن ماجه كتاب اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت ٢/ ١١٩٣ ح ١٠٩، والنسائي كتاب الفرع باب جلود الميتة ٧/ ١٥٣، وأحمد ١/ ٢٧٠، وقد نسب الحافظ ابن حجر رواية أيما إهاب إلى أبي داود ولم أقف عليها وإنما الرواية كرواية مسلم.
[ ١ / ١٣٣ ]
الحديث بهذا اللفظ رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد عن (أ) سفيان، وروى مسلم (١) أيضًا حديث ابن عباس بألفاظ أخر غير هذا المصدر، وروى البخاري من حديث سودة قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسمكها ثم مازلنا ننتبذ فيه حتى صارت شنًا (٢).
ولم يخرج البخاري لسودة سوى هذا الحديث، ولم يخرج لها مسلم شيئًا، ورواه النسائي وأحمد بلفظ مر بشاة لميمونة (٣)، ورواه البزار (٤) بلفظ: ماتت شاة لميمونة فقال النبي - ﷺ -: أَلا اسْتَمْتَعْتُم بإهابها؟ فإن دباغ الأديم طهوره. وسيأتي.
وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني (٥)، وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف (٦)، وفي تاريخ نيسابور للحاكم من طريق مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: مر النبي - ﷺ - وعلى آله وسلم بشاة ميتة لأم سلمة أو لسودة فذكر الحديث.
وأما حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر. فرواه الشافعي (٧) عن ابن عيينة عن
_________________
(١) (أ) زاد في جـ: أبي.
(٢) مسلم ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٣) البخاري مع الفتح ١١/ ٥٦٩ ح ٦٦٨٦.
(٤) النسائي تفسير الفرع باب جلود الميتة ٧/ ١٥٢، أحمد ١/ ٣٢٩.
(٥) انظر حديث (١٨).
(٦) الدارقطني ١/ ٤٩، مجمع الزوائد ١/ ٢١٨، وعزاه إلى الطبراني في الكبير والأوسط.
(٧) فرج بن فضالة الحمصي قال النسائي: ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، المجروحين ٢/ ٢٠٦، ضعفاء العقيلي ٣/ ٤٦٢، التهذيب ٨/ ٢٦٠.
(٨) مسند الشافعي ١٠.
[ ١ / ١٣٤ ]
زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن ابن العباس: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول هذا، وكذا (أ) رواه الترمذي في جامعه عن قتيبة عن سفيان و(ب) قال: حسن صحيح (١) ورواه ابن حبان بلفظ قتيبة وله شاهد من حديث ابن عمر رواه الدارقطني (٢) بإسناد على شرط الصحة، وقال: إنه حسن، وآخر من حديث جابر رواه الخطيب (٣) في تلخيص المتشابه.
الحديث يدل على أن الدباغ مطهر لجلد الميتة نص في السبب وهو (جـ) الشاة الكعنية أو نوع (د) الشاة على الخلاف المعروف، وظاهر فيما عداها، وهذا مروي عن عليّ - ﵇ - وابن مسعود، وهو مذهب الشافعي (٤) وأبي حنيفة واستثنى الشافعي الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره، وقال (هـ) في (٥) البحر له (و): في الآدمي وجهان، (وإنما استثنى الخنزير لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٦)، والضمير عائد إلى المضاف إليه، إذ هو أقرب ولا مانع منه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، ووافق أبو حنيفة (٧) في الخنزير. قال: لأنه لا جلد له، والآدمِي إذ لا يجوز الانتفاع بجلده) (ز) ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه،
_________________
(١) (أ) في هـ: مصححة: وهكذا. (ب) الواو ساقطة في جـ. (جـ) في هـ مصححة: وهي. (د) في جـ: فرع. (هـ) في جـ وب: قال. (و) في جـ: وله. (ز) بهامش الأصل.
(٢) الترمذي ٤/ ٢٢١ ح ١٧٢٨.
(٣) الدارقطني ١/ ٤٨ ح ٢٤.
(٤) تلخيص المتشابه ١/ ٤١٧.
(٥) المجموع ١/ ٢٥٦ وفصل القول في مذاهب العلماء في جلود الميتة وذكر المذاهب السبعة التي ذكرها الشارح وفي شرح مسلم كذلك ١/ ٦٦١، ٦٦٢، المبسوط ١/ ٤٧.
(٦) البحر ١/ ٢٤.
(٧) الآية ١٤٥ من سورة الأنعام.
(٨) الهداية ١/ ٢٠.
[ ١ / ١٣٥ ]
ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره.
