الوصايا جمع وصية كالهدايا جمع هدية، ويطلق على فعل الموصي مصدرًا وعلى ما يوصى به من مال أو غيره من عهد ونحوه، [فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم] (أ). وهي في الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت. أو نقول: هي إقامة مكلف مكلفًا آخر مقام نفسه بعد الموت في بعض الأمور. والحد الأول أولى لشموله إذا لم يعين وصيًّا، ولأنه يخرج (ب) الثاني الوصية في شيء معين محجورًا عن التصرف في غيره، ولا يقال: إن "في بعض الأمور" تُصححه لأنه إنما احترز به عن العبادات البدنية. قال الأزهري (١): الوصية من: وصيت الشيء، بالتخفيف، أصيه؛ إذا وصلته، يقال: أرض واصية. أي متصلة النبات، قال الشاعر (٢):
* نَصِي الليلَ بالأيامِ حتى صلاتُنا*
وسميت الوصية بذلك؛ لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصّيته بالتشديد، ووصاه بالتخفيف بغير همز. ويطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، كقوله
_________________
(١) (أ) في النسخ: فتكون مصدرا بمعنى المفعول. والمثبت من الفتح ٥/ ٣٥٥. (ب) بعده في جـ: من.
(٢) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص ٢٧١.
(٣) صدر بيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١/ ٥٩٠، وعجزه: * مقاسمة يشتق أنصافها السفر *
[ ٦ / ٥١٣ ]
تعالى: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
٧٨٧ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". متفق عليه (٢).
قوله: "ما حق امرئ مسلم". لفظ "مسلم" سقط في رواية أحمد (٣) وهو ثابت عند الأكثر والتقييد به خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له أو أنه للتهييج بالوصية لما أشعر (أ) التقييد به أن هذا من شعار الإسلام، فمن تركه فقد ترك ما هو من شعار الإسلام، والا فوصية الكافر جائزة، وحكى ابن المنذر (٤) الإجماع عليها وإن كان السبكي أورد إشكالًا؛ وهو أن الوصية زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له صالح حتى يزاد عليه، وأجاب بأن الوصية أشبه بالإعتاق وهو يصح من الكافر.
وقوله: "شيء يريد أن يوصي فيه". قال ابن عبد البر (٥): رواه أيوب عن نافع بهذا اللفظ، وأما الرواة عن مالك فرووه بلفظ: "له شيء يوصي فيه". لم يختلفوا في ذلك، ورواه أحمد (٦) عن سفيان بلفظ: "حق (ب) كل مسلم
_________________
(١) (أ) في ب، جـ: شعر. (ب) في الأصل، جـ: ماحق.
(٢) الآية ١٥١ من سورة الأنعام.
(٣) البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي - ﷺ -: وصية الرجل مكتوبة عنده ٥/ ٣٥٥ ح ٢٧٣٨، ومسلم، كتاب الوصية ٣/ ١٢٤٩ ح ١ - ١٦٢٧.
(٤) أحمد ٢/ ٤.
(٥) الفتح ٥/ ٣٥٧.
(٦) التمهيد ١٤/ ٢٩٠ وذكر أن لفظ أيوب: "له شيء يوصي فيه".
(٧) أحمد ٢/ ١٠ موقوفًا بلفظ: أنه حق على كل مسلم أن يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده.
[ ٦ / ٥١٤ ]
أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه". الحديث، ورواه الشافعي (١) عن سفيان بلفظ: "ما حق امرئ يؤمن (أ) بالوصية". الحديث، قال ابن عبد البر (٢): فسره ابن عيينة: أي يؤمن بأنها حق. وأخرجه أبو عوانة (٣) من طريق هشام عن نافع (ب) بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين". الحديث. وذكره ابن عبد البر (٢) عن سليمان بن موسى عن نافع (ب) مثله. وأخرجه الطبراني (٤) من طريق الحسن عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عوف جميعًا عن نافع بلفظ: "ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه". وذكره ابن عبد البر (٢) من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم له مال". وأخرجه الطحاوي (٥) أيضًا. وأخرج (جـ) النسائي (٦): "أن يوصي فيه". من هذا الوجه (د) ولم يسق لفظه. قال أبو عمر: لم يتابع ابن عون على (هـ) هذه اللفظة. ولفظ "شيء" في الرواية أعم
_________________
(١) (أ) في ب: مؤمن. (ب- ب) ساقط من: ب. (جـ) بعده في الأصل: الثاني. (د) في النسخ: اللفظ. والمثبت من الفتح ٥/ ٣٥٧. (هـ) في جـ: عن.
(٢) السنن المأثورة ح ٥٣٨.
(٣) التمهيد ١٤/ ٢٩١.
(٤) أبو عوانة ٣/ ٤٧٢ ح ٥٧٣٩.
(٥) الطبراني -كما في الفتح ٥/ ٣٥٧.
(٦) شرح مشكل الآثار ٩/ ٢٦١ ح ٣٦٢٧.
(٧) النسائي، كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية ٦/ ١٩٩ ح ٣٦٢٠.
[ ٦ / ٥١٥ ]
من لفظ المال لدخول الحقوق المحضة فيها. ولفظ "ما" (أ) في قوله: "ما (أ) حق" نافية بمعنى ليس، والخبر ما بعد "إلا"، والواو زائدة في الخبر لوقوع الفصل بـ "إلا". قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. كذا في "شرح مسلم" للنووي (١)، وروى البيهقي في "المعرفة" (٢) عن الشافعي أنه قال في قوله: "ما حق امرئ". يحتمل: ما لامرئ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته لم مكتوبة عنده. ويحتمل: ما المعروف في الأخلاق إلا هذا لا من وجه الفرض. وقال الخطابي (٣): معناه ما حقه من جهة الحزم والاحتياط إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه لا يدري متى توافيه منِيّته فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك. انتهى.
وقوله: "يريد أن يوصي فيه". صفة لـ "شيء"، وفيه إشعار بأن الوصية ليست واجبة عليه، وإنما ذلك عند إرادته الوصية، فما أولاه بالمبادرة لتجويز هجوم الموت عليه في كل وقت، لكون (ب) سائر الروايات باللفظ الذي يدل على تحتم الوصية عليه، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها واختلفوا في الوجوب؛ فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور إلى أنها مندوبة لا واجبة، وذهب داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر إلى
_________________
(١) (أ- أ) ساقط من: ب. وفي جـ: في. (ب) في ب: "ولكن".
(٢) مسلم بشرح النووي ١١/ ٧٥.
(٣) المعرفة ٥/ ٩٤، ٩٥ عقب ح ٣٩١٧.
(٤) معالم السنن ٤/ ٨٢.
[ ٦ / ٥١٦ ]
وجوبها، وحكاه ابن المنذر عن طائفة منهم الزهري، وحكاه البيهقي في "المعرفة" (١) عن الشافعي في القديم، وقال به أبو مجلز وعطاء وطلحة بن مصرف في آخرين. وقال به إسحاق، واختاره أبو عوانة الإسفرايني وابن جرير وآخرون، ونسب ابن عبد البر (٢) القول بعدم وجوبها إلى الإجماع سوى من شذ، كذا قال، واستدل بعدم (أ) الوجوب من حيث المعنى، فإنه لو لم يوص لقسم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله سهمًا ينوب عن الوصية، [وقالوا] (ب) في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (٣) الآية: إنها منسوخة. كما قال ابن عباس (٤): كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل لكل واحد من الأبوين السدس. الحديث. وأجاب من قال بالوجوب بأن الذي نُسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه. وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: "ما حق امرئ". بأن المراد الحزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له. وهذا عن الشافعي. وقال غيره: الحق لغة الشيء الثابت، ويطلق شرعًا على ما يثبت به الحكم، والحكم الثابت
_________________
(١) (أ) في ب: لعدم. (ب) في ب: قال.
(٢) المعرفة ٥/ ٩٤، ٩٥، عقب ح ٣٩١٦.
(٣) التمهيد ١٤/ ٢٩٢ وما بعدها.
(٤) الآية ١٨٠ من سورة البقرة.
(٥) البخاري ٥/ ٣٧٢، ح ٢٧٤٧.
[ ٦ / ٥١٧ ]
أعم من أن يكون واجبًا أو مندوبًا، وقد يطلق على المباح أيضًا لكن بقلة. قاله القرطبي (١)، قال: فإن اقترن به "على" أو نحوها كان ظاهرًا في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن (أ) هذا الحق بما يدل على الندب؛ وهو تفويض الوصية إلى إرادة الموصي حيث قال: "له شيء يريد أن يُوصي فيه". فلو كانت واجبة لما علقها بإرادته، وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ: "لا يحل". فلاحتمال (ب) أن يكون راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحت الواجب والمندوب والمباح.
