هي من الوَلم وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان. قاله الأزهري (١) وغيره. قال ابن الأعرابي (٢): أصلها تمام الشيء واجتماعه. والفعل منها أولم، وتقع على كل طعام يتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما واستعمالها مطلقة في العرس أكثر وأشهر، وفي غيره بالتقييد فيقال: وليمة إعذار أو نحوه. مع أن لكل من الولائم اسمًا يخصه، كالعقيقة للولادة، والخُرْس لسلامة المرأة من الطلق، وقد نظم بعضهم أسماء الطعام المتخذ لسبب فبلغها اثني عشر حيث قال (٣):
أسامي الطعامِ اثنانِ من بعدِ عشْرةٍ سأسرُدُها مقرونةً ببيانِ
وليمةُ عُرْسٍ ثم خُرسُ ولادةٍ عقيقةُ مولودٍ وَكِيرةُ بانِ
وَضيمةُ ذي موتٍ نَقيعةُ قادمٍ عذيرةُ أو إعذار يوم ختانِ
ومأدُبةُ الخلان لا سبب لها حذاقُ صغيرٍ عند ختم قُرانِ
وعاشره في النظم تحفةُ زائرٍ قِرى الضيف معْ نزل له بقران (أ)
فوليمة العرس ما تتخذ عند الدخول وما يتخذ عند الإملاك، وتسمى الشُّنداخ بشين معجمة مضمومة وبفتح ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة
_________________
(١) (أ) في فص الخواتم: بأمان.
(٢) تهذيب اللغة ١٥/ ٤٠٦.
(٣) ينظر الفتح ٩/ ٢٤١.
(٤) هو قاضي القضاة صدر الدين بن العز الحنفي. كما في "فص الخواتم فيما قيل في الولائم" ص ٣٩.
[ ٧ / ٢٩٠ ]
وآخره خاء معجمة، مَأخوذ من قولهم: فرس شندخ. أي يتقدم غيره لأنه يتقدم الدخول. وقد صرح بذلك الشافعي في "الأم" (١) فقال: الوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة على إملاك أو نفاس أو ختان أو حادث سرور. وبهذا الأخير تكون ثلاثة عشر. والخرس، بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وآخره سين مهملة أو صاد مهملة، لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: طعام الولادة، ويقال: خرسة بزيادة الهاء، والعقيقة في سابع المولود وسيأتي، والوكيرة (أمن الوكر أ) وهو المأوى. والوضيمة، بكسر الضاد المعجمة. والنقيعة مأخوذة من النقع وهو الغبار، يصنعها القادم أو غيره له. والعذيرة والإعذار بمعنى واحد، والإعذار بالهمزة المكسورة والعين المهملة والذال المعجمة، والمأدبة، بضم الدال أو فتحها (ب)، إن كانت لقوم مخصوصين سميت النَّقَرى بفتح النون والقاف والألف مقصورًا، وإن كانت عامة سميت الجفَلى بفتح الجيم والفاء مقصورًا، والحذاق من حذق بالشيء إذا صار ماهرًا. كذا ذكره ابن الصباغ. وقال ابن الرفعة: هو الذي يصنع عند ختم القرآن، ويحتمل ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن يطرد ذلك في حذقه لكل صناعة.
والنزل ما يقدم للضيف حين ينزل، والقرى ما يفعل له فيما بعد.
٨٥٩ - وعن أنس بن مالك وضي الله عنه، أن النبي - ﷺ - رأى على
_________________
(١) (أ- أ) ساقط من: ب، وفي جـ: من الوكور. (ب) زاد في ب: سواء.
(٢) الأم ٦/ ١٨١.
[ ٧ / ٢٩١ ]
عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: "ما هذا"؟ قال: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال: "بارك الله لك، أولم ولو بشاة". متفق عليه واللفظ لمسلم (١).
قوله: رأى على عبد الرحمن أثر صفرة. جاء في هذا المعنى ألفاظ في البخاري وغيره ففي (أ) رواية زهير (٢): فمكثنا ما شاء الله، ثم جاء وعليه وضر صفرة. بفتح الواو والضاد المعجمة المفتوحة، آخره راء، أي: أثر. وفي رواية الثوري والأنصاري: فلقيه النبي - ﷺ - (٣). زاد ابن سعد (٤): في سكة من سكك المدينة وعليه وضر من صفرة (٥). وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت: أن النبي - ﷺ - رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة. وفي رواية حماد بن سلمة (٦): وعليه ردع زعفران. والردع، بفتح الراء المهملة والدال المهملة الساكنة والعين المهملة، هو أثر الزعفران، وفي رواية معمر عن ثابت عند أحمد (٧): وعليه وضر من خلوق. والخلوق بضم الخاء هو
_________________
(١) (أ) في ب: من.
(٢) البخاري، كتاب النكاح، باب ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ٩/ ٢٢١ ح ٥١٥٥، ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن .. ٢/ ١٠٤٢ ح ١٤٢٧/ ٧٩.
(٣) البخاري ٤/ ٢٨٨ ح ٢٠٤٩.
(٤) البخاري ٧/ ٣٧٠، ٩/ ١١٦ ح ٣٩٣٧، ٥٠٧٢ من طريق الثوري، بلفظ: فرآه النبي - ﷺ -.
(٥) ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٥٢٣.
(٦) البخاري ٩/ ٢٢١ ح ٥١٥٥.
(٧) ابن سعد ٣/ ١٢٦، وأحمد ٣/ ٢٧١، وعبد بن حميد ٣/ ١٦٠ ح ١٣٣١، وأبو داود ٢/ ٢٤٢ ح ٢١٠٩.
(٨) أحمد ٣/ ١٦٥.
[ ٧ / ٢٩٢ ]
طيب يصنع من زعفران وغيره، وفي حديث مالك (١)، أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي - ﷺ - وعليه أثر صفرة، ونحوه في رواية عبد الرحمن نفسه (٢)، وفي رواية عبد العزيز بن صهيب (٣): فرأى النبي - ﷺ - عليه (أ) بشاشة العرس. والبشاشة بالباء الموحدة والشين المعجمة أي أثره وحسنه أو فرحه وسروره، يقال: بشر فلان بفلان. أي أقبل عليه فرحًا به، وللطبراني في "الأوسط" (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ بسند فيه ضعف أن عبد الرحمن بن عوف أتى رسول الله - ﷺ - وقد خضب بالصفرة فقال: "ما هذا الخضاب، أعرست؟ " قال: نعم. وفي رواية زهير (٥) وابن علية (٦) وابن سعد (٧) وغيرهم، فقال له النبي - ﷺ -: "مَهْيَم؟ ". ومعناه ما شأنك، أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهامية مبنية على السكون.
وفي تركيبها أو بساطتها قولان لأهل اللغة. وقال ابن مالك (٨): هي اسم
_________________
(١) (أ) ساقطة من: ب.
(٢) مالك ٢/ ٥٤٥ ح ٤٧.
(٣) البخاري ٤/ ٢٨٨ ح ٢٠٤٨.
(٤) البخاري ٩/ ٢٠٤ ح ٥١٤٨.
(٥) الطبراني في الأوسط ٦/ ٥٥ ح ٥٧٧٦.
(٦) تقدم تخريجه الصفحة السابقة.
(٧) أحمد ٣/ ١٩٠، والترمذي ٤/ ٢٨٩ ح ١٩٣٣، والنسائي في الكبرى ٤/ ١٣٧ ح ٦٥٩٥ من طريق ابن علية به.
(٨) البخاري ٧/ ١١٢ ح ٣٧٨٠ من طريق إبراهيم بن سعد به.
(٩) شواهد التوضيح والتصحيح ص ٢١٦.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
فعل بمعنى أخبر. وفي الطبراني (١)، وكان كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشيء، ووقع في رواية ابن السكن (٢): "مهين" بنون بدل الميم، ووقع في رواية للبخاري (٣) وغيره "ما هذا؟ "
وقد يستدل بهذا على جواز التزعفر للعروس، وأنه مخصص لعموم النهي عن التزعفر للرجال، ولكنه يحتمل أن تلك الصفرة كانت في ثيابه دون جسده، وقد ذهب إلى مثل هذه التفرقة المالكية، ونقل مالك ذلك عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى (٤) رفعه: "لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق". فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهما في الثوب أيضًا، وتمسكوا بأحاديث واردة في ذلك وهي صحيحة، وأجابوا عن (أ) قصة عبد الرحمن بأجوبة؛ أحدها: أن ذلك كان قبل النهي، ويؤيده أن القصة في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخرت هجرته. ثانيها: أن الصفرة التي تعلقت به من جهة زوجته فكان ذلك غير مقصود له، ورجحه النووي (٥) وعزاه للمحققين، وبنى عليه البيضاوي ورتب عليه الاعتذار عن الاستنكار لذلك إذ كان الاستفهام للإنكار. ثالثها: أنه احتاج إلى التطيب للدخول
_________________
(١) (أ) في جـ: على.
(٢) الطبراني في الأوسط ٧/ ١٧١ ح ٧١٨٨.
(٣) الفتح ٦/ ٣٩٤.
(٤) البخاري ٩/ ٢٢١ ح ٥١٥٥.
(٥) أبو داود ٤/ ٧٨ ح ٤١٧٨.
(٦) صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢١٦.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
على أهله ولم يجد من طيب الرجال شيئًا فتطيب من طيب المرأة، فصادف أن فيه الصفرة فاستباح القليل منه عند عدم غيره كما قد جاء نظير ذلك في طيب الجمعة، أنه إذا لم يجد طيبًا تطيب من طيب أهله وظاهره الإذن ولو ظهر أثره. رابعها: أنه كان يسيرًا و(أ) لم يبق إلا أثره. خامسها: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم؛ بدلالة تقريره لعبد الرحمن فإنه لم يأمره بإزالته. سادسها: أن العروس يستثنى من النهي، ولا سيما إذا كان شابًّا (ب). ذكر ذلك أبو عبيد (١)، قال: وكانوا يرخصون للشاب في ذلك أيام عرسه. قال: وقيل: كان في (جـ) أول الإسلام من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا علامة لزواجه ليعان على وليمته، قال: وهذا غير معروف.
وقوله: على وزن نواة من ذهب. كذا وقع الجزم به في رواية ابن عيينة (٢) والثوري (٣)، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد (٣)، وفي رواية زهير (٣) وابن علية (٤): نواة من ذهب. بحذف: وزن، أو قال: بوزن.
_________________
(١) (أ) من هنا خرم في المخطوط ب، وينتهي في شرح ح ١٠٩٥. (ب) في جـ: شبابا. (جـ) ساقطة من: جـ.
(٢) غريب الحديث ٢/ ١٩١.
(٣) البخاري ٧/ ٢٧٠ ح ٧٩٣٧.
(٤) تقدم تخريجه في ص ٢٩٢.
(٥) تقدم تخريجه ص ٢٩٣.
