٨٧٣ - وعن عائشة ﵂، قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - يقسم لنسائِهِ فيعدلُ ويقول: "اللهُمّ هذا قسمي فيما أملكُ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". رواه الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم، ولكن رجَّح الترمذي إرساله (١).
وكذا أعله النسائي والدارقطني (٢)، وقال أبو زرعة (٣): لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله، لكن صححه ابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة موصولًا. قال الترمذي: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا أصح.
والحديث فيه دلالة على أنه - ﷺ - كان يقسم بين نسائه ويعدل، واختلف العلماء هل كان واجبًا عليه القسم أو غير واجب؟ فذهب بعض أهل التفسير (٤) إلى أنه غير واجب، وفسر به قوله تعالى: ﴿تُرْجِي
_________________
(١) أبو داود، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء ٢/ ٢٤٩ ح ٢١٣٤، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر ٣/ ٤٤٦ ح ١١٤٠، والنسائي، كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض ٧/ ٦٤ ح ٣٩٥٣، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء ١/ ٦٣٣ ح ١٩٧١، وابن حبان، كتاب النكاح، باب القسم، ح ٤٢٠٥، والحاكم كتاب النكاح ٢/ ١٨٧.
(٢) التلخيص ٣/ ١٣٩.
(٣) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٢٥ ح ١٢٧٩.
(٤) تفسير ابن جرير ٢٢/ ٢٤ - ٢٦.
[ ٧ / ٣٣٩ ]
مَنْ تَشَاءُ﴾ (١) الآية. وقال: أباح الله له أن يترك التسوية والقسم بين أزواجه، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن عن نوبتها، ويطأ من يشاء في غير نوبتها، وجعل ذلك من خصائصه - ﷺ -، فجعل الضمير في قوله: ﴿مِنْهُنَّ﴾. عائدًا إلى أزواجه اللاتي أمر بتخييرهن، وذهب إليه أبو سعيد الإصطخري من الشافعية، وصرح به الإمام المهدي في "البحر"، وجعله لنفسه ولم ينسبه إلى أحد، واحتج بالآية، والظاهر من قول سائر الأئمة أن ذلك واجب عليه.
وقوله: ويعدل. فيه دلالة على أن خلاف التسوية من الجور.
وقوله: "فيما أملك". وهو عمل الجوارح من المبيت مع كل واحدة نوبتها.
وقوله: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". قال الترمذي: يعني به الحب والمودة. كذا فسره أهل العلم. انتهى.
فيه دلالة على أن عمل القلب لا يستطع الإنسان عليه، وأن الله ﷾ واهب ذلك وسالبه، وأن العبد لا يملك ذلك، وقد فسر بمثل هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢). والله سبحانه أعلم.
٨٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "مَن
_________________
(١) الآية ٥١ من سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٢٤ من سورة الأنفال.
[ ٧ / ٣٤٠ ]
كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، (أوترَك الأخرى أ) جاء يوم القيامة وشقه مائل". رواه أحمد والأربعة، وسنده صحيح (١).
وأخرجه ابن حبان والحاكم (٢)، ولفظ الحاكم: "إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل أو ساقط". وإسناده على شرط الشيخين، قاله الحاكم وابن دقيق العيد، واستغربه الترمذي مع تصحيحه، وقال عبد الحق (٣): هو خبر ثابت، لكن علته أن همامًا تفرد به، وأن [همامًا] (ب) رواه عن قتادة.
الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات، ويحرم عليه الميل إلى إحداهن دون الآخرة، وقد ذهب إلى هذا أكثر الأمة، وأنه إذا قسم بين الزوجات وجب عليه التسوية لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٤). قال في "البحر": وقد ذهب قوم مجاهيل إلى أن من له زوجتان فله أن يقف مع إحداهما ليلة ومع الأخرى ثلًائا، إذ له أن ينكح
_________________
(١) (أ- أ) ساقطة من: جـ. (ب) في الأصل: هشاما.
(٢) أحمد ٢/ ٢٩٥، وأبو داود كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء ٢/ ٢٤٩ ح ٢١٣٣، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء ١/ ٦٣٣، ح ١٩٦٩، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر ٣/ ٤٤٧ ح ١١٤١، والنسائي، كتاب النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض ٧/ ٦٣.