المذهب الثاني: أن الدباغ لا يطهر شيئًا من الجلود وهو قول أكثر العترة، ورواية عن أحمد وعن مالك، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، وحجتهم ما أخرجه الشافعي في سنن حرملة وأحمد، والبخاري في تاريخه والأربعة والدارقطني والبيهقي وابن حبان (١) عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله - ﷺ - قبل موته: ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر (٢)، وفي رواية لأحمد بشهر أو شهرين، قال الترمذي (٣) حسن وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده لما قيل عن ابن عكيم عن أشياخ من جهينة. قال ابن حبان (٤): بل ابن عكيم شهد كتاب النبي - ﷺ -، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، وقد ذكر الاضطراب في رواية ابن عدي والطبراني من حديث (٥) شبيب بن سعيد عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، و(أ) في رواية أبي داود (٦) عن عبد الرحمن: أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم، فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليّ وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم الحديث (٧)،
_________________
(١) (أ) الواو ساقطة من ب.
(٢) أحمد ٤/ ٣١١، أبو داود ٤/ ٣٧١، ح ٤١٢٨، والترمذي ٤/ ٢٢٢ ح ١٧٢٩، النسائي ٧/ ١٥٥، وابن ماجه ٢/ ١١٩٤ ح ٣٦١٣، البيهقي ١/ ١٤، ابن حبان- الإحسان ٢/ ٢٩٠ ح ١٢٨٤.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٣١٠، أبو داود ٤/ ٣٧١، الشافعي في سنن حرملة البدر ١/ ٧٣.
(٤) الترمذي ٤/ ٢٢٢.
(٥) ابن حبان- الإحسان ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٦) الكامل ٣/ ١٣٤٧، الطبراني في الأوسط مجمع الزوائد ١/ ٢١٨.
(٧) أبو داود ٤/ ٣٧٠، ح ٤١٢٧.
(٨) هذا الحديث وقع فيه إشكال بين العلماء قديما وحديثا. وقد ذكر الإمام ابن حجر في التلخيص العلل في ذلك: =
[ ١ / ١٣٦ ]
فاضطرب في سماع عبد الرحمن ولكنه إذا ثبت (أ) رواية السماع حمل على أنه سمع منه بعد ذلك. فهذا الحديث يدل على تحريم الانتفاع من الميتة بالإِهاب والعصب، وهو إذا كان متأخرا فهو ناسخ للحديث الأول، وإن لم يعلم تأخره فقد عارض ووجب الترجيح، وهذا أرجح لما فيه من التاريخ، ولأن فيه حظرا (ب)، والأول مبيح، والحظر مرجح على الإِباحة. وأجيب بأنه لا يقوي على النسخ والمعارضة. أما الأول فلأن حديث الدباغ أصح فإنه مما اتفق عليه الشيخان، وروي من طرق متعددة حتى عد فيه (جـ) خمسة عشر حديثًا: عن ابن عباس حديثان، وعن أم سلمة ثلاث، وعن أنس حديثان وعن سلمة ابن المُحَبِّق وعائشة والمغيرة وأبي أمامة وابن مسعود وسفيان (د) وثابت وجابر وأثران (هـ) عن سودة وابن مسعود، ورواية التاريخ معلة، فقد رواها خالد الحذاء وخالفه شعبة، وهو أحفظ منه، وشيخهما واحد، فلا يقوي على النسخ، (وأيضًا فإن النسخ يتوقف على أن
_________________
(١) (أ) في هـ: ثبتت. (ب) في ب: حظيرا. (جـ) في ب: فيها. (د) في جـ: وشيبان. (هـ) في جـ: وامرأتان. = أولًا: الإرسال وذلك أن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي - ﷺ -. ثانيا: الاضطراب في السند فإنه قال عن كتاب النبي، وتارة عن مشيخة جهينة، وتارة عن من قرأ الكتاب. ثالثا: الاضطراب في المتن فإنه قيد بشهر، أو بشهرين أو أربعين يوما أو ثلاثة أيام. وذكر بدون تقييد. وأجيب أما التعطيل بالإرسال فقيل إن ابن عكيم، وإن لم يسمعه من النبي - ﷺ - فقد سمع كتابه المرسل إلى قبيلته، وفيه نظر فإن الإِرسال قائم. قال ابن الملقن في البدر: للحفاظ فيه ست مقالات بعد تسليم الإرسال، أولها، أنه مضطرب قادح، ثانيها: أنه غير مضطرب قادح، ثالثها: أنه ضعيف، رابعها: أنه مؤول، خامسها: أنه ناسخ، سادسها: أنه منسوخ، والله أعلم بالصواب من ذلك والذي يظهر ما قاله الحافظ أبو بكر الحازمي. اهـ. وقد ساق كلام الحازمي قال: وطريق الإنصاف فيه أن يقال إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ لو صح ولكنه كثير الاضطراب ثم لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة. . البدر ١/ ٧٦. قال الحافظ في التلخيص: وقد تكلم الحازمي في الناسخ والمنسوخ على هذا الحديث ١/ ٤٨.
