أعلم أن الصلح له أقسام (أ): صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، والصلح في الجراح كالعفو على مالٍ، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت في الأملاك والحقوق، وهذا القسم هو المراد هنا، وهو ما يذكره أهل الفروع في باب الصلح.
٧٠٤ - عن عمرو بن عوف المزني ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلَّا صلحًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلَّا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا". رواه التِّرمذيُّ وصححه، وأنكروا عليه؛ لأنَّ راويه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف (١) وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة (٢).
كثير المذكور أكذبه الشَّافعي (٣)، وتركه أحمد، وقال في "الميزان" (٤) عن ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة. قال: ولهذا لم يعتمد
_________________
(١) (أ) زاد في النسخ: أربعة. وينظر الفتح ٥/ ٢٩٨.
(٢) كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، المدني، ضعيف، أفرط من نسبه إلى الكذب. التقريب ص ٤٦٠.
(٣) التِّرمذيُّ، كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله - ﷺ - في الصلح بين النَّاس ٣/ ٦٣٤، ٦٣٥ ح ١٣٥٢، وابن حبان، كتاب الصلح، باب ذكر الإخبار عن جواز الصلح بين المسلمين ما لم يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع ١١/ ٤٨٨ ح ٥٠٩١.
(٤) الجرح والتعديل ٧/ ١٥٤، وتهذيب الكمال ٢٤/ ١٣٦.
(٥) ميزان الاعتدال ٣/ ٤٠٧.
[ ٦ / ٢٦٥ ]
العلماء على تصحيح التِّرمذيِّ؛ لكونه صحح حديثه، وقد قال الشَّافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب. وابن حبان والحاكم (١) أخرجاه من طريق الوليد بن رباح عنه، ورواه أحمد أيضًا (٢) من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة دون الاستثناء، وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٣) من طريق أبي (أ) العوام البصري موقوفًا على عمر كتبه إلى أبي موسى. ورواه (٤) في ["السنن"] (ب) من طريق أخرى إلى سعيد بن أبي بُرْدة قال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى. فذكره فيه.
والحديث فيه دلالة على شرعية الصلح وندبه، وكيف وفي ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٥). ومعناه لغة: قطع النزاع، وشرعًا كذلك: هو عقد وضع [لرفع] (جـ) النزاع بين المتخاصمين.
وقوله: "جائز". يدل على أن وضعه مشروط فيه المراضاة، وليس بحكم لازم حتَّى يقضي به وإن لم يرض الخصم. وخصّ (د) المسلمين بالذكر؛ لأنهم هم المنقادون للأحكام، المعتبرون لتعريف الحلال والحرام،
_________________
(١) (أ) في جـ: ابن. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٢٩. (ب) في الأصل، جـ: السير. (جـ) في الأصل: لدفع. (د) في جـ: جعل.
(٢) ابن حبان ١١/ ٤٨٨ ح ٥٠٩١، والحاكم ٢/ ٤٩.
(٣) أحمد ٢/ ٣٦٦ من رواية سليمان عن كثير عن الوليد عن أبي هريرة.
(٤) معرفة السنن والآثار ٤/ ٤٦٧ ح ٣٦٥٩.
(٥) البيهقي ٦/ ٦٥.
(٦) الآية ١١٤ من سورة النساء.
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وإن كان غيرهم من الكفار كذلك تعتبر أحكام الصلح فيما بينهم، وظاهر الحديث عموم صحة الصلح سواء كان قبل إيضاح الحق للخصم أو بعده، كما في حكومة الزُّبير والأنصاري (١)؛ فإن ظاهر القصة أن النَّبيَّ - ﷺ - لم يكن قد أبان للزبير ما يستحقه وأمره بأن يأخذ بعض ما يستحقه، ثم أبان الأمر لما لم يقبل الأنصاري الصلح وطلب مُرَّ الحق، ولا يكون الصلح فيما بين المتخاصمين إلَّا هكذا، وأمَّا بعد إبانة الحق فإنَّما هو طلب صاحب الحق أن يحل صاحبه بعض الحق الذي له، وقد ذهب إلى هذا الفقهاء الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد، والخلاف في ذلك للعترة والشّافعيّ فقالوا: لا يصح الصلح مع الإنكار، ومعنى أنَّه لا يصح، هو اُنه لا يطيب مال الخصم مع إنكار (١) المصالح، وذلك حيث يدعي عينا (أ) أو دينًا فيصالح ببعض العين أو الدين مع إنكاره، فإن الباقي لا يطيب له، بل يجب عليه تسليمه، لقوله - ﷺ -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلَّا بطيبة من نفسه" (٢) وقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٣). ويجاب عنه بأنه قد وقع طيبة النَّفس بالرضا بالصلح، وعقد الصلح قد صار في حكم عقد المعاوضة، فيحل له ما بقي.
وقوله: "إلَّا صلحًا حرم حلالًا". وذلك مثل أن تصالحه المرأة بشيء على ألا يطأ أمته أو زوجةً غيرها ونحو ذلك، فإن هذا لا يصح ولا يحل
_________________
(١) (أ) في جـ: عيبًا.
(٢) البُخاريّ ٥/ ٣٤ ح ٢٣٥٩، ٢٣٦٠، ومسلم، ٤/ ١٨٢٩، ١٨٣٠ ح ٢٣٥٧/ ١٢٩.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٥٥.
(٤) سورة النساء، الآية ٢٩.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
العوض.
وقوله: "أو أحل حرامًا". كأن تصالحه على وطء أمته أو نحوها ممن لا يحل وطؤها، وليس من ذلك المصالحة ببعض الدين أو ببعض العين؛ إذ سبب التحريم غير باق بعد الصلح، وهذه الصورة المذكورة سبب التحريم باق بعد الصلح، فهي المقصودة بالاستثناء.
وقوله: "والمسلمون على شروطهم". وفي رواية لأبي داود: "والمؤمنون" -هو جمع شرط بفتح الشين وسكون الراء، والشرط في اللغة (١) بمعنى العلامة، وفي الشرع (٢): هو ما يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب.
وقوله: "على شروطهم". أي: ثابتون عليها وواقفون، وهذا اللائق بهم، وعدَّاه بـ: "على" إشارة إلى علو مرتبتهم، وفي وصفهم بالإسلام أو الإيمان ما يقتضي الوفاء بالشّرط، ويجب عليه؛ فلذا خصهم بالذكر وإن كان كل أحد مأمورًا بذلك، [فدل] (أ) على لزوم الشرط إذا شرطه المسلم إلَّا الشرط المستثنى، وهذا الحديث عام وظاهره صحة اعتبار الشروط، وقد وردت أحاديث فيما يلزم منه وفيما لا يلزم، وفصل الققهاء في الفروع أحكام الشروط، وأن منها ما يصح في نفسه ويلزم حكمه، ومنها ما لا يصح ولا يلزم، ومنها ما يصح ويلزم منه فساد العقد؛ ولذلك التفصيل أدلة مستوفاة وعلل مناسبات، وفصل كثيرًا منها البُخاريّ (٣) في "كتابه" في
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: يدل، وغير واضحة في: ب. والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) ينظر تهذيب اللغة ١١/ ٣٠٩، والقاموس المحيط (ش ر ط).
(٣) ينظر مغني المحتاج ١/ ١٨٤، وكشاف القناع ٣/ ١٨٨، وحاشية الدسوقي ١/ ٢٠١، وحاشية ابن عابدين ١/ ٩٤.
(٤) الفتح ٥/ ٣١٢ - ٣٥٥.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
كتاب الشروط، وجعل من الشروط الجائزة في البيع، إذا اشترط المشتري ثمرة النخل المؤبَّرة (١)، وشراء المكاتبة لتعتق، واشتراط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى، وفيه حديث جابر (١)، والشرط في العاملة شرط النَّبيِّ - ﷺ - على الأنصار في النخيل أن يكفوا المؤنة في عملها ويشركهم في الثمرة (٢)، ومعاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها (٣)، وفي النكاح قوله - ﷺ -: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (٤). والتي لا تجوز في النكاح جعل منها قوله - ﷺ -: "ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتستكفئ إناءها" (٥). وفي الحدود قصة العسيف وزوج المرأة التي زنى بها العسيف (٦)، وغير ذلك.
وقوله: "إلَّا شرطًا حرم حلالًا". مثل اشتراط البائع ألّا يطأ الأمة، "أو أحل حرامًا". مثل أن يشترط أن يطأ الأمة التي يحرم عليه وطؤها، ونحو ذلك. والله أعلم.
٧٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النَّبيَّ - ﷺ - قال: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره". ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. متَّفقٌ عليه (٧).
_________________
(١) تقدم ح ٦٢١.
(٢) البُخاريّ ٥/ ٨ ح ٢٣٢٥.
(٣) سيأتي ح ٧٣٦.
(٤) سيأتي ح ٨١٥.
(٥) تقدم ح ٦٤٥.
(٦) سيأتي ح ١٠٠٢.
(٧) البُخاريّ، كتاب المظالم، باب لا يمنع جار جاره أن يغرس خشبة في جداره ٥/ ١١٠ ح =
[ ٦ / ٢٦٩ ]
هذا لفظ البخاري، وفي رواية أبي داود (١) عن [ابن عيينة] (أ): فنكسوا رءوسهم. ولأحمد (٢): فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطئوا رءوسهم.
و"لا يمنع" بالجزم على أنها ناهية، ولأبي ذر في لفظ البخاري بالرفع على أنَّه خبر بمعنى النَّهي. ولأحمد (٣): "لا يمنعن". بزيادة نون التأكيد، وهو يؤيد رواية الجزم. و"خشبة". لأبي ذر في رواية البخاري بالإفراد والتنوين، ولغيره بصيغة الجمع، قال ابن عبد البر (٤): [رُوي اللفظان] (ب) في "الموطأ" والمعنى واحد، لأنَّ (جـ) المراد بالواحد الجنس، فالمؤدى متحد في الروايتين. إلَّا أنَّه قد يقال: إن المعنى مختلف، فإن أمر الخشبة الواحدة يسير مغتفر بخلاف الكثير. وروى الطحاوي (٥) عن جماعة أنهم رووه بالإفراد، وأنكر ذلك عبد الغني بن سعيد فقال: النَّاس كلهم يقولونه بالجمع إلَّا
_________________
(١) (أ) في الأصل: أبي عيينة، وفي جـ: ابن عتبة. (ب) في النسخ: رواية القطان. والمثبت من التمهيد. (جـ) في جـ: كأن. = ٢٤٦٣، ومسلم، كتاب المساقاة، باب غرز الخشب في جدار الجار ٣/ ١٢٣٠ ح ١٦٠٩/ ١٣٦.
(٢) أبو داود ٣/ ٣١٤ ح ٣٦٣٤.
(٣) أحمد ٢/ ٢٤٠.
(٤) أحمد ٢/ ٢٣٠.
(٥) التمهيد ١٠/ ٢٢١.
(٦) شرح مشكل الآثار ٦/ ٢٠٠ - ٢٠٨ ح ٢٤٠٧ - ٢٤٢١.
[ ٦ / ٢٧٠ ]
الطحاوي. واختلاف الرواة في "الصَّحيح" يرد على عبد الغني، إلَّا إن أراد بالنَّاس خاصًّا وهم من روى عنه الطحاوي. وقد أخرجه أحمد (١) وعبد الرَّزاق من حديث ابن عباس: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، والطريق الميتاء (٢) سبعة أذرع".
والحديث فيه دلالة على أنَّه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على جداره، وأنه إذا امتنع من وضع الخشب على جداره أجبر، وقد ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن (أ) حبيب من المالكية والشّافعيّ في القديم، وعنده في الجديد قولان، أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن لم يأذن لم يجبر، ولكنه مشروط هذا الحكم عندهم بأن يكون الجار محتاجًا إليه، ولا يضع ما يتضرر به مالك الجدار، ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى فتح الجدار أو لا؛ لأنَّ رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار، وذهبت الحنفية وأبو العباس وقول للشافعي إلى أنَّه لا يضع خشبة إلَّا بإذن مالك الجدار، فإن لم يأذن لم يجبر، والحديث محمول النَّهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلَّا بطيبة من نفسه، وبعضهم حمل الحديث بما إذا تقدم
_________________
(١) (أ) في جـ: أبي.
(٢) أحمد ١/ ٣١٣.
(٣) الميتاء: المسلوك. ينظر النهاية ٤/ ٣٧٨.
[ ٦ / ٢٧١ ]
استئذان الجار بذلك وأذن، فليس له المنع مستندًا أنَّه ذكر الإذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضًا. ولأحمد (١) عن عبد الرحمن بن (أمهدي عن مالك: "من سأله جاره" وكذا لابن حبان (٢) من طريق اللَّيث عن مالك، وكذا لأبي عوانة (٣) من طريق أ) زياد بن سعد عن الزُّهريّ، وأخرجه البزار (٤) من طريق عكرمة عن أبي هريرة. ومنهم من حمل الضمير في "جداره" علي صاحب الجذع؛ أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه، ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا، ولا خفاء في بعدهما.
ويجاب على استدلالهم بأن تلك عمومات، كما قال البيهقي (٥): لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلَّا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره من التحريم، وهو أعلم بالمراد بما حدث به. يشير إلى قول أبي هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين. فإن استنكار أبي هريرة لإعراضهم يدل على أن ذلك على التحريم، واستدلال المهلب من المالكية بهذا على أن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، فدل على أنَّه محمول على الاستحباب؛ إذ لو كان النَّهي للتحريم لما جاز على الصّحابة جهل هذه الفريضة-غير صحيح؛ لأنَّه لا دلالة على أن المخاطبين كانوا صحابة فقهاء، مثلهم لا
_________________
(١) (أ - أ) ساقط من: ب.
(٢) أحمد ٢/ ٤٦٣.
(٣) ابن حبان ٢/ ٢٧٠ ح ٥١٥.
(٤) أبو عوانة ٣/ ٤١٨ ح ٥٥٤٣.
(٥) البزار -كما في الفتح ٥/ ١١١.
(٦) البيهقي -كما في الفتح ٥/ ١١٠.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
يجهل هذا الحكم؛ فإنَّه وقع ذلك من أبي هريرة أيَّام إمارته للمدينة في زمن مروان كان يستخلفه فيها، فالمخاطب بذلك ممن يجوز عليه جهل ذلك، لأنَّه لو كان المخاطب من أعيان الصّحابة لما واجههم بمثل هذا الخطاب، وقد جزم بهذا إمام الحرمين تبعًا لغيره مع أن مثل هذا الحكم قضى به عمر في أيَّام وفور الصّحابة، وتقوَّى الشافعي به في القول القديم وقال: إن عمر لم يخالفه أحد من الصّحابة. وذلك ما أخرجه مالك (١)، ورواه بسند صحيح أن الضَّحَّاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجًا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة فامتنع، فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك. فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. وروى ابن ماجه (٢) والبيهقيّ (٣) من طريق عكرمة بن سلمة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما إن غرز أحد في جداره خشبة، فأقبل مجمِّع بن حارثة ورجال كثير من الأنصار فقالوا: نشهد أن رسول الله - ﷺ - قال: الحديث، فقال الآخر: يا أخي، قد علمت أنك مقضي لك عليّ، وقد حلفت فاجعل أسطوانًا دون داري فاجعل عليه خشبك. وروى إسحاق في "مسنده" والبيهقيّ (٤) من طريقه عن يَحْيَى بن جعدة أحد التّابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدث أن رسول الله - ﷺ - نهاه أن يمنعه فأجبر على ذلك.
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٧٤٦ ح ٣٣.
(٢) ابن ماجه ٢/ ٧٨٣ ح ٢٣٣٦.
(٣) البيهقي ٦/ ٦٩.
(٤) إسحاق بن راهويه -كما في الفتح ٥/ ١١١ - والبيهقيّ ٦/ ٦٩، ووقع في الفتح: ابن إسحاق.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
وقوله: عنها. أي عن السنة أو المقالة، وقوله: لأرمين. وفي رواية أبي داود: لألقينها. أي: لأفزعنكم بها. كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ (أ) من غفلته.
وأكتافكم. قال ابن عبد البر (١): رويناه في "الموطأ" بالمثناة وبالنون. والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب، قال الخطابي (٢): معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها -أي الخشبة- على رقابكم كارهين. قال: وأراد بذلك المبالغة. وقد وقع عند ابن عبد البر (٣) من وجه آخر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم.
٧٠٦ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه". رواه ابن حبان والحاكم في "صحيحهما" (٤).
تمامه: "وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم". وهو من رواية سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حميد. وقيل: عن عبد الرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي، رواه أحمد والبيهقيّ (٥). وقوَّى ابن المديني رواية سهيل، وفي الباب أحاديث
_________________
(١) (أ) في جـ: ليسقط.
(٢) التمهيد ١٠/ ٢٢١.
(٣) ينظر الفتح ٥/ ١١١.
(٤) التمهيد ١٠/ ٢٢٩.
(٥) ابن حبان، كتاب الجنايات، باب ذكر الخبر الدال على أن قوله - ﷺ -: "إن أموالكم حرام عليكم" ١٣/ ٣١٦ ح ٥٩٧٨، وليس في مستدرك الحاكم، ولكن أخرجه البيهقي ٦/ ١٠٠ عنه.
(٦) أحمد ٣/ ٤٢٣، والبيهقيّ ٦/ ٩٧ من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد، والبيهقيّ ٩/ ٣٥٨ من طريق سهيل بن أبي صالح.
[ ٦ / ٢٧٤ ]
كثيرة عن ابن عمر بلفظ: "لا يحلبنَّ أحد ماشية أحد بغير إذنه". متَّفقٌ عليه (١)، وعن عبد الله بن مسعود رفعه: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه". أخرجه البزار (٢). وروى أبو داود والترمذي والبيهقيّ (٣) من حديث عبد الله بن السَّائب بن يزيد عن أبيه عن جده بلفظ: "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًّا".
والحديث فيه دلالة على تحريم مال المسلم إلَّا بطيبة منه وإن قل، وكفى في ذلك قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). والإجماع واقع على ذلك.
والمصنف أورد هذا في هذا الباب يشير إلى تأويل حديث أبي هريرة (٥) بأن ذلك محمول على التنزيه. ويرد عليه أن التأويل يُحتاج إليه إذا لم يمكن الجمع بالتخصيص، وهو ممكن؛ فإن هذا خاص والأدلة المذكورة عامة، وقد أُخرج منها أشياء كثيرة؛ مثل أخذ الزكاة كرهًا، ومثل الشفعة، وإطعام المضطر والقريب المعسر والزوجة، وكثير من الحقوق المالية التي لا يخرجها المالك برضاه، فإنَّها (أ) تؤخذ منه (ب) بغير طيبة نفس، وحل ذلك، وهذا منها، لا سيما وهذا مجرد انتفاع، والعين بقية لا يحتاج إليها المالك. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في جـ: فإنَّه. (ب) في جـ: منها.
(٢) البُخاريّ ٥/ ٨٨ ح ٢٤٣٥، ومسلم ٣/ ١٣٥٢ ح ١٧٢٦.
(٣) البزار ٥/ ١١٧ ح ١٦٩٩.
(٤) أبو داود ٤/ ٣٠٢ ح ٥٠٠٣، والترمذي ٤/ ٤٠٢ ح ٢١٦٠، والبيهقيّ ٦/ ١٠٠.
(٥) الآية ٢٩ من سورة النساء.
(٦) يعني ح ٧٠٥.
[ ٦ / ٢٧٥ ]