٦١٤ - عن ابن عباس - ﵁ - قال: "قد أُحْصِرَ رسول الله - ﷺ - فحلق وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا" رواه البخاري (١).
الحديث قاله ابن عباس جوابًا، وقد أخرج ابن السكن (أ) في كتاب "الصحابة" (٢) قال حدثني هارون بن عيسى الصنعاني عن محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم ثنا يحيى بن صالح ثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: أنا سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عن مَنْ حبس وهو محرم فقال: قال رسول الله - ﷺ -: "منْ عرج أو كسر أو حبس فلينحر مثلها، وهو في حل" قال فحدث به أبا هريرة فقال: صدق، وحدثته (ب) ابن عباس فقال: "قد أحصر رسول الله - ﷺ - " الحديث المذكور هنا، ولم يذكر البخاري القصة لأن هذا الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري.
وأخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق عن
_________________
(١) (أ) زادت هـ (ذلك)، وأثبتت في الأصل ثم ضرب عليها. (ب) هـ: (وحدث).
(٢) البخاري كتاب المحصر، باب إذا أحصر المعتمر ٤: ٤ ح ١٨٠٩.
(٣) الفتح ٧:٤.
[ ٥ / ٣٨١ ]
الحجاج (١).
ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه سمعت الحجاج، وأخرجه أبو داود والترمذي من طريق معمر عن يحيى وغيره في سياقه سمعت الحجاج.
وأخرجه أبو داود عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج.
قال الترمذي: "وتابع معمرًا على زيادة عبد الله بن رافع معاوية بن سلام، سمعتُ محمدًا -يعني البخاري- يقول: رواية معمر ومعاوية أصح" (٢) انتهى.
وما تركه البخاري ليس بعيدًا من الصحة فإنه إن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك وإلا فالواسطة بينهما -وهو عبد الله بن رافع- ثقة، وإن كان البخاري لم يخرج له.
وهذا الحديث يدل على شرعية التحلل عند الإحصار وإهداء الهدي كما فعل النبي - ﷺ -.
واعلم أن العلماء اختلفوا في تفسير الإحصار في اللغة، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وغيرهم أن الإحصار يكون بالمرض والخوف والعجز ونحوها، وأما بالعدو فهو الحصر قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا
_________________
(١) أبو داود المناسك، باب الإحصار ٢: ٤٣٣ ح ١٨٦٢، الترمذي الحج، باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو بعرج ٣: ٢٧٧ ح ٩٤٠، النسلائي المناسك، باب فيمن أحصر بعدو ٥: ١٩٨ - ١٩٩ (ط. الفكر)، ابن ماجه المناسك، باب المحصر ٢: ١٠٢٨ ح ٣٠٧٧، أحمد ٣: ٤٥٠، الحاكم ١: ٤٧٠، الدارقطني ٢: ٢٧٧: ٢٧٨ ح ١٩١ وسيأتي من أحاديث المتن.
(٢) سنن الترمذي ٣: ٢٦٩. (ط. بيروت) (بنحوه).
[ ٥ / ٣٨٢ ]
فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال ابن ميادة:
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شُغُول (أ)
ويقال حصر إذا حبسه عدو عن المضي أو سجن، ومنه قيل للمَحْبَس الحصير والملك الحصير لأنه محجوب هذا هو الأكثر في كلامهم وقال بعضهم: أحصر وأحصر بمعنى واحد وهو المنع في كل شيء مثل صده وأصده، وحكاه الزمخشري عن الفراء وأبي عمرو (ب) الشيباني، واختلفت أيضًا أقوال الصحابة. فقال كثير منهم: الإحصار من كل حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك حتى أفتى ابن مسعود رجلًا لُدِغَ بأنه محصر، أخرجه ابن جريج بإسنادٍ صحيح عنه.
وأخرج عبد بن حميد عنه، وعلقه البخاري في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: "الإحصار من كل شيء يَحْبسه" (٢) قال المصنف (٣) -رحمه الله تعالى- وكذا رويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه.
وأخرج ابن المنذر (٤) عن ابن عباس نحوه ولفظه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: "من أحرم بحج أو عمرة ثم حُبس عن البيت بمرض يجهد أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإنْ كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه". وقال آخرون:
_________________
(١) (أ) هـ: (شعور). (ب) جـ، ي: (عمر)!
(٢) سورة التوبة الآية: ٢٧٣.
(٣) البخاري المحصر ٤: ٣ (معلقًا).
(٤) الفتح ٤: ٣ بلفظ. "وكذا رويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه".