[ ١ / ١٣٧ ]
يكون الناسخ آخر الأمر، ولم يدل شيء من الرواية أن حديث ابن عكيم كان آخر الأمر والتاريخ بما ذكر لا يقضي بذلك بل قد) (أ) روي عن علي - ﵇ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَا يُنْتَفَعُ (ب) مِن الميْتة بإِهَابٍ ولَا عَصَبٍ"، فلما كان من الغد خرجت أنا وهو فإذا نحن بسَخْلَةٍ مطروحة على الطريق، فقال: "ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ " فقلت: يا رسول الله أين قولك بالأمس؟ فقال: "يُنْتَفَع منها بالشَّيء". رواه في أصول الأحكام فإنه يقضي أن (جـ) الإِباحة آخر الأمر عكس ما احتج به أهل القول الآخر، فثبت عدم صحة النسخ، وأما المعارضة على فرض جهل التاريخ فهي ممنوعة (د لعدم الاستواء د) لما تقدم، وهذا على القول بأن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم، وأما على القول بأن الخاص المتقدم مخصص (هـ) للعام، وإن تأخر، فالأمر ظاهر، فإنه يبني العام على الخاص على جميع (و) التقادير، فأحاديث الدباغ خاصة، وحديث ابن عكيم عام، فهو معمول به فيما لم يدبغ، فخرج (ز) عنه ما قد (ز) دبغ.
وأيضًا فقد روي عن النضر بن شميل: أن الإِهاب اسم لما لم يدبغ (١)، وبعد الدبغ يقال له: شن وقربة، والجوهري جزم به (٢)، وقال ابن شاهين (٣): لما
_________________
(١) (أ) في هامش الأصل. (ب) في جـ: لا ينفع. (جـ) في هـ وجـ: يقتضي أن، وفي ب: يقضي بأن. (د) ما بينهما ساقط من جـ. (هـ) في جـ: مخصوص. (و) في ب: جمع. (ز) ساقطة من جـ.
(٢) أبو داود اللباس ٤/ ٣٧١.
(٣) الصحاح ١/ ٨٩.
(٤) الناسخ والمنسوخ ٥٦ - ٥٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
احتمل الأمرين، وجاء قوله: أيما إهاب دبغ (أفقد طهر أ) فحملناه على ما لم يدبغ جمعنا بين الحديثين.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ (ب) جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه، ولعل ذلك بناء على قصر العام الوارد على السبب على سببه، والسبب الشاة، فكان ذلك فيها، وقيس سائر المأكولات عليها، والصحيح خلافه.
والمذهب الرابع: يطهر الجميع بالدبغ (جـ) إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة، وقد تقدم دليله (١).
والمذهب الخامس: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابسات دون المائعات ويصلي عليه (د)، ولا يصلي فيه، وهذا هو المشهور عن مالك (٢) في حكاية أصحابه عنه، (وجمع بين الأحاديث بهذا التأويل، لما تعارضت) (هـ).
والمذهب السادس: يطهر الجميع ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف لعموم الحديث.
_________________
(١) (أ) ما بينهما ساقط من جـ. (ب) في ب: بالدبغ. (جـ) في هـ: بالدباغ. (د) في ب: ولا يصلي عليه. (هـ) بهامش الأصل.
(٢) الهداية ١/ ٢٠.
(٣) قال ابن عبد البر: وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله ومرة قال: إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه ويكره الصلاة عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه. وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته وهو اختيار ابن وهب. الكافي ١/ ١٦٣.
[ ١ / ١٣٩ ]
والمذهب السابع: ينتفع بجلود الميتة وإن لم يدبغ ظاهرا وباطنا، وهو مذهب الزهري، وحجته قوله - ﷺ - لما مر بشاة ميتة فقال: "هلا استمتعتم بإهابها" قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها".
أخرجه البخاري (١) من رواية الزهري عن ابن عباس وأخرج من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: مر النبي - ﷺ - بعنز ميتة فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها" (٢)؟ والجواب عنه بأن هذا مطلق وحديث الدباغ مقيد والواجب حمل المطلق على المقيد.
والإِهاب ككتاب يجمع على أهب بضم الهمزة والهاء بفتحهما لغتان، ويقال: طهر الشيء وطهر بفتح الهاء وضمها لغتان الفتح أفصح، ذكره النووي (٣) (أقال أصحابنا: ولا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدبغ في الأشياء الرطبة، ويجوز في اليابسة على كراهة. انتهى أ).
١٧ - وعن سلمة بن المُحَبِّق - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "دِباغُ جُلودِ الميتةِ طَهُورُها". صححه ابن حبان (٤).
هو أبو سنان سلمة بن المحبق، ويقال: سلمة بن ربيعة بن المحبق بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء (ب) المكسورة والقاف، وأصحاب الحديث
_________________
(١) (أ) ما بينهما ساقط من ب، جـ. (ب) زاد في ب: الموحدة.
(٢) و(٢) البخاري مع الفتح ٩/ ٦٥٨ ح ٥٥٣١، ٥٥٣٢.
(٣) شرح مسلم ١/ ٦٦٢.
