باب الحث على الخشوع (أ) في الصلاة
قال: الخشوع تارة يكون من قبل القلب كالخشية، وتارة يكون من قِبَل البَدَن كالسكون، وقيل لا بد من اعتبارها، حكاه الفخر الرازي في تفسيره، ويدل على أنه مِنْ عَمَل القلب حديث علي - ﵁: "الخشوعُ في القلب" (١) أخرجه الحاكم، وأما حديث: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن (أ).
١٨١ - عن أبي هريرة - رضي الله عمه- قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي الرجل مختصرًا" متفق عليه، واللفظ لمسلم (٢)، ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته.
وفي البخاري عن عائشة أن ذلك فِعْل (ب) اليهود (٣).
تفسير الاختصار بما ذكره المصنف عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين (٤)، وبه قال أصحاب الشافعي، وقال الهروي (٥): قيل: هو
_________________
(١) (أ) في حاشية الأصل وفي هـ. (ب) في جـ: كان فعلة.
(٢) سنن البيهقي موقوفًا ٢/ ٢٨٩، وابن المبارك في الزهد موقوفًا ١/ ٢١٣، قال السيوطي ضعيف، الجامع الصغير ٢/ ٢١٩ وقال الألباني موضوع الإرواء ٢/ ٩٣، والصحيح أنه موقوف على سعيد بن المسيب.
(٣) البخاري العمل في الصلاة باب الخصر في الصلاة ٣/ ٨٨ ح ١٢٢٠، مسلم المساجد ومواضع الصلاة باب كراهة الاختصار في الصلاة ١/ ٣٨٧ ح ٤٦ - ٥٤٥، أبو داود نحوه الصلاة باب الرجل يصلي مختصرًا ١/ ٥٨٢ ح ٩٤٧، الترمذي الصلاة باب ما جاء في النهي عن الاختصار في الصلاة ٢/ ٢٢٢ ح ٣٨٣، النسائي الافتتاح باب النهي عن التخصر في الصلاة ٢/ ٩٨، أحمد ٢/ ٢٣٢.
(٤) البخاري ٦/ ٤٩٥ ح ٣٤٥٨.
(٥) سنن الترمذي ٢/ ٢٢٣.
(٦) غريب الحديث ١/ ٣٠٨.
[ ٢ / ٣٧١ ]
الذي يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل (١): أن يختصر السورة يقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: أن يحذف منهما ولا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، والصحيح ما ذكره المصنف.
والحكمة في النهي عنه قيل: لأنه فِعْل اليهود (٢)، وقيل: فِعْل الشيطان، وقيل: لأن إبليس هبط من الجنة كذلك (٣)، وقيل: إنه فِعل المتكبرين (٤)، (٥) والله أعلم.
١٨٢ - وعن أنس - ﵁ - أن رسول الله، - ﷺ -، قال: "إذا قُدِّم العَشَاءُ فابْدَووا به قبل أَنْ تصلُّوا المغرب". متفق عليه (٦).
الحديث ورد في هذه الرواية بالتصريح بالمغرب، وورد في غيره من الروايات بإطلاق لفظ الصلاة، قال ابن دقيق العيد (٧): فيحمل المطلق على المقيد والحديث يفسر بعضه بعضا، وقد ورد في رواية صحيحة: "إذا وُضِعَ العَشَاءُ وأحدُكم صائمٌ " (٨) فلا ينبغي أن تُحمل الأحاديث المطلقة على هذه الرواية
_________________
(١) الغزالي. الفتح ٣/ ٨٩.
(٢) ويؤيده رواية عائشة عند البخاري ٦/ ٤٩٥ ح ٣٤٥٨.
(٣) روى ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧ موقوفًا عن حُميد بن هلال أنه إنما كره التخصر في الصلاة لأن إبليس أهبط متخصرًا.
(٤) حكاه المهلب. الفتح ٣/ ٨٩.
(٥) وقيل: لأن الراجز يضع يده كذلك، وقيل: لأنّ وَضْع اليَدَيْن على الحقو استراحة أهل النار، مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧.
(٦) البخاري كتاب الآذان باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة ٢/ ١٥٩ ح ٦٧٢ مسلم نحوه المساجد ومواضع الصلاة باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال ١/ ٣٩٢ ح ٦٤ - ٥٥٧. الترمذي نحوه الصلاة باب ما جاء "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا" ٢/ ١٨٤ ح ٣٥٣، ابن ماجه نحوه في إقامة الصلاة باب إذا حضرت الصلاة ووضع العشاء ١/ ٣٠١ ح ٣٩٣، النسائي نحوه الإمامة باب العذر في ترك الجماعة ٢/ ٨٦، أحمد نحوه ٣/ ١١٠.
(٧) إحكام الأحكام ٢/ ٦٥.