(٥) الفتح ٣:٤.
[ ٥ / ٣٨٣ ]
لا حصر إلا بالعدو، وصح ذلك عن ابن عباس: لا حصر إلا من حبسه عدو.
(أوروى مالك في الموطأ أ) والشافعي عنه عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: من حبس دون البيت بالمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت (١).
وروى مالك عن أبي أيوب عن رجل من أهل البصرة قال: "خرجتُ إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق كُسِرَتْ فخذي فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي (ب) أحد في أن أحل فأقمت على ذلك أليمًا (٢) تسعة أشهر ثم حللت بعمرة" (٣).
وأخرجه ابن جرير من طرق وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير.
واختلف العلماء أيضًا في ذلك، فذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه والنخعي وغيرهم من الكوفيين إلى أن الحصر يكون بالكسر والمرض والخوف، وهو منصوص عليه في الحديث المذكور، ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ (٤) فإن الآية الكريمة وإن وردت في سبب خاص وهو إحصار النبي - ﷺ - وكان ذلك بحصر العدو في عمرة الحديبية ولكنه لا يقصر العموم على سببه، ويقاس على ما نص عليه غير ذلك من سائر الأعذار المانعة، وذلك مثل اعتداد المرأة وانقطاعها عن المحرم، ومنع الزوج والسيد للمرأة والعبد حيث لهما المنع، وذهب مالك والشافعي
_________________
(١) (أ - أ) في هـ: (وفي الموطأ ). (ب) هـ: (إليّ).
(٢) الموطأ الحج، باب ما جاء فيمن أحصر بغير عدو ص ٢٣٧ ح ١٠٣، الأم ٢: ١٦٣.
(٣) كذا تشبه أن تكون في النسخ، وفي الموطأ: "الماء".
(٤) الموطأ الحج، باب ما جاء فيمن أحصر بغير عدو ص ٢٣٧ ح ١٠٢.
(٥) سورة البقرة الآية ١٩٦.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
وأحمد إلى أنه يوقف على الحال الذي وقع للنبيِّ - ﷺ - ونزلت الآية الكريمة فيه.
قال الشافعي: جعل على الناس إتمام الحج والعمرة، وجعل التحلل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن العدو، فلم نعد بالرخصة موضعها ولكن ظاهرة قولهم في العدو أنه يعم الكافر والبَاغي فقد تجاوزوا الحكم عن الكافر إلى الباغي، واقتصر ابن عباس على العدو الكافر وقوفًا على الواقع، وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن جرير (أ) وغيره، وهو أنه لا حصر بعد النبي - ﷺ - وروى الموطأ عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: "المحرم لا يحل حتى يطوف" أخرجه في باب ما يفعل من أحصر بغير عدو (١).
وأخرج ابن جرير عن عائشة (٢) نحوه بإسناد صحيح، وعن ابن عباس (٣) بإسناد ضعيف.
وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير، وذهب مالك إلى أن الإحصار إنما يكون عن الحج بخلاف العمرة، لأن لها وقتًا لا يفوت والحج يفوت بفوات وقته. واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال: "خرجت معتمرًا فوقعت عن راحلتي فانكَسَرتُ فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر - ﵄ - فقالا: ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل البيت".
والجواب النص في العمرة واعتباره أولى من التعليل، ولذلك أن ابن
_________________
(١) (أ) هـ، ى: (ابن حزم).
(٢) تقدم نحوه.
(٣) تفسير الطبري ٤: ٤٧ ح ٣٣٠٩ (تحقيق شاكر).
(٤) تفسير الطبري ٤: ٧ ح ٣١٨٨ (تحقيق شاكر).
[ ٥ / ٣٨٥ ]
عمر صرح (أ) بقياس الحج على العمرة وقال: "إنما أمرهما واحد فأحرم بالحج" (١) لما خاف أن يصد عن البيت وهو قياس ينفي الفارق من أقوى الأقيسة، ولعله يذهب إلى أن العموم يقصر على سببه فلم يحتج بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ (٢)، وقوله "فحلق وجامع" إلخ ظاهره أنه قدم الحلق والجماع على نحر الهدي باعتبار التقديم في الذكر مع أن الأمر ليس كذلك فإنه - ﷺ - نحر قبل أن يحلق كما أخرج البخاري من حديث الحديبية "فخرج فنحر بدنة، ودعا حالقه فحلق" ومن حديث ابن عمر "فنحر بدنة وحلق رأسه" ولكن العطف بالواو لا يدل على الترتيب، وإذا حلق قبل أن ينحر فعليه دم. وقد أخرج ذلك ابن أبي شيبة عن علقمة قال إبراهيم النخعي: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵁ - مثله.