(٣) ابن حبان ١٠/ ٧ ح ٤٢٠٧، والحاكم ٢/ ١٨٦.
(٤) الأحكام الوسطى ٣/ ١٦٩. ونص كلامه: إنما أسنده همام، وهمام ثقة حافظ.
(٥) الآية ١٢٩ من سورة النساء.
[ ٧ / ٣٤١ ]
أربعًا، فله إيثار أيهما شاء بالليلتين، ومثله عن الناصر، لكن حمله أصحابه على الحكاية دون أن يكون مذهبه، ثم قال في جوابه: قلنا: الليلتان لا يستحقان قبل نكاح الأربع، فلا وجه لما قالوه. انتهى. وهذا إذا قسم، وأما إذا لم يقسم، لم يجب عليه شيء، بل له الانفراد عنهن إذ الاستمتاع حق له لا يلزمه استيفاؤه، فإن أراد من البعض جاز له.
٨٧٥ - وعن أنس ﵁ قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا، ثم قسم. متفق عليه واللفظ للبخاري (١).
قوله: من السنة. أي سنة النبي - ﷺ -، وهذا هو المتبادر من قول الصحابي ذلك، ويدل عليه قول سالم للزهري -لما سأله عن قول ابن عمر للحجاج: إن كنت تريد السنة- هل تريد سنة النبي - ﷺ -؟ فقال له سالم: وهل تعنون (أ) بذلك إلا سنته (ب) - ﷺ - (٢)؟ أي (جـ) ولمثل هذا حكم الرفع؛ ولهذا قال أبو قلابة [راويه] (د) عن أنس: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي - ﷺ -. يعني ويكون رواية بالمعنى، إذ معنى: من السنة. هو الرفع، وهو
_________________
(١) (أ) في مصدر التخريج: يتبعون. (ب) في جـ: سنة النبي. (جـ) ساقطة من: جـ. (د) في الأصل، جـ: رواية. وينظر سبل السلام ٣/ ٢٨٨.
(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب إذا تزوج الثيب على البكر ٩/ ٣١٤ ح ٥٢١٤، ومسلم، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر ٢/ ١٠٨٤ ح ١٤٦١.
(٣) البخاري ٣/ ٥١٣ ح ١٦٦٢.
[ ٧ / ٣٤٢ ]
جائز عنده، لكنه رأى أن المحافظة على قول أنس أولى، وذلك لأن كونه مرفوعًا إنما هو بطريق اجتهادي محتمل، والرفع نص، وليس للراوي أن ينقل ما هو محتمل إلى ما هو نص غير محتمل. كذا ذكره ابن دقيق العيد (١) وقد نسب (أهذا قول أبي قلابة أ) بشر بن المفضل وهشيم إلى خالد راويه عن أبي قلابة (٢) ولا منافاة، لاحتمال أن يكونا جميعًا قالا ذلك، وكذا البخاري (٣) قال في الرواية الأخرى من طريق عبد الرزاق قال خالد: ولو شئت لقلت: رفعه. وقد أخرجه أبو عوانة (٤) في "صحيحه" من طريق أبي قلابة الرقاشي وقال فيه: قال النبي - ﷺ -. وقال: هو غريب، لا أعلم من قاله غير أبي قلابة. انتهى. وقد أخرج الإسماعيلي (٥) من طريق أيوب من رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -. وصرح برفعه، وكذا أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" وابن حبان (٦) والدارقطني (٧) والدارمي (٨) من طرق مختلفة إلى أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس مصرحا برفعه.
_________________
(١) (أ- أ) كذا في: الأصل، جـ. ولعل الصواب: قول أبي قلابة هذا.
(٢) إحكام الأحكام ٤/ ٤١.
(٣) طريق بشر عند البخاري ٩/ ٣١٤ ح ٥٢١٣، وطريق هشيم عند مسلم ٢/ ١٠٨٤ ح ١٤٦١.
(٤) تقدم في الصفحة السابقة.
(٥) أبو عوانة ٣/ ٩٠ ح ٤٣١٢.
(٦) الفتح ٩/ ٣١٤.
(٧) ابن حبان ١٠/ ٨ ح ٤٢٠٨.
(٨) الدارقطني ٣/ ٢٨٣ ح ١٤٠.
(٩) الدارمي ٢/ ١٤٤.