واختلف القائلون بوجوب الوصية، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة. أخرجه ابن جرير (٢) وغيره عنهم. قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم ينفذ، ويرد الثلث كله إلى قرابته. وهذا قول طاوس. وقال الحسن وجابر بن زيد: ثلثا الثلث. وقال قتادة: ثلث الثلث. ويرد على هؤلاء ما احتج به الشافعي من حديث عمران بن حصين (٣) في قصة الذي أعتق عند موته ستة أعبد له لم يكن له مال غيرهم، فدعاهم النبي - ﷺ - فجزأهم ستة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة. قال: فجعل عتقه في المرض وصية. ولا يقال: لعلهم كانوا أقارب المعتق. لأنا نقول: لم تكن عادة
_________________
(١) (أ) في جـ: افترق. (ب) في جـ: فلا احتمال.
(٢) ينظر الفتح ٥/ ٣٥٨.
(٣) تفسير ابن جرير ٢/ ١١٧، ١١٨.
(٤) أحمد ٤/ ٤٢٦، ومسلم ٣/ ١٢٨٨، ح ١٦٦٨.
[ ٦ / ٥١٨ ]
العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له أو كان من العجم، فلو كانت الوصية تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء. وهو إيراد قوي، ونقل ابن المنذر (١) عن أبي ثورأن الوصية إنما تجب على من عليه حق شرعي يخشى أن يضيع إن لم يوص به كوديعة ودين لله أو لآدمي. قال: ويدل على ذلك قوله في الحديث: "له شيء يريد أن يوصي فيه". لأن فيه إشارة على قدرته على تنجيزه، وهذا هو (أ) المصرح به في كتب الهدوية كما قال الإمام المهدي في "الأزهار": ويَجبُ الإشهاد على من له مال بكل حق لآدمي. إلخ. ولكن هذا القول يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصية غير واجبة لعينها، وإنما الواجب لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز أو وصية. فكان (ب) محل الوجوب فيمن عليه حق ومعه مال ولم يمكن تخليصه إلا إذا أوصى به، وما انتفى فيه واحد من ذلك فلا وجوب، فتبين أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن (جـ) استوى الأمران فيه، وعدمه فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس ﵄: الإضرار في الوصية من الكبائر. رواه سعيد بن منصور (٢) موقوفًا بإسناد
_________________
(١) (أ) في جـ: قول. (ب) في جـ: كان. (جـ) في ب: فيما.
(٢) الفتح ٥/ ٣٥٩.
(٣) سعيد بن منصور ح ٢٥٨ - ٢٦٠ تفسير.
[ ٦ / ٥١٩ ]
صحيح، ورواه النسائي (١) مرفوعًا ورجاله ثقات، وفي الباب أحاديث كثيرة في تحريم الإضرار في الوصية، ونص القرآن الكريم بذلك: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢). واحتج ابن بطال على أن الحديث غير محمول على الوجوب بأن راوي الحديث وهو ابن عمر لم يوص كما أخرجه ابن المنذر (٣) بسند صحيح عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، [و] (أ) أما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد (ب). ويجاب عنه بأن عمل الراوي بخلاف ما روى لا يكون مخصصًا ولا مقيدًا، والعمل على ما روى، وبأنه أيضًا معارض بما أخرجه مسلم (٤) في "صحيحه" عن ابن عمر أنه قال: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي. ويمكن الجمع بأنه كان يكتب وصيته ويتعاهدها وينجِّز ما كان يوصي به. وفي قوله: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه. إشارة إلى ذلك، ويدل عليه أيضًا ما أخرجه عنه البخاري (٥) من الحديث في الرقاق: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. الحديث.
وقوله: "ليلتين". كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي (٦) من طريق
_________________
(١) (أ) ساقطة من النسخ. (ب) زاد في النسخ: وأما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه.
(٢) النسائي في الكبرى ٦/ ٢٨٦، ٢٨٧ ح ١١٠٩ موقوفًا، والمرفوع أخرجه الدارقطني ٤/ ١٥١ ح ٧. وينظر نصب الراية ٤/ ٤٠٢.
(٣) الآية ١٢ من سورة النساء.
(٤) ابن المنذر -كما في الفتح ٥/ ٣٥٩.
(٥) مسلم ٣/ ١٢٥٠ ح ١٦٢٧/ ٤.
(٦) البخاري ١١/ ٢٣٣ ح ٦٤١٦.
(٧) أبو عوانة ٣/ ٤٧٣ ح ٥٧٤٥، والبيهقي ٦/ ٢٧٢.
[ ٦ / ٥٢٠ ]
حماد بن زيد عن أيوب: "يبيت ليلة أو ليلتين". ولمسلم والنسائي (١) من طريق الزهري عن سالم عن أبيه: "ثلاث ليال". وكأن ذكر الليلتين والثلاث ذكر لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا المقدار ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار (أ) الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير، و[لذلك] (ب) قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: ولم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك إلا ووصيتي عندي. قال الطيبي: في تخصيص الليلتين والثلاث تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت زمنًا وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
وقوله: "مكتوبة عنده". يستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو (جـ) لم يقترن ذلك بالشهادة. وخص أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية أن الاعتماد على الخط مخصوص بالوصية؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها، بل ولأن الوصية لما كان مأمورًا بها وهي تكون بما يلزم المرء من الحقوق، واللزوم متجدد في الأوقات، واستصحاب الشهادة في كل لازم يريد أن يوصي فيه خشية مفاجأة الأجل، متعسر بل متعذر في بعض الأوقات، ويلزم منه عدم وجوب الوصية أو شرعيتها بالكتابة من دون
_________________
(١) (أ) في ب: اعتبار. (ب) في الأصل: كذا. وفي ب، جـ: كذلك. والمثبت من الفتح ٥/ ٣٥٨. (جـ) ساقط من: ب.
(٢) مسلم ٣/ ١٢٥٠ ح ١٦٢٧/ ٤، والنسائي ٦/ ٢٣٩.
[ ٦ / ٥٢١ ]
شهادة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وقد ثبت هذا الأمر المذكور في الحديث. وقال الجمهور: إن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به. قالوا: ومعنى قوله: "ووصيته مكتوبة عنده". أي بشرطها وهو الشهادة. وقال المحب الطبري (١): إضمار الإشهاد معتبر هنا، ويستدل على الإشهاد بقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٢) الآية. فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية.
وقال القرطبي (١): ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثيق، وإلا فالوصية المشهود بها متفق [عليها] (أ) ولو لم تكن مكتوبة. والله أعلم. ويجاب عن ذلك بأن ذكر الإشهاد في الآية الكريمة لا يلزم أن الوصية لا تثبت إلا به، وفي الحديث زيادة على ذلك وهو اعتبار الكتابة، والإجماع الفعلي (ب) في جميع الأعصار وأمصار أهل الإسلام في اعتبار الصكوك وخطوط الأمراء والحكام يدل على أن ذلك معتبر، فإذا عرف خط الحاكم أو خط الموصِي أو خط المقر عمل بذلك، ويتأيد بما أجمع عليه من أنه - ﷺ - كان يُنفذ الكتب منه مع (جـ) الآحاد من غير أن يخبر الرسول بما تضمنه ذلك الكتاب، وهي متضمنة لتبليغ شرائع وتنفيذ أحكام، وكذلك العهود التي كتبها رسول الله - ﷺ - في الإقطاعات وعقد الذمة والصلح، مع أنه لم ينقل عن أحد ممن اطلع على
_________________
(١) (أ) في النسخ: عليه. والمثبت من الفتح ٥/ ٣٥٩. (ب) في جـ: العقلي. (جـ) في ب: إلى.
(٢) الفتح ٥/ ٣٥٩.
(٣) الآية ١٠٦ من سورة المائدة.