[ ٧ / ٢٩٥ ]
وكذا في حديث عبد الرحمن نفسه بالشك (١)، أي بالشك من عبد الرحمن، فالشك يحتمل أنه من عبد الرحمن أو من الراوي، وفي رواية شعبة ابن الحجاج عن عبد العزيز بن صهيب (١): على وزن نواة. بحذف لفظ: ذهب. وعن قتادة (٢) بزيادة: من ذهب. وكذا أخرجه مسلم (٣) من طريق أبي عوانة عن قتادة، ولمسلم (٤) من رواية شعبة، عن أبي حمزة، عن أنس: على (أ) وزن نواة. قال: فقال رجل من ولد عبد الرحمن: من ذهب. ورجح الداودي (٥) رواية من قال: على نواة من ذهب. واستنكر رواية من روى: وزن نواة. واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمة حفاظ، وقال عياض (٥): لا وهم في الرواية، لأنها إن كانت نواة تمر أو غيره، أو كان للنواة قدر معلوم صلح أن يقال في كل ذلك: وزن نواة. واختلف في المراد بقوله: نواة. فقيل: المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار. ورُدَّ بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يجعل معيارًا لما يوزن به؟ وقيل: من ذهب. عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق. وجزم به الخطابي (٦)،
_________________
(١) (أ) ساقطة من: جـ.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٩٣.
(٣) البخاري ٩/ ٢٠٤ ح ٥١٤٨، ومسلم ٢/ ١٠٤٢ ح ١٤٢٧.
(٤) مسلم ٢/ ١٠٤٢ ح ١٤٢٧/ ٨٠.
(٥) مسلم ٢/ ١٠٤٣ ح ١٤٢٧/ ٨٠.
(٦) ينظر الفتح ٩/ ٢٣٤.
(٧) معالم السنن ٣/ ٢١٠.
[ ٧ / ٢٩٦ ]
واختاره الأزهري (١)، ونقله عياض عن أكثر العلماء، ويؤيده أن في رواية للبيهقي (٢) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة: وزنا نواة من ذهب قومت خمسة دراهم. حكاه ابن قتيبة (٣)، وجزم به ابن فارس (٤)، وجعله البيضاوي (٥) الظاهر، ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي (٢): قومت ثلاثة دراهم وثلثًا. وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل: ثلاثة ونصف. وقيل: ثلاثة وربع. وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار. ويؤيد هذا ما وقع عند الطبراني في "الأوسط" (٦) في آخر الحديث، قال أنس: حزرناها ربع دينار. وقد قال الشافعي: النواة ربع النش (أ)، والنش نصف أوقية، والأوقية أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم. وكذا قال أبو عبيد (٧) [أن] (ب) عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة، كما تسمى الأربعون الأوقية. وبه جزم أبو عوانة (٨) وآخرون.
_________________
(١) (أ) بعده في جـ: ربع أوقية. وينظر الفتح ٩/ ٢٣٤. (ب) في الأصل، جـ: بن.
(٢) تهذيب اللغة ١٥/ ٥٥٧، ٥٥٨.
(٣) البيهقي ٧/ ٢٣٧.
(٤) غريب الحديث لابن قتيبة ٢/ ١٧٩.
(٥) مجمل اللغة ٤/ ٣٥٩.
(٦) ينظر الفتح ٩/ ٢٣٤.
(٧) الطبراني في الأوسط ٧/ ١٧٢.
(٨) غريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ١٩٠.
(٩) ينظر الفتح ٩/ ٢٣٥.
[ ٧ / ٢٩٧ ]
وقوله: "بارك الله لك". يؤخذ منه الدعاء للمعرس بالبركة، ونهي عما كان عليه الجاهلية من قولهم للمعرس: بالرفاء والبنين. ووقع هذا اللفظ مقدما على قوله: "أولِمْ". كما هنا في رواية حماد بن سلمة عن ثابت وحميد (١)، وفي غيرها بتقديم "أولم" ولقد نال عبد الرحمن بركة دعوته - ﷺ - حتى قال عبد الرحمن كما في آخر الرواية [عند البخاري] (أ): فلقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضة. حتى ورثت بعضُ نسائه ربعَ الثمُنِ مائة ألف، فتكون جملة تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف، فإن كانت دراهم فهي قليلة بالنسبة إلى مخلف الزبير، وإن كانت دنانير فهي أكثر.
وقوله: "أولم ولو بشاة". يدل على وجوب وليمة العرس، وقد ذهب إليه أهل الظاهر ووجه معروف عند الشافعية جزم به سليم الرازي، وقال: إنه ظاهر نص "الأم" (٢)، ونقله عن النص أيضًا الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" (٣)، وقال ابن بطال (٤): هي مندوبة ولا أعلم أحدًا قال بوجوبها. وفي "المغني" (٥) عن أحمد أنها سنة، والجمهور على أنها مندوبة، ويحملون الأمر على الندب، ويقوي القول بالوجوب ما رواه أحمد (٦) من حديث
_________________
(١) (أ) كذا في الأصل، جـ. وهذه العبارة ليست في رواية البخاري، وقد تقدم تخريجها من رواية حماد عن حميد وثابت. وينظر الفتح ٩/ ٢٣٥.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٩٢.
(٣) الأم ٦/ ١٨١.
(٤) المهذب ٢/ ١٦٤.
(٥) شرح صحيح البخاري ٧/ ٢٨٤.
(٦) ينظر المغني ١٠/ ١٩٢، ١٩٣.
(٧) أحمد ٥/ ٣٥٩.
[ ٧ / ٢٩٨ ]
بريدة قال: لما خطب علي فاطمة ﵂، قال رسول الله - ﷺ -: إنه لا بد للعرس من وليمة. وسنده لا بأس به، وظاهره اللزوم، وهو قريب إلى معنى الوجوب، وإن كان يحتمل أن المراد بذلك اللزوم عرفًا، وما أخرجه أبو الشيخ والطبراني في "الأوسط" (١) من طريق مجاهد عن أبي هريرة، رفعه: "الوليمة حق وسنة، فمن دعي ولم يجب فقد عصى" الحديث. وهذا كذلك فيه احتمال كما قال ابن بطال (٢): معنى "حق" أي ليست بباطل، بل يندب إليها، ومعنى "سنة" فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب. ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها. كذا قال، وقد عرفت الخلاف، وأحسن ما يقال في قرينة حمل الأمر على الندب: إنه لم يثبت الأمر لغير عبد الرحمن، كما قال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي (٣)، قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرحمن، ولا أعلم أنه هو - ﷺ - ترك الوليمة. فجعل ذلك مستندًا في كون الوليمة ليست بحتم، وقوله - ﷺ - لعبد الرحمن بعد وقوع الدخول إنما هو استدراك لما فات، وهو يدل على تأكد فعلها، وقد اختلف السلف في وقتها، هل هو عند العقد أو عقبه أو عند الدخول، [أو عقبه، أو موسع من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول] (أ) على أقوال؛ فحكى عياض (٤) أن الأصح عند المالكية استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعن
_________________
(١) (أ) ساقطة من: جـ، وفي الأصل: عبد الرحمن. والمثبت من الفتح ٩/ ٢٣١.
(٢) أبو الشيخ -كما في الفتح ٩/ ٢٣٠ - والطبراني ٤/ ١٩٣ ح ٣٩٤٨.
(٣) شرح صحيح البخاري ٧/ ٢٨٤.
(٤) الأم ٦/ ١٨١، ومعرفة السنن الآثار ٥/ ٤٠٢، ٤٠٣.
(٥) ينظر صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢١٧.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
ابن حبيب عند العقد وبعد الدخول، وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول وبعده، وذكر ابن السبكي (١) أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعين وقتها. وأنه استنبط من قول البغوي: ضرب الدف في النكاح جائز في العقد والزفاف قبل وبعد قريبًا منه. أن وقتها موسع من حين العقد، قال: والمنقول من فعل النبي - ﷺ - أنها بعد الدخول. وكأنه يشير إلى قصة زينب بنت جحش، وقد ترجم عليه البيهقي (٢): وقت الوليمة. انتهى. وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقب بأن الماوردي صرح بأنها عند الدخول، وحديث أنس في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول، لقوله فيه (٣): أصبح عروسًا بزينب فدعا القوم. واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقيبها وعليه عمل الناس.
وقوله: "ولو بشاة". "لو" هنا وصلية لبيان أقل ما يفعله، ويستفاد منه أن الإكثار لمن يقدر على ذلك أولى؛ قال القاضي عياض (٤): أجمعوا على أنه لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك، ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر حالة الزوج. انتهى.
وظاهر الحديث يدل على أن الشاة أقل ما يجزئ إلا أنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أولم على بعض نسائه بأقل من شاة، كما في أم سلمة وغيرها (٥)،
_________________
(١) ينظر الفتح ٩/ ٢٣١.
(٢) البيهقي ٧/ ٢٦٠.
(٣) البخاري ٩/ ٢٣٠ ح ٥١٦٦.
(٤) ينظر صحيح مسلم بشرح النووي ٩/ ٢١٨.
(٥) ينظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٩١، ٩٢، ومسند أحمد ٦/ ٣٠٧، والفتح ٩/ ٥٣٠ ح ٥٣٨٧.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
وأولم على زينب بشاة، وقال أنس: لم يولم على غير زينب بأكثر مما أولم عليها. وظهر في ذلك من المعجزة من البركة في الشاة حتى أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، والأظهر أنه أولم على ميمونة بنت الحارث -لما تزوجها بمكة في عمرة القضية، وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها فامتنعوا (أ) - بأكثر من ذلك لوجود التوسعة عليه في تلك الحال، فإن ذلك بعد فتح خيبر، وقد وسع الله على المسلمين منذ فتحها عليهم، ويحمل قول أنس بأنه لم يولم بأكثر من ذلك. باعتبار ما وقع من البركة في الشاة، وشبع الناس منها. والله أعلم. وقال صاحب "التنبيه" من الشافعية (١): إن الشاة حد لأكثر الوليمة. ودعوى عياض الإجماع يدفعه، وقال ابن أبي عصرون (٢): أقلها للموسر شاة، وهو مأخوذ من الحديث.
٨٦٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها". متفق عليه (٣).
ولمسلم (٤): "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب؛ عرسا كان أو نحوه".
الحديث فيه دلالة على الإجابة إلى الوليمة، والوليمة وردت في بعض
_________________
(١) (أ) في حاشية جـ: فامتعوا.
(٢) التنبيه ١/ ١٦٨، ولفظه فيه: والسنة أن يولم بشاة.
(٣) ينظر الفتح ٩/ ٢٣٧.
(٤) البخاري، كتاب النكاح، باب حق إجابة الوليمة والدعوة ٩/ ٢٤٠ ح ٥١٧٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإِجابه الداعي إلى الدعوة ٢/ ١٠٥٢ ح ١٤٢٩/ ٩٦.
(٥) مسلم ٢/ ١٠٥٣ ح ١٤٢٩/ ١٠٠.