[ ٧ / ٣٤٣ ]
وقوله: على الثيب. فيه دلالة على أن هذا الحكم لمن كان له زوجة قبل الجديدة، وقال ابن عبد البر (١): جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، وسواء كان عنده زوجة أو لا. واختاره النووي، وإطلاق الشافعي يعضده، وفي رواية للبخاري بلفظ: إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا. الحديث (٢). ولم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها إلا أن القاعدة حمل المطلق على المقيد كما في حديث أنس التقييد بـ "على الثيب".
وفي قوله: ثم قسم. كذلك دلالة على وجود الزوجة الأخرى، وقد ذهب إلى التأثير المذكور الجمهور، والخلاف (أفي ذلك أ) للكوفيين، فقالوا: إن البكر والثيب سواء، وللأوزاعي فقال: إن للبكر ثلاثًا وللثيب يومين. وفيه حديث مرفوع عن عائشة أخرجه الدارقطني (٣) وسنده ضعيف جدًّا، وظاهر الحديث أن ذلك واجب، واختلف أصحاب مالك، فقال ابن القاسم: إنه واجب، وقال ابن عبد الحكم: بل مستحب. وسبب الخلاف حمل فعله - ﷺ - على الندب أو على الوجوب؟ وقد عرفت أن ذلك روي من قوله - ﷺ -، وظاهره الوجوب. وروى الإمام المهدي عن أبي حنيفة وأصحابه والحكم (ب) وحماد، أنه إنما يجب التقديم، وليس ذلك إيثارًا، فتقضي البواقي مثله؛ إذ القسم حقٌّ زوجي فلا يفترق فيه الجديدة والقديمة كالنفقة، قلنا:
_________________
(١) (أ- أ) ساقط من: جـ. (ب) في جـ: الحاكم.
(٢) التمهيد ١٧/ ٢٤٩.
(٣) تقدم في الصفحة السابقة حاشية (٢).
(٤) الدارقطني ٣/ ٢٨٤ ح ١٤٤.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
النص منع القياس. قال المهدي البصري وابن المسيب: للبكر ليلتان، وللثيب ليلة؛ إذ القصد رفع الدور يعني في القسم بالنكاح الجديد، وهو يحصل بذلك، لكن حق البكر آكد لشدة الرغبة فيها ففضلت. قلنا: لا نسلم، بل بعيد للنصوص الواردة، ثم اختلف العلماء؛ هل ذلك حق للزوج أو للزوجة الجديدة؟ فذهب الجمهور إلى أن ذلك حق للزوجة، وقال بعض المالكية: حق له على بقية زوجاته. واعلم أنه لا يجب على الزوج أن يستغرق جميع الأوقات في المُقام عند الزوجة في السبعة الأيام أو الثلاثة، وقد نص الشافعي على كراهة تأخره عن صلاة الجماعة وسائر أعمال البر التي كان يفعلها، وقال الرافعي: هذا في النهار، وأما في الليل فلا لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوي بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة، وفي سائر أعمال البر، فيخرج في ليالي الكل، أو لا يخرج أصلًا، فإن خصص حرم عليه وعدُّوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة، وقال ابن دقيق العيد (١): أفرط بعض الفقهاء، فجعل مقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة، وأجيب بأنه قياس قول من يقول بوجوب المقام عندها، وهو قول الشافعية، ورواه ابن القاسم عن مالك وعنه يستحب، وهو وجه للشافعية فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان فيقدم حق الآدمي، ومقتضى قول الهدوية أنه لا يترك الجماعة ولا غيرها من الواجبات، وإن رخص فيه كما قالوا في حق الزوجة أنها لا تمنع عن واجب كان رخص فيه كالصوم في السفر والصلاة أول الوقت. ويجب الموالاة في السبع وفي الثلاث فلو فرق وجب الاستئناف، ولا فرق بين الحرة والأمة، وقيل: هي على النصف مما للحرة،
_________________
(١) إحكام الأحكام ٤/ ٤٢.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
فلو تزوج أخرى في مدة السبع أو الثلاث فالظاهر أنه يتم ذلك، لأنه قد صار مستحقًّا لها.
٨٧٦ - وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - لما تزوجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك (أ) على أهلك هوان، إن شئت سبَّعت لك، كان سبَّعت لك سبَّعت لنسائي". رواه مسلم (١).