(٨) مجمع الزوائد وعزاه إلى الطبراني في الأوسط وقال: رجاله رجال الصحيح ٢/ ٤٧.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
فإن الحكمة في ذلك هو دفع ما يحصل من تشويش الخاطر المفضِي إلى ترك الخشوع في الصلاة وقد يكون الجائع غير الصائم أشوق إلى الأكل من الصائم، والأولى حَمْل المطلق على إطلاقه، وذكر الخاص الموافق لا يقتضي تقييدا ولا تخصيصا، والجمهور حملوا الأمر على الندب، ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن كان محتاجا إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية (١)، وزاد الغزالي قيدا وهو إذا خشي فساد المأكول، وحمله ابن حزم والظاهرية على الوجوب (٢)، وقالوا: تبطل الصلاة إذا قدّمها، ومنهم مَن اختار البداءة بالطعام إذا كان خفيفا، نقله ابن المنذر عن مالك (٣)، وفصل أصحابه فقالوا: يبدأ بالصلاة إن لم تكن النفس متعلقة بالأكل أو (أ) كان لا يشغله عن صلاته، وإن كان ذلك يشغله بدأ بالطعام واستحب له الإعادة.
ويلحق باشتغال النفس بالطعام اشتغالها بغير ذلك من سائر مقاصدها فيندب تقديم ذلك، وهذا إذا كان في الوقت سَعَة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حُرمة الوقت، ولا يجوز التأخير، وحكى المتولي وجهًا أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا (ب) يفوته، كذا ذكره النووي (٤)، وهذا إنما يجيئ على قول من يوجب الخشوع في الصلاة، وفي قولهم أيضًا نظر لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، (جـ) فخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلَّى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، ويستحب الإعادة عند الجمهور (٥).
_________________
(١) (أ) في هـ: و. (ب) في جـ: و. (جـ) في جـ وهـ: و.
(٢) المجموع ٤/ ٣٤ والحنابلة المغني ١/ ٦٣٠.
(٣) الفتح ٢/ ١٦٠، المحلى ٤/ ٤٦، ٤٧.
(٤) المغني ١/ ٦٣٠.
(٥) شرح مسلم ٢/ ١٩٤.
(٦) وبقية كلامه: وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند =
[ ٢ / ٣٧٣ ]
واستدل بالحديث على أن الجماعة ليست بواجبة، وفيه نظر لأن بعض من أوجب الجماعة كابن حِبَّان (١) جعل حضور الطعام عُذْرًا، في تَرْك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب.
وظاهر قوله "فابدؤوا" في حق من لم يكن قد أكل شيئًا وأما من قد شرع في الأكل فلا يتمادى فيه. وقد استدل به بعض الشافعية على ذلك، وقد أخرج البخاري (٢) عن ابن عمر "أنه كان إذا حضر عشاؤه وسمع الإِقامة وقراءة الإِمام لم يقم حتى يفرغ"، ورواه ابن حبان (٣) عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس وكان أحيانا يلقاه وهو صائم فيقدّم له عشاءه وقد نودي للصلاة ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءَه ثم يخرج فيصلِّي، وروى سعيد بن منصور (٤) وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس: أنهما كانا يأكلان طعاما، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة فقال له ابن عباس: "لا تعجل لا نقوم، وفي أنفسنا منه شيءٌ". وفي رواية ابن أبي شيبة (٥): "لئلا يعرض لنا في صلاتنا"، وله (٦) عن الحسن
_________________
(١) = الجمهور لكن يستحب إعادتها ولا يجب، فاستحباب الإعادة ليس للجمهور. وحكاه ابن قدامة عن مالك. شرح مسلم ٢/ ١٩٤، المغني ١/ ٦٣٠. وقال في المجموع: والمشهور من مذهبنا ومذهب العلماء صحة صلاته مع الكراهة ٤/ ٣٤، قلتُ: فلا معنى لاستحباب الإعادة مع الإِجزاء. وقرأتُ بعد ذلك تعليقًا لسماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز: الأولى عدم استحباب الإعادة؛ لأن من صلى كما أمر فليس عليه إعادة فقد قال الله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والله أعلم الفتح ٢/ ١٦١.
(٢) ابن حبان- الإحسان - ٣/ ٢٥٤.
(٣) البخاري ٢/ ١٥٩ ح ٦٧٣.
(٤) ابن حبان- الإحسان - ٣/ ٢٥٤ ح ٢٠٦٤، ولفظه: كان ابن عمر إذا غربت الشمس وتبين له الليل فكان أحيانا يقدم عشاءه وهو صائم والمؤذن يؤذن ثم يقيم وهو يسمع فلا يترك عشاءه ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلي ويقول: قال رسول الله، - ﷺ -: "لا تَعْجَلُوا عن عشائكم إذا قدّم إليكم".
(٥) الفتح ٢/ ١٦١.
(٦) ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢١.