(٤) وابن حبان (الموارد) بلفظ (ذكاة الأديم دباغه) ٦١ ح ١٢٤، الدارقطني باب الدباغ ١/ ٤٥ - ٤٦ ح ١٢، ١٣، ١٤، أحمد بألفاظ مختلفة ٥/ ٦، ٧، البيهقي بلفظ (دباغها طهورها) الطهارة باب طهارة جلد الميتة بالدبغ ١/ ١٧، وبألفاظ أخرى ١/ ٢١. أبو داود بلفظ (دباغها طهورها) اللباس باب في أهب الميتة ٤/ ٣٦٨، ٣٦٩ ح ٤١٢٥، النسائي بلفظ (دباغها ذكاتها) الفرع والعتيرة جلود الميتة ٧/ ١٥٣، معجم الطبراني ٧/ ٥٣ ح ٦٣٤٠ بلفظ (ذكاة الأديم دباغه) وفيه روايات أخرى.
[ ١ / ١٤٠ ]
يفتحون الباء، واسم المحبق، صخر بن عتبة، ويقال (أ): عتيبة بن الحارث، وعتبة بالعين المهملة المضمومة فالتاء المنقوطة اثنتين من أعلى الساكنة والباء الموحدة وعتيبة مصغرها وسلمة هذلي يعد في البصريين روى عنه ابنه سنان ولسنان صحبة (١)، روى عنه الحسن البصري وقبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة والصاد المهملة ابن حريث مصغرا وبالحاء المهملة والراء المهملة والياء المنقوطة من أسفل اثنتين والثاء المثلثة (٢).
الحديث روي بألفاظ متعددة فلفظ ابن حبان على ما رواه المصنف -رحمه الله تعالى- في التلخيص من حديث عائشة: دباغ جلود الميتة طهورها (٣)، وفي الطبراني (٤) من حديث المغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت وأبي أمامة وابن عمر بلفظ: جلود الميتة دباغها طهورها، وحديث ابن عمر أيضًا عند ابن شاهين (٥)، وحديث زيد بن ثابت في تاريخ (٦) نيسابور، وفي الكنى للحاكم أبي أحمد في ترجمة أبي سهيل، (ب وفي البيهقي عن هذيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، أم سلمة أو غيرها (٧) وفي الدارقطني (٨) ب) عن أم سلمة بلفظ: إن
_________________
(١) (أ) زاد في جـ: ابن. (ب) ما بينهما بهامش هـ.
(٢) وذكر أبو سلمان بن زبر: أن سلمة لما بشر بابنه سنان، وهو بحنين قال: لسهم أرمي به عن رسول الله - ﷺ - أحب إليّ مما بشرتموني به، الإصابة ٤/ ٢٣٤، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٢٦٥، ولم يذكر ابن حجر له صحبه، الإصابة ٤/ ٣١٨.
(٣) الاستيعاب ٤/ ٢٣٣، الإصابة ٤/ ٢٣٤.
(٤) التلخيص ١/ ٦٢، ابن حبان ٦١ ح ١٢٣.
(٥) مجمع الزوائد وأخرجها من حديث المغيرة وأبي أمامة وعزا حديث المغيرة إلى الطبراني الكبير وأبي أمامة إلي الطبراني الكبير ١: ٢١٧، والأوسط، وأخرج حديث زيد بن ثابت وابن عمر: الدارقطني ١/ ٤٨.
(٦) الناسخ والمنسوخ ٢٠، والدارقطني ١/ ٤٨.
(٧) الدارقطني ١/ ٤٨.
(٨) سنن الدارقطني ١/ ٤٨، ح ٢٢.
(٩) سنن الدارقطني ١/ ٤٩، ح ٢٨.
[ ١ / ١٤١ ]
دباغها يحل كما يحل خل الخمر، وفيه الفرج بن فضالة، وهو ضعيف (١)، وعن أنس وجابر وابن مسعود ذكرها أبو القاسم ابن منده في مستخرجه، وفي لفظ أحمد وأبي داود والنسائي والبيهقي وابن حبان عن سلمة ابن المحبق بلفظ: دباغ الأديم ذكاته، وفي لفظ: دباغها ذكاتها (أ) وفي لفظ: دباغها طهورها، وفي لفظ: ذكاتها دباغها، وفي لفظ: ذكاة الأديم دباغه (٢)، وإسناده صحيح، وإن كان أحمد أعله بعدم معرفة (٣) الجون (ب) راويه، وقد عرفه علي بن المديني وغيره.
وفي الباب أيضًا من حديث ابن عباس في مسلم (٤) بلفظ دباغه طهوره، وفيه قصة سؤال ابن وعلة لابن عباس، وفي لفظ الدارقطني (٥) وابن شاهين عن ابن عباس: دباغ كل إهاب طهوره، وفي رواية الدولابي (٦) بعد سؤال (جـ) ابن عباس عن الفراء تصنع من جلود الميتة فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ذكاة كل مسك دباغه" ورواه البزار والطبراني والبيهقي من حديث عطاء عن ابن عباس في شاة ميمونة، فقال - ﷺ -: "فإن دباغ الأديم طهوره" (٧)، وفيه ابن عطاء
_________________
(١) (أ) في جـ: دباغه ذكاته. (ب) في النسخ: ابن الجون، والصحيح المثبت، انظر ترجمته. (جـ) في جـ: سأل.