[ ٦ / ٥٢٢ ]
ذلك في الأعصار المتأخرة أنه ردّها لعدم بقاء الشهادة، وإنما رد العلماء على يهود خيبر لما أخرجوا كتابًا أن عليًّا ﵁ أسقط عنهم الجزية -في سنة سبع وأربعين وأربعمائة- فرد عليهم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي وزير القائم في إبطاله جزءًا، وكتب له عليه الأئمة؛ أبو الطب الطبري وأبو نصر بن الصباغ ومحمد بن محمد البيضاوي ومحمد بن علي الدامغاني وغيرهم، وكان مستند الرد للخطيب البغدادي (١) أنه مذكور في الكتاب شهادة معاوية، فقال: معاوية هو أسلم عام الفتح، وخيبر فتحت قبل ذلك، ولم يكن مسلمًا في ذلك الوقت ولا حضر ما جرى، وشهادة سعد بن معاذ وهو مات في يوم بني قريظة بسهم أصابه في أكْحَله (٢) يوم الخندق وذلك قبل فتح خيبر بسنتين. وفي هذا دلالة على أنه إذا غلب في الظن عدم التزوير والتلبيس جاز العمل به، وذكر الإمام المهدي في "البحر" في كتاب الشهادات قال: مسألة الأحكام والفريقان: ولا تجوز شهادته لمعرفة خطه بها إذ لا يقتضي اليقين؛ لاحتمال التزوير. أبو طالب: يجوز، لنا ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ (٣) الآية ونحوها. المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس وقول المنتخب: يجوز. محمول على حصول العلم الضروري. قلت: فحينئذ العبرة بحصولي العلم فيرتفع الخلاف. فرَّع العترة والفريقان: ولو عرف خط [غيره] (أ) بإقرار بحق لم يشهد به. مالك: يجوز (ب). قلنا: يحتمل التزوير فلا يقين. هذا كلامه. وقال في كتاب القضاء: فرع العترة والنخعي
_________________
(١) (أ) ساقط من: الأصل. (ب) في ب: يجوزه.
(٢) ينظر السير ١٨/ ٢٨٠.
(٣) الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. النهاية ٤/ ١٥٤.
(٤) الآية ٣٦ من سورة الإسراء.
[ ٦ / ٥٢٣ ]
والفريقان: ولا يعمل بالكتاب إلا ببينة كاملة أنه كتابه. أبو ثور: يجوز؛ لعملهم بكتب رسول الله - ﷺ - من غير شهادة. الإصطخري ومالك والعنبري: إن عرف الخط والختم عمل به وإلا فلا. قلنا: تشتبه الخطوط والختوم. انتهى. هذا كلامه وقد يجاب عما زدته من الاشتباه أن الاحتمال لا يمنع العمل كالعمل بالشهادة، فإن الاحتمال حاصل فيها والعمل باليمين وغير ذلك. وقال في "الهدي النبوي" (١) في حديث أنه - ﷺ - بعث عبد الله بن جحش ومعه سرية إلى نخلة ترصد عيرًا لقريش، وأعطاه كتابًا مختومًا وأمره ألا يقرأه إلا بعد يومين الحديث: في هذه القصة من الفقه إجازة الشهادة على الوصية المختومة، وهو قول مالك وكثير من السلف، وعليه يدل حديث "الصحيحين": "ما حق امرئ" الحديث. وفيها (أ) أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة، ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له، وكل هذا لا أصل له من كتاب ولا سنة، وقد كان رسول الله - ﷺ - يدفع كتبه مع رسله، ويسيرها إلى من يكتب إليه، ولا يقرؤها على حاملها، ولا يقيم عليها شاهدين، وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته.
وقال في "العواصم": إنه يجوز العمل بالخط. ورواه عن المنصور بالله مع غلبة الظن بالصدق، وهو قوي راجح. والله أعلم.
وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للمرء التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤُه الموت؛ لأنه ما من سنّ تفرض إلا
_________________
(١) (أ) في ب: فيه.
(٢) زاد المعاد ٥/ ٦٣، ٦٤.
[ ٦ / ٥٢٤ ]
وقد مات فيه جمع جم، وكل واحد جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهبًا لذلك، فيكتب وصيته ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحط عنه (أ) الوزر من حقوق الله وحقوق عباده. ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها بالمريض.
وفي قوله: "شيء". يستدل به على صحة الوصية بالمنفعة وهو قول الجمهور. وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأتباعه واختاره ابن عبد البر (١): إنه لا يصح الإيصاء بالمنفعة؛ اعتمادًا على رواية: "له مال". فتكون هذه الرواية مفسرة للفظ "شيء" في الرواية الأخرى.
وقوله: "مكتوبة". أعم من أن تكون مكتوبة بخطه أو بخط غيره، ويستفاد منه أن الأشياء المهمة ينبغي أن تضبط بالكتابة، لأنها أثبت من الضبط بالحفظ، لتجويز النسيان غالبًا، والله أعلم.
فائدة: اختلف في كونه - ﷺ - أوصى أم لا، فروى البخاري (٢) عن ابن أبي أوفى أنه قال: إنه - ﷺ - لم يوص. جوابًا لمن سأله عن ذلك. ويؤول بأنه أراد أنه لم يوص بالثلث كما فعله غيره، لأنه لم يترك بعده مالًا، وأما الأرض فقد كان سبَّلها، وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر أنها لا تورث بل هي صدقة. كذا ذكر النووي (٣)، وأما الذهَيبة فسأل عائشة عنها في مرضه قال: "ما فعلت الذهيبة؟ ". قالت: هي عندي. فقال: "أنفقيها". أخرجه
_________________
(١) (أ) في جـ: عليه.
(٢) التمهيد ١٤/ ٢٩١.
(٣) البخاري ٥/ ٣٥٦ ح ٢٧٤٠.
(٤) ينظر فتح الباري ٥/ ٣٦٠.
[ ٦ / ٥٢٥ ]
أحمد وابن سعد (١). وأخرج ابن سعد (٢) من وجه آخر أنه قال: "ابعثي بها إلى علي ليتصدق بها". وفي "المغازي" لابن إسحاق (٣) قال: لم يوص رسول الله - ﷺ - عند موته إلا بثلاث؛ لكل من الداريين والرهاويين والأشعريين بجادِّ مائة وسق من خيبر، وألا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة. وأخرج مسلم (٤) في حديث ابن عباس: أوصى بثلاث، أن يُجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم. الحديث. وفي حديث ابن أبي أوفى: أوصي بكتاب الله. وفي حديث أنس عند النسائي وأحمد وابن سعد (٥) واللفظ له: كانت [عامة] (أ) وصية رسول الله - ﷺ - حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". وله شاهد من حديث على عند أبي داود وابن ماجه (٦) [وآخر من رواية نعيم بن يزيد عن علي] (ب): "أدُّوا الزكاة" بعد الصلاة، أخرجه أحمد (٧). وأخرج سيف بن عمر (٨) في "الفتوح" من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - حذر من الفق في مرض موته،
_________________
(١) (أ) في النسخ: غاية. والمثبت من مصادر التخريج. (ب) في النسخ: زاد. والمثبت من الفتح ٥/ ٣٦٢.
(٢) أحمد ٦/ ٤٩، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٣٨.
(٣) ابن سعد في الطبقات ٢/ ٢٣٩.
(٤) ابن إسحاق ٢/ ٣٥٣ - سيرة ابن هشام.
(٥) مسلم ٣/ ١٢٥٧، ١٢٥٨ ح ١٦٣٧/ ٢٠.
(٦) النسائي في الكبرى ٤/ ٢٥٨ ح ٧٠٩٥، وأحمد ٣/ ١١٧، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٥٣.
(٧) أبو داود ٤/ ٣٤٢، ح ٥١٥٦، وابن ماجه ٢/ ٩٠١، ح ٢٦٩٨.
(٨) أحمد ١/ ٩٠. بلفظ: "أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم".
(٩) كما في فتح الباري ٥/ ٣٦٢.
[ ٦ / ٥٢٦ ]
ولزوم الجماعة والطاعة. وأخرج الواقدي (١) من مرسل العلاء بن عبد الرحمن أنه - ﷺ - أوصى فاطمة فقال: "قولي إذا مت: إنا لله وإنا إليه راجعون". وأخرج الطبراني في "الأوسط" (٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف قالوا: يا رسول الله، أوصنا -يعني في مرض موته- قال: "أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وأبنائهم من بعدهم". قال: لا يروى عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد. تفرد به عتيق بن يعقوب وفيه من لا يعرف حاله. وفي "سنن ابن ماجه" (٣) من حديث علي قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئر [غرس] " (أ). وكانت بقباء وكان يشرب منها. وفي "مسند البزار" (٤) و"مستدرك الحاكم" (٥) بسند ضعيف أنه - ﷺ - أوصى أن يصلى عليه أرسالًا بغير إمام. فهذا ما روي في وصيته بأسانيد معتبرة، وقد روي غير ذلك. فإن قلت: فقد توفي رسول الله - ﷺ - وعليه دين ليهودي، فكيف لم يوص به والوصية بالديون واجبة؟ فالجواب أنه - ﷺ - كان قد رهن درعه في الدين عند اليهودي والرهن حجة لليهودي فلم يحتج إلى الوصية كما أشار إليه ﷾ في آية الدين بقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٦). مع أن علم ذلك لم يكن مختصًّا به فقد علمه بعض أصحابه،
_________________
(١) (أ) في النسخ: أريس. والمثبت من مصدر التخريج. وينظر معجم البلدان ٣/ ٧٨٤.