وظاهر القصة أن الهدي واجب، وهو ظاهر الآية الكريمة، وهو قول الأكثر، وذهب مالك إلى أنه لا هدي عليه وقاسه على الخروج من الصوم للعذر.
والجواب: أنه لا قياس مع ظهور الحجة من الحديث فإن في القصة أنه قال لأصحابه "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فذكر فيه الحكم والسبب، فالسبب الحصر والحكم النحر فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب، وكذا الآية الكريمة وهي: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢).
وقوله: "حتى اعتمر قابلًا" فيه دلالة على أنه يجب قضاء ما تحلل
_________________
(١) (أ) سقط من جـ: (صرح).
(٢) البخاري المحصر، باب مَنْ قال ليس على المحصر بدل ٤: ١١ ح ١٨١٣.
(٣) البقرة الآية ١٩٦.
[ ٥ / ٣٨٦ ]
عنه وهو في الفرض إجماع، وأما النفل فذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجب عليه القضاء، وقد أخرج الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا: "أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه - ﵃ - أن يعتمروا ولم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج معه جماعة معتمرون ممن لم يشهد الحديبية فكانت عدتهم ألفين". وذهب ابن عباس وابن عمر وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لا يلزم القضاء في النفل.
وأخرج ابن جريج عن ابن عباس: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه.
وأخرج مالك بلاغًا (١) أن رسول الله - ﷺ - حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي.
ثم لم يعلم أن رسول الله - ﷺ - أمر أحدًا من أصحابه ولا من كان معه أن يقضوا شيئًا ولا أن يعودوا لشيءٍ.
وقال الشافعي في الأم (٢) فحيثما أحصر ذبح وحل ولا قضاء عليه من قبل إن الله تعالى لم يذكر قضاء ثم قال: لأنا علمنا في متواطئ أحاديثهم أنه كان معه في عام الحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضية فخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلفوا عنه (٣) وقال في موضع، آخر:
_________________
(١) الموطأ الحج، باب ما جاء فيمن أحصر بعدو ص ٢٣٦ ح ٩٨.
(٢) الأم ٢: ١٥٨ - ١٥٩.
(٣) الأم ٢: ١٥٩.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
إنما سميت عمرة القضاء والقضية (١) للمقاضاة التي وقعت بين النبي - ﷺ - وبين قريش لا على أنه واجب قضاء تلك العمرة (٢).
ويمكن الجمع بين ما أخرجه الواقدي وبين هذا أن الأمر كان على سبيل الاستحباب لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا لغير عذر وترجيح رواية الشافعيِّ بأن جماعة معروفين تخلفوا في المدينة لأنه مثبت وقد روى الواقدي أيضًا من حديث ابن عمر قال: "لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر الناس من قابل في الشهر الذي صدهها المشركون فيه.
واعلم أنه اختلف العلماء في محل نحر الهدي للمحصر، فقال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم. وذهب أبو حنيفة وهو مذهب الهادي وغيره من أهل البيت أنه لا ينحره (أ) إلا في الحرم، وفصل آخرون وهو مذهب ابن عباس وهو إنه إن كان يستطيع أن يبعث به إلى الحرم وجب عليه ولم يحل حتى ينحره في محله، وإن كان لا يستطيع أن يبعث به نحره في محل الإحصار وسبب اختلافهم في هذا الحكم اختلافهم في المحل الذي نحر فيه - ﷺ - في الحديبية، وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي إنما نحر في الحلِّ، والحديبية طرف الحرم هي على تسعة أميال من مكة.
وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال:
_________________
(١) (أ) هـ: (ينحر).
(٢) هامش تسمية عمرة القضاء.
(٣) الأم ٢: ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
"لما حُبس رسول الله - ﷺ - وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا وبعث الله ريحًا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: فهذا يدل على أنهم حلقوا في الحل، ولكنه لا يدل على المقصود فإنه يجوز أن يكونوا أرسلوا بالهدي إلى الحرم ونحر فيه وحلقوا في الحل. وقد أخرج النسائي من حديث ناجية عن أبيه جندب الأسلمي قلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي حتى أنحره بالحرم ففعل. إلا أنه لا يدل على الوجوب.
وظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز، واحتج الشافعي على أنه كان النحر في الحل بقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) وقد أخبر الله سبحانه - أنهم صدوهم عنه، والمحل عند أهل العلم الحرم.