[ ٧ / ٣٠١ ]
روايات ابن عمر مطلقة، وظاهره عرس أو غيره، بل صرح في بعض رواياته عند مسلم وأبي داود (١) بقوله: "عرسًا أو نحوه". وفي بعض ألفاظه كما في رواية مسلم (٢) من حديث عبيد الله بن عمر العمري عن نافع: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" والجمع بين اختلاف الألفاظ أن بعضهم اقتصر على بعض الألفاظ، وبعضهم استوفى اللفظ الوارد جميعه، ويكون ذلك زيادة من الحافظ فتقبل، وهو المروي عن عبد (أ) الله بن عمر أن الأمر بالإجابة [لا يختص بالعرس، وقد أخذ بظاهره الظاهرية وبعض الشافعية، فقالوا بوجوب الإجابة] (ب) إلى الدعوة مطلقًا، ونقله ابن عبد البر (٣) عن عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وزعم ابن حزم (٤) أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويرد عليه أن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة، قال في وليمة الختان (٥): لم يكن يُدعى لها. إلا أنه قد يدفع بأنه (جـ) لو دعي [لها] (ب) لأجابوا. وأخرج عبد الرزاق (٦) بإسناد صحيح
_________________
(١) (أ) في جـ: عبيد. (ب) ساقطة من: الأصل. (جـ) ساقطة من: جـ.
(٢) أبو داود ٣/ ٣٣٩ ح ٣٧٣٨.
(٣) مسلم ٢/ ١٠٥٣ ح ١٤٢٩/ ٩٨.
(٤) التمهيد ١٠/ ١٧٨.
(٥) المحلى ١١/ ٢٣.
(٦) أحمد ٤/ ٢١٧ بلفظ: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله - ﷺ - ولا ندعى له.
(٧) عبد الرزاق ١٠/ ٤٤٨ ح ١٩٦٦٣.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
عن ابن عمر، أنه دُعي لطعامٍ، فقال رجل من القوم: أعفني. فقال ابن عمر (أ): لا عافية لك في هذا فقم. وأخرج الشافعي (١) وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس، أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم يعفني جئته. و(ب) جزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسي منهم [فنقل] (جـ) فيه الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها، كما تبين [لي] (د) في وليمة العرس. انتهى.
ففرق بين وليمة العرس وغيرها، وفي "البحر" (٢) حكى إجماع العترة في عدم وجوب الإجابة في جميع الولائم، وأنها مستحبة، وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي (٣) [الاتفاق] (هـ) على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر، إلا أن المشهور من قول العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، وكلام
_________________
(١) (أ) زاد بعده جـ: إنه. (ب) زاد بعده جـ: هو. (جـ) في الأصل: فقيل. (د) في الأصل: له. (هـ) في الأصل: لا بد أن.
(٢) الأم ٦/ ١٨١.
(٣) البحر ٥/ ٣٣٩.
(٤) ينظر التمهيد ١٠/ ١٧٩، وشرح مسلم ٩/ ٢٣٤.
[ ٧ / ٣٠٣ ]
صاحب "الهداية" يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سنة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسنة، وليست فرضًا كما عرف من قاعدتهم، وعن بعض الشافعية والحنابلة هي فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" (١): وقد يسوغ ترك الإجابة على القول بالوجوب وعلى القول بالندب لأعذار، منها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا (أ) يليق مجالسته، أو يدعوه لخوف شره، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، أو يكون هناك منكر من خمر، أو لهو، أو فرش حرير، أو ستر لجدار البيت، أو صور في البيت، أو يعتذر إلى الداعي فيتركه، أو كانت في الثالث كما سيأتي (٢). وقد بوب البخاري (٣)، وقال: باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟. هكذا أورد الترجمة بالاستفهام ولم يجزم، ثم قال: ورأى ابن مسعود سورة في البيت فرجع، كذا في رواية البعض، وفي رواية الباقين: أبو مسعود، وهو الصواب. فأخرجه البيهقي (٤) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، أن رجلًا صنع طعامًا فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم. فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة. وسنده صحيح، ثم قال (٥): ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على
_________________
(١) (أ) ساقط من: جـ.
(٢) ينظر الفتح ٩/ ٢٤٢.
(٣) سيأتي ح ٨٦٣.
(٤) البخاري ٩/ ٢٤٩.
(٥) البيهقي ٧/ ٢٦٨.
(٦) البخاري ٩/ ٢٤٩.
[ ٧ / ٣٠٤ ]
الجدار، فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعامًا. [فرجع] (أ). وهذا المعلَّق وصله أحمد في كتاب "الورع" (١)، ومسدد (٢) في "مسنده"، ومن طريقه الطبراني (٣) عن سالم بن عبد (ب) الله بن عمر قال: أعرست (٤) في عهد أبي، فآذن الناس، وكان أبو أيوب فيمن آذنّا وقد ستروا بيتي ببجاد (٥) أخضر، فأقبل أبو أيوب فاطلع فرآه، فقال: يا عبد الله، أتسترون الجدرَ؟ فقال أبي -واستحيا-: غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب. فقال: من خشيت أن تغلبه النساء. فذكره. وروى المصنف (٦) ﵀ من وجه آخر القصة وفيها: فأقبل أصحاب النبي - ﷺ - يدخلون الأول فالأول، حتى أقبل أبو أيوب. وفيه: فقال عبد الله: أقسمت عليك لترجعن. فقال؛ وأنا أعزم على نفسي ألا أدخل يومي هذا. ثم انصرف. وأخرج أحمد في كتاب "الزهد" (٧) أن رجلًا دعا ابن عمر إلى عرس، فإذا بيته قد ستر بالكرور (جـ)، فقال ابن عمر:
_________________
(١) (أ) ساقطة من: الأصل. (ب) في جـ: عبيد. (جـ) في جـ: بالكروب. والكُرور جمع الكُرّ وهو جنسٌ من الثياب الغليظة. ينظر النهاية ٤/ ١٦٢، واللسان (ك ر ر).
(٢) كتاب الورع لأحمد ص ٨.
(٣) مسدد -كما في المطالب العالية ٦/ ١٤٩ ح ٢٤٣١.
(٤) الممجم الكبير ٤/ ١٤٠ ح ٣٨٥٣.
(٥) أعرس الرجل فهو معرس إذا دخل بامرأته عند بنائها. النهاية ٣/ ٢٠٦.
(٦) البجاد: الكساء. اللسان (ب جـ د).
(٧) الفتح ٩/ ٢٤٩.
(٨) ينظر الفتح ٩/ ٢٤٩، ٢٥٠.
[ ٧ / ٣٠٥ ]
يا فلان، متى تحولت الكعبة في بيتك؟ ثم قال لنفر معه من أصحاب محمد - ﷺ -: ليهتك كل رجل ما يليه. قال ابن بطال (١): لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر؛ لما في ذلك من إظهار الرضا بها. ونقل مذاهب القدماء في ذلك، وحاصله إن كان هناك محرم وقدَر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر [فليرجع] (أ)، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفي الورع. انتهى.
[وقصة] (ب) أبي أيوب والصحابة الذين دخلوا تحتمل أن أبا أيوب كان يرى تحريم الستر، فلذلك رجع، وغيره لا يراه فلذلك دخلوا، ويحتمل أن كراهة ذلك للتنزيه، فأبو أيوب عمل بالورع والتشدد في ذلك فرجع، وغيره تسامحوا بالدخول في ذلك، وقد فصل العلماء ذلك؛ قالوا: إن كان لهوًا مما اختلف فيه فيجوز الحضور، والأولى الترك، وإن كان حرامًا كشرب الخمر نظر، فإن كان المدعو ممن إذا حضر رفع لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك؛ ففيه للشافعية وجهان (جـ):
أحدهما: يحضر وينكر بحسب قدرته، وإن كان الأولى [ألا] (د) يحضر، قال البيهقي (٢): وهو ظاهر نص الشافعي، وعليه جرى العراقيون
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: فلا يرجع. والمثبت من الفتح ٩/ ٢٥٠. (ب) في الأصل: قضية. (جـ) زاد بعده في الأصل: أن. (د) في الأصل: لا.
(٢) شرح صحيح البخاري ٧/ ٢٩٢.
(٣) ينظر الفتح ٩/ ٢٥٠.
[ ٧ / ٣٠٦ ]
من أصحابه. وقال صاحب "الهداية" من الحنفية (١): لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج؛ لما فيه من شين الإيمان والدين، وفتح باب المعصية، وحكي عن أبي حنيفة أنه قعد، وهو محمول على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مقتدى (أ) به، وهذا بعد الحضور، فإن علم قبله لم تلزمه الإجابة.
والوجه الثاني للشافعية: تحريم الحضور لأنه كالراضي بالمنكر، وصححه المراوزة، فإن لم يعلم حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا خرج إلا أن يخاف على نفسه، وعلى هذا جرى الحنابلة، وكذا اعتبر المالكية في الإجابة (ب ألا يكون ب) منكر، وكذا اعتبر الهدوية وغيرهم من العترة، وإذا كان من أهل الهيئة لا ينبغي له أن يحضر موضعًا فيه لهوٌ أصلًا. حكاه ابن بطال وغيره عن مالك، ويؤيد منع الحضور حديث عمران بن الحصين: نهى رسول الله - ﷺ - عن إجابة طعام الفاسقين. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢)، وأما مع وجود المحرم فما أخرجه النسائي (٣) من حديث جابر مرفوعًا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر". وإسناده جيد، وأخرجه الترمذي (٤) من وجه آخر عن جابر فيه [ضعف] (جـ)، وأبو داود (٥) من
_________________
(١) (أ) في جـ: يقتدي. (ب- ب) في جـ: إن لم يكن هناك. (جـ) في الأصل: ضعيف.
(٢) الهداية ١٠/ ١٢.
(٣) الأوسط ١/ ١٤٠ ح ٤٤١.
(٤) النسائي في الكبرى ٤/ ١٧١ ح ٦٧٤١.
(٥) الترمذي ٥/ ١٠٤ ح ٢٨٠١.
(٦) أبو داود ٣/ ٣٤٨ ح ٣٧٧٤.
[ ٧ / ٣٠٧ ]
حديث ابن عمر بسند فيه انقطاع، وأحمد (١) من حديث عمر.
وأما حكم ستر البيوت والجدران ففي جوازه اختلاف قديم، وجزم جمهور الشافعية بالكراهة، وصرح الشيخ [أبو] (أ) نصر المقدسي منهم بالتحريم، واحتج بحديث عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله [لم] (ب) يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين". وجذب الستر حتى هتكه. وأخرجه مسلم (٢)، قال البيهقي (٣): هذه اللفظة تدل على كراهة ستر الجدار، وإن كان في بعض ألفاظ الحديث أن المنع كان بسبب الصورة، وقال غيره: ليس في السياق ما يدل على التحريم، وإنما فيه نفي الأمر بذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن يحتج بفعله - ﷺ - في هتكه، (جـ وأخرج جـ) في التحريم حديث ابن عباس عند أبي داود (٤) وغيره: "ولا تستروا [الجدر] (د) بالثياب". وفي إسناده ضعف، وله شاهد مرسل عن علي بن الحسين أخرجه ابن وهب ثم البيهقي (٣) من طريقه، وعند سعيد
_________________
(١) (أ) ساقط من: الأصل، جـ. والمثبت من الفتح ٩/ ٢٥٠. (ب) ساقطة من: الأصل. (جـ- جـ) في جـ: وقد أخرج. (د) في جـ: الجدار.