زاد مسلم في رواية (٢): "وإن شئت ثلَّثت ثم درت". قالت: ثلِّث. وفي رواية (٣): دخل عليها فلما أراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث".
الحديث فيه دلالة على أنه إذا تعدى الزوج المدة المقدرة برضا المرأة سقط حقها من الإيثار، ووجب عليه القضاء لذلك، وأما إذا كان بغير رضاها فحقها ثابت، وهو مفهوم من قوله - ﷺ -: "إن شئت".
وقوله: "ليس بك (أ) على أهلك هوان". معناه: لا يلحقك هوان ولا نضع (ب) من حقك شيئًا بل تأخذينه كاملًا، ثم بين ذلك بأنها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء، وبين سبع ويقضي لسائر نسائه، قال القاضي عياض (٤):
_________________
(١) (أ) في جـ: لك. (ب) في جـ: نضيع.
(٢) مسلم، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب ٢/ ١٠٨٣ ح ١٤٦٠/ ٤١.
(٣) مسلم ٢/ ١٠٨٣ ح ١٤٦٠/ ٤٢.
(٤) مسلم ٢/ ١٠٨٣ ح ١٤٦٠ عقب ٤٢.
(٥) تنوير الحوالك ١/ ٦.
[ ٧ / ٣٤٦ ]
والمراد بـ "بأهلك" هنا نفسه - ﷺ -؛ أي: إني لا أفعل فعلًا به هوانك عليَّ.
وفيه دلالة على استحباب ملاطفة الأهل والعيال وغيرهم، وتقريب الحق من فهم المخاطب ليرجع إليه، والعدل بين الزوجات، والله أعلم.
٨٧٧ - وعن عائشة ﵂، أن سودة بنت زَمَعة وهبت [يومها] (أ) لعائشة، (ب وكان النبي - ﷺ - ب) يقسمُ لعائشة ﵂ يومها ويوم سودة. متفق عليه (١).
هي سودة بنت زَمَعة زوج النبي - ﷺ -، وكان تزوجها بمكة بعد موت خديجة ودخل عليها بها (جـ) وهاجرت معه، وكان العقد بها بعد أن عقد على عائشة، وأما الدخول بعائشة فكان متأخرا. كذا في مسلم (٢)، قال ابن الجوزي (٣): والدخول بعائشة كان بعد سودة بالاتفاق، وهبت يومها لعائشة، وزاد البخاري (٤) في الهبة: وليلتها. وزاد في آخره: تبتغي بذلك رضا رسول الله - ﷺ -. وفي رواية لمسلم (٢): لما أن كبرت سودة وهبت
_________________
(١) (أ) في الأصل: نوبتها. (ب- ب) ساقطة من: جـ. (جـ) ساقطة من: جـ.
(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها ٩/ ٣١٢ ح ٥٢١٢، ومسلم، كتاب الرضاع ٢/ ١٠٨٥ ح ١٤٦٣/ ٤٧.
(٣) مسلم ٢/ ١٠٨٥ ح ١٤٦٣/ ٤٨.
(٤) الفتح ٩/ ٣١٢.
(٥) البخاري ٥/ ٢١٨ ح ٢٥٩٣.
[ ٧ / ٣٤٧ ]
يومها. وأخرجه أبو داود (١) وبين فيه السبب بسند مسلم: كان رسول الله - ﷺ - لا يفصّل بعضنا على بعض في القسم. الحديث. وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن رفارقها رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، يومي لعائشة. فقبل ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٢) الآية. وقد رواه سعيد بن منصور (٣) عن أبي الزناد مرسلًا، لم يذكر فيه عائشة، وعند الترمذي (٤) من حديث ابن عباس موصولًا، وكذا قال عبد الرزاق (٥) عن معمر بمعنى ذلك، فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد (٦) بسند رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة (أ) مرسلًا، أن النبي - ﷺ - طلقها، فقعدت له (ب) على طريقه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي في الرجال حاجة، ولكني أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب، هل طلقتني لوجدة وجدتها علي؟ قال: "لا". قالت: فأنشدك لما راجعتني. فراجعها، قالت: فإني جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله - ﷺ -. وكانت سودة تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن
_________________
(١) (أ) في جـ: مرة. (ب) ساقطة من: جـ.