(٢) ابن سعد ٢/ ٣١٢ عن الواقدي به.
(٣) الأوسط ١/ ٢٦٨، ح ٨٧٤.
(٤) ابن ماجه ١/ ٤٧١ ح ١٤٦٨.
(٥) البزار ٥/ ٣٩٤، ح ٢٠٢٨.
(٦) المستدرك ٣/ ٦٠.
(٧) الآية ٢٨٣ من سورة البقرة.
[ ٦ / ٥٢٧ ]
ولهذا أخبرت به عائشة ﵂، ويؤخذ من هذا أن الدين إذا علم الميت أن صاحب الدين لا يفوت عليه شيء من دينه بعده أنه لا يجب عليه الوصية به؛ وهو إذا كان معه بينة واضحة أو علم به الورثة وأمن منهم الجحود.
فائدة: أخرج عبد الرزاق (١) وسنده صحيح عن أنس ﵁ قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان بن فلان؛ أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأَوْصى مَن ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
وقوله في الحديث: "امرئ مسلم". الامرؤ المراد به الرجل وقد خرج مخرج الغالب، وإلا فلا فرق في الوصية بين الرجل والمرأة، وسواء كانت مزوجة أو فارغة، بإذن الزوج أو لا، إذ هي تحصيل قربة أخروية عند انقضاء العمر في قدر مأذون فيه شرعًا، والوصف بالإسلام كذلك خرج مخرج الغالب أو هو للتهييج والإلهاب لتقع المبادرة لامتثاله؛ لما يشعر من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة (أ)، وادعى ابن المنذر الإجماع من أهل العلم الذين يحفظ عنهم، وفي "البحر": ويصح بين أهل
_________________
(١) (أ) زاد في النسخ: وقد ذهب الفقهاء الأربعة وغيرهم. والمثبت كما في الفتح ٥/ ٣٥٧.
(٢) عبد الرزاق ٩/ ٥٣، ح ١٦٣١٩.
(٣) الآية ١٣٢ من سورة البقرة.
[ ٦ / ٥٢٨ ]
الذمة فيما يملكون ولو خمرًا لصحة تصرفهم فيه؛ لقول عمر: ولّوهم بيعها.
ولم ينكر المؤيد وأبو طالب وأبو حنيفة، وتصح منهم لكنائسهم وبيعهم في خططهم إذا أقروا عليه، ومنع من ذلك صاحبا أبي حنيفة، إذ فيه إحياء للكفر وهو معصية. قلنا: أقروا عليه. انتهى. وظاهر هذا (أ) التفصيلُ في وصية الذمي والأمر كذلك في وصية المسلم وهو ما كان محظورًا لا يمتثل ولا تصح الوصية به، وصرح بمثل هذا في موضع آخر، والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية، فلا تصح وصية مجنون وعبد، وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف، قال في "البحر": لا تصح من ابن السبع إجماعًا. أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي: ولا من ابن العشر لرفع القلم فأشبه ابن الخمس. عمر وأحمد ومالك: بل تصح؛ لقوله - ﷺ -: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم" (١). ولم يفصل. قلت: فصل القياس على الخمس. انتهى. وفي "طرح التثريب شرح التقريب" في حكاية الخلاف ما لفظه: وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف؛ جوزها مالك إذا عقل القربة ولم يخلط، وأحمد بن حنبل إذا جاوز العشر، وفي رواية أخرى عنه إذا جاوز السبع، وحكى عنه ابن المنذر إذا كان ابن اثنتي عشرة سنة، ومنعها أبو حنيفة، وهو أظهر قولي الشافعي وبه قال أكثر أصحابه، وهو رواية عن أحمد، وعن الشافعي قول آخر أن وصيته صحيحة، فرتب الخلاف على التمييز وهو الأولى. وأما المحجور عليه فتصح وصيته وهي موقوفة على فك الحجر، والمحجور للسفه
_________________
(١) (أ) ساقط من: ب، جـ.
(٢) سيأتي ح ٧٩١.
[ ٦ / ٥٢٩ ]
تصح وصيته عند الجمهور ومنهم الشافعي. وأما وصية العبد فهي لا تنفذ منه ما دام عبدًا إجماعًا، وأما إذا عتق وقد كان أوصى، فاختار الإمام المهدي أنها تنفذ لزوال المانع، وهو الموافق لما ذكر في نكاحه بغير إذن سيده إذا (أ) عتق، وحكى قولًا أنه يشترط إطلاق التصرف عند صدورها. والله أعلم.
٧٨٨ - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا". قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". متفق عليه (١).
الحديث، وقع هذا الحكم في حجة الوداع بمكة، وهو مصرح به في رواية الزهري ولفظه: جاء النبي - ﷺ - يعودني وأنا بمكة في حجة الوداع (٢). وأخرج الترمذي (٣) عن ابن عيينة أنه في فتح مكة. واتفق الحفاظ أنه وهم ولكنه قد وجد لرواية ابن عيينة مستند فيما أخرجه أحمد والبزار والطبراني
_________________
(١) (أ) في جـ: إذ.
(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة ٣/ ١٦٤ ح ١٢٩٥، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث ٣/ ١٢٥٠ ح ١٦٢٨/ ٥.
(٣) كذا قال! ولفظ الزهري: كان النبي - ﷺ - يعودني عام حجة الوداع ٣/ ١٦٤ ح ١٢٩٥. وليس فيه: وأنا بمكة. وإنما هو في كتاب الوصايا ٥/ ٣٦٣ ح ٢٧٤٢ من رواية سفيان، ولفظه: جاء النبي - ﷺ - يعودني وأنا بمكة.
(٤) الترمذي ٤/ ٣٧٤ ح ٢١١٦.
[ ٦ / ٥٣٠ ]
والبخاري في "التاريخ" وابن سعد (١) من حديث (أ) عمرو بن [القاري] (ب) أن رسول الله - ﷺ - قدم فخلف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرًا دخل عليه وهو مغلوب فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي؟ الحديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرتين؛ مرة عام الفتح ومرة عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له بنت فقط. والله أعلم.
وقوله: أنا ذو مال. التنوين فيه للتكثير؛ أي مال كثير، وقد ورد في بعض طرقه مصرحًا بالوصف.
وقوله: ولا يرثني إلا ابنة. قال النووي (٢) وغيره: معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زهرة وكانوا كثيرًا. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصها بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا هي. أو ظن أنها ترث جميع المال واستكثر لها نصف التركة، وهذه البنت قيل: إن اسمها عائشة. وهي غير عائشة المذكورة في إسناد الحديث في البخاري، فهي تابعية عمرت حتى أدركها مالك ؤروى عنها، وماتت (جـ) سنة سبع
_________________
(١) (أ) زاد في جـ: ابن. (ب) في النسخ: الغازي. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر أسد الغابة ٤/ ٢٤٩، والإصابة ٤/ ٦٥٧. (جـ) كتب فوقها في الأصل، ب: أي عائشة الكبرى. زاد في ب: مؤلف.
(٢) أحمد ٤/ ٦٠، والبزار ٢/ ١٤٠ ح ١٣٨٣ كشف، والبخاري في تاريخه ٦/ ٣١١ ح ٢٤٩٤، وابن سعد في الطبقات ٣/ ١٤٦.
(٣) مسلم بشرح النووي ١١/ ٧٦.
[ ٦ / ٥٣١ ]
عشرة إلا أن النسابين لم يذكر أحد منهم أن لسعد بنتًا تسمى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمّها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخر أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية. قال المصنف رحمه الله تعالى (١): والظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة؛ لتقدم تزويج سعد بأمها، ولم أر من حرر ذلك. انتهى. واعلم أن الفاكهي (٢) ذكر أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين وأنه لا يعرف أسماؤهم، وقد سمّى مسلم ثلاثة؛ عامرًا ومصعبًا ومحمدًا، واقتصر القرطبي على أن أولاده ثلاثة، وعن بعضهم أنه عد أربعة من الذكور غير الثلاثة؟ وهم عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق. وابن سعد (٣) ذكر له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة؛ وهم عبد الله وعبد الرحمن وعمر وعمران وصالح وعثمان وإسحاق الأصغر وعمر الأصغر وعمير مصغرًا وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا. والله أعلم.