(٢) أحمد ١/ ٢٠.
(٣) مسلم ٣/ ١٦٦٦ ح ٢١٠٧.
(٤) البيهقي ٧/ ٢٧٢.
(٥) أبو داود ٢/ ٧٨، ٧٩ ح ١٤٨٥.
[ ٧ / ٣٠٨ ]
ابن منصور (١) من حديث سلمان موقوفًا، أنه أنكر ستر البيت؛ وقال: أمحموم بيتكم، أو تحولت الكعبة عندكم؟ ثم قال: لا أدخله حتى يهتك. وأخرح الحاكم والبيهقي (٢) من حديث محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد (١) الخطمي أنه رأى بيتًا مستورًا فقعد وبكى، وذكر حديثًا عن النبي - ﷺ -: "فكيف بكم إذا سترتم بيوتكم؟ " الحديث. وأصله في النسائي (٣).
٨٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمة، يُمنَعُها من يأتيها، ويُدعَى إليها من يأباها، ومَن لم يُجِب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله". أخرجه مسلم (٤).
٨٦٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا دعي أحدكم فليُجب، فإن كان صائما فليصلِّ، كان كان مفطرا فليَطعم". أخرجه مسلم أيضًا (٥). وله (٦) من حديث جابر ﵁ نحوه، وقال: "إن شاء طعم، وإن شاء ترك".
الحديث الأول أخرجه مسلم من طريق مرفوعًا، وأخرجه البخاري (٧)
_________________
(١) (أ) في جـ: زيد. وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٣٠١.
(٢) سعيد بن منصور ١/ ١٦٣، ١٦٤ ح ٥٩٢.
(٣) الحاكم ٢/ ٩٧، ٩٨، والبيهقي ٧/ ٢٧٢.
(٤) النسائي ٨/ ٢١٣.
(٥) مسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي ٢/ ١٠٥٥ ح ١٤٣٢/ ١١٠.
(٦) مسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعىِ ٢/ ١٠٥٤ ح ١٤٣١.
(٧) مسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي ٢/ ١٠٥٤ ح ١٤٣٠.
(٨) البخاري ٩/ ٢٤٤ ح ٥١٧٧.
[ ٧ / ٣٠٩ ]
موقوفًا على أبي هريرة أنه كان يقول: شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله. ووقع في رواية الإسماعيلي (١) من طريق معن بن عيسى عن مالك: "المساكين" بدل: "الفقراء". وذكر ابن عبد البر (٢) أن جُلَّ رواة مالك لم يصرحوا برفعه، وقال فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده: قال رسول الله - ﷺ -. وكذا أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" (١). وكذا أخرجه أبو الشيخ (١) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا صريحا، وأخرج له شاهدا من حديث ابن عمر كذلك (١).
قوله: "شر الطعام .. " إلى آخره. أي من شر الطعام طعام الوليمة.
وقوله: "يمنعها" جملة استئنافية (أ) لبيان الوجه المقتضي لكونه من شر الطعام، وهذا بالنظر إلى أغلب أحوال الوليمة، وأنها متصفة بهذه الصفة المقتضية لشرِّية طعامها، ومع هذه الصفة إن مَن لم يُجب الدعوة إليها فهو عاص، وتكون الدعوة سببًا لأكل المدعو شر الطعام، وأراد بقوله: "يُمنعها من يأتيها": الفقراء، "ويدعى إليها من يأباها": هم الأغنياء، فلو دعوا الجميع لم يكن شرًّا.
وقد أخرج ابن حبيب (٣) عن أبي هريرة أنه كان يقول: أنتم العاصون في
_________________
(١) (أ) في جـ: استفهامية. والمثبت يقتضيه السياق. وينظر الفتح ٩/ ٢٤٥.
(٢) الفتح ٩/ ٢٤٤، ٢٤٥.
(٣) الاستذكار ١٦/ ٣٤٩. وينظر التمهيد ١٠/ ١٧٥ وما بعدها.
(٤) ابن حبيب -كما في شرح صحيح البخاري لابن بطال ٧/ ٢٨٩، ٢٩٠.
[ ٧ / ٣١٠ ]
الدعوة، تدعون من لا [يأتي] (أ)، وتَدَعون من يأتي (ب). ووقع في رواية الطبراني (١) من حديث ابن عباسٍ: "بئس الطعام طعام الوليمة؛ يُدعى إليه الشبعان، ويحبس عنه الجيعان".
ويعني الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده - ﷺ - من مراعاة الأغنياء في الولائم وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم. والله المستعان.
وقوله: "ومن لا يجب الدعوة". هي بفتح الدال على المشهور، وضمَّها قطرب في "مثلثه" وغلطوه في ذلك (٢)، قال النووي (٣): دِعوة النسب بكسر الدال، وعكس ذلك بنو تيم الرباب ففتحوا دال دعوة النسب وكسروا دال دعوة الطعام، وما نسبه لتيم الرباب نسبه صاحبا "الصحاح" (٤) و"المحكم" (٥) لبني عدي (جـ) الرباب. والله أعلم.
والظاهر أن المراد بالدعوة هنا هي وليمة العرس، فتكون (د) اللام للعهد
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: يأبى. والمثبت من مصدر التخريج. (ب) في جـ: يأبى. (جـ) زاد بعده في الأصل: بني. (د) في جـ: فيكون.
(٢) الطبراني ١٢/ ١٥٩ ح ١٢٧٥٤.
(٣) ينظر إكمال الإعلام لابن مالك ١/ ٢١٧.
(٤) مسلم ٩/ ٢٣٣.
(٥) الصحاح (د ع و).
(٦) المحكم ٢/ ٢٣٥.
[ ٧ / ٣١١ ]
الخارجي، وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت من غير تقييد انصرفت إلى طعام العرس، وسائر الولائم تقيَّد.
وقوله: "فقد عصى الله ورسوله". هذا يدل على وجوب الإجابة، إذ المعصية إنما تكون بترك (أ) الواجب، ووقع في رواية لابن عمر عند أبي عوانة (١): "من دُعي إلى وليمة فلم يأتها فقد عصى الله ورسوله".
[وقد تقدم الخلاف في حكم الإجابة في الحديث الذي قبل هذا] (ب).
وقوله: "فإن كان صائما فيصلِّ". اختلف العلماء في المراد بالصلاة؛ فقال الجمهور: معناه: فليدعُ لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء، وقيل: المراد: الصلاة الشرعية، أي يشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها ويتبرك أهل المكان والحاضرون.
وقوله: "وإن كان مفطرًا فليَطعم". ظاهره تحتُّم الأكل، وفي الرواية الأخرى: "إن شاء طعم وإن شاء ترك". ظاهرها التخيير، وقد اختلف العلماء في ذلك، والأصح عند الشافعية أنه لا يجب الأكل [لا] (جـ) في وليمة العرس ولا في غيرها، ومن أوجبه اعتمد الرواية الأولى وتأول الثانية على من كان صائمًا، ومن لم يوجبه اعتمد رواية التخيير وحمل رواية "فليطعم" على الندب. وإذا قيل بوجوب الأكل فأقلّه لقمة، ولا يلزمه الزيادة؛ لأنه
_________________
(١) (أ) في جـ: ترك. (ب) ساقطة من: الأصل. (جـ) في الأصل: إلا.
(٢) أبو عوانة ٣/ ٦٢ ح ٤٢٠٠.
[ ٧ / ٣١٢ ]
يسمى أكلًا، ولأنه إذا كان الحكمة في الأمر بالأكل هو إيناس صاحب الطعام وإزالة ما يقع في نفسه أن الامتناع عن الأكل [تنزه] (أ) من الطعام لئلا يكون فيه شبهة، فاللقمة الواحدة تزيل ذلك. وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إذا كان صومه فرضًا لم يجز له الأكل؛ لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلا جاز له الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم.
٨٦٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "طعامُ أوّل يوم حقٌّ، وطعامُ يوم الثاني سنةٌ، وطعام يوم الثالث سمعةٌ". رواه الترمذي (١) واستغربه ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه (٢).
الحديث أخرجه الترمذي بزيادة: "ومن سمّع سمّع الله به". وقال: لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد الله البَكَّائي (٣)، وهو كثير الغرائب والمناكير. قال المصنف ﵀ (٤): وزياد مختلف فيه وشيخه فيه عطاء بن
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: تنزها.
(٢) الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في الوليمة ٣/ ٤٠٣، ٤٠٤ ح ١٠٩٧.
(٣) عند ابن ماجه ١/ ٦١٧ ح ١٩١٥ من حديث أبي هريرة، وينظر التلخيص ٣/ ١٩٥. وحديث أنس سيأتي أثناء الشرح.
(٤) زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين. التقريب ص ٢٢٠، وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٨٥.
(٥) الفتح ٩/ ٢٤٣، والتلخيص ٣/ ١٩٥.
[ ٧ / ٣١٣ ]
السائب (١)، وسماع زياد منه بعد اختلاطه. انتهى. فلا يصح قول المصنف هنا أن رجاله رجال الصحيح.
وحديث ابن ماجه أخرج عن أبي هريرة مثله، وفي إسناده عبد الملك بن حسين (٢) وهو ضعيف، وأخرج ابن عدي والبيهقي مثله عن أبي هريرة (٣)، وفي إسناده بكر بن خنيس (٤) وهو ضعيف، وله طريق أخرى عن مروان بن معاوية عن عوف عن الحسن عن أنس نحوه، قال ابن أبي حاتم (٥): إنه سأل أباه عنه، فقال؛ إنما هو عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وأخرج الطبراني (٦) عن ابن عباس مرفوعًا: "طعام في العرس يوم سنة، وطعام يومين فضل، طعام ثلاثة أيام رياء وسمعة". وسنده ضعيف.
وأخرج أبو داود والنسائي (٧) من طريق قتادة، عن رجل من ثقيف تردد في اسمه؛ هل زهير بن [عثمان أو] (أ) غيره، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) (أ) في الأصل: عمرو.
(٢) تقدمت ترجمته في ٣/ ٤١.
(٣) عبد الملك بن الحسين ويقال: عبادة بن الحسين. ويقال: ابن أبي الحسين. أبو مالك النخعي الواسطي ويعرف بابن دُر، ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وغيرهم. وقال الحافظ: متروك. وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٢٤٧، والتقريب ص ٦٧٠.
(٤) ابن عدي ٢/ ٤٥٨، والبيهقي ٧/ ٢٦٠ من حديث أنس، وينظر الفتح ٩/ ٢٤٣.
(٥) بكر بن خنيس الكوفي العابد، سكن بغداد، ضعفه ابن معين والدارقطني والنسائي وغيرهم، وقال الحافظ: صدوق له أوهام. ينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٠٨، والتقريب ص ١٢٦.