(٢) مر في ح ١٦.
(٣) لفظ أبي داود (دباغها طهورها) ٤/ ٣٦٩ ح ٤١٢٥، ولفظ أحمد (ذكاة الأديم دباغه) و(دباغها طهورها أو ذكاتها) ٣/ ٤٧٦، ولفظ أحمد أيضًا (ذكاتها دباغها) ٥/ ٦، والنسائي (دباغها ذكاتها) ٧/ ١٥٣، والبيهقي (دباغها طهورها) ١/ ١٧.
(٤) جون بن قتادة بن الأعور التميمي السعدي: مقبول ذكر له بعض صحبة ولا يصح التقريب ٥٨، الخلاصة ٦٦، مختصر الصحابة للذهبي ١/ ٩٤.
(٥) مسلم ١/ ٢٧٨ ح ١٠٦ - ٣٦٦ م.
(٦) الدارقطني ١/ ٤٩، الناسخ والمنسوخ ص ٢٠.
(٧) رواه الدولابي في الكنى في ذكر من كنيته أبو أسامة ١/ ١٠٥.
(٨) الطبراني الكبير ٢٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧ ح ١٠٣٥، البيهقي في مختصر الخلافيات ١/ ٤٠ - ٤١.
[ ١ / ١٤٢ ]
عن أبيه (١)، وهو ضعيف، عند (أ) يحيى بن معين وأبي زرعة ومن حديث ابن عباس في سياق آخر عند أحمد وابن خزيمة والحاكم والبيهقي (٢)، من طريق سالم ابن أبي الجعد (ب) عن أخيه عن ابن عباس فقال: دباغه (جـ) يزيل خبثه أو نجسه أو رجسه، وإسناده صحيح، قاله الحاكم والبيهقي.
وفي (د) قوله: دباغ الأديم ذكاته ونحوه يريد أن الدباغ في التطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإِحلال لأن (هـ) الذبح يطهرها ويحل أكلها، فهو من باب التشبيه البليغ أو (و) الاستعارة على ما اختاره المحقق سعد الدين التفتازاني (٣).
١٨ - وعن ميمونة - ﵂ - قالت: "مر رسول الله - ﷺ - بشاة يجرُّونها، فقال: لَوْ أخذتم إهَابَها، فقالوا: إنّها ميتة، فقال: يُطهِّرها الماء والقرظ*" أخرجه أبو داود والنسائي (٤).
_________________
(١) (أ) في هـ: عن. (ب) في جـ وهـ: بإسقاط "أبي". (جـ) في جـ: قال دبغه. (د) في جـ: وفيه. (هـ) في جـ: فأن. (و) في هـ: الواو بدل أو. وفي ب: أو الاستعارة.
(٢) يعقوب بن عطاء بن أبي رباح المكي، ضعيف، الضعفاء للعقيلي ٤/ ٤٤٥، التقريب ٣٨٧، ولكن تابع يعقوب ابن جريج في رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، معجم الطبراني ٢٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧، التلخيص ١/ ٦١.
(٣) أحمد ١/ ٣١٤. ابن خزيمة كتاب الوضوء باب الرخصة في الوضوء من الماء يكون في جلود الميتة ١/ ٦٠، الحاكم كتاب الطهارة ١/ ١٦١ وقال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي، البيهقي وقال: هذا إسناد صحيح ١/ ١٧، وكلهم بلفظ (يذهب).
(٤) * القرظ: ورق شجر السلم ينبت بنواحي تهامة يدبغ به وقيل: قشر البلوط. القاموس ٢/ ٤١٢، ومختار الصحاح ٢٧٨.
(٥) أبو داود بمعناه كتاب اللباس باب في أهب الميتة ٤/ ٣٦٩ ح ٤١٢٦، النسائي بمعناه كتاب الفرع باب ما يدبغ به جلود الميتة ٧/ ١٥١.
[ ١ / ١٤٣ ]
هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية، وأمها هند بنت عوف بن زهير من حمير، وقيل من كنانة، ويقال: إن اسمها كان برة فسماها النبي - ﷺ -: ميمونة، تزوجها في الجاهلية مسعود بن عمر الثقفي، وفارقها، وتزوجها أيضًا أبو رهم (أ) بن عبد العزى، وتوفي عنها فتزوجها رسول الله - ﷺ - في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية بسَرِف على عشرة أميال من مكة، وماتت في ذلك المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، وقيل: غير ذلك، وصلى عليها ابن عباس، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أسماء بنت عميس (١)، قيل: لم يتزوج النبي - ﷺ - بعدها. روى عنها ابن عباس ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد بن الهاد وكريب وعطاء بن يسار (٢).