(٢) أبو داود ٢/ ٢٤٩ ح ٢١٣٥.
(٣) الآية ١٢٨ من سورة النساء.
(٤) تفسير سعيد بن منصور ٤/ ١٤٠٤ ح ٧٠٢.
(٥) الترمذي ٥/ ٢٣٢ ح ٣٠٤٠.
(٦) مصنف عبد الرزاق ٦/ ٢٣٨ ح ١٠٦٥٥.
(٧) ابن سعد ٨/ ٥٤.
[ ٧ / ٣٤٨ ]
عمرو، أخو سهيل بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما إلى مكة مات زوجها، ويقال: إنه مات بالحبشة. وأمها اسمها الشموس بنت قيس [من بني] (أ) عدي بن النجار، توفيت سودة بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، وزَمَعة بفتح الزاي والميم، والعين المهملة، قال ابن الأثير (١): وسمعنا أهل الحديث والفقهاء يسكنون الميم.
والحديث فيه دلالة على أن المرأة لها أن تهب نوبتها. وللفقهاء في ذلك تفصيل؛ وهو أنها إن وهبت لضرتها استحقتها بشرط أن يرضى الزوج، وذلك لأن الزوج له حق في الزوجة، فليس لها أن تسقط حقه منها إلا برضاه، كان وهبت للزوج أو قالت: خص بها من شئت. فذكر أصحاب الشافعي أن له أن يخص بها من شاء، وكذا ذكر الفقيه علي الوشلي للهدوية، وقال الإمام يحيى في "الانتصار": ليس له ذلك، بل تصير كالمعدومة. وقال الفقيه حسن النحوي: إن قالت [له] (ب): خص بها من شئت. فله ذلك، لا إذا أطلقت الهبة له، وأما إذا أسقطت ليلتها كانت كالمعدومة، ويصح من الصغيرة المميزة إذ لا غضاضة عليها، وكذا من الأمة، ومثل هذه الهبة إنما هي إسقاط حق فلا تفتقر إلى قبول، ويصح الرجوع لأن الحق متجدد. قال أصحاب الشافعي: فإذا رجعت ولم يعلم برجوعها حتى مضت نوبتها فلا قضاء عليه، كما في
_________________
(١) (أ) في الأصل: بن. (ب) ساقطة من: الأصل.
(٢) شرح المواهب اللدنية ٣/ ٢٢٧.
[ ٧ / ٣٤٩ ]
رجوع المبيح عن الإباحة قبل أن يعلم المباح له، فإنه لا ضمان عليه. والله سبحانه أعلم.
٨٧٨ - وعن عروة قال: قالت عائشة ﵂: يا ابن أُختي، كان رسول الله - ﷺ - لا يفضِّلُ بعضَنا على بعض في القَسْم من مُكثه عندنا، وكان قلَّ يومٌ إلا (أ) وهو يطوفُ علينا جميعًا، فيدنُو من كلِّ امرأة من غير مَسيسٍ، حتى يبلُغ التي هُو (ب) يومُها، فيبيت عندها. رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وصححه الحاكم (١).
ولمسلم (٢) عن عائشة ﵂: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا صلّى العصر دار على نسائه ثم يدنُو منهُن. الحديث.
رواية أحمد: ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا امرأة امرأة فيدنو ويلْمَس من غير مَسِيسٍ حتى يفضيَ إلى التي هو (ب) يومها فيبيت عندها.
الحديث فيه دلالة على أن للرجل إيناس من لم يكن في يومها واللمس وغيره من التقبيل، وفي الحديث ذكر ما كان عليه النبي - ﷺ - من حُسْن الخلق وملاطفة الأهل.
_________________
(١) (أ) ساقطة من: جـ. (ب) في جـ: هي.
(٢) أحمد ٦/ ١٠٧، ١٠٨، وأبو داود، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء ٢/ ٢٤٩ ح ٢١٣٥، والحاكم، كتاب النكاح ٢/ ١٨٦.
(٣) مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث ٢/ ١١٠٢ ح ١٤٧٤/ ٢١.