(٧) ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢١.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
ابن علي قال: "العَشَاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة". وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك (أ) تشوق النفس إلى الطعام فيدار الحكم معها وجودا وعدمًا بالنظر إلى البداية بالطعام والتمام إلا في حق من منعه (ب) الشرع من الأكل كالصائم فلا يكره له ذلك؛ إذ الممتنع شرعا لا تشوق النفس إليه لكن يستحب له الانتقال، إذا شغله، إلى غير ذلك المكان.
١٨٣ - وعن أبي ذَرٍّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمةَ تُواجِهه". رواه الخمسة بإسناد صحيح، وزاد أحمد: "واحدة أودع" (١).
وفي الصحيح عن معيقيب نحوه بغير تعليل (٢).
_________________
(١) (أ) ساقطة من جـ. (ب) في جـ: رخصة.
(٢) أبو داود الصلاة، باب في مسح الحصى ١/ ٥٨١ ح ٩٤٥، الترمذي الصلاة باب ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة ٢/ ٢١٩ ح ٣٧٩، النسائي السهو النهي عن مسح الحصى في الصلاة ٣/ ٧، ابن ماجه في إقامة الصلاة باب مسح الحصى في الصلاة ١/ ٣٢٧ ح ١٠٢٧، أحمد ٥/ ١٥٠ - ١٦٣، البيهقي الصلاة باب كراهة مسح الحصى وتسويته في الصلاة ٢/ ٢٨٤، الدارمي النهي عن مسح الحصى ١/ ٢٦٣ ح ١٣٩٥، الطيالسي في الصلاة ما يكره فعله ١/ ١٠٨، ح ٤٩٢. قلتُ: حديث أبي ذر ضعيف الإسناد لأن فيه أبا الأحوص مولى بني ليث لا يعرف اسمه ويقال مولى بني غفار لم يرو عنه غير الزهري قال ابن معين: ليس بشيءٍ، وقال النسائي: لم نقف على اسمه ولا نعرفه، قال أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، قلت: قال ابن حجر: مقبول، وهو في الحقيقة مجهول الحال لأنه لم يرو عنه غير الزهري. وقد أنكر ابن عبد البر على ابن معين ذلك لأنه روى عن ابن أكيمة وقال: يكفيه قول ابن شهاب: حدثني فقال يلزمه مثل هذا في أبي الأحوص والله أعلم. الكنى ١/ ٩٣، التهذيب ١٢/ ٥، الكاشف ٣/ ٣٠٨، الميزان ٤/ ٤٨٧. قلتُ: وللحديث شاهد من الصحيح ولكن بدون التعليل.
(٣) حديث معيقيب. البخاري في العمل في الصلاة باب مسح الحصى في الصلاة ٣/ ٧٩ ح ١٢٠٧، مسلم في المساجد باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة ١/ ٣٨٧، ح ٤٧ - ٥٤٦، أبو داود ١/ ٥٨١ ح ٩٤٦، الترمذي ٢/ ٢٢٠ ح ٣٨١، النسائي ٣/ ٧، وابن ماجه ١/ ٣٢٧ ح ١٠٢٦.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
حديث معيقيب متفقٌ عليه في الرجل و(أ) يسوي التراب حيث يسجد فقال النبي - ﷺ -: "إن كنت فاعلا فواحدة"، أي: إنْ كنتَ لا بد أن تسوِّيَ فسوِّ مرة واحدة.
وقوله: "فلا تمسح الحصا" المراد بمَسح الحصا اللعب به وتسويته ليسجد عليه وذلك مما يشغل القلب.
وقوله: "فإن الرحمة" إلخ يعني الرحمة تقبل عليه وتنزل فلا يليق اللعب بالحصى وغيره مما تغشاه الرحمة وتواجهه والله أعلم.
[ومُعَيْقِيْبِ (١) بضم الميم وفتح العين المهملة: وسكون الياء تحتها نقطتان وكسر القاف بعدها ياء أخرى ساكنة بعدها باء موحدة، وهو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي مولى سعيد بن أبي العاص، وقيل حليف لآل سعيد شهد بدرا وكان أسلم قديما بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم على النبي - ﷺ - بالمدينة وكان على خاتم النبي - ﷺ -، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. روى عنه ابنه محمد وابن ابنه إياس بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الرحمن، مات سنة أربعين، وقيل في آخر خلافة عثمان] (ب).
١٨٤ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: سألتُ رسول الله - ﷺ -، عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاسٌ يخْتَلِسُه الشيطان من صلاةِ العبد" رواه البخاري (٢).
_________________
(١) (أ) ساقطة من جـ. (ب) بهامش الأصل.
(٢) الإصابة ٩/ ٢٦٦.