الحديث رواه أيضًا مالك من حديث ميمونة، وصححه ابن السكن والحاكم (٣). وفي الباب عن ابن عباس مرفوعًا أخرجه الدارقطني: أليس في الماء والقرظ ما يطهرها (٤)؟ وأما رواية أليس في الشب والقرظ والماء ما يطهرها؟ فقال (ب) النووي في الخلاصة (٥): هو بهذا اللفظ باطل لا أصل له، وقال في شرح المهذب (٦): ذكر الشب إنما هو من كلام الشافعي. قال (جـ) الأزهري (٧): هو
_________________
(١) (أ) في جـ: أبو أرهم. (ب) في ب: قال. (جـ) في هـ: وقال.
(٢) لأمها فإن هند بنت عوف بن زهير الحميرية تزوجت الحارث بن حزن وتزوجت عميس بن سعد بن الحارث، وأنجبت منهما نساء تزوجن خيار قومها في الجاهلية والإسلام حتى قيل فيها: العجُوز أكرم الناس أصهارا. قلت: كيف لا والرسول - ﷺ - واحد منهم، والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - وجعفر بن أبي طالب ﵃. وجدة خالد بن الوليد ﵁. الاستيعاب ١٢/ ٢٠٠، ١٣/ ١٤٤.
(٣) الاستيعاب ١٣/ ١٥٩، سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٣٨، الإصابة ١٣/ ١٣٨.
(٤) مالك لم أقف عيه والحاكم في تاريخ نيسابور كما في التلخيص.
(٥) الدارقطني ١/ ٤١ - ٤٢ ح ١.
(٦) الخلاصة ل ٢.
(٧) المجموع ١/ ٢٦٣.
(٨) الصحاح ١/ ١٥١.
[ ١ / ١٤٤ ]
بالباء الموحدة من الجواهر التي جعلها الله تعالى في الأبيض تشبه الزاج، وقال غيره بالمثلثة. قال الجوهري (١): نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به. قال النووي (٢) في شرح مسلم: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه، ويمنع من ورود الفساد عليه كالشب والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس عندنا، وقال أصحاب (٣) أبي حنيفة: يحصل ولو (أ) بالتراب والرماد والملح على الأصح وبالأدوية (ب) النجسة كزرق الحمام، والشب المتنجس فيه وجهان أصحهما حصوله، ويجب غسله بعد الفراغ على أحد احتمالين، وفي الاحتياج إلى الماء وجهان (٤). قال (جـ) أصحابنا: ولا يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل، فلو أطارت الريح جلد ميتة فوقع في مدبغة طهر وإذا (د) دبغ جاز الانتفاع به بلا خلاف، وفي بيعه قولان للشافعي أصحهما يجوز، وفي أكله ثلاثة أوجه أو أقوال أصحها: لا يجوز (هـ والثاني: يجوز هـ) والثالث: يجوز جلد المأكول لحمه دون غيره، ومع القول بأن شعر الميتة نجس فلا يطهر الشعر بالدبغ على الأصح، والأشهر من قولي الشافعي: قال أصحابنا ولا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدبغ في الأشياء الرطبة ويجوز في اليابسة على كراهة. انتهي.
_________________
(١) (أ) في النسخ -ولا- والمثبت هو الصحيح. (ب) في جـ: ولا بالأدوية. (جـ) في هـ: وقال. (د) في هـ: فإذا. (هـ) ما بينهما بهامش ب.
(٢) مختار الصحاح ٦٢.
(٣) شرح مسلم ١/ ٦٦٢.
(٤) الهداية ١/ ٢٠ فكل ما منع النتن والفساد فهو دباغ سواء الشمس أو التراب أو غيره لأن المقصود يحصل به.
(٥) عبارة المؤلف ناقصة، وعبارة النووي: (وهل يحتاج إلى استعمال الماء في أول الدباغ؟ فيه وجهان) شرح مسلم ١/ ٦٦٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
١٩ - وعن أبي ثَعْلَبة الخُشَنِيّ - ﵁ - قال: "قلت يا رسول الله إلَّا بأرض قوم أهلِ كتاب أفناكلُ في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" متفق عليه (١).
هو جرهم (٢) بضم الجيم وضم (أ) الهاء ابن ناشب بالنون وكسر الشين المعجمة والباء الموحدة، الخشني بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة وبالنون، وقيل: جرثوم بضم الجيم وضم الثاء المثلثة، وقيل: ابن ناشم، وقيل ابن لاشر (ب)، وقيل: بل اسمه عمرو بن حرقوم، وقيل غير ذلك، اشتهر بكنيته، بايع النبي - ﷺ - بيعة الرضوان وضرب له بسهم يوم خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، نزل الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين وقيل: مات زمن معاوية. قال ابن عبد البر: وهو الأكثر. روى عنه أبو (جـ) إدريس الخولاني وجبير بن نفير ومكحول.