[ ٧ / ٣٥٠ ]
وقوله: فيدنو منهن. زاد (أ) ابن [أبي] (ب) الزناد، عن هشام بن عروة (١): بغير وقاع. وهذا يدفع ما ذهب إليه ابن العربي بأنه - ﷺ - كان له ساعة من النهار لا يجب عليه القَسْم فيها وهي بعد العصر. قال المصنف (٢) ﵀: ولم أجد لذلك دليلا. ثم قال المصنف (٣) في باب دخول الرجل على نسائه، وذكر هذا الحديث من دولت الزيادة: وجدت له دليلا ولكنه يحمل المطلق على المقيد، فلا يتم الدليل له.
٨٧٩ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضِه الذي مات فيه: "أين أنا غدًا؟ ". يُريدُ يومَ عائشة، فأذِن له أزواجُه يكونُ حيثُ شاء، فكان في بيت عائشة. متفق عليه (٤).
قوله: كان يسأل. ذكره البخاري (٥) في آخر (جـ) كتاب المغازي بزيادة: وكان أول ما بدئ به في مرضه في بيت ميمونة.
_________________
(١) (أ) زاد في الأصل: البخاري في باب لم تحرم ما أحل الله لك من رواية، وبعده في جـ: رواه البخاري في باب لم تحرم ما أحل الله لك من رواية. والمثبت من الفتح ٩/ ٣١٧. (ب) ساقطة من: الأصل. (جـ) ساقطة من: جـ.
(٢) البيهقي ٧/ ٣٠٠.
(٣) الفتح ٩/ ٣١٦.
(٤) الفتح ٩/ ٣١٦، ٣١٧ بمعناه.
(٥) البخاري، كتاب النكاح باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرض في بيت بعضهن فأذن له ٩/ ٣١٧ ح ٥٢١٧، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة ٤/ ١٨٩٣ ح ٢٤٤٣.
(٦) البخاري ٨/ ١٤٤ ح ٤٤٥٠ دون هذه الزيادة.
[ ٧ / ٣٥١ ]
وقوله: فأذن له أزواجه. الحديث. وقع في رواية أحمد (١) عن عائشة أنه - ﷺ - قال لنسائه: "إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإن شئتن أذِنتُنَّ لي". وذكر ابن سعد (٢) بإسناد صحيحٍ عن الزهريّ أن فاطمة ﵂ هي التي خاطبت أمهات المؤمنين، فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف. والجمع ممكن بأنه استأذن هو - ﷺ - وفاطمةُ ﵂ كذلك.
ووقع في رواية ابن أبي مليكة (٣) أن دخوله - ﷺ - بيتها كان يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين الذي يليه.
وفي الحديث دلالة أنه إذا أذنت المرأة كان ذلك مُسقِطًا لحقها من النَّوبة، وظاهر الرواية أن الإذن وقع منهن الجميع بأن الأمر إليه، يكونُ حيث شاء، فخص عائشة. وترجم البخاري (٤) في كتاب النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يُمرَّض في بيت بعضهن فأذنَّ له. وساق اللفظ المذكور هنا، وظاهر الترجمة أنه استأذن بالكَوْنِ في بيت عائشة على التعيين، ولكن لفظ الحديث لا يدل عليه بخصوصه، ولعل ذلك مفهوم من قرائن الأحوال، أنه لا يعدل عن بيت عائشة، فالترجمة مطابقة لما قصد من اللفظ. والله أعلم.
٨٨٠ - وعنها ﵂، قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرَعَ بين نسائه، فأيتهُنَّ خرَج سهمُها خرَج بها [معه] (أ). متفق عليه (٥).
_________________
(١) (أ) ساقطة من: الأصل.
(٢) أحمد ٦/ ٢١٩.
(٣) الطبقات الكبرى ٢/ ٢٣٢.
(٤) الفتح ٨/ ١٤١.
(٥) الفتح ٩/ ٣١٧ ح ٥٢١٧.
(٦) البخاري، كتاب القرعة في المشكلات ٥/ ٢٩٣ ح ٢٦٨٨، ومسلم، كتاب التوبة، باب في=
[ ٧ / ٣٥٢ ]
قوله: إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه. المراد القرعة بينهن لتعيين مَن يسافر بها منهن، وليست القرعة مختصة بحالِ السفر، بل إذا أراد القسْم بين زوجاته فعليه القرعة في البداية بأيهن إلا أن يرضين بشيء، جاز بلا قرعة.