(٣) البخاري في الأذان باب الالتفات في الصلاة ٢/ ٢٣٤ ح ٧٥١، أبو داود الصلاة باب الالتفات في الصلاة ١/ ٥٦٠ ح ٩١٠ بنحوه، الترمذي الصلاة باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة ٢/ ٤٨٤ ح ٥٩٠، النسائي السهو باب التشديد في الالتفات في الصلاة ٣/ ٨، أحمد ٦/ ١٠٦ البيهقي الصلاة باب في كراهية الالتفات ٢/ ٢٨١، ابن خزيمة الصلاة باب ذكر الدليل على أن الالتفات في الصلاة يتعطل الصلاة وأنه يفسدها فسادا يجب عليه إعادتها ١/ ٢٤٤ ح ٤٨٤، شرح السنة باب كراهية الالتفات في الصلاة ٣/ ٢٥١ ح ٧٣٢.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وللترمذي وصححه (١): "إياكَ والالتفاتَ في الصلاة فإنه هلكةٌ، فإنْ كان لا بدَّ ففي التطوع".
الحديث فيه دلالة على كراهة الالتفات، وهو إجماع (٢)، و(أ) لكن الجمهور على أنها للتنزيه والمراد به الالتفات الذي لم يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره أو عنقه كله، وسبب الكراهة يحتمل أَنْ يكون لنقص الخشوع كما أراده المصنف بإيراده في هذا الباب أو لترك استقبال القبلة ببعض البَدَن، أو لما فيه من الإِعراض عن التوجه إلى الله تعالى. كما أشار إلى ذلك فيما أخرجه أحمد وابن خزيمة من حديث أبي ذر، رفعه: "لا يزالُ الله مُقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف" (٣)، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي (٤).
وقوله: "اختلاس" أي اختطاف بسرعة، وفي النهاية (٥): اختلاس افتعال من الخلسة وهو ما يؤخذ سلبا مكابرة. وقال غيره: المختلس الذي يخطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوة، والسارق يأخذ في خفية (ب).
_________________
(١) (أ) الواو ساقطة من جـ. (ب) في جـ: يأخذ خفية، وهـ: يأخذ بخفية.
(٢) الترمذي ٢/ ٤٨٤ ح ٥٨٩، قلت: والحديث في سنن الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال أحمد شاكر في تعليقه على السنن: لم نجد تصحيحه في أي نسخة من سنن الترمذي، والمجد ابن تيمية نقل الحديث في المنتقى رقم ١٠٨٩ وقال: رواه الترمذي وصححه. قلتُ: ورواه ابن عبد الهادي في "المحرر" وعزا تصحيحه إلى الترمذي ١/ ٢١٥، والحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان، ضعيف مر في حديث ١٢.
(٣) الفتح ٢/ ٢٣٤.
(٤) ابن خزيمة ١/ ٢٤٤ ح ٤٨٢، أحمد ٥/ ١٧٢، والحديث ضعيف لأن فيه أبا الأحوص مر في ٦٦٧ ح ١٨٣.
(٥) أبو داود ١/ ٥٦٠ ح ٩٠٩، والنسائي ٣/ ٨.
(٦) النهاية ٢/ ٦١.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
ونسبه إلى الشيطان مجازا عقليا، لما كان الالتفات سبب ما يوسوس به الشيطان من أخطار الأسباب المفضية إلى التفات المصلي، وأطلق على ذلك الالتفات اسم الاختلاس مبالغة في تشبيهه بالاختطاف بسرعة، وقيل: أسند إلى الشيطان لأن فيه انقطاعا عن ملاحظة التوجه إلى الحَقّ سبحانه.
وقال الطيبي (١): سماه اختلاسا تصويرا لقُبح تلك الفعلة بالمختلس لأن المصلي يُقْبِلُ على الرب تعالى والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فيسلبه تلك الحالة.
وقوله: "يختلسه" بالضمير في رواية الكشميهني (٢)، وهي رواية أبي داود (٣) عن مسدد شيخ البخاري وفي سائر الروايات بحذف الضمير.
وقوله: "فإنه هلكة" أطلق اسم الهلكة عليه مبالغة لما فيه من طاعة الشيطان والإِعراض عن التوجه إلى الرحمن.
١٨٥ - وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه" متفق عليه (٤). وفي رواية: "أو تحت قدمه" (٥).
قوله: "إذا كان أحدكم في الصلاة" ورد في رواية التقييد بالصلاة وفي غيرها أورده البخاري (٦) من طريق ابن شهاب من حديث أبي هريرة، ومن
_________________
(١) الفتح ١/ ٢٣٥.
(٢) الفتح ١/ ٢٣٥.
(٣) أبو داود ١/ ٥٦٠ ح ٩١٠.
(٤) مسلم كتاب المساجد باب النهي عن البصاق في المسجد ١/ ٣٩٠ ح ٥٤ - ٥٥١ البخاري كتاب العمل في الصلاة باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة ٣/ ٨٤ ح ١٢١٤، ابن ماجه كتاب المساجد باب كراهية النخامة في المسجد ١/ ٢٥١ ح ٧٦١.
(٥) البخاري كتاب الصلاة باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه ١/ ٥١٣ ح ٤١٧.