الحديث فيه دلالة على نجاسة آنية أهل الكتاب وأن رطوبتهم نجسة، إذ أمر النبي - ﷺ - باجتنابها ثم رخص بشرط عدم وجدان الغير وغسلها (د "وهو دليل من قال (هـ) بنجاسة الكافر مطلقا، وهو مذهب الهادي والقاسم والناصر ومالك (٣) وهو موافق لظاهر (و) قوله تعالى (د) ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤)
_________________
(١) (أ) ساقطة من جـ. (ب) في هـ: الأشر. (جـ) في ب: أبوه. (د) ما بينهما بهامش هـ. (هـ) ساقطة من جـ. (و) في جـ: بلفظ لقوله.
(٢) البخاري كتاب الصيد باب ما أصاب المعراض بعرضه ٩/ ٦٠٤ ح ٥٤٧٨، ومسلم كتاب الصيد باب الصيد بالكلاب المعلمة ٣/ ١٥٣٢ ح ٨ - ١٩٣ واللفظ ليس لهما، والترمذي بمعناه باب ما جاء ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل ٤/ ٦٤ ح ١٤٦٤، وابن ماجه بمعناه الصيد باب صيد الكلب ١/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠ ح ٣٢٠٧، وأحمد ٤/ ١٦٥.
(٣) الاستيعاب ١١/ ١٦٦ سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٦٧، الإصابة ١١/ ٥٤.
(٤) البحر ١/ ١٣.
(٥) الآية (٣٨) من سورة التوبة.
[ ١ / ١٤٦ ]
ومذهب الباقر (١) والمؤيد بالله وأبي حنيفة والشافعي (٢) والإِمام يحيى وجماعة (أن رطوباتهم طاهرة كغيرهم) (أ)، قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣)، ولأن النبي - ﷺ - توضأ من مزادة المشركة (٤).
وعن جابر - ﵁ - قال: كنا نغزو مع رسول الله ﵌، فنصيب في آنية المشركين وأسقيتهم (فنستمتع بها) (ب)، ولا يعيب ذلك علينا. رواه أحمد وأبو داود (٥).
وعن أنس أن يهوديا دعا النبي - ﷺ - إلى خبز شعير وإهالة سَنِخَة فأجابه. رواه أحمد (٦)، الإِهالة (٧)، الودس (جـ).
وعن عمر الوضوء من جرة نصرانية (٨) (د)، قال في البحر (٩): والأولى الاستدلال بأنه لو حرمت رطوبتهم لاستفاض نقل توقيهم لقلة المسلمين حينئذ، وأكثر مستعملاتهم لا تخلو منها ملبوسا ومطعوما، والعادة في مثل ذلك تقتضي الاستفاضة. انتهى.
_________________
(١) (أ) بهامش الأصل. (ب) في النسخ: فننتفع والتصحيح من أحمد وأبي داود. (ب) في جـ بالشين. (د) في جـ: النصرانية.
(٢) البحر ١/ ١٤.
(٣) البحر ١/ ١٤.
(٤) الآية ٥ في سورة المائدة.
(٥) متفق عليه وسيأتي في الحديث ٢٠.
(٦) أحمد ٣/ ٣٧٩. أبو داود ٤/ ١٧٧ ح ٣٨٣٨.
(٧) أحمد ٢/ ٢١١ وإسناده صحيح.
(٨) الإهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به إهالة، وقيل: هو ما أذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، والسنخة: المغيرة الريح. النهاية ١/ ٨٤.
(٩) البيهقي ١/ ٣٢.
(١٠) البحر ١/ ١٣.
[ ١ / ١٤٧ ]
وحديث أبي ثعلبة ليس على ظاهره وإنما هو محمول على كراهة (أ) الأكل في آنيتهم، للاستقذار إذ لو كان لأجل النجاسة لم يجعله مشروطا بعدم وجدان الغير إذ الإِناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء، وإنما ذلك للاستقذار فهو كالأكل في المحجمة المغسولة، وأيضًا فإن الحديث في رواية أبي داود وأحمد، واللفظ لأبي داود: أنه سأل رسول الله - ﷺ - قال: إنَّا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله ﵌: "إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا" (ب)، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها (جـ) بالماء، وكلوا واشربوا (١)، فالأمر بالاجتناب والغسل إنما هو لما يقع فيها من النجاسة، ليس لأجل رطوبتهم، والمطلق يحمل على المقيد فبطل الاحتجاج به، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فمعناه ذوو (د) نجس لأن معهم الشرك الذي بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، ولذلك كان نتيجته قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢) أي لا يحجوا ولا يعتمروا ووجب (هـ) المصير إلى هذا للجمع بين هذه الآية وآية المائدة وهي أصرح في المقصود وأما الاحتجاج على الطهارة بحديث جابر ففيه نظر، إذ ذلك بعد الاستيلاء، وبعد الاستيلاء غير محل النزاع.
قال في المنتقى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار
_________________
(١) (أ) في ب كراهية. (ب) بهامش ب. (جـ) في هـ: فارضخوها. (د) في جـ ذو. (هـ) في جـ: وأوجب.
(٢) أبو داود ٤/ ١٧٧ ح ٣٨٣٩، أحمد ٤/ ١٩٤.
(٣) الآية ٢٨ من سورة التوبة.