وقوله: أتصدق بثلثي مالي. هكذا في رواية عائشة بنت سعد (٤)، وكذا في رواية الزهري (٥)، وجاء في رواية سعد بن إبراهيم (٦): أوصي بمالي كله. فقوله: أتصدق. يحتمل التنجيز والتعليق بخلاف: أفأوصى. فإنها نص في التعليق، إلا أنه يحمل على أن رواية: أتصدق. مراد به التعليق للجمع بين روايتين مع اتحاد القصة، وقد تمسك بلفظ أتصدق من جعل
_________________
(١) الفتح ٥/ ٣٦٨.
(٢) ينظر فتح الباري ٥/ ٣٦٦.
(٣) ابن سعد في الطبقات ٣/ ١٣٧، ١٣٨.
(٤) البخاري ١٠/ ١٢٠ ح ٥٦٥٩.
(٥) تقدم ص ٥٣٠.
(٦) البخاري ٥/ ٣٦٣ ح ٢٧٤٢.
[ ٦ / ٥٣٢ ]
تبرعات المريض من الثلث وحملوه على التنجيز، وأما رواية المال كله فهي زيادة ولعل الراوي الذي أهملها لم يثبتها، ومن رواها أثبتها، ومن اقتصر عليها إما أنه نسي ما بعدها أو اختصر في الرواية، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن [زيد] (أ) عند أحمد (١)، وفي رواية [بكير] (ب) عند النسائي (٢)، وفي رواية بلفظ: قلت: فالشطر (٣). والشطر مراد به النصف.
وقوله: قال: "الثلث". يجوز جره بتقدير الجارّ ومتعلقه؛ أي تصدق بالثلث. وتقدير الجار وإبقاء أثره وإن كان قليلًا لكنه مع وجود القرينة على المقدّر [فصيح] (جـ)، ويجوز النصب بتقدير: سم الثلث أو عينّ الثلث. ويجوز الرفع بتقدير فعل ويكون هذا فاعله وهو: يجوز الثلث.
وقوله: "والثلث كثير". بالثاء المثلثة. وفي البخاري (٤) رواية بالشك في كثير بالمثلثة أو بالموحدة من أسفل. وكذا للنسائي (٥) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد وفيه: فقال: "أوصيت؟ ". قلت: نعم. قال: "بكم؟ ". قلت: بمالي كله. قال: "فما تركت لولدك؟ ". وفيه: "أوص بالعشر". قال: فما زال يقول وأقول حتى قال: "أوص بالثلث والثلث
_________________
(١) (أ) في النسخ: يزيد والمثبت من المسند، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٣٢. (ب) في النسخ: بكر. والمثبت من مصدر التخريج وفتح الباري ٥/ ٣٦٥، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٥١. (جـ) في الأصل، ب: يصح.
(٢) أحمد ١/ ١٨٤.
(٣) النسائي ٦/ ٥٥٣.
(٤) أحمد ١/ ١٧٤.
(٥) البخاري ٥/ ٣٦٩ ح ٢٧٤٤.
(٦) النسائي ٦/ ٥٥٤.
[ ٦ / ٥٣٣ ]
كثير". أو: "كبير". يعني بالمثلثة أو بالموحدة، شك الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه، وفائدة قوله: "والثلث كثير". بيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو الذي يتبادر إلى الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: وهذا أولى معانيه. يعني أن الكثرة أمرٌ نسبي، ويدل على الأول قول ابن عباس (٢): وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية. وفي لفظ (٣): لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع. والحديث فيه دلالة على منع الوصية لمن له وارث بأكثر من الثلث، واستقر على ذلك الإجماع، واختلفوا في المستحب من ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه ما دون الثلث لقوله - ﷺ -: "الثلث كثير". وقال بهذا ابن عباس وإسحاق بن راهويه، وهو معروف من مذهب الشافعي وقال به كثير من السلف. قال قتادة: أوصى أبو بكر بالخمس وأوصى عمر بالربع، والخمس أحبُّ إلى. وذهب قوم إلى أن الثلث مستحب؛ لقوله - ﷺ -: "إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم". وهذا الحديث ضعيف وسيأتي (٤). وأما إذا كان لا وارث فذهب مالك إلى أنه كذلك لا تجوز الزيادة على الثلث، وذهب إليه الأوزاعي، واختلف فيه قول أحمد. وأجاز
_________________
(١) الأم ٤/ ١٠١.
(٢) ابن ماجه ٢/ ٩٠٥ ح ٢٧١١، وأبو عوانة ٣/ ٤٨٥ ح ٥٧٨٥.
(٣) مسلم ٣/ ١٢٥٣ ح ١٠ - ١٦٢٩، وأبو عوانة ٣/ ٤٨٥، ٤٨٦ ح ٥٧٨٦، والبيهقي ٦/ ٢٦٩.
(٤) ينظر ما سيأتي ح ٧٩١.
[ ٦ / ٥٣٤ ]
أبو حنيفة وإسحاق والهدوية وهو قول ابن مسعود الوصية بالمال كله. وسبب الخلاف في ذلك أن قوله - ﷺ -: "إنك أن تذر" إلخ. هل يفهم منه علة المنع من الوصية بأن السبب في ذلك رعاية حق الوارث وأنه إذا انتفى ذلك انتفى الحكم بالمنع، أو يجعل الحكم تعبديًّا وإن علل بعلة فلا يتعدى الحكم، أو يجعل المسلمون بمنزلة الورثة كما ذهب إليه المؤيد بالله وهو قول للشافعي؟ والظاهر أن الحكم معلل معتبر التعليل، وهو منتفٍ في حق من لم يكن له وارث معين وإن كان المسلمون ورثته ولكن الضياع في حقهم غير معتبر، وكذلك إذا أجاز الورثة الوصية نفذت وإن كانت أكثر من الثلث؛ لإسقاط حقهم الذي منع اعتباره الزائد على الثلث. وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف لأهل الظاهر والمزني، وقوّاه السبكي واحتج له بحديث عمران بن الحصين في الذي أعتق ستة أعبد، فإن فيه عند مسلم: فقال له النبي - ﷺ - قولًا شديدًا (١)، وفسر القول الشديد في رواية أخرى أنه قال: "لو علمت ذلك ما صليت عليه" (٢). ولم ينقل أنه راجع الورثة، فدل على منعه مطلقًا، وإذا أجاز الورثة في حال الحياة وأرادوا الرجوع عن ذلك، فمن نظر إلى أن الحق قد ثبت ولو في حال الحياة قال: لا يصح الرجوع؛ لأنه إسقاط حق قد ثبت. وقد ذهب إلى هذا الصادق والناصر، وذكر في المعنى عن القاسمية أن لهم الرجوع ولعلهم يقولون: إن الحق متجدد فيصح الرجوع. وأما بعد الموت فذهب الهادي في "الأحكام" وهو قول الحسن وعطاء وابن أبي ليلى أنه لا يصح الرجوع؛ لأن الحق قد انقطع بالموت فحصل الموت وهو منقطع فلم ينفع الرجوع، وذكر الهادي في "الفنون" والمؤيد بالله وأبو حنيفة
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥١٨.
(٢) البيهقي ١٠/ ٢٨٧.
[ ٦ / ٥٣٥ ]
والشافعي أن له الرجوع؛ قالوا: لأن الحق إنما يستقر بالموت، والإجازة وقعت قبله، فأشبه الشفعة قبل البيع. ويجاب عنه بأنه (أيقارن استقراره أ) والموت والإسقاط دائم، فالرجوع بعد سقوطه لا يصح. وقال مالك: إن أجازوا في حال المرض فلا رجوع، وإن كان في حال الصحة ثبت الرجوع. ووجه التفرقة أنه قد قوي حق الوارث بالمرض، واستثنى بعض المالكية ما إذا كان المجيز من عائلة الموصى (ب) وخشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش، فإن له الرجوع. وقال الزهري: ليس له الرجوع مطلقًا.