(٦) العلل ١/ ٣٩٨ ح ١١٩٣.
(٧) الطبراني ١١/ ١٥١ ح ١١٣٣١.
(٨) أبو داود ٣/ ٣٤٠، ٣٤١ ح ٣٧٤٥، والنسائي في الكبرى ٤/ ١٣٧ ح ٦٥٩٦.
[ ٧ / ٣١٤ ]
"الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة". وقال البخاري (١): لا يصح إسناده ولا يصح لزهير صحبة. إلا أن البغوي أخرجه في "معجم الصحابة" (٢) فيمن اسمه زهير، ولم يذكر له غيره، وقال: لا أعلم له اسما غيره. وقال ابن عبد البر (٣): يقال: إنه مرسل. وغلط ابن [قانع] (أ) (٤) فذكره في "الصحابة" فيمن اسمه معروف، وذلك أنه وقع في "السنن" وفي "المسند" (٥): عن رجل من ثقيف يقال له معروف. أي يُثنى عليه خير. وهذه الأحاديث وان كان كل منها لا يخلو من مقال، فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلًا.
الحديث فيه دلالة على شرعية الضيافة يومين، ويُفهم من كونها أول يوم حق وجوبُها، فإن الحق هو الثابت اللازم، وقد تقدم الكلام في ذلك، وكونها في اليوم الثاني سُنة، أي طريقة مستمرة، يعتاد الناس فعلها، يعني لا يدخل صاحبها الرياء والتسميع، وأما اليوم الثالث فهو رياء وسمعة، فيكون فعلها حرامًا والإجابة إليها كذلك، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي (٦) في آخر حديث زهير بن عثمان: قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: نافع. وهو تصحيف.
(٢) التاريخ الكبير ٣/ ٤٢٥.
(٣) التلخيص ٣/ ١٩٥.
(٤) الاستيعاب ٢/ ٥٢٢.
(٥) معجم الصحابة لابن قانع ٣/ ١٢٤ ح ١٠٩٥.
(٦) أحمد ٥/ ٢٨، وتقدم عند أبي داود والنسائي في الصفحة السابقة.
(٧) الدارمي ٢/ ١٠٤، ١٠٥، وتقدم عند أبي داود في الصفحة السابقة.
[ ٧ / ٣١٥ ]
دعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب، وقال: أهل رياء وسمعة. فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره، إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل بهذا العلماء من الهدوية والشافعية والحنابلة، قال النووي (١): إذا أَوْلَمَ ثلاثًا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، في الثاني (أ) لا تجب قطعًا، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. وقد حكى صاحب "التعجيز" (٢) في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في "شرحه": أصحهما الوجوب. وبه قطع الجرجاني؛ لوصفه بأنه معروف أو سنة. وذهب الحنابلة إلى الوجوب في اليوم الأول، والثاني سنة، تمسكًا بظاهر الحديث. وأما الكراهة فأطلقها بعضهم لظاهر الحديث، وقال العمراني (٣): يكره إذا كان المدعو في اليوم الثالث هو المدعو في اليوم الأول. وكذا الرُّوياني (٣)، وهذا قريب؛ لأنه إذا كان المدعو كثيرين وهو شاق (ب) جمعهم في يوم واحد، فدعا في كل يوم فريقًا، لم يكن في ذلك رياء وسمعة غالبا، وجنح البخاري إلى أنها لا بأس بالضيافة ولو إلى سبعة أيام حيث قال (٤): باب حق إجابة الوليمة والدعوة، ومن أَوْلَمَ سبعة أيام ونحوه،
_________________
(١) (أ) في الأصل: الثالث. (ب) في جـ: يشق.
(٢) روضة الطالبين ٧/ ٣٣٤.
(٣) الفتح ٩/ ٢٤٣. والتعجيز مختصر للوجيز اختصره وشرحه الإمام تاج الدين عبد الرحيم بن محمد بن يونس الموصلي المتوفى ببغداد سنة إحدى وسبعين وستمائة. ينظر طبقات الشافعية الكبرى ٨/ ١٩١ - ١٩٤.
(٤) الفتح ٩/ ٢٤٣.
(٥) البخاري ٩/ ٢٤٠.
[ ٧ / ٣١٦ ]
ولم يوقت النبي - ﷺ - يومًا ولا يومين. وأشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (١) من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أَبِي دعا الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعا أُبيَّ بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما، فكان أُبيُّ صائما، فلما طعموا دعا أبيّ. وأخرجه البيهقي (٢) من وجه آخر أتم سياقًا منه، وأخرجه عبد الرزاق (٣) من وجه آخر إلى حفصة وقال فيه: ثمانية أيام. وقد أشار إليه البخاري بقوله: [و] (أً) نحوه. لأن القصة واحدة، فإطلاقه حق الإجابة وذكره لهذا يدل على ترجيحه. وقوله: ولم يوقت النبي - ﷺ -. تصريح بإطلاق الإجابة سواء طالت أو قصرت مدة الضيافة، وذهب إلى هذا المالكية، قال عياض (٤): استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا. قال: وقال بعضهم: محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله. وظاهر الحديث الإطلاق، إلا أنه قد يحمل على ما إذا وقع رياء وسمعة، إلا أنه بالغ في ذلك [فجعله] (ب) كله رياء وسمعة -مبالغةً- لما كان ذلك هو الغالب، فإذا أمن الرياء فلا كراهة في الثالث كما وقع من السلف. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: أو. والمثبت من الفتح ٩/ ٢٤٠، ٢٤٢. (ب) في الأصل: فحمله.
(٢) ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٣.
(٣) البيهقي ٧/ ٢٦١.
(٤) عبد الرزاق ١٠/ ٤٤٨ ح ١٩٦٦٥.
(٥) الفتح ٩/ ٢٤٣.
[ ٧ / ٣١٧ ]
٨٦٤ - وعن صفية بنت شيبة قالت: أَوْلَمَ النبي - ﷺ - على بعض نسائه بمُدَّين من شعيرٍ. أخرجه البخاري (١).
هي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحَجَبي من بني عبد الدار بن قصي، اختلف في رؤيتها للنبي - ﷺ -؛ فقيل: إنها لم تره. وكذا جزم ابن سعد وابن حبان بأنها تابعية (٢)، قال الدارقطني (٣): هذا من الأحاديث التي تعد فيما أخرج البخاري من المراسيل. لكن ذكر المزي في "الأطراف" (٤) أن البخاري أخرج في كتاب الحج (٥) عقيب حديث أبي هريرة وابن عباس في تحريم مكة، قال: وقال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة قالت: سمعت النبي - ﷺ - مثله. قال: ووصله ابن ماجه (٦) من هذا الوجه. قال المصنف (٣) رحمه الله تعالى: وكذا وصله البخاري في "التاريخ" (٧). ثم قال المزي: لو صح هذا لكان صريحا في صحبتها، لكن أبان بن صالح (٨) ضعيف. كذا أطلق هنا، ولم ينقل في ترجمة أبان بن صالح
_________________
(١) البخاري، كتاب النكاح، باب من أولم بأقل من شاة ٩/ ٢٣٨ ح ٥١٧٢.
(٢) ابن سعد ٨/ ٤٦٩، وابن حبان في الثقات ٤/ ٣٨٦ في التابعين، وذكرها أيضًا في الثقات ٣/ ١٩٧ في الصحابة.
(٣) الفتح ٩/ ٢٣٩.
(٤) التحفة ١١/ ٣٤٣ ح ١٥٩٠٨.
(٥) كذا في التحفة، والفتح ٩/ ٢٣٩ نقلا عنها. والصحيح -كما في النكت الظراف لحاشية التحفة- أنه في كتاب الجنائز ٣/ ٢١٣. عقب ح ١٣٤٩. والله أعلم.
(٦) ابن ماجه ٢/ ١٠٣٨ ح ٣١٠٩.
(٧) التاريخ الكبير ١/ ٤٥١، ٤٥٢.
(٨) أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهله وابن عبد البر فضعفه. التقريب ص ٨٧.
[ ٧ / ٣١٨ ]
في "التهذيب" (١) تضعيفه عن أحد، بل نقل توثيقه عن يحيى بن معين وأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم، إلا أن ابن عبد البر ضعفه في "التمهيد" (٢) لما ذكر حديث جابر في استقبال قاضي الحاجة القبلة، وكأنه التبس عليه بأبان بن أبي عياش البصري صاحب أنس، فإنه ضعيف باتفاق (٣). وذكر المزي حديث صفية بنت شيبة، قالت: طاف النبي - ﷺ - على بعير يستلم الركن بمحِجن (٤) وأنا أنظر إليه. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٥)، قال المزي: هذا يضعف قول من أنكر أن تكون لها [رؤية] (أ)؛ فإن إسناده حسن.
وقوله: على بعض نسائه. قال المصنف ﵀ (٦): لم أقف على تعيين اسمها صريحًا، وأقرب ما يُفسَّر به: أم سلمة، فقد أخرج ابن سعد (٧) عن شيخه الواقدي بسند له إلى أم سلمة، قالت: لما خطبني النبي - ﷺ -. فذكر قصة تزويجه بها، قالت: فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة، فإذا جرَّة فيها شيء من شعير فأخذته فطحنته، ثم عَصَدته (٨) في
_________________
(١) (أ) في الأصل: جـ: رواية. والمثبت من تحفة الأشراف ١١/ ٣٤٣، والفتح ٩/ ٢٣٩.
(٢) تهذيب الكمال ٢/ ٩ - ١١.
(٣) التمهيد ١/ ٣١٢.
(٤) تقدمت ترجمته في ١/ ٥٤.
(٥) المحجن: عصًا معقّفة الرأس كالصولجان. والميم زائدة. النهاية ١/ ٣٤٧.
(٦) أبو داود ٢/ ١٨٢ ح ١٨٧٨، وابن ماجه ٢/ ٩٨٢ ح ٢٩٤٧.
(٧) الفتح ٩/ ٢٣٩.
(٨) ابن سعد ٨/ ٩١، ٩٢.
(٩) عصدته: أي جعلته عصيدة، وهي دقيق يُلَتُّ بالسمن ويُطبخ. ينظر النهاية ٣/ ٢٤٦.
[ ٧ / ٣١٩ ]
البُرمة، وأخذت شيئًا من إهالة فأدَمته (١)، فكان ذلك طعام رسول الله - ﷺ -. وأخرج ابن سعد أيضًا وأحمد (٢) بإسناد صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن أم سلمة أخبرته. فذكر قصة خطبتها وتزويجها، وفيه: قالت: وأخرجت حبات شعير كانت في جرتي وأخرجت شحما فعصدته له، ثم بات، ثم أصبح. الحديث أخرجه النسائي (٣) أيضًا، لكن لم (أ) يذكر المقصود هنا، وأصله في "مسلم" (٤) من وجه آخر بدونه.