[ ١ / ١٤٨ ]
حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته، وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهر فيه بأكل لحم الخنزير متمكنا منه، أو يذبح بالسن والظفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعا بذلك بين الأحاديث، واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن بن علي - ﵄ - قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه (١). انتهى.
٢٠ - وعن عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ -، وأصحابه توضأوا من مَزَادَةِ امْرأةٍ مشركة (٢). متفق عليه في حديث طويل.
هو أبو نجيد بضم النون وكسر الجيم والياء الساكنة والدال المهمنة عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر، وسكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، أسلم هو وأبوه روى عنه أبو رجاء العطاردي ومطرف بن عبد الله زرارة بن أبي أوفى" (٣).
تقدم الكلام على فقه الحديث.
٢١ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - أن قدح النبي - ﷺ - انْكَسرَ، فاتخذ مكان الشِّعبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ. أخرجه البخاري (٤).
_________________
(١) أحمد ١/ ٢٠٠، والحاكم ٤/ ٩٩، والبيهقي ٥/ ٣٣٥، والنسائي ٨/ ٢٩٤، والترمذي ٤/ ٦٦٨، ح ٢٥١٨ وقال: حديث حسن صحيح. ابن حبان -الموارد-١٣٧ ح ٥١٢.
(٢) البخاري كتاب التيمم باب الصعيد الطيب وضوء كل مسلم ١/ ٤٤٧ ح ٣٤٤، مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب قضاء الصلاة الفائتة ١/ ٤٧٤ ح ٣١٢ - ٦٨٢، أحمد ٤/ ٣٤، البيهقي الطهارة باب التطهر في أواني المشركين إذا لم يعلم نجاسة ١/ ٣٢. قال الألباني وليس في الحديث أنه، توضأ من مزادة مشركة ولكن فيه استعماله لمزادة المشركة إرواء الغليل ١/ ٧٤.
(٣) الاستيعاب ٩/ ١٩. سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٠٨، الإصابة ٧/ ١٥٥.
(٤) البخاري كتاب فرض الخمس باب ذكر من ورع النبي - ﷺ - وعصاه وسيفه ٦/ ٢١٢ ح ٣١٠٩.
[ ١ / ١٤٩ ]
وحكى البيهقي (١) عن موسى بن هارون أو غيره أن الذي جعل السلسلة هو أنس لأن لفظه، فجعلت مكان الشعب سلسلة. وجزم بذلك ابن الصلاح.
وقال المصنف (٢) -رحمه الله تعالى- وفيه نظر لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله - ﷺ - عند أنس بن مالك، فكان قد انصدع فسلسه بفضة. قال (أ): وهو قدح جيد عريض نضار. قال أنس: لقد سقيت رسول الله - ﷺ - في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله - ﷺ - فتركه. هذا لفظ البخاري (٣)، وهو يحتمل أن يكون الضمير في فسلسله (ب) بفضة عائد إلى النبي ﵌ (٤)، ويحتمل أن يكون عائد إلى أنس (٥) كما ذكر البيهقي، وجزم به ابن الصلاح إلا أن آخر الحديث يدل على تعين الأول فإنه لما قال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله - ﷺ -، فتركه تصريح بأن القدح لم يتغير عن (جـ) موضوعه الأول الذي كان عليه مع النبي ﵌، وفي المواهب اللدنية: كان للنبي ﵌ قدح مُضَبَّبٌ بسلسلة من فضة في ثلاثة مواضع (٦) وهو يؤيد الأول.
_________________
(١) (أ) ساقطة من هـ. (ب) في ب: سلسلة. (جـ) في هـ: على.
(٢) البيهقي كتاب الطهارة باب النهي عن الإناء المفضض ١/ ٢٩.
(٣) الفتح ١٠/ ١٠٠.
(٤) كتاب الأشربة باب الشرب من قدح النبي - ﷺ - وآنيته ١٠/ ٩٨ ح ٥٦٣٨.
(٥) وهذا بناء على رواية المؤلف في المتن.
(٦) ويؤيد هذا رواية عاصم الأحول المذكورة في الشرح وقد أشار إلى هذا ابن حجر في الفتح ١٠/ ١٠٠.
(٧) المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية ١٠٠.
[ ١ / ١٥٠ ]
والحديث يدل على جواز تضبيب الإناء بالفضة، وهو مجمع على جواز ذلك، والشعب: الصدع والشق، والسلسلة مصدر بفتح الفاء: اتصال الشيء بالشئ، (وبالكسر المتخذ لذلك) (١) (أ)، والنضار بضم النون خشب للأواني ويكسر (٢)، ومنه كان منبر النبي ﵌.
(اشتمل باب الآنية على ثمانية أحاديث) (ب).
_________________
(١) (أ، ب) بهامش الأصل.
(٢) القاموس ٣/ ٤٠٨.
(٣) النضار: بضم النون الجوهر الخالص من التبر أو الخشب أو الأثل. القاموس ٢/ ١٤٩.
[ ١ / ١٥١ ]