وقوله: "إنك أن تذر". يروى في "أَن" الفتح للهمزة والكسر، فالفتح على تقدير اللام للتعليل، والكسر على جعلها شرطية. قال النووي (١): وهما صحيحان. وقال القرطبي: لا يستقيم الشرط هنا لعدم الجواب. ومثله قال عبد الله بن أحمد الخشاب. قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر. والجواب عما ذكروه بأن جواب الشرط "خير"، وهو خبر مبتدأ محذوف بتقدير الفاء، وهو جائز في السعة (جـ)، ومن خصّه بالشعر فقد ضيق، وإنه كثير في الشعر قليل في [السعة] (د)، وأنشد سيبويه (٢):
* من يفعل الحسنات الله يشكرها *
وفي غير الشعر مثل قوله في حديث اللقطة: "فإن جاء صاحبها وإلا
_________________
(١) (أ- أ) في ب: تقارن استمراره. وفي جـ: تقارب استقراره. (ب) في جـ: الوصي.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١١/ ٧٧.
(٣) الكتاب ٣/ ٦٥.
[ ٦ / ٥٣٦ ]
استمتع بها" (١). فإن الفاء محذوف في قوله: "استمتع". وكذا في حديث اللعان: "وإلّا حَدٌّ" (٢). فإن الفاء مقدرة على لفظ: حد.
وقوله: "ورثتك". ولم يقل: ابنتك. مع أنه لم يكن له إلا ابنة، مع أنه في لفظ: ولا يرثني إلا ابنة. إما لأنه قد عرف - ﷺ - أنه لا يموت إلا وله ورثة كثيرون، أو لأنه يجوز أن تموت البنت قبله، فأجابه بكلام [كلي مطابق لكل حالة] (أ)، بقوله: "ورثتك". ولم يخص بنتًا من غيرها، مع أنه لم يكن ميراثه متعينًا في البنت، فقد كان لأخيه عتبة أولاد إذ ذاك؛ منهم هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين.
وقوله: "عالة". أي فقراء، وهو جمع عائل وهو الفقير، وهو من عال يعيل إذا افتقر.
وقوله: "يتكففون الناس". أي يسألون الناس بأكفهم، يقال: تكفف الناس واستكف. إذا بسط كفه للسؤال، أو مأخوذ من كف عنه؛ أي يسأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل (ب) كفافًا من الطعام.
والحديث فيه من الفوائد مشروعية زيارة المريض كما هو مذكور في تمام الحديث للإمام فمن دونه، ويتأكد عند اشتداد المرض.
وفي الحديث أيضًا أنه وضع يده على جبهة سعد ومسح على العضو الذي يؤله وبشره بطول العمر، وأخبره سعدٌ بشدة مرضه وقوة ألمه ولم ينكر عليه في ذلك؛ لأنه لم يقترن بما يمنع من التبرم وعدم الرضا، وقد يستحب أو يحسن إذا كان في ذلك طلب دعاء أو دواء، ولا ينافي ذلك الاتصاف
_________________
(١) (أ) في النسخ: مطابق كلي لحاله. والمثبت من الفتح ٥/ ٣٦٦. (ب) في جـ: سؤال.
(٢) راجع أحاديث الفقه ٧٦٩.
(٣) البخاري ٥/ ٣٦٦، ٩/ ٤٤٥، ٤٤٩، ٤٦٣.
[ ٦ / ٥٣٧ ]
بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض، فإن الإخبار به بعد (أ) البرء أَجوز. وفي الحديث دلالة على إباحة جمع المال، والحث على صلة الرحم والإحسان [إلى] (ب) الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد.
وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهًا، لأنه لما منع من الوصية بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز، فاستفسر عما دون ذلك.
وفيه النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشارع للواحد يعم من كان بصفته من المكلفين، لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب يفيد التقرير، وإن كان بعض العلماء قال: إن ذلك يختص بسعد ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثًا ضعيفًا، أو كان ما يخلفه قليلًا؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع فيها، وإن كانت (جـ) بغير مال لم يرغب فيها. وفيه أن من ترك مالًا قليلًا فالاختيار له ترك الوصية وإبقاء المال للورثة. وفيه مراعاة العدل في الوصية وأن الثلث في حد الكثرة.
فائدة: أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن معرور -بمهملات- أوصى به النبي - ﷺ -، وكان قد مات قبل أن يدخل النبي - ﷺ - المدينة بشهر، فقبله النبي - ﷺ - ورده على ورثته. أخرجه الحاكم وابن المنذر (١).
فائدة: يفهم من قول سعد: وأنا ذو مال. أنه مال كثير، وأن الوصية
_________________
(١) (أ) في ب: بعدم. (ب) في الأصل: في. (جـ) في الأصل: كان.
(٢) الحاكم ١/ ٣٥٣، وابن المنذر -كما في الفتح ٥/ ٣٧٠.
[ ٦ / ٥٣٨ ]
تكون من المال الكثير دون المال القليل. وكذا الحديث الأول على رواية: له مال. قال ابن عبد البر (١): وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا اليسير التافه من المال أنه لا يندب له الوصية. ثم قال (٢): اختلف السلف في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب (أ) عند من أوجبها؛ فروي عن علي ﵁ أنه قال: ستمائة درهم أو سبعمائة درهم ليس بمال فيه وصية (٣). وروي عنه أنه قال: ألف درهم مال فيه وصية (٤). وقال ابن عباس: لا وصية في ثمانمائة درهم (٥). وقالت عائشة في امرأة لها أربعة من الولد ولها ثلاثة آلاف درهم: لا وصية في مالها (٦). وقال إبراهيم النخعي: ألف درهم إلى خمسمائة درهم (٧). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٨): ألف فما فوقها (٩). وعن علي: من ترك مالًا يسيرًا فليدعه لورثته فهو أفضل (١٠). وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة درهم: لم يترك خيرًا فلا يوص. أو نحو هذا من القول. قال ابن عبد البر (٢): وفي هذا دلالة على أن
_________________
(١) (أ) زاد في جـ: عليه.
(٢) التمهيد ١٤/ ٢٩١.
(٣) التمهيد ١٤/ ٢٩٦.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٩/ ٦٢ ح ١٦٣٥١، وتفسير ابن جرير ١/ ١٢١.
(٥) ينظر تفسير ابن جرير ١/ ١٢١.
(٦) مصنف عبد الرزاق ٩/ ٦٣ ح ١٦٣٥٣.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٢٠٨، وسنن البيهقي ٦/ ٢٧٠.
(٨) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩، وتفسير ابن جرير ١/ ١٢١.
(٩) الآية ١٨٠ من سورة البقرة.
(١٠) مصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٢٠٨، وتفسير ابن جرير ٢/ ١٢١.
(١١) مصنف عبد الرزاق ٩/ ٦٣ ح ١٦٣٥٢.
[ ٦ / ٥٣٩ ]
الأمر بالوصية في الكتاب والسنة على الندب، وإن كانت الوصية واجبة في الكتاب للوالدين والأقربين كانت منسوخة بآية الواريث. انتهى. وهذه الدلالة مأخذها من أنه لو كانت واجبة لبيّن القدر الذي تجب عنده الوصية كما هو في غيره من سائر الواجبات المالية. وقال ابن حزم (١) عن عائشة أنها قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده. وقال أبو الفرج السرخسي (٢) من الشافعية: إن من قل ماله وكثر عياله يستحب ألا يفوته عليهم بالوصية. والصحيح المعروف عند الشافعية استحباب الوصية لمن له مال مطلقًا، وهو قول الهدوية.
٧٨٩ - وعن عائشة ﵂ أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". متفق عليه واللفظ لمسلم (٣).
قوله: أن رجلًا. أورد البخاري (٤) بعد هذه الرواية حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة قال: إن أمي ماتت وعليها نذر. الحديث. وكأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة، وجاء في البخاري (٥) في رواية لحديث سعد بلفظ: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن
_________________
(١) المحلى ١٠/ ٤١٨.
(٢) ينظر الفتح ٥/ ٣٥٧.
(٣) البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه ٥/ ٣٨٨، ٣٨٩ ح ٢٧٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه ٢/ ٦٩٦ ح ١٠٠٤/ ٥١.
(٤) البخاري ٥/ ٣٨٩ ح ٢٧٦١.
(٥) البخاري ٥/ ٣٩٠ ح ٢٧٦٢.
[ ٦ / ٥٤٠ ]
تصدقت به عنها؟ لاحتمال أن يكون سأل عن النذر وعن الصدقة عنها. وبيّن النسائي (١) من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة، [فأخرج] (أ) من طريق ابن المسيب عن سعد قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء". ومثله أخرج الدارقطني في "غرائب مالك"، والمحفوظ عن مالك الحديث المذكور أولًا عن سعد.