واختلف العلماء أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) فعند أبي حنيفة أن محله هو الحرم وأن المعنى حتى يعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ إليه وذبح، وغيره على معنى حتى يصل هديكم محلًا يحل ذبحه فيه وهو مكان الحبس، فالآية الكريمة محتملة، ولكنه إذا ثبت أن النبي - ﷺ - أو أحدًا من أصحابه مع علمه بذلك أو أمره كما تقدم في قوله "قوموا فانحروا" نحر في الحل، فالمختار قول الجمهور، والله أعلم.
_________________
(١) سورة الفتح الآية ٢٥.
(٢) سورة البقرة الآية ١٩٦.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
(أفائدة: من سنن الهدي أن ينحر قيامًا لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١) وسيأتي في الذبائح زيادة بحث إن شاء الله تعالى أ).
٦١٥ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: "دخل النبي - ﷺ - على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله إِني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي - ﷺ - حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" متفق عليه (٢).
فيه دلالة على أن المحرم إذا اشترط في إحرامه ثم عرض له المرض أن له أن يتحلل، وقد ذهب إلى هذا عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرون من الصحابة - ﵃ - وجماعة من التابعين، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة وبعض التابعين، وهو مذهب الهادي وغيره من الأئمة أنه لا يصح الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قصة غير مخصوصة، أو أنه كان واجبًا ثم نسخ.
وقد روي النسخ عن ابن عباس، لكن في إسناده الحسن بن عمارة، وهو متروك (٣)، إلا أن منْ قال إن عذر الإحصار يدخل فيه المرض فنقول إنه يكون محصرًا ويجب عليه التحلل بالهدي عند تعذر الوصول بالمرض، ولكن الظاهر خلافه، والقاضي عياض (٤) أشار إلى تضعيف الحديث فإنه
_________________
(١) (أ، أ) سقط في جـ.
(٢) سورة الحج الآية ٣٦.
(٣) البخاري النكاح، باب الأكفاء في الدين ٩: ١٣٢ ح ٥٨٨٩، مسلم الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه ٢: ٨٦٨ ح ١٠٥ - ١٢٠٧ م.
(٤) تقدم.
(٥) شرح مسلم ٣: ٢٩٩.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
قال: قال الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، قال: قال النسائي: لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر. وهذا غلط فاحش فإن الحديث في الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، ويدل على أنه إن لم يشترط في إحرامه فليس له أن يتحلل، وهو يقوي قول من يقول إنه لا يصير محصرًا بالمرض، ولذا احتاج إلى اشتراط فقد جعل -سبحانه- المخرج للعبد على أي الوجهَيْن.
وضُبَاعة بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة مخففة -وهي بنت الزبير بن عبد المطلب عم النبي - ﷺ - وقول صاحب الوسيط إنها ضباعة الأسلمية غلط، والصواب الهاشمية (١).
٦١٦ - وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة: فسألت ابن عباس - ﵁ - وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. رواه الخمسة وحسنه الترمذي (٢).
هو الحجاج بن عمرو بن غَزِيَّة، بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء تحتها نقطتان، الأنصاري المازني منسوب إلى جده مازن بن النجار يعد في أهل المدينة، حديثه عند الحجازيين قال البخاري: له صحبة، روى عن النبي - ﷺ - حديثين أحدهما هذا "من كسر "
_________________
(١) شرح مسلم ٣: ٢٩٩.
(٢) أبو داود المناسك، باب الإحصار ٢: ٤٣٣ ح ١٨٦٢، الترمذي الحج، باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج ٣: ٢٧٧ ح ٩٤٠، النسائي مناسك الحج، باب فيمن أحصر بعدو ٥: ١٩٨: ١٩٩ (ط. بيروت)، ابن ماجه المناسك باب المحصر ٢، ١٠٢٨ ح ٣٠٧٧، أحمد ٣: ٤٥٠، الحاكم ١: ٤٧٠، الدارقطني ٢: ٢٧٧ - ٢٧٨ ح ١٩١.
[ ٥ / ٣٩١ ]
الحديث، والآخر "كان النبي - ﷺ - يتهجد من الليل بعد نومه". روى عنه كثير بن عباس وعكرمة مولى ابن عباس وعبد اللَّه بن رافع، وهو الذي ضرب مروان يوم الدار فأسقط وحمله أبو حفصة مولاه وهو لا يعقل.