وأما ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥) من طريق شريك عن حميد عن أنس قال: أولم رسول الله - ﷺ - على أم سلمة بتمر وسمن. فهو وهم من شَريك؛ لأنه كان سيئ الحفظ (٦)، [أو] من الراوي عنه -وهو [جَندَل] (جـ)
_________________
(١) (أ) زاد بعده في الأصل: يكن. (ب) في الأصل، جـ: و. والمثبت من الفتح ٩/ ٢٤٠. (جـ) في الأصل: جندلة.
(٢) الإهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، وقيل: هو ما أذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد. وأدَمَتْه: أي خلطه وجعلته إدامًا يؤكل. ينظر النهاية ١/ ٣١، ٨٤.
(٣) ابن سعد ٨/ ٩٣، ٩٤، وأحمد ٦/ ٣٠٧.
(٤) النسائي في الكبرى ٥/ ٢٩٣ ح ٨٩٢٦.
(٥) مسلم ٢/ ١٠٨٣ ح ١٤٦٠.
(٦) الطبراني في الأوسط ٦/ ٤٣ ح ٥٧٤٣.
(٧) تقدمت ترجمته في ٢/ ٢٩٩.
[ ٧ / ٣٢٠ ]
ابن والق (١) - فإن مسلمًا والبزار ضعفاه (٢)، وقواه أبو حاتم الرازي والبستي (٣)، وإنما المحفوظ من حديث حميد عن أنس أن ذلك في قصة صفية. كذلك أخرجه النسائي (٤)، وقد ذكره البخاري (٥) مطولًا في كتاب النكاح عن حميد عن أنس.
ويحتمل أنه أراد ببعض نسائه هو ما وقع في وليمة علي بفاطمة ﵄، وأراد ببعض نسائه؛ أي: من يُنسب إليه من النساء في الجملة، فقد أخرج الطبراني (٦) من حديث أسماء بنت عميعر قالت: لقد أَوْلَمَ علي بفاطمة فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن درعه عند يهودي بشطر شعير. ولعله أريد بمُدَّين من شعير؛ لأن المدين نصف الصاع، فكأنه قال: شطر صاع. فينطبق على القصة (أ) التي في الباب، ويكون نسبة الوليمة إلى رسول الله - ﷺ - مجازية، إما لكونه الذي وفّى اليهودي ثمن شعيره أو لغير ذلك.
وقوله: "بمُدَّين من شعير". قال المصنف رحمه الله تعالى (٧): كذا وقع في رواية كل من رواه عن الثوري فيما وقفت عليه ممن قدمت ذكره، إلا
_________________
(١) (أ) في الأصل: الصفة.
(٢) جندل بن والق التغلبي، أبو علي الكوفي، صدوق يغلط ويصحف. التقريب ص ١٤٣.
(٣) كما في تهذيب التهذيب ٢/ ١١٩، ١٢٠.
(٤) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ٥٣٥ / ٢٢٢٥، والثقات ٨/ ١٦٧.
(٥) النسائي ٦/ ١٣٤ ح ٣٣٨٢.
(٦) البخاري ٩/ ١٢٦ ح ٥٠٨٥.
(٧) الطبراني ٢٤/ ١٤٥، ١٤٦ ح ٣٨٣.
(٨) الفتح ٩/ ٢٤٠.
[ ٧ / ٣٢١ ]
عبد الرحمن بن مهدي فوقع في روايته: بصاعين من شعير. أخرجه النسائي (١) والإسماعيلي (٢) من روايته، وهو وإن كان أحفظ من رواه عن الثوري، لكن العدد الكثير أولى بالضبط من الواحد، كما قال الشافعي في غير هذا، والله أعلم. انتهى.
٨٦٥ - وعن أنس ﵁ قال: أقام النبي - ﷺ - بين خيبرَ والمدينَة ثلاثَ ليالٍ يُبنى عليه بصفية، فدعوتُ السلمينَ إلى وليمته، فما كان فيها من خبزٍ ولا لحمٍ، وما كان فيها إلا أن (أ) أمرَ بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر والأقطَ (٣) والسمنَ. متفق عليه واللفظ للبخاري (٤).
قوله: يُبنَى عليه بصفيةَ. أي: يبنى عليه خباء جديد مع صفية أو بسببها، فالباء بمعنى "مع" للمصاحبة أو السببية، والمراد الاختلاء بصفية، وفيه دلالة على [إيثار] (ب) المرأة الجديدة بثلاثةِ أيام ولو كان في السفر، ولذلك بوب له البخاري: باب البناء بالمرأة في السفر. ويؤخذ من هذه القصة أنه يجوز تقديم الاشتغال بالعمل الخاص قبل الأعمال العامة إذا كان لا
_________________
(١) (أ) ساقطة من: جـ. (ب) في الأصل، جـ: تأثير. والمثبت يقتضيه السياق.
(٢) النسائي في الكبرى ٤/ ١٤٠ ح ٦٦٠٧.
(٣) الإسماعيليّ -كما في الفتح ٩/ ٢٤٠.
(٤) الأقِطُ: لبنٌ مُحمَّض يجمَّد حتى يَستحجر ويُطبخ أو يطبخ به. الوسيط (أق ط).
(٥) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٧/ ٤٧٩ ح ٤٢١٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمَة ثم يتزوجها ٢/ ١٠٤٥ ح ١٣٦٥/ ٨٧.
[ ٧ / ٣٢٢ ]
يفوت به غرض (أ)، والاهتمام بوليمة العرس، وأنها تجزئ من دون الشاة، وإشهار النكاح وإشاعته، وفي القصة أن أبا أيوب حرس النبي - ﷺ - في جميع الليلة التي بنى فيها على صفية خشية عليه منها (١)، والتمر والأقط والسمن، ومجموع هذا إذا خلط بعضه على بعض سمي حيسًا كما جاء في رواية مسلم (٢)، أنه - ﷺ - لما أصبح قال: "من كان عنده فضل زاد فليأتنا به". قال أنس: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل السويق حتى جعلوا من ذلك سَوادًا -بفتح السين المهملة- أي شيئًا كثيرًا حيسًا، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيْس ويشربون من حِياضٍ إلى جَنْبهم من ماءِ السماء. وفي رواية له (٣): فجعل رسول الله - ﷺ - وليمتها التمر والأقط بالسمن، فحِصتِ الأرض أفاحيصَ، أي: حُفرت شيئًا يسيرًا، وجيء بالأنطاع فوضِعت فيها، وجيء بالأقط والتمر والسمن فشَبع الناس.
والأنطاعُ [جمع نِطع] (ب) وفيه أربع لغات مشهورات، فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون [مع] (جـ) فتح الطاء، وتجمع أيضًا على نطوع.
وفي هذه القصة دلالة على أن الإنسان إذا كان يعرف صدق المودة
_________________
(١) (أ) في الأصل: عوض. (ب) في الأصل: جميع. (جـ) في الأصل: من.
(٢) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٤٠.
(٣) مسلم ٢/ ١٠٤٧ ح ١٣٦٥/ ٨٨.
(٤) تقدمت الرواية في حديث الباب.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
وسماحة النفس من صاحبه فلا عليه أن يسأله طعامه.
٨٦٦ - وعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: "إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما بابًا، فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق". رواه أبو داود (١) وسنده ضعيف.
الحديث أخرجه أبو داود قال: حدثنا هناد بن السري عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -. الحديث، وضعَّف سنده.
أما رجال الإسناد فهناد قال الذهبي في "الكاشف" (٢): هناد بن السري أبو السري التميمي الدارمي الحافظ الزاهد عن شريك وعَبثر، وعنه مسلم وأصحاب "السنن الأربع"، والسراج، وكان يقال له: راهب الكوفة. لتعبده. وعبد السلام بن حربٍ [النهدي] (أ) الكوفي أبو بكر المُلَائي (٣) عن أيوب وخُصيف وعطاء بن السائب، وعنه ابن معين وهناد، ثقة عاش ستًّا وتسعين. انتهى.
وأما أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني بفتح الدال واللام مفتوحة
_________________
(١) (أ) في الأصل: المهدي. وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٦٦.
(٢) أبو داود، كتاب الأطعمة، باب إذا اجتمع داعيان أيهما أحق ٣/ ٣٤٣، ٣٤٤ ح ٣٧٥٦.
(٣) الكاشف ٣/ ١٩٩.
(٤) الكاشف ٢/ ١٧١، ١٧٢.
[ ٧ / ٣٢٤ ]
بين ألفين ونون، نسبة إلى دالان بطن من همدان، وثقه أبو حاتم الرازي (١)، وقال أحمد (٢): لا بأس به.
وأبو العلاء داود بن عبد الله الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو، وبعد الدال المهملة المكسورة ياء النسب، وثقه أحمد (٣).
وحميد بن عبد الرحمن [الحميري] (أ) البصري، قال ابن سيرين (٤): (ب هو أفقه ب) أهل البصرة. فرجال الإسناد موثقون، وجهالة الصحابي غير قادحة، [فلم يظهر في وَجْهُ الضعف] (جـ) الذي ذكره المصنف، وللحديث شاهد أيضًا في البخاري (٥) من حديث عائشة ﵂ [قلت] (د): يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا".
الحديث فيه دلالة على أن الأحق (هـ) بالإجابة إذا اجتمع داعيان هو
_________________
(١) (أ) في الأصل: الحبرى. (ب- ب) في ب: هذا ثقة. (جـ) ساقط من: الأصل. (د) في الأصل، جـ: قيل. والمثبت من مصدر التخريج. (هـ) في جـ: الحق.
(٢) الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٧.
(٣) الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٧، وتهذيب الكمال ٣٣/ ٢٧٤، ٢٧٥.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢١٦ ح ١١٨٥.
(٥) تهذيب الكمال ٧/ ٣٨٢.
(٦) البخاري ١٠/ ٤٤٧ ح ٦٠٢٠.
[ ٧ / ٣٢٥ ]
السابق، فإن استويا قدم الجار، والجار على مراتبه (أفي تقديم أ) من كان أقرب بابًا إلى الداعي، فإن استويا قال الإمام يحيى: فإنه يقرع بينهما. قال الإمام المهدي: وكذا من المرجحات كون أحدهما من أهل البيت، وكذا إذا كان أحدهما من أهل العلم والورع والله أعلم. قال الإمام يحيى: وفي إجابة دعوة الذمي عند من أجاز طعامه تردد، الأصح لا تستحب؛ لكراهة طعامهم. قال الإمام المهدي: ولأن في الحضور نوع تعظيم. [انتهى. ويرد عليه أن عموم أحاديث الإجابة شامل فحيث جاز الحضور] (ب) فلا كراهة، وقد أجاب النبي - ﷺ -.
٨٦٧ - وعن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا آكُلُ متكئا". رواه البخاري (١).
الاتكاء مأخوذ من الوكاء، والتاء بدل من (جـ) الواو، والوكاء هو ما يُشد به الكيس أو غيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدَّها بالقعود على الوطاء الذي تحته، ومعناه الاستواء على وطاء متمكنًا. [قال الخطابي (٢): المتكئ هنا هو المتمكن من جلوسه من التربع وشبهه المعتمد على الوطاء تحته. قال: وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متمكن] (ب)، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من
_________________
(١) (أ- أ) ساقط من: جـ. (ب) ساقط من: الأصل. (جـ) ساقط من: جـ.
(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل متكئًا ٩/ ٥٤٠ ح ٥٣٩٨.
(٣) معالم السنن ٤/ ٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه. ومعنى الحديث: إذا أكلت لم أقعد متكئًا فعْلَ [من] (أ) يريد الاستكثار من الأكل، ولكن آكل بُلْغةً؛ فيكون قعودي له (ب) مستوفزًا، ومَن حمَل الاتكاء على الميْل إلى أحد الشقين تأول ذلك على مذهب الطبِّ، بأن ذلك فيه ضرر، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به. والله أعلم.
٨٦٨ - وعن عمر بن أبي سلمة قال: قال (جـ) رسول الله - ﷺ -: "يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يَليك". متفق عليه (١).
الحديث فيه دلالة على شرعية التسمية عند الأكل، وهذا مجمع عليه، وكذا يستحب التحميد، بأن يقول: الحمد لله. في آخره، ويقاس على الطعام غيره من الشراب، قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره، وينبهه عليها، ولو ترك التسمية في ابتداء الطعام عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرهًا أو عاجزًا لعارضٍ كان له أن يسمي، ويقول: باسم الله أوله وآخره. لقوله - ﷺ -: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر الله في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره". رواه أبو داود والترمذي (٢) وغيرهما، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
_________________
(١) (أ) في الأصل: ما. (ب) ساقط من: ب. (جـ) بعده في جـ: إلى.
(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأ كل باليمين ٩/ ٥٢١ ح ٥٣٧٦، ومسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما ٣/ ١٥٩٩ ح ٢٠٢٢/ ١٠٨.
(٣) أبو داود ٣/ ٣٤٦، ٣٤٧ ح ٣٧٦٧، والترمذي ٤/ ٢٥٤ ح ١٨٥٨.
[ ٧ / ٣٢٧ ]
والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء، وسائر المضروبات مستويات (أ) كالتسمية على الطعام فيما [ذكر] (ب)، وتحصل التسمية بقوله: باسم الله. فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم. فأحسن، وسواء في استحباب التسمية الطاهر والجنب والحائض، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن سمى واحد منهم حصَّل أصل السنة. نص عليه الشافعي، ويسْتَدل له بأن النبي - ﷺ - أخبَر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يُذكر اسمُ الله عليه (١). وهذا قد ذكر اسم الله عليه.
وقوله: "كل بيمينك". فيه دلالة على استحباب الأكل باليمين، وكذلك الشرب؛ لحديث ابن عمر: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (٢). وكان نافع يزيد فيها: "ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها" (٣). وهذا إذا لم يكن عذر، فإن [كان عذر منع الأكل والشرب باليمين، من مرض أو جراحة أو غير ذلك] (جـ)، [فلا كراهة] (د).
وفيه دلالة على أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين،
_________________
(١) (أ) ساقطة من: جـ. (ب) في الأصل: ذكره. (جـ) في الأصل: في الشمال. (د) ساقطة من: الأصل، جـ. والمثبت من الفتح ٩/ ٥٢٣.
(٢) مسلم ٣/ ١٥٩٧ ح ٢٠١٧/ ١٠٢، ولفظه: "إن الشيطان يستحل الطعام ألَّا يذكر اسم الله عليه".
(٣) مسلم ٣/ ١٥٩٨ ح ٢٠٢٠/ ١٠٥.
(٤) مسلم ٣/ ١٥٩٩ ح ٢٠٢٠/ ١٠٦.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
وأن للشيطان يدين، وفي رواية مسلم (١): أن رجلًا أكل عند رسول الله - ﷺ - بشماله، فقال: "كل بيمينك". فقال: لا أستطع. قال: "لا استطعت، ما منعه إلا الكبر". قال: فما رفعها إلى فيه.
في الحديث دلالة على [أن] (أ) الأكل بالشمال من المكروهات التي يُدْعَى على فاعلها إذا كان بلا عُذرٍ؛ بل تمردًا ومخالفةً. وفي الأحاديث دلالة على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حالٍ، حتى في حال الأكل، واستحباب تعليمِ الآكل أدب الأكل إذا خالفه.
وقوله: "وكل مما يليك". فيه دلالة على أنه ينبغي [تعليمُ] (ب) حسن العشرة للجليس، [وألَّا] (جـ) يحصل من الإنسان ما يسوء جليسه مما فيه سوء عشرة، وترك مروءة، فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الأمراق وغيرها كالثريد، فإن كان تمرًا [أو] (د) أجناسًا مختلفة، فقد نُقِل إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، فإن ثبت ذلك كان مخصصًا، وإلا كان الأمر على عمومه حتى يثبت مخصص.
وقد أخرج الترمذي (٢) من حديث عكراش بن ذؤيب قال: أُتينا بجَفْنة
_________________
(١) (أ) في الأصل: جواز. (ب) في الأصل: تعلم. (جـ) في الأصل: وأن لا. (د) في الأصل: و.
(٢) مسلم ٣/ ١٥٩٩ ح ٢٠٢١/ ١٠٧.
(٣) الترمذي ٤/ ٢٤٩ ح ١٨٤٨.
[ ٧ / ٣٢٩ ]
كثيرة الثريد والوَذْرِ -جمع وذرة، قطعة من اللحم لا عظم فيها-[فخبطتُ] (أ) بيدي في نواحيها، وأكل رسول الله - ﷺ - من بين يديه، فقبض بيده اليسرى (ب) على يدي اليمنى، ثم قال: "يا عِكْراشُ، كُلْ من موضعٍ واحدٍ، فإنه طعام واحد". ثم أُتينا بطبق فيه ألوان التمر، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يدُ رسول الله - ﷺ - في الطبق، فقال: "يا عِكْراش، كل من حيث شئت، فإنه غيرُ لونٍ واحد". ثم أُتينا بماء فغسل رسول الله - ﷺ - يديه، ومسح بِبَللِ كفَّيه وَجْهه وذراعيه ورأسَه، وقال: "يا عِكْراش، هذا الوضوء مما غَيَّرت النارُ".
فهذا مخصص لذلك، ويخص مما إذا لم يبق تحت [يد] (جـ) الآكل [شيء] (جـ)؛ كان له أن يتبع ذلك ولو من سائر الجوانب، كما أخرج البخاري ومسلم (١) من حديث أنس أن خياطًا دعا النبي - ﷺ - لطعام صنعه، قال: فذهبت مع النبي - ﷺ - فقرَّب خبزَ شعيرٍ ومرقًا فيه دُبَّاء (٢) وقَديدٌ، فرأيت النبي - ﷺ - يتبع الدباء من حوالي القصعة -أي جوانبها- فلم أزل أحب الدباء بعدَ يومئذ.
وقال النووي (٣): يحتمل وجهين:
_________________
(١) (أ) في الأصل: فحطبت. (ب) زاد في الأصل: على يده اليسرى. (جـ) ساقطة من: الأصل.
(٢) البخاري ٩/ ٥٦٢ ح ٥٤٣٦، ومسلم ٣/ ١٦١٥ ح ٢٠٤١/ ١٤٤.
(٣) الدباء: القَرْع، واحدها دبَّاءة. ينظر النهاية ٢/ ٩٦.
(٤) شرح مسلم ١٣/ ٢٢٤.
[ ٧ / ٣٣٠ ]
أحدهما: أن التقدير: من حوالي جوانبه وناحيته من الصحفة، لا من حوالي جميع جوانبها، فقد أمرنا بالأكل مما يلي الإنسان.
والثاني: أن يكون من جميع جوانبها، وإنما نهي عن ذلك لئلا يتقَذَّر الجليسُ، ورسول الله - ﷺ - لا يتقذَّره أحد، بل يتبركون ببصاقِه - ﷺ - وبنُخامته، ويدلكون بذلك وجوههم، وشرب بعضهم بوله، وبعضهم دمه. انتهى.
وما ذكرناه أولى، فإن في قول أنس (١): فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه. دلالة على [تطلبه] (أ) من جميع القصعة لمحبته لأكله، وأما الأكل مما يليه فهو لا يدل على اختصاصه بزيادة المحبة والله أعلم.
ويستثنى أيضًا ألا يأكل من وسط القصعة كما أخرج الترمذي، وقال: حديث صحيح حسن، وابن ماجه، والدارمي (٢) من حديث ابن عباس ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه أتي بقصعةٍ من ثريد فقال: "كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها؛ فإن البركةَ تنزل في وسطها". وفي رواية أبي داود (٣) قال: "إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن يأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل من أعلاها".
_________________
(١) (أ) في الأصل: مطلبه.
(٢) مسلم ٣/ ١٦١٥ ح ٢٠٤١/ ١٤٥.
(٣) الترمذي ٤/ ٢٩٩ ح ١٨٠٥، وابن ماجه ٢/ ١٠٩٠ ح ٣٢٧٧، والدارمي ٢/ ١٠٠.
(٤) أبو داود ٣/ ٣٤٧، ٣٤٨ ح ٣٧٧٢.
[ ٧ / ٣٣١ ]
٨٦٩ - وعن ابن عباس ﵄، أن النبي - ﷺ - أُتي بقصعة من ثريد، فقال: "كُلُوا من جوانبها، ولا تأكُلُوا من وسطها، فإن البركةَ تنزلُ في وسطها". رواه الأربعة (١)، وهذا لفظ النسائي وسنده صحيح. تقَدَّم الكلامُ فيه.
٨٧٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: مَا عابَ رسولُ اللهِ - ﷺ - طعامًا قطُّ، كان إذا اشتَهى شيئًا أكلَهُ، وإن كرِهه تركه. متفق عليه (٢) (ب).
الحديث متفقَ عليه من رواية أبي هريرة من طريق الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة، ورواه مسلم (٣) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي يحيى مولى آل جعدة عن أبي هريرة، وأنكر عليه الدارقطني (٤) هذا الإسناد الثاني وقال: وهو معلَّل. ولكن مسلم (٥) قد بيَّن علته كما وعد في خطبته وذكر الاختلاف فيه، ولهذه العلة لم يذكر البخاري حديث أبي معاوية، ولا خَرَّجه من طريقه، بل خَرَّجه من طريق آخرَ.
_________________
(١) (أ) زاد في الأصل: انتهى.
(٢) أبو داود، كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة ٣/ ٣٤٧، ٣٤٨ ح ٣٧٧٢، والنسائي في الكبرى، كتاب آداب الأكل، باب الأكل من جوانب الثريد ٤/ ١٧٥ ح ٦٧٦٢، وتقدم تخريج رواية الترمذي وابن ماجه في الصحفة السابقة.
(٣) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما عاب النبي طعاما ٩/ ٥٤٧ ح ٥٤٠٩، ومسلم، كتاب الأشربة، باب لا يعيب الطعام ٣/ ١٦٣٢ ح ٢٠٦٤/ ١٨٧.