(٦) البخاري ١/ ٥١٠ ح ٤١٠.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
طريق قتادة (١) من حديث أنس أيضًا (أ) مطلق من التقييد بكونه في الصلاة. ولعله بحمل المطلق على القيد والتعليل بقوله: "فإنه يناجي ربه" يدل على ذلك في حق القبلة، وأما في حق اليمين فقد علل في حديث أبي هريرة المطلق فإن على يمينه ملكًا (٢)، وظاهره الإِطلاق، وورود المقيد المطابق للمطلق لا يدل على التقييد، وقد جزم النووي (٣) بالمنع في كل حالة (ب) داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أم في غيره، ونقل عن مالك (٤) أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، ويشهد للإِطلاق ما رواه عبد الرزاق (٥) وغيره عن ابن مسعود: أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقتُ عن يميني منذ أسلمت (٦)، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا (٧).
وقوله: "فإنه يناجي ربه" وفي البخاري زيادة: "وإن ربه بينه وبين القبلة" (٨) بواو العطف في رواية الحموي والمستملي، وبالشك في رواية الأكثر (٩)، والمناجاة من العبد مراد بها حقيقة النجوى ومن قِبَل الرب لازم ذلك فيكون مجازا، والمراد إقباله عليه بالرحمة والرضوان.
وأما قوله: "فإن ربه بينه وبين القبلة" فمعناه أن توجهه إلى القبلة مفضٍ
_________________
(١) (أ) ساقطة من جـ. (ب) في جـ: حال.
(٢) البخاري ١/ ٥١٠ ح ٤١٢.
(٣) البخاري ١/ ٥١٢ ح ٤١٦ وفيه .. "ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا".
(٤) شرح مسلم ٢/ ١٨٧، ١٨٨.
(٥) المدونة ١/ ٩٩.
(٦) المصنف ١/ ٤٣٥ ح ١٦٩٩، وفي مجمع الزوائد وعزاه إلى الطبراني الكبير وقال: رجاله ثقات ٢/ ٢٠.
(٧) و(٧) المصنف ١/ ٤٣٥ ح ١٧٠٠ - ١٧٠١
(٨) البخاري ١/ ٥٠٧ ح ٤٠٥.
(٩) الفتح ١/ ٥٠٨.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف أي عظمة الله أو ثواب الله (١)، وقال ابن عبد البر: هو كلامُ خرج مخرج التعظيم لشأن القبلة.
وقد أفهم الحديث أن البصاق إلى القبلة حرام سواء كان في المسجد أم غيره، وسواء كان في الصلاة أم غيرها، ويؤيده ما في صحيحَي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعًا: "مَنْ تَفَلَ تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينَيْه" (٢)، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يُبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه" (٣)، ولأبي داود وابن حبان من حديث السائب بن خلاد أن رجلا أَمَّ قوما فبصق (أ) في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله، ﷺ: "لا يصلي لكم " الحديث، وفيه أنه قال له (ب): "إنك (ح) آذيت الله ورسوله" (٤).
وقوله: "فلا يبصقن بين يديه" أي قبلته، يقال: بصق وبزق لغتان مشهورتان، والبصاق والبزاق (٥) من الفم، وقد يقال: بساق، لغة قليلة.
وعدها جماعة خطأ (٦).
والنخامة و(د) هي النخاعة من الصدر (٧)، يقال: تنخع وتنخم.
_________________
(١) (أ) في جـ: بصق. (ب) ساقطة من جـ. (جـ) ساقطة من هـ. (د) ساقطة من جـ وهـ.
(٢) قلتُ: هذا تأويل باطل، والأولى أن يثبت كما ورد على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته.
(٣) ابن حبان ١٠٣ ح ٣٣٢ (موارد)، ابن خزيمة ٢/ ٦٢ ح ٩٢٥، أبو داود ٤/ ١٧١ ح ٣٨٢٤، وإسناده صحيح.
(٤) ابن خزيمة ٢/ ٢٧٨ ح ٣١٣، وابن حبان ١٠٣ ح ٣٣٣ (موارد) وإسناده صحيح.
(٥) أبو داود ١/ ٣٣٤ ح ٤٨١ منها ابن حبان (موارد) ١٠٣/ ٣٣٤.
(٦) ماء الفم إذا خرج منه وما دام فيه. القاموس ٣/ ٢٢٠.
(٧) شرح مسلم ٢/ ١٨٦.
(٨) القاموس ٤/ ١٨١، ١٨٢.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وقوله: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه" وهذا إذا كان في غير المسجد، وأما إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه لقوله: "البصاق في المسجد خطيئة" (١)، وقد أورد البخاري في بعض روايات حديث أنس: "ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا" (٢).
فائدة: قد تقدم تعليل النهي بالبصق عن اليمين بأن على يمينه ملكا فيقال: واليسار عليها ملك وهو الموكل بالسيئات. وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بمَلَك اليمين تشريفا له وتكريما، هكذا قاله جماعة من القدماء، وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة. من حديث حذيفة موقوفًا في هذا الحديث قال: "ولا عن يمينه (أفإن عن يمينه أ) كاتب الحسنات" (٣)، وفي الطبراني من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره" (٤) انتهى.
فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل مَلَك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين. والله أعلم.
١٨٦ - وعنه - ﵁ - قال: "كان قِرَامٌ لعائشة - ﵂ - سترت به جانب بيتها فقال النبي، ﷺ: "أَمِيطِي عنا قِرَامَكِ هذا، فإِنَّه لا تزال تَصاويرُه تَعرِض لي في صلاتي" رواه البخاري (٥).
_________________
(١) (أ، أ) بهامش هـ.
(٢) البخاري ١/ ٥١١ ح ٤١٥ وسيأتي في ٧٠١ ح ٢٠٠.
(٣) البخاري ١/ ٥١٣ ح ٤١٧.
(٤) ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٤.
(٥) الطبراني الكبير ٨/ ٢٣٤، ٢٣٥ ح ٧٨٠٨، قال الهيثمي ٢/ ١٩: وقال من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد وكلاهما ضعيف.
(٦) الصلاة باب إن صلى في ثوب مُصَلَّب أو تصاوير هل تفسد صلاته ١/ ٤٨٤ ح ٣٧٤.
[ ٢ / ٣٨١ ]
واتفقا على حديثها في قصة أَنْبِجَانِيَّة أبي جهم وفيه: "فإنها ألهتني عن صلاتي" (١).
"القِرَام" بكسر القاف وتخفيف الراء: ستر رقيق من صوف ذو ألوان (٢).
وقوله: "أميطي": أزيلي.
وقوله: "تصاوير" روي بحذف الضمير.
قال المصنف -﵀ (٣): كذا في روايتنا، ورواه الباقون بإثبات الضمير كما في الأصل فيكون الضمير في قوله: "فإنه" ضمير الشأن على حذف ضمير "تصاوير"، وعلى إثبات الضمير فيكون ضمير "فإنه" عائد إلى القرام.
وقوله: "تَعرِض" بفتح أوله وكسر الراء: أي تَلُوح، وللإِسماعيلي (٤) تعرَّض بفتح العين وتشديد الراء وأصله: تتعرض.
وفي الحديث دلالة على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه، ﷺ، لم يقطعها ولم يُعِدْها.
وقوله: "في قصة أَنْبِجَانيَّة" (٥): بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة: كساء غليظ لا عَلَم له، وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الموحدة يقال: كبش أنبجانيّ: إذا كان ملتفًّا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وأنكر أبو موسى المديني على مَنْ زعم أنه منسوب إلى "منبج" البلد المعروف بالشام، قال صاحب "الصحاح" (٦):
_________________
(١) حديث عائشة: البخاري الصلاة باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إليها علمها ١/ ٤٨٢ ح ٣٧٣، مسلم المساجد باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام ١/ ٣٩١ ح ٦١ - ٥٥٦، أبو داود الصلاة باب النظر في الصلاة ١/ ٥٦٢ ح ٩١٤، النسائي القبلة، الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام ٢/ ٥٦، ابن ماجه اللباس باب لباس رسول الله، ﷺ، ٢/ ١١٧٦ ح ٣٥٥٠، أحمد ٦/ ٣٧.
(٢) النهاية ٤/ ٤٩.
(٣) الفتح ١/ ٤٨٤.
(٤) المرجع السابق.
(٥) النهاية ١/ ٧٣.
(٦) الصحاح ١/ ٣٤٣.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
إذا نسبتَ (أ) إلى منبج فتحت الباء فقلت كساء مَنْبجَانِيّ، وقال أبو حاتم السجستاني: لا يُقال كساء أنبجاني وإنما يقال: منبجاني، قال: وهذا مما يخطئ فيه العامة، وتعقبه أبو موسى فقال: الصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له: "أنبجان".
وأبو جهم (١) هو (ب) عبيد -ويقال عامر- بن حذيفة العدوي صحابي مشهور، [أسلم عام الفتح، وكان مقدما في قريش معظما في مشيخة قريش، عالما بالأنساب، معمرا، حضر بناء الكعبة مع قريش مع عبد الله بن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان] (جـ).
والحديث عن عائشة "أن النبي، صلى الله عليه رسلم، صلَّى في خَمِيصَةٍ لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" (٢)، وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال النبي، ﷺ: "كنتُ أنظر إلى عَلَمِها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني" (٣) والخميصة: كساء مربع له عَلَمان (٤) وهي بفتح المعجمة وكسر اليم وفتح الصاد الهملة، وإنما خصه، ﷺ، بإرسال الخميصة لأنه كان أهداها له كما رواه مالك في "الموطأ" من طريق أخرى عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة لها عَلَم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال:
_________________
(١) (أ) في جـ: نسب. (ب) في هـ: أبو عبيد. (جـ) بهامش الأصل.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٥٦، الإصابة ١١/ ٦٦.
(٣) و(٣) البخاري ١/ ٤٨٢، ح ٣٧٣.
(٤) وقيل: لا تكون خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة. النهاية ٢/ ٨١.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جهم" (١) ولأبي داود من طريق أخرى: "وأخذ كرديًّا لأبي جهم فقيل: يا رسول الله الخميصة كانت خيرا من الكرديّ" (٢).
قال ابن بطال (٣): إنما طلب منه ثوبا غيرها لِيُعْلمَهُ أنه لم يردّ عديه هديته استخفافا به، قال (أ): وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة.
وقوله: "ألهتني" أي: شغلتني، يقال لهي بالكسر: إذا غفل: ولها بالفتح: إذا لعب (٤).
وقوله: "آنفا" أي: قريبا، مأخوذ من انتياف الشيء أي ابتدائه (٥).
وقوله: "عن صلاتي" أي: كمال الحضور فيها، وفي بعض طرق الحديث ما يدل على أنه لم يقع الإِلهاء لأنه قال: "وأخاف"، وكما تقدم في رواية هشام "فأخاف"، ويمكن الجمع بينهما بأن الإِلهاء وقع في الصلاة الواقعة والخوف في الصلاة المستقبلة [أو أن معنى ألهتني: كادت تلهيني فإطلاق حقيقة الإِلهاء عليه مبالغة في القُرْب (ب) لا لتحقق الإِلهاء] (جـ).
وفي الحديت الدلالة على مبادرة الرسول ﷺ إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها، ويدل على كراهية ما شَغَلَ (د) عن الصلاة مِن الإِمتاع والنقوش، ونحوها.
_________________
(١) (أ) ساقطة من هـ. (ب) في جـ: للقرب. (جـ) بهامش الأصل. (د) في جـ: يشغل.
(٢) الموطأ ٨١ ح ٧٢.
(٣) أبو داود ١/ ٥٦٢ ح ٩١٥.
(٤) شرح ابن بطال باب إذا صلى في ثوب لها أعلام ونظر إلى علمها فيه.
(٥) القاموس ٤/ ٣٩٠.
(٦) القاموس ٣/ ١٢٣، ١٢٤.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وفيه قَبول الهدية من الأصحاب والإِرسال إليهم والطلب منهم.
و(أ) قال الطيبي (١): فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية، يعني: فضلا عما دونها.
وفي هذا الحديت دلالة على أن الاستملاء من الكتابة لا يفسد الصلاة واستثبات المكتوب كذلك إذ الأنبجانية وتعرض التصاوير لا تشغله إلا وقد استثبت ما فيها، والله أعلم.
١٨٧ - وعن جابر بن سَمُرَة - ﵁ - قال: قال، رسول الله ﷺ: "لَيُنْتَهَيَنَّ قَوْمٌ يرفعون أبصارَهم إلى السماء في الصلاة أولًا ترجع إليهم" رواه مسلم (٢).
[قوله: "لَيُنْتَهيَنَّ": في رواية المستملي والحموي للبخاري (٣) بضم الياء وسكون النون وبفتح المثناة والهاء والياء وتشديد النون على البناء للمفعول والنون للتأكيد، وللباقين بفتح أوله وسكون النون وضم الهاء على البناء للفاعل وهو الضمير المحذوف.
"وقوم" فاعل أيضًا على لغة أكلوني البراغيث] (ب)، وفي رواية "أو لتخطفن أبصارهم".
_________________
(١) (أ) سقطت من جـ. (ب) في هامش الأصل.
(٢) الفتح ١/ ٤٨٢.
(٣) مسلم الصلاة باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة ١/ ٣٢١ ح ١١٧ - ٤٢٨، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها باب الخشوع في الصلاة ١/ ٣٣٢ ح ١٠٤٥، البيهقي الصلاة باب كراهية رفع البصر إلى السماء في الصلاة ٢/ ٢٨٣، أحمد ٥/ ١٠٨، الدارمي كتاب الصلاة باب كراهية رفع البصر إلى السماء ١/ ٢٩٨، المحلى ٤/ ١٥.
(٤) ليس في البخاري حديث جابر بن سمرة والمؤلف نقل كلام ابن حجر في الفتح على حديث أبي هريرة: "لينتهين عن ذلك. ." البخاري مع الفتح ٢/ ٢٣٣، ٢٣٤ ح ٧٥٠. وهذا غلط فإن صحيح البخاري ومسلم مبني على السماع والاتصال فيجوز في موضع ما لا يجوز في الآخر والله أعلم.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
في الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك، [وعلى هذا فهو حرام، وقال ابن حزم: تبطل به الصلاة (١)، وقيل المعنى: إنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل على المصلي، وفي قصة قراءة أُسَيْد بن (أ) حُضَير (٢) ما يدل على ذلك أشار إلى هذا المعنى الداودي] (ب)، وقد قيل إنه مجمع على أنه منهيّ عن ذلك في الصلاة. قال القاضي عياض (٣): واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء فكرهه شريح وآخرون وجوّزه الأكثرون، وقالوا إن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة فلا يكره رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد بالدعاء قال الله تعالى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ (٤) (جـ).