وظاهر الحديث وجوب القرعة في السفر وقد ذهب إليه الشافعي، وذهبت الهدوية إلى أن له السفرَ بمن شاء، ولا تجب القرعة، ووجهه أنه لا يجب عليه القَسْم في السفر، ويحملون الحديث أن ذلك لمكارمِ أخلاقه وحُسن شمائله في رعاية حقِّ الزوجات - ﷺ -، ولا يجب القضاء لغير من سافر بها. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء سواء كان سفره بقرعةٍ أو بغير قرعةٍ. وقال الشافعي: إن كان بقرعة لم يجب القضاء، وإن كان بغير قرعة وجب عليه القضاء.
وأخرج ابن سعد (١) حديث عائشة المذكور وزاد فيه: فكان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهية. واستدل به على مشروعية القُرعة في القِسْمة بين الشُّركاء وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض (٢): هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنها من باب الخطَر والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها. انتهى.
واحتج من منع من المالكية بأن بعض النِّسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفْعَ لها في السفر لأضرَّ بحال الزوج،
_________________
(١) = حديث الإفك وقبول توبة القاذف ٤/ ٢١٢٩، ٢١٣٠ ح ٢٧٧٠/ ٥٦.
(٢) الطبقات الكبرى ٨/ ١٦٩، ١٧٠.
(٣) الفتح ٩/ ٣١١.
[ ٧ / ٣٥٣ ]
وكذا قد يكون بعض النساء أقوم برعاية مصالح بيت الرجل في الحضر، فلو خرج عليها القرعة بالسفر لأضر بحال الرجل من رعاية مصالح الحضر. وقال القرطبي (١): تختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا يخص واحدة فيكون ترجيحًا بلا مرجِّح. وهذا منهم تخصيص للحديث بالمعنى الذي شرع لأجله الحكم، والجري على ظاهره كما ذهب إليه الشافعي أقوم. والله أعلم.
٨٨١ - وعن عبد الله بن زمعة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يجلد أحدكم امرأته جلدَ العبدِ". رواه البخاري (٢).
هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، صحابي مشهور، وأمه قُرَيبة أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت تحته زينب بنت أم سلمة، ليس له في "البخاري" سوى هذا الحديث، عِداده في أهل المدينة، روى عنه عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وتمام الحديث في البخاري: "ثم يجامعها". وفي رواية أبي معاوية (٣)؛ "ولعله أن يضاجعها". وفي رواية لأحمد بزيادة (٤): "من آخر الليل" عن ابن عيينة. وله عند النسائي (٥): "آخر النهار". وفي رواية ابن نمير (٦)
_________________
(١) الفتح ٩/ ٣١١.
(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب ما يكره من ضرب النساء ٩/ ٣٠٢ ح ٥٢٠٤.
(٣) البخاري ٨/ ٧٠٥ ح ٤٩٤٢ معلقًا مختصرًا.
(٤) أحمد ٤/ ١٧.
(٥) النسائي في الكبرى ٥/ ٣٧١ ح ٩١٦٦.
(٦) مسلم ٤/ ٢١٩١ ح ٢٨٥٥/ ٤٩.
[ ٧ / ٣٥٤ ]
والأكثر: "في آخر يومه". وفي رواية وكيع (١): "آخر الليل، أو من آخر الليل". وكلها متقاربة.
وقوله: "لا يجلد". في نسخ البخاري بصيغة النهي، وفي كتاب التفسير في سورة "الشمس" (٢) بلفظ: "يعمد أحدكم". وقد أخرجه الإسماعيلي (٣) عن محمَّد بن يوسف شيخ البخاري بصيغة الخبر بحذف "لا" ورفع "يجلد". وفي رواية أبي معاوية وعبدة بن سليمان (٤): "إلام يجلد". وفي رواية وكيع وابن نمير (٥): "علام يجلد". وفي رواية ابن عيينة (٥): وعظهم [في] (أ) النساء، فقال: "يضرب أحدكم". ومعنى الخبر والاستفهام هنا الإنكار، فهو موافق للنهي.
و: "جَلْدَ العبدِ". بالنصب على أنه مفعول مطلق للنوع، أي مثل جلد العبد، وفي رواية لمسلم (٦): "ضرب الأمة". وللنسائي (٥) من طريق ابن
_________________
(١) (أ) في الأصل: من.