وقوله: افتلتت. بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وكسر اللام، أي أُخِذتْ فلتة؛ أي بغتة. وقوله: نفسها. بالضم على الأشهر نائب مناب الفاعل وبالفتح أيضًا وهو موت الفجأة، والمراد بالنفس هنا الروح.
وأظنها لو تكلمت تصدقت. وفي لفظ للبخاري (٢): وأُراها. وهو بمعنى الظن، وظاهر هذا أنها لم تتكلم. وقد أخرج في "الموطأ" (٣) من حديث سعيد بن سعد بن عبادة أنه خرج سعد مع النبي - ﷺ - في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي. فقالت: فيم أوصي والمال مال سعد؟ فتوفيت قبل أن يقدم سعد. فذكر الحديث. وظاهر هذا أنها تكلمت ومنعها هذا المانع من الوصية. ويمكن تأويل النفي بأنها لم تتكلم أي بالصدقة، أو يحمل بأن سعدًا ما عرف ما قيل لها وما أجابت به، فإن
_________________
(١) (أ) في النسخ: وأخرج. والمثبت من فتح الباري ٥/ ٣٨٩.
(٢) النسائي ٦/ ٥٦٥.
(٣) البخاري ٥/ ٣٨٨، ٣٨٩ ح ٢٧٦٠.
(٤) الموطأ ٢/ ٧٦٠ / ٥٢.
[ ٦ / ٥٤١ ]
الراويين [مختلفان] (أ).
وقوله: أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ الحديث. الحديث فيه دلالة على أن الميت تنفعه الصدقة ويصل ثوابها إليه ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (١). ويلتحق بالصدقة العتق، وقد ورد مصرحًا به في رواية للبخاري في حديث سعد خلافًا للمالكية على المشهور عندهم، وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل تصل إلى الميت كالحج والصوم؟ وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب الجنائز (٢). وأفاد الحديث أن تارك الوصية غير ملوم، فإنه لم يرو أن النبي - ﷺ - لامها في ذلك ليحذر الغير، فدل على ندبيتها. وأن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا يستشيرون النبي - ﷺ - في أمور الدين، وأن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها.
٧٩٠ - وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة وابن الجارود (٣).
_________________
(١) (أ) في النسخ: مختلفين. وكتب الصواب فوقه في ب.
(٢) الآية ٣٩ من سورة النجم.
(٣) ينظر ما تقدم في ٤/ ٢٧٥ - ٢٧٨.
(٤) أحمد ٥/ ٢٦٧، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث ٣/ ١١٣ ح ٢٨٧٠، والترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ٤/ ٣٧٦، ٣٧٧ ح ٢١٢٠، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث ٢/ ٩٠٥ ح ٢٧١٣، وابن الجارود ح ٩٤٩.
[ ٦ / ٥٤٢ ]
ورواه الدارقطني (١) من حديث ابن عباس ﵁ وزاد في آخره: "إلا أن يشاء الورثة". وإسناده حسن.
الحديث ترجم به البخاري (٢) وقال: باب لا وصية لوارث. وكأنه لم يثبت على شرطه، فترجم به كعادته، والحديث أخرجوه (أ) من حديث خطة الوداع بلفظ: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". وفي إسناده إسماعيل بن عياش (٣)، وقد قَوَّى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة؛ منهم أحمد والبخاري، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث عند الترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن. وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند الترمذي والنسائي (٤). وعن أنس عند ابن ماجه (٥). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدارقطني (٦). وعن جابر عند الدارقطني (٧) أيضًا وقال: الصواب إرساله. وعن علي عند ابن أبي شيبة (٨)، ولا يخلو إسناد منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في "الأم" (٩) إلى أن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل
_________________
(١) (أ) في جـ: أخرجه.
(٢) الدارقطني ٤/ ٩٧، ٩٨، ١٥٢.
(٣) البخاري ٥/ ٣٧٢.
(٤) تقدمت ترجمته في ١/ ٩٢.
(٥) الترمذي ٤/ ٣٧٧، ٣٧٨ ح ٢١٢١. والنسائي ٦/ ٢٤٧.
(٦) ابن ماجه ٢/ ٩٠٦ ح ٢٧١٤.
(٧) الدارقطني ٣/ ٩٨.
(٨) الدارقطني ٣/ ٩٧.
(٩) ابن أبي شيبة ١١/ ١٤٩.
(١٠) الأم ٤/ ١٠٨.
[ ٦ / ٥٤٣ ]
الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد. وقد نازع الفخر الرازي (١) في كون هذا الحديث متواترًا. وحديث الدارقطني (٢) بزيادته أخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء (أعن ابن عباس أ) مرفوعًا: "لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة". ورجاله ثقات إلا أن فيه علة بأنه قد قيل: إن عطاء هو الخراساني (٣). وكأن البخاري أشار إلى ذلك فترجم بالحديث، ثم أخرج البخاري (٤) بعده عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفًا، في تفصيل تفسير الآية، وله حكم المرفوع أيضًا.
والحديث فيه دلالة على منع الوصية للوارث، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من أهل العلم، وذهب الهادي والناصر وأبو طالب وأبو العباس إلى أنه تجوز الوصية للوارث، قالوا: لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية (٥). فإنه نسخ الوجوب وبقي الجواز. ويجاب عن هذا بأنه مبني على القول بأن نسخ الشيء الواجب لا يلزم منه رفع حكمه بالكلية، وهي مسألة خلاف تحقيقها في الأصول. وبأن قوله - ﷺ -: "لا وصية لوارث". يدل على رفع حكم الوصية، [وأنه] (ب) لا
_________________
(١) (أ- أ) ساقط من: جـ. (ب) في الأصل، ب: وأنها.
(٢) ينظر فتح الباري ٥/ ٣٧٢.
(٣) الدارقطني ٤/ ٩٧.
(٤) عطاء بن أبي مسلم، أبو عثمان الخراساني واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله. وثقه ابن معين وأبو حاتم والدارقطني وقال الحافظ: صدوق يهم كثيرا ويرسل ويدلس. تهذيب الكمال ٢٠/ ١٠٦، والتقريب ص ٣٩٢.
(٥) البخاري ٥/ ٣٧٢ ح ٢٧٤٧.
(٦) الآية ١٨٠ من سورة البقرة.
[ ٦ / ٥٤٤ ]
يبقى لها (أ) حكم شرعي لا بمعنى: لا وجوب، ويدل على هذا الزيادة التي في آخر الحديث وهو: "إلا أن يشاء الورثة". ومن المعلوم أن ذلك لا يكون تقييدًا إلا لصحتها واعتبارها شرعًا بنفوذ حكمها لا بمعنى أن (ب) وجوبها باقٍ، كما يلزم على القول بأن المرفوع من الآية إنما هو الوجوب. ثم اختلف العلماء: ما الناسخ للآية الكريمة؛ فقال قوم: هي منسوخة بالحديث المذكور؛ لأنه متلقى بالقبول. وهذا يستقيم على قول من يجوز نسخ القرآن بالسنة المعلومة، وعلى قول من منع يصح أن تكون آية المواريث هي الناسخة، لتقدم آية الوصية، والسنة مبينة أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية. واختلف أهل العلم ما المنسوخ من آية الوصية، فذهب طاوس وقليل من أهل العلم إلى أنها منسوخة في حق الأقارب الذين يرثون، وبقي وجوبها في الأقارب الذين لا يرثون، كالأبوين الكافرين أو العبدين. ويحكى هذا القول عن الحسن وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه (١). ويروى عن ابن عباس (٢). قال طاوس: إن الوصية كانت قبل الميراث فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابته لم تجز وصيته. وقال أكثر أهل العلم: نسخ وجوب الوصية في جميع الأقربين، ثم منع من الوصية للوارثين، واستحبت لغير الوارثين. وهو قول ابن عمر ومجاهد والشعبي والنخعي والسدي (٣) ومالك والشافعي. وفي
_________________
(١) (أ) في جـ: له. (ب) سقط من: جـ.
(٢) ينظر تفسير ابن جرير ٢/ ١١٧، ١١٨.
(٣) ابن جرير في تفسيره ٢/ ١١٨.
(٤) ينظر تفسير ابن جرير ٢/ ١١٩.