(٤) مسلم ٣/ ١٦٣٣ ح ٢٠٦٤/ ١٨٨.
(٥) الإلزامات والتتبع للدارقطني ص ١٧٦، ١٧٧.
(٦) شرح مسلم ١٤/ ٢٦.
[ ٧ / ٣٣٢ ]
وفي الحديث دلالة أن من أدب الطعام المتأكَّدِ تركَ عيبه، بأن يقول: هو (أ) مالح، أو قليل الملح، أو حامض، أو رقيق، أو غليظ، أو غير ناضج ونحو ذلك. وأما كراهة النبي - ﷺ - لأكل الضب وتركه له (١)، فليس من عيب الطعام، وإنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا يشتهي أكله، فحكمه بالنسبة إليه حكم مَن يترك أكل الطعام لأجل شِبَعه. والله سبحانه أعلم.
٨٧١ - وعن جابر ﵁ عن النبيِ - ﷺ - قال: "لا تأكلُوا بالشِّمال؛ فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بالشِّمال". رواه مسلم (٢).
في الحديث دلالة على كراهة الأكل بالشمال، وقد تقدم ذلك قريبًا، وفيه دلالة وفي غيره من الأحاديث الصحيحة على ما ذهب إليه الجماهير من العلماء من السلف والخلف، من المحدثين ومن الفقهاء والمتكلمين، أن الشيطان يأكل، وأن هذه الأحاديث على ظواهرها من أنه يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله، والشرع لم ينكره، بل الأشبه قبوله واعتقاده. والله سبحانه أعلم.
٨٧٢ - وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا شَرِب أحدُكم فلا يتنفس في الإناءِ". متفق عليه (٣).
_________________
(١) (أ) في جـ: هذا.
(٢) البخاري ٩/ ٦٦٢ ح ٥٥٣٦، ومسلم ٣/ ١٥٤١ ح ١٩٤٣.
(٣) مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما ٣/ ١٥٩٨، ح ٢٠١٩.
(٤) البخاري، كتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين ١/ ٥٠ ح ١٥٣، ومسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين ١/ ٢٢٥ ح ٢٦٧.
[ ٧ / ٣٣٣ ]
ولأبي داود عن ابن عباس نحوه، وزاد: "أو يَنفخ فيه". وصححه الترمذي (١).
الحديث فيه دلالة على كراهة التنفس في الإناء قبل إبانته من الفم، والعلة في الكراهة خشية أن يُقذّره على غيره، لما عسى أن يَخرج شيءٌ (أمن الفم أ) فيتصل بالماء فيتقَذَّره غيره، وعليه يُحمل حديث أنس، وهو: أنه كان - ﷺ - يتنفس في الشراب ثلاثًا. أي في أثناء الشراب، لا أنه في إناء الشراب، متفق عليه (٢)، وزاد في رواية مسلم: ويقول: "إنه أروى". أي أقمع للعطش "وأبرأ" أي أكثر بُرءًا؛ لما فيه من الهضم، ومن (ب) سلامته من التأثير في برد المعدة، "وأمرأ" أي أكثر مراءة (٣)، لما فيه من السهولة.
وقوله: "أو ينفخ فيه". فيه دلالة على كراهة النفخ في الإناء، وذلك كراهة أن يخرج شيء إلى الإناء من فضلات الفم من ريق أو غيره فيقذِّره على غيره، وفي حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي والدارمي (٤)، أن النبي - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟
_________________
(١) (أ- أ) في جـ: منه. (ب) ساقطة من: جـ.
(٢) أبو داود، كتاب الأشربة، باب في النفخ في الشراب ٣/ ٣٣٧ ح ٣٧٢٨، والترمذي، كتاب الأشربة، باب ما جاء في كراهية النفخ في الشراب ٤/ ٢٩٦ ح ١٨٨٨.
(٣) البخاري ١٠/ ٩٢ ح ٥٦٣١، ومسلم ٣/ ١٦٠٢ ح ٢٠٢٨.
(٤) يقال: مرَّأنى الطعام، وأمرأنى. إذا لم يثَقُل على المعدة وانحدر عنها طيبًا. اللسان (م ر أ).
(٥) الترمذي ٤/ ٢٦٨ ح ١٨٨٧، دون قوله: ثم تنفس، والدارمي ٢/ ١٢٢.
[ ٧ / ٣٣٤ ]
قال: "أهرقها". قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: "فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس".
وفي الشرب ثلاث مرات من حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي (١) قال رسول الله - ﷺ -: "لا تشربوا واحدًا -أي شربًا واحدًا- كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمَدوا إذا أنتم رفعتم".
وقد ورد من مكروهات الشراب الشرب مِن في السقاء، كما في حديث ابن عباس، أخرجه الشيخان (٢): نهى رسول الله - ﷺ - عن (أالشرب من في السقاء. وأخرجا (٣) من حديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن أ) اختناث الأسقية. زاد في رواية (٤): واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب منه. وقد عارض هذا حديث كبشة، قالت: [دخل] (ب) عليَّ رسول الله - ﷺ - فشرب من في قربة معلقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته؛ أي أخذته سقاء نتبرك به ونستشفي به. رواه الترمذي وابن ماجه (٥) وقال الترمذي:
_________________
(١) (أ- أ) ساقط من: جـ. (ب) في الأصل، جـ: دخلت. والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) الترمذي ٤/ ٢٦٧ ح ١٨٨٥.
(٣) البخاري ١/ ٩٠ ح ٥٦٢٩، والحديث ليس عند مسلم، ينظر تحفة الأشراف ٥/ ١٢٧ ح ٦٠٥٦.
(٤) البخاري ١٠/ ٨٩ ح ٥٦٢٥، ومسلم، ٣/ ١٦٠٠ ح ٢٠٢٣.
(٥) مسلم ح ٢٠٢٣.
(٦) الترمذي ٤/ ٢٧٠ ح ١٨٩٢، وابن ماجه ٢/ ١١٣٢، ٣٤٢٣.
[ ٧ / ٣٣٥ ]
حديث حسن غريب صحيح. وقد جمع بين الحديثين بأن النهي إنما هو في السقاء الكبير، والقربة هي صغيرة، أو النهي إنما هو للتنزيه؛ لئلا يتخذ عادة دون الندرة، وعلة النهي أنه قد تكون فيه دابة، فتخرج إلى في الشارب فيبتلعها مع الماء، كما روي أنه شرب رجل من في (أ) السقاء فخرجت [منه] ب حية.
والشرب قائمًا. أخرج مسلم (١) من حديث أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: "لا يشربن (جـ أحد منكم جـ) قائمًا، فمن نسي فليستقئ". وفي [رواية] (د) عن أنس (٢): زجر عن الشرب قائمًا. وفي رواية (٣): نهى عن الشرب قائما، قال قتادة: قلنا: فالأكل؟ قال: أشر وأخبث. وقد عارض عن ابن عباس: سقيت رسول الله - ﷺ - من زمزم فشرب وهو قائم. أخرجه مسلم (٤). وفي رواية أخرى (٥): أن رسول الله - ﷺ - شرب من زمزم وهو قائم. وفي "صحيح البخاري" (٦): أن عليًّا ﵁ شرب قائمًا،
_________________
(١) (أ) سقط من: جـ. (ب) ساقطة من: الأصل. (جـ-جـ) في جـ: أحدكم. (د) في الأصل: روايته.
(٢) مسلم ٣/ ١٦٠١ ح ٢٠٢٦.
(٣) مسلم ٣/ ١٦٠٠ ح ٢٠٢٤ - ١١٢.
(٤) مسلم ٣/ ١٦٠٠ ح ٢٠٢٤ - ١١٣.
(٥) مسلم ٣/ ١٦٠١ ح ٢٠٢٧.
(٦) ينظر مسند البزار ٣/ ٣١.
(٧) البخاري ١٠/ ٨١ ح ٥٦١٥.
[ ٧ / ٣٣٦ ]
وقال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كما رأيتموني فعلت. وأحسن ما قيل في الجمع أن النهي للتنزيه، وفِعْلُه - ﷺ - ذلك لبيان الجواز، فلا يكون مكروهًا، بل هو واجب لتبيين حكم شرعي، وقد جاء مثل هذا في أحكام كثيرة، فقد يفعل ذلك النبي - ﷺ - مرة أو مرتين على حسب ما يقتضيه الحال من البيان، ويواظب على الأفضل فيستحب لمن شرب قائمًا التقيؤ للحديث الصحيح [الوارد] (أ) في ذلك سواء كان عامدًا أو ناسيًا، ولا وجه لقول عياض: إنه لا خلاف بين أهل العلم أن مَن شرب ناسيًا ليس عليه أن يتقيأ. فإن هذا على وجه (ب) الاستحباب لا الوجوب، وفي كلامه مغالطة بما يفهم أن ذلك واجب، فإن الأمر إذا وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب صح ذلك. وذِكْرُ الناسي في الحديث محمول على ما هو الأولى بالعاقل، أنه إذا وقع منه ذلك نادرًا فلا يكون إلا على جهة النسيان لا العمد، وإلا فالعامد كالناسي.
ومن المكروهات الشرب من ثُلْمَة القدح، وهو موضع الكسر منه. وقد أخرج أبو داود (١) من حديث أبي سعيد الخدري: نهى رسول الله - ﷺ - عن الشرب من ثُلْمَة القدح، وأن ينفخ في الشراب. وعلة النهي أنها لا تتماسك عليها شفة الشارب، فإذا شرب منها تصبب الماء على وجهه وثوبه، أو لأنه يجتمع فيها الوسخ (جـ).
_________________
(١) (أ) ساقطة من: الأصل. (ب) في جـ: جهة. (جـ) زاد في جـ: وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث أنه مقعد الشيطان ولعل من إيذاء الشيطان وتلعبه.
(٢) أبو داود، ٣/ ٣٣٦ ح ٣٧٢٢.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
ومن آداب الشرب أنه إذا كان عند الشارب جلساء، وأراد إدارته عليهم بدأ بالأيمن كما أخرج الشيخان (١) من حديث أنس، أنه أعطى رسول الله - ﷺ - القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر: أعط أبا بكر يا رسول الله، فأعطى الأعرابي الذي عن يمينه ثم قال: "الأيمن فالأيمن". وفي رواية: "الأيمنون الأيمنون، ألا فيمِّنوا". وأخرجا (٢) من حديث سهل بن سعد، قال: أتي النبي - ﷺ - بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، هو عبد الله بن عباس، والأشياخ عن يساره، فقال: "يا غلام، أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟ " فقال: ما كنت لأوثِر بفضل منك أحدًا يا رسول الله. فأعطاه إياه.
_________________
(١) البخاري ١٠/ ٧٥، ٨٦ ح ٥٦١٢، ٥٦١٩، ومسلم ٣/ ١٦٠٣ ح ٢٠٢٩.
(٢) البخاري ١٠/ ٨٦ ح ٥٦٢٠، ومسلم، ٣/ ١٦٠٤ ح ٢٠٣٠.
[ ٧ / ٣٣٨ ]