قال ابن عبد البر: عن علي بن المديني قال الحجاج بن عمرو (أ) المازني: له صحبة قال: هو الذي روى عنه ضمرة بن زيد عن زيد بن ثابت في العزل، قال: على ويقال: الحجاج بن أبي الحجاج وهو الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري (١).
الحديث تقدم الكلام عليه وعلى ما يتضمنه من الفقه.
قوله: "عَرِجَ" يقال: عرج في مشيه عرجًا من باب تعب إذا كان من عله لازمة (ب)، وعرج فهو أعرج والأنثى عرجاء، وإن كان من علة غير لازمة بل من شيءٍ أصابه حتى غمز في مشيه قيل عرج يعرج من باب قتل فهو عارج كذا في المصباح.
وقوله: "فقد حل" وورد في هذه الرواية مطلقًا عن التقييد بنحر الهدي، وقد تقدم ذكر ذلك في قوله "فلينحر مثلها".
وقوله: "وعليه الحج من قابل" يفهم من إطلاقه أنه يجب قضاء ما فات ولو كان فعلًا وإن كان التقييد ممكنًا جمعا: بينه وبين ما تقدم من أنه - ﷺ - لم يأمر بالقضاء للعمرة ولا فرق بينها وبين الحج، فالجمع بينهما ينفي الفارق، والله أعلم.
واعلم أن المصنف -رحمه الله تعالى- لم يذكر ما يتعلق بفوات
_________________
(١) (أ) في الأصل، هـ: عمر، والمثبت في جـ، ى، وهو ما في أسد الغابة والإصابة وغيرها. (ب) جـ: (علة غير لازمة).
(٢) أسد الغابة ١: ٤٥٨، الإصابة ١: ٣١٣ - ٣١٠٤.
[ ٥ / ٣٩٢ ]
الحج من دون إحصار، وقد أخرج مالك والشافعي والبيهقي ورجال إسناده ثقات من حديث سليمان بن يسار "أن أبا أيوب خرج حاجًّا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضلت راحلته فقدم على عمر يوم النحر فذكر ذلك له فقال: "اصنع كما تصنع يوم النحر ثم قد حللت فإذا أدركت الحج قابلًا فاحجج واهد ما تيسر من الهدي" (١).
لكن صورته منقطع لأن سليمان وإن أدرك أبا أيوب لكن لم يدرك من القصة ولم ينقل أن أبا أيوب أخبره بها لكنه على مذهب ابن عبد البر موصول والنازية بنون وزاي موضع بين الروحاء والصغرى.
وروى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود: سألت عمر عمن فاته الحج قال: يهل بعمرة وعليه الحج من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت فقال مثله. أخرجه البيهقي (٢).
وأخرج أيضًا من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة قال: سمعت عمر وجاءه رجل في أوسط أيام التشريق وقد فاته الحج فقال له عمر: طُف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعليك الحج من قابل (٣).
وقد اختلف الفقهاء في حكم من فاته الحج فذهب الهادي وغيره أنه يتحلل بعمرةٍ بالإحرام الأول، وقال أبو يوسف الحنفي: إنه يستأنف لها إحرامًا، وهو يفهم من قول عمر: "يهل بعمرة وعليه الحج من قابل".
قال الإمام المهدي في البحر ردًّا عليه لنا قوله - ﷺ - "فليجعلها عمرة"
_________________
(١) الموطأ الحج، باب هدي من فاته الحج ص ٢٤٩، ٢٥٠ ح ١٥٣، الأم ٢: ١٦٦، سنن البيهقي ٥: ١٧٤ (وفي الأم والسنن بالبادية والصواب المثبت).
(٢) و(٣) سنن البيهقي ٥: ١٧٥ وفيه ولقيت زيد بن ثابت بعد عشرين سنة فقال مثله.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
ولم يأمر بالاستئناف، وهو يفهم من قول عمر: "طف بالبيت وبين الصفا والمروة".
وذهبت العترة إلى أنه يجب عليه دم لفوات الحج، وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا دم عليه إذ شرع للتحلل وقد تحلل بعمرة. قال الإمام المهدي في الرد عليهم لنا قوله - ﷺ - "من لم يدرك الحج فعليه دم وليجعلها عمرة" (١).
اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحاديث (أ).
ونذكر بعد كتاب الحج خاتمة في ذكر زيارة النبي - ﷺ - وإن لم يذكر ذلك المصنف رحمه الله تعالى، والكلام على ذلك في سبعة فصول.
_________________
(١) (أ) آخر المجلد الأول من جـ.
(٢) نصب الراية ٣: ١٤٦.
[ ٥ / ٣٩٤ ]