١٧٤ - عن أبي جُهَيْم بن الحارث قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لو يعلم المارُّ بين يَدَي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أنْ يمرَّ بين يديه". متفق عليه، واللفظ للبخاري (١)، ووقع في البزار (٢) من وجه آخر "أربعين خريفا".
هو أبو جُهَيْم (٣) -بضم الجيم وفتح الهاء، وسكون الياء- عبد الله بن جهيم فيما ذكره وكيع، وقيل هو عبد الله بن الحارث بن الصمّة الأنصاري، له حديثان أحدهما هذا والآخر في السلام على مَنْ يبول (٤)، أخرجه البخاري ومسلم ونسبه أبو داود فقال: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة ولم يذكر اسمه (٥)، وابن عبد البر (٦) قال: راوي حديث السترة هو عبد الله بن جُهَيْم، وراوي حديث السلام هو عبد الله بن الحارث ويقال له أبو جهيم وابن جهيم، وابن منده قال: اسمه عبد الله بن جُهيم ويقال: عبد الله بن الحارث فجعلهما واحدًا وروى الحديث عنه، وقال مسