العارية فيها ثلاث لغات؛ عاريَّة بالتشديد للياء، وعاريَة بالتخفيف، وعارَة، وهي مأخوذة من: عار الفرس إذا ذهب؛ لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من العار؛ [لأن أحدًا لا] (أ) يستعير إلا وبه عار من الحاجة، أو من: عار، إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيّار (١). وقال في "النهاية" (٢): العارية مشددة الياء، كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وتجمع على العواريّ مشددًا، وأعاره بعيره، واستعاره ثوبًا فأعاره إياه، وأصلها الواو. وهي في الشرع (٣) عبارة عن إباحة المنافع من دون ملك العين.
٧٢٠ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "على اليد ما أخذت حتَّى تؤديه". رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم (٤).
أخرجوه من حديث الحسن عن سمرة، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ:
_________________
(١) (أ) في الأصل: لأن لا أحد.
(٢) ينظر اللسان (ع ور، ع ى ر).
(٣) النهاية ٣/ ٣٢٠.
(٤) ينظر مغني المحتاج ٢/ ٢٦٣، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٦٧٧.
(٥) أحمد ٥/ ٨، ١٢، ١٣، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في تضمين العارية ٣/ ٢٩٤ ح ٣٥٦١، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة ٣/ ٥٦٦ ح ١٢٦٦، وابن ماجة، كتاب الصدقات، باب العارية ٢/ ٨٠٢ ح ٢٤٠٠، والنسائي في الكبرى، كتاب العارية، باب المنيحة ٣/ ٤١١ ح ٥٧٨٣، والحاكم كتاب البيوع ٢/ ٤٧.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
"حتَّى تؤدي". والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وزاد فيه أكثرهم: ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.
الحديث فيه دلالة على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه؛ لقوله: "حتَّى تؤديه". ولا تتحقق التأدية إلا بذلك، وهو عام في الغصب والوديعة والعارية، وذكره المصنف هنا لدخول العارية في ذلك لعموم لفظ: "ما أخذت". ويفهم منه أن العارية مضمونة على المستعير، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس وزيد بن علي وعطاء وأحمد وإسحاق والشافعي وأشهب وأحد قولي مالك، وحجتهم هذا وما يذكر بعده من الأحاديث، وذهب الهادي وداود والعنبري إلى أن العارية أمانة لا يجب ضمانها إن لم يشرط الضمان، فإن شرط الضمان ضمن، واحتجوا بالحديث الآتي في أدرع صفوان وقال: "بل عارية مضمونة". وحملوا الوصف على التقييد لا على تبيين ماهية العارية، وذهب الحسن البصري والنخعي وشريح وأبو حنيف وأصحابه إلى أنها أمانة لا تضمن وإن شرط الضمان، واحتجوا بقوله - ﷺ -: "ليس على المستودع غير المُغلّ (١) ولا (أ) على المستعير غير المغل ضمان". أخرجه الدارقطني والبيهقي (٢) وضعفاه عن ابن عمرو، وصححا وقفه على شريح. وأجاب الأولون بأن هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة، وصحة وقفه على شريح لا تقوم به الحجة؛ لجواز الاجتهاد ومساغه في هذا. وذهب
_________________
(١) (أ) ساقط من: ب، جـ.
(٢) المغل: الخائن، من الإغلال، وهي الخيانة. ينظر النهاية ٣/ ٣٨١.
(٣) الدارقطني ٣/ ٤١، والبيهقي ٦/ ٩١.
[ ٦ / ٣١٠ ]
مالك في القول المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه إلى أنَّه إذا كان مما يعاب على المالك منع عاريته ولم يقم على التلف بينة فإنه يضصن، وإذا كان مما لا يعاب عليه فلا ضمان، ولا فيما قامت على التلف بينة فإنه لا يضمن. وكأنه يقول: إذا كان مما يعاب عليه لأنه واجب عليه إعارته. كما روي عن جماعة من السلف القدماء، وروي عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود (١) أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢) أنَّه متاع البيت الَّذي يتعاطاه الناس بينهم؛ من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك.
٧٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي (٣).
وأخرجه البخاري في "التاريخ"، وأخرجه مالك والبيهقي من حديث أبي هريرة (٤)، وأخرجه الطبراني في "الكبير"، والدارقطني، وأبو نعيم في "الحلية"، ومالك، والبيهقي، والضياء، عن أنس (٥)، وأخرجه الطبراني في "الكبير" والبيهقي عن أبي أمامة (٦)، والدارقطني عن أبي بن
_________________
(١) ينظر تفسير الطبري ٣٠/ ٣١٦ - ٣١٩.
(٢) الآية ٧ من سورة الماعون.
(٣) أبو داود، كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده ٣/ ٢٨٨ ح ٣٥٣٥، والترمذي، كتاب البيوع، باب (٣٨)، ٣/ ٥٦٤ ح ١٢٦٤، والحاكم، كتاب البيوع ٢/ ٤٦، وابن أبي حاتم في العلل ١/ ٣٧٥ ح ١١١٤.
(٤) البخاري في التاريخ الكبير ٤/ ٣٦٠، والبيهقي ١٠/ ٢٧١. والحديث ليس في الموطأ.
(٥) الطبراني ١/ ٢٣٤ ح ٧٦٠، والدارقطني ٣/ ٣٥ ح ١٤٣، وأبو نعيم ٦/ ١٣٢، والبيهقي ١٠/ ٢٧١، والضياء في المختارة ٧/ ٢٨١، ٢٨٢ ح ٢٧٣٨. والحديث ليس في الموطأ.
(٦) الطبراني ٨/ ١٥٠ ح ٧٥٨٠، والبيهقي ١٠/ ٢٧١.
[ ٦ / ٣١١ ]
كعب (١)، وأحمد وأبو داود عن رجل من الصحابة (٢).
والحديث أظهر في الوديعة.
وفي قوله: "لا تخن من خانك". المراد به ألَّا تجازي بالإساءة. وهو محمول على الندب عند جماعة من أهل العلم، وهو من يجيز استيفاء ما هو له من الغير ولو من غير جنس ما أخذ عليه بقدر ما أخذ عليه، ويدل عليه قوله تعالي: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤). وهو الأشهر من قولَي الشافعي، وسواء كان من جنس ما أُخذ عليه أو من غير جنسه بقدره، والظاهر أنَّه يملكه ويتصرف فيه. وقال أصحاب الشافعي: لا يملكه بمجرد الأخذ، بل يبيعه الحاكم على قول، أو يبيعه الآخذ على قول فيملك ثمنه، وإذا أمكنه المحاكمة لم يجز ذلك وفاقا. وذهب أبو حنيفة والمؤيد بالله إلى أنَّه لا يجوز له أن يأخذ إلا من جنس ما أخذ عليه، وهو ظاهر قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. وقوله: ﴿مِثْلُهَا﴾. وإن كان ذلك يحتمل صدق المماثلة إذا كان بقدر ما أخذ عليه، لا أزْيد. وذهب الهادي إلى أن ذلك لا يجوز إلا بحكم حاكم؛ لظاهر قوله: "ولا تخن من خانك". وظاهر النهي التحريم، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥). وقوله - ﷺ -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٦). ويجاب عنه بأن ذلك ليس
_________________
(١) الدارقطني ٣/ ٣٥ ح ١٤١.
(٢) أحمد ٣/ ٤١٤، وأبو داود ٣/ ٢٨٨ ح ٣٥٣٤.
(٣) الآية ٤٠ من سورة الشورى.
(٤) الآية ١٢٦ من سورة النحل.
(٥) الآية ٢٩ من سورة النساء.
(٦) تقدم تخريجه ص ٢٥٥.
[ ٦ / ٣١٢ ]
أكلًا بالباطل، وقوله: "لا تخن من خانك". محمول على الندب، وأن الأَوْلى الصبر لتحصيل ما هو خير للصابرين، وتخصيص حديث: "لا يحل مال امرئ مسلم". بما ذُكر من دليل الجمهور، وهو قرينة تأويل النهي وصرفه عن التحريم. وقال المؤيد بالله: إن قول الهادي مسبوق قبله بالإجماع. والله أعلم.
٧٢٢ - وعن يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا". قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو عارية مؤدَّاة؟ قال: "بل عارية مؤدَّاة". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان (١).
الحديث فيه دلالة على ما ذهب إليه الهادي وداود أن العارية لا تضمن إلا إذا شرط الضمان، والعارية المؤداة هي التي يجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم يضمن القيمة. والله أعلم.
٧٢٣ - وعن صفوان بن أمية أن النبي - ﷺ - استعار منه دروعًا يوم حنين، فقال: [أغصب] (أ) يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة". رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم وأخرج له شاهدًا ضعيفًا (٥) عن ابن عباس ﵁ (٢).
_________________
(١) (أ) في ب: أغصبا. (ب) ساقط من: جـ.
(٢) أحمد ٤/ ٢٢٢، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في تضمين العارية ٣/ ٢٩٥ ح ٣٥٦٦، والنسائي في الكبرى، كتاب العارية، باب تضمين العارية ٣/ ٤٠٩ ح ٥٧٧٦، ٥٧٧٧، وابن حبان، كتاب السير، باب الجهاد وكيفية الخروج ١١/ ٢٢ ح ٤٧٢٠.