(٢) أحمد ٤/ ١٧.
(٣) البخاري ٨/ ٧٠٤، ٧٠٥ ح ٤٩٤٢.
(٤) الفتح ٩/ ٣٠٣.
(٥) الترمذي ٥/ ٤١٠ ح ٣٣٤٣.
(٦) تقدم في الصفحة السابقة.
(٧) مسلم ٤/ ٢١٩١ ح ٢٨٥٥/ ٤٩ بلفظ: "جلد الأمة".
[ ٧ / ٣٥٥ ]
عيينة: "كما يضرب العبد أو الأمة". وفي رواية أحمد [بن] (أ) سفيان (١): "جلدَ البعير". وللبخاري في باب الأدب (٢): "ضربَ الفَحْلِ أو العبد". والمراد بالفحل البعير، وفي رواية أبي داود (٣) من حديث لقيط: "ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك".
والحديث فيه دلالة على جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب الزوجة دون ذاك، وترتيب قوله: "ثم يجامعها". يدل على أن عِلة النهي أن ذلك لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات؛ لأن الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل النفس والرغبة في العِشْرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده، وإذا كان ولا بد من التأديب كان تأديبًا مستحسنا لا يحصل معه النفور التام كما قال ﷾ ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٤). وقد جاء النهي عن ضرب النساء مطلقًا، فعند أحمد وأبي داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٥) من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، بضم المعجمة وبموحدتين الأولى خفيفة، رفَعه: "لا تضربوا إماء الله". فجاء عمر فقال:
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: و. والمثبت من الفتح ٩/ ٣٠٣، وينظر تهذيب الكمال ١/ ٣١٩.
(٢) الفتح ٩/ ٣٠٣.
(٣) البخاري ١٠/ ٤٦٣ ح ٦٠٤٢.
(٤) أبو داود ١/ ٣٦ ح ١٤٢.
(٥) الآية ٣٤ من سورة النساء.
(٦) أبو داود ٢/ ٢٥٢ ح ٢١٤٦، والنسائي في الكبرى ٥/ ٣٧١ ح ٩١٦٧، وابن حبان ٩/ ٤٩٩ ح ٤١٨٩، والحاكم ٢/ ١٨٨، ولم نجده عند أحمد، وينظر المسند الجامع ٣/ ٨٤.
[ ٧ / ٣٥٦ ]
قد ذَئر (أ) النساءُ على أزواجهن -بفتح المعجمة وكسر الهمزة بعدها راء، أي نشَز، بنون ومعجمة وزاي. وقيل: معناه غضب واستب- فأذن لهم فضربوهن، فأطاف بآل رسول الله - ﷺ - نساء كثير، فقال - ﷺ -: "لقد أطاف بآل رسول الله - ﷺ - سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك أخياركم". وله شاهد من حديث ابن عباس في "صحيح ابن حبان" (١)، وآخر مرسل من حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عند البيهقي (٢)، قال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي للكراهة، والإذن فيه قرينة على ذلك فيكون مباحًا، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضَرْبِهن ثم أذن بعد نزولها فيه. وعلى قاعدة من يبني العام على الخاص مطلقًا كالشافعي أن يقول: الضرب في الآية مُقيَّد بالنشوز، والمطلق في الحديث مقيد بذلك، والنهي العام مخصص بحالة النشوز، والتأويل المذكور إنما يحتاج إليه من يجعل العام المتأخر ناسخًا للخاص المتقدم، فإذا جهل التاريخ حصل التعارض واحتاج إلى التأويل. والله سبحانه أعلم.
وقد أخرج النسائي (٣) في الباب حديث عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله - ﷺ - امرأة له ولا خادما قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في (ب) سبيل الله، أو تُنْتَهك محارم الله، فينتقم لله. ولكن ذلك لكرم خُلُقِه - ﷺ - ورأفته بالمؤمنين ورحمته للعالمين.
_________________
(١) (أ) في جـ: ذئرن. (ب) ساقط من: جـ.
(٢) ابن حبان ٩/ ٤٩١ ح ٤١٨٦.
(٣) البيهقي ٧/ ٣٠٤.
(٤) النسائي في الكبرى ٥/ ٣٧٠، ٣٧١ ح ٩١٦٤.
[ ٧ / ٣٥٧ ]