١٨٨ - وله عن عائشة - ﵂ - قالت: "سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" (٥).
تقدم الكلام في حضور الطعام.
وقوله: "ولا وهو يدافعه الأخبثان": فيه دلالة على أنّ ذلك مع المدافعة لا إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك ولا يحتاج إلى دفعِ خارجٍ فلا كراهة، والمراد بالأخبثين البول والغائط، ويلحق بهما ما كان شاغلا عن الصلاة وعن كمال
_________________
(١) (أ) ساقطة من هـ. (ب) بهامش الأصل. (جـ) الآية بهامش هـ.
(٢) الفتح ٢/ ٢٣٤، المحلى ٤/ ١٦، ١٧.
(٣) البخاري مع الفتح ٩/ ٦٣ ح ٥٠١٨.
(٤) شرح مسلم ٢/ ٧٣.
(٥) الآية ٢٢ من سورة الذاريات.
(٦) مسلم كتاب المساجد باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله ١/ ٣٩٣ ح ٦٧ - ٥٦٠ (في قصة). البيهقي الصلاة باب ترك الجماعة بحضرة الطحاكم ونفسه إليه شديدة التوقان ٣/ ٧٣.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
الخشوع وحضور القلب، وهو محمول على كراهة التنزيه دون الحَصْر مع استكماله لواجب الصلاة، فقوله: "لا صلاة" متوجه إلى نفي الكمال والأفضل، إذ ذات الصلاة غير منفيَّة لإمكان وقوعها، وتقديم إزالة الخَبَث إذا كان الوقت فيه سَعَة، فإن ضاق الوقت وأمَكن تأدية الصلاة وجب تقديمها كما تقدم في حضور الطعام (أ)، والله أعلم.
١٨٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع" رواه مسلم والترمذي (١) وزاد: "في الصلاة".
قوله: "التثاؤب" مصدر تثاءب الرجل، وتثاوب على وزن تفاعل إذا فتح فاه من غَلَبَةِ النوم أو الغفلة أو كثرة امتلاء البطن، وكل ذلك غير مرضيّ، فلأجل هذا كره التثاؤب، ومن وجد ذلك في نفسه فليكظمه أي (ب) وأضيف إلى الشيطان لما يوثر من الغفلة والكسل عن الطاعة التي يرضاها الشيطان، ولعل الشيطان وسوسه، وتنشيطا لحضور ذلك، قد أشار إلى هذا في تمام الحديث (٢) في رواية مسلم بقوله: "فإن الشيطان يدخل".
وقوله: "فليكظم" الكَظْم المَنْع والإِمساك.
_________________
(١) (أ) في جـ: الصلاة. (ب) ساقطة من جـ وهـ.
(٢) مسلم كتاب الزهد والرقائق باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب ٤/ ٢٢٩٣ ح ٥٦ - ٢٩٩٤، الترمذي الصلاة باب ما جاء في كراهية التثاؤب في الصلاة ٢/ ٢٠٦ ح ٣٧٠، البخاري بمعناه كتاب الأدب باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه ١٠/ ٦١١ ح ٦٢٢٦، ابن ماجه بمعناه إقامة الصلاة باب ما يكره في الصلاة ١/ ٣١٠ ح ٩٦٨. ابن خزيمة الأفعال المكروهة في الصلاة باب كراهة التثاؤب في الصلاة إذ هو من الشيطان ٢/ ٦١ ح ٩٢٠، أحمد ٢/ ٥١٧.
(٣) ليس من تمام الحديث فإن حديث أبي هريرة ليس فيه ذلك وإنما هو من حديث أبي سعيد: "فإن الشيطان يدخل" ٤/ ٢٢٩٣ ح ٥٧ - ٢٢٩٥.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
وزاد: "في الصلاة" ظاهره أنها زيادة للترمذي، وهي أيضًا في البخاري، وتمام رواية البخاري: "ولا تَقُلْ (أ) ها فإنما ذلكم من (ب) الشيطان يضحك منه" (١)، والضمير في "منه" عائد إلى الحالة المعبر عنها بقوله "ها"، وزيادة "في الصلاة" لا تنافي النهي عن تلك الحالة مطلقا، لموافقة الطلق والمقيد في الحكم فلا تقييد حينئذ، والله أعلم.
عدد أحاديث الباب: أربعة عشر حديثًا.
_________________
(١) (أ) بالأصل: ولا يصلي ها. (ب) في جـ وهـ: ذلك.
(٢) لفظ البخاري: "إذا قال ها ضحك منه الشيطان". ١٠/ ٦٠٧ ح ٦٢٢٣.
[ ٢ / ٣٨٨ ]