(٣) أبو داود، كتاب البيوع، باب في تضمين العارية ٣/ ٢٩٤ ح ٣٥٦٢، والنسائي في =
[ ٦ / ٣١٣ ]
هو أبو أمية وأبو وهب صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي، هرب يوم الفتح، فاستأمن له عمير بن وهب وابنه وهب بن عمير رسول الله - ﷺ - فأمّنه وأعطاهما رداءه أو بُرده أمانًا له، فأدركه وهب بن عمير فرده إلى النبي - ﷺ -، فلما وقف عليه قال له: إن هذا وهب بن عمير يزعم أنك أمَّنتني على أن أسير شهرين. فقال له رسول الله - ﷺ -: "انزل أبا وهب". فقال: لا، حتَّى تبين لي. فقال رسول الله - ﷺ -: "أنزل ولك أن تسير أربعة أشهر". فنزل وخرج معه إلى حنين فشهدها، وشهد الطائف كافرًا، وأعطاه من الغنائم فأكثر، فقال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي. فأسلم يومئذ وأقام بمكة، ثم هاجر إلى المدينة ونزل على العباس، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا هجرة بعد الفتح". وكان صفوان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت امرأته أسلمت قبله بشهر، فلما أسلم صفوان أُقرّا على نكاحهما، مات صفوان بمكة سنة اثنتين وأربعين، روى عنه ابنه عبد الله وابن أخيه حميد وعبد الله بن الحارث وعامر بن مالك وطاوس، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، وكان من أفصح قريش لسانًا (١).
قوله: وأخرج له شاهدًا من حديث ابن عباس، ولفظه: "بل عارية مؤداة". وزاد أحمد والنسائي (٢): فضاع بعضها، فعرض عليه النبي - ﷺ - أن
_________________
(١) = الكبرى، كتاب العارية، باب تضمين العارية ٣/ ٤٠٩، ٤١٠ ح ٥٧٧٨، ٥٧٧٩، والحاكم، كتاب البيوع ٢/ ٤٧.
(٢) ينظر الإصابة ٣/ ٤٣٢.
(٣) أحمد ٣/ ٤٠١، والنسائي في الكبرى ٣/ ٤١٠ ح ٥٧٧٩.
[ ٦ / ٣١٤ ]
يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله والله أرغب في الإسلام. وفي رواية لأبي داود (١) الأدراع كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وزاد فيه معنى ما تقدم. ورواه البيهقي (٢) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن "صفوان مرسلًا، وبين أن الأدراع كانت ثمانين، ورواه الحاكم (٣) من حديث جابر، وذكر أنها مائة درع وما يصلحها، أخرجه في أول المناقب. وأعل ابن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث، زاد ابن حزم (٤): إن أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية. يعني الَّذي رواه أبو داود.
وفي الباب عن ابن عمر أخرجه البزار (٥) بلفظ: "العارية مؤداة". وفيه العُمَرِي (٦) وهو ضعيف.
الحديث فيه لفظ: "مضمونة" محتمل كما عرفت أن يكون وصفًا كاشفًا لحقيقة العارية، فيكون دليلًا على أن العارية تُضْمَن وإن لم تُضَمَّن (٥)، ويحتمل أن يكون الوصف مخصِّصًا، فيكون دليلًا على أن العارية من أنواعها المضمونة ومن أنواعها غير المضمونة، فيحتمل أن يُخَرَّج عليه أي المذهبين من مذهب الهادي ومذهب مالك، ومع الاحتمال يكون مجملًا غير واضح الدلالة، ويقوم حجة على من يقول: إن العارية لا تضْمَن
_________________
(١) (أ) في ب، جـ: بن. (ب) في ب: يضمن.
(٢) أبو داود ٣/ ٢٩٤ ح ٣٥٦٣.
(٣) البيهقي ٦/ ٨٩، ٩٠.
(٤) الحاكم ٣/ ٤٨، ٤٩.
(٥) المحلى ١٠/ ١٦٩.
(٦) البزار ٢/ ٩٩ ح (١٢٩٧ - كشف).
(٧) تقدمت ترجمته في ٤/ ٤٠.
[ ٦ / ٣١٥ ]
وإن ضمِّنت (أ).
وفي تمام حديث صفوان: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي - ﷺ - أن يضمنها له. فيه دلالة على أن الضياع تفريط، فتضمن العارية بالضياع، ولا تقوم (ب) حجةٌ على ضمان العارية مطلقًا. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في هامش ب: الأصل في الوصف أن كون مقيدًا فيكون الأظهر عدم الضمان إذا لم يضمن. (ب) في ب: يقوم.
[ ٦ / ٣١٦ ]