[ ٦ / ٥٤٥ ]
البخاري (١) عن ابن عباس ﵄ قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
وقوله في الزيادة: "إلا أن يشاء الورثة". فيها دلالة على نفوذ الوصية بإجازة الورثة، وقد تقدم الكلام في الإجازة (٢). واختلفوا أيضًا في إقرار المريض للوارث؛ فأجازه مطلقًا الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور. وهو المرجح عند الشافعي. وبه قال مالك، إلا أنه استثنى ما إذا أقر لبنته ومعها من يشرك من غير الولد كابن العم مثلًا، قال: لأنه يتهم في أنه يزيد بنته وينقص ابن عمه من غير عكس. واستثنى ما إذا أقر لزوجته التي يعرف بمحبتها والميل إليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تباعد ولا سيما إذا كان له منها ولد في تلك الحال. وحاصل المنقول عن المالكية أن مدار الأمر على التهمة وعدمها، فإن فقدت جاز، وإلا فلا. وهو اختيار الروياني من الشافعية. وعن شريح والحسن بن صالح: لا يجوز إقراره لوارث إلا لزوجته بصداقها. وعن القاسم وسالم والثوري والشافعي في قول -وزعم ابن المنذر أن الشافعي رجع عن الأول إليه- وبه قال أحمد، لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقًا، لأنه منع الوصية له، فلا يؤمن أن يزيد الوصية له فيجعلها إقرارًا. واحتج من أجاز مطلقًا بما تقدم عن الحسن أن التهمة في حق المحتضر بعيدة، وبالفرق بين الوصية والدين؛ لأنهم اتفقوا على أنه لو أوصى في صحته لوارثه بوصية وأقر له بدين ثم رجع، أن رجوعه عن الإقرار لا يصح، بخلاف الوصية فيصح رجوعه عنها، واتفقوا على أن المريض إذا أقر بوارث صح إقراره، مع أنه
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٥٤٤.
(٢) تقدم ص ٥٣٥، ٥٣٦.
[ ٦ / ٥٤٦ ]
يتضمن الإقرار بالمال، وبأن مدار الأمر على الظاهر، فلا يترك إقراره للظن المحتمل، فإن أمره إلى الله تعالى. والله أعلم.
٧٩١ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم". رواه الدارقطني (١).
وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء (٢)، وابن ماجه من حديث أبي هريرة (٣)، وكلها ضعيفة لكن قد يقوى بعضها ببعض.
في رواية الدارقطني والبيهقي (٤) زيادة في الحديث: "ليجعل لكم زكاة في أموالكم". والحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ضعيفان (٥). وفي الباب عن أبي بكر الصديق رواه العقيلي في "تاريخ الضعفاء" (٦) من طريق حفص بن عمر بن ميمون وهو متروك (٧). وعن خالد
_________________
(١) الدارقطني ٤/ ١٥٠ ح ٣.
(٢) أحمد ٦/ ٤٤٠، ٤٤١، والبزار ٢/ ١٣٩ ح ١٣٨٢ - كشف.
(٣) ابن ماجه ٢/ ٩٠٤ ح ٢٧٠٩.
(٤) البيهقي ٦/ ٢٦٩ من حديث أبي هريرة. وعند الدارقطني بلفظ: "زكاة في أعمالكم". وعند البيهقي بلفظ: "زيادة في أعمالكم".
(٥) إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي أبو عتبة الحمصي، كان يحفظ من الأحاديث شيئًا كثيرا، حديثه مستقيم عن الشاميين أهل بلده، وإذا حدث عن غيرهم خلط، فوثقه قرم وضعفه آخرون لذلك. الجرح والتعديل ٢/ ١٩١، وتهذيب التهذيب ١/ ٣٢١، والتقريب ص ١٠٩. وعتبة بن حميد الضبي أبو معاذ، ويقال: أبو معاوية البصري، قال أحمد: كتب شيئًا كثيرا وهو ضعيف، ولم يشته الناس حديثه. وقال أبو حاتم: كان جوالة في الطب، وهو صالح الحديث. وقال الحافظ: صدوق له أوهام. الجرح والتعديل ٦/ ٣٧٠، وتهذيب التهذيب ٧/ ٩٦، والتقريب ص ٣٨٠.
(٦) الضعفاء ١/ ٢٧٥.
(٧) حفص بن عمر بن ميمون العدني، أبو إسماعيل، الملقب بالفرخ، مولى عمر، ويقال: مولى =
[ ٦ / ٥٤٧ ]
ابن عبد الله السلمي (١)، وهو مختلف في صحبته، رواه عنه ابنه الحارث (٢) وهو مجهول.
الحديث فيه دلالة على شرعية الوصية بالثلث، وأن ذلك لا يمنع منه الميت، وظاهره الإطلاق في حق الوارث وغيره، فتنفذ الوصية بالثلث ولو لوارث. وقد ذهب إليه الهادي وغيره من أهل البيت. وادعى أبو طالب إجماع أهل البيت على ذلك. والحديث يفهم ذلك، ويقويه إطلاق قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ الآية (٣). وذهب الفقهاء الأربعة وغيرهم والمؤيد بالله وحكاه في "شرح الإبانة" عن زيد بن علي وأبي عبد الله الداعي إلى أن الوصية للوارث لا تنفذ (أ)، والحديث والآية مقيدان بما عدا الوصية للوارث، والقيد لذلك الحديث المعمول به الذي مرّ، وهو دليل واضح كما مرّ تحقيقه. والله أعلم.
فائدة: ظاهر قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). أن الدين والوصية يخرجان من تركة الميت على سواء، فتشارك الوصية الدين إذا استغرق المال، والعلماء اتفقوا أن الدين يقدم إخراجه على الوصية، وأشار
_________________
(١) (أ) في ب: تجوز. = علي. قال أبو حاتم: لين الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الحافظ: ضعيف. المجروحين لابن حبان ١/ ٢٥٧، وتهذيب التهذيب ٢/ ٤١٠، والتقريب ص ١٧٣.
(٢) ترجمته في الاستيعاب ٢/ ٤٣٤، والإنابة لمغلطاي ١/ ٢٠٠، والإصابة ٢/ ٢٤٣.
(٣) ترجمته في الجرح والتعديل ٣/ ٧٤. والحديث أخرجه الطبراني ٤/ ٢٣٥ ح ٤١٢٩ من طريق الحارث به.
(٤) الآية ١١ من سورة النساء.
[ ٦ / ٥٤٨ ]
البخاري (١) إلى ذلك فقال: باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. أي بيان المراد بتقديم الوصية في الذكر على الدَّين مع أن الدين هو المقدم في الأداء، ثم قال البخاري: ويذكر أن النبي - ﷺ - قضى بالدين قبل الوصية. هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي (٢) وغيرهما من طريق الحارث وهو الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قضى محمد - ﷺ - أن الدين قبل الوصية وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين. لفظ أحمد وإسناده ضعيف لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل العلم. وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فعادته ألا يورد الضعيف في مقام الاحتجاج، وقد أورد له شواهد، ولم يختلف العلماء أن الدين مقدم على الوصية إلا في صورة واحدة؛ وهي إذا أوصى لشخص بألف مثلًا وصدقه الوارث وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده وصدقه الوارث؛ ففي وجه للشافعية [تقدم] (أ) الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة، والسرّ في تقديم الوصية على الدين في الآية الكريمة هو أنه لما كان الوصية تقع على سبيل البر والصلة، والدين نفع يتعدى الميت بحسب الأغلب، فبدئ بالوصية لكونها أفضل. كذا ذكر السهيلي. وقال غيره: قدمت الوصية لأنه شيء يوجد بغير عوض، والدين يوجد بعوض، فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين، وكان أداؤها مظنة التفريط، بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن بإخراجه، فقدمت
_________________
(١) (أ) في الأصل، ب: تقديم.
(٢) البخاري ٥/ ٣٧٧.
(٣) أحمد ١/ ٧٩، والترمذي ٤/ ٣٦٢، ٣٦٣ ح ٢٠٩٤.
[ ٦ / ٥٤٩ ]
الوصية لذلك، ولأنها حظ فقير ومسكين غالبًا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة وله مقال، ولأن الوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه، فقدمت تحريضًا على العمل بها، بخلاف الدين فإنه مطلوب منه ذكَر أو لم يذكره، ولأن الوصية ممكنة من كل أحد مطلوبة منه؛ إما وجوبًا أو ندبًا فيشترك فيها جميع المخاطبين، وتقع بالمال وبالعمل، وقل من يخلو عن ذلك، بخلاف الدين، وما يكثر وقوعه أهم بأن يذكر أولًا على ما يقل وقوعه. والله سبحانه أعلم.
[ ٦ / ٥٥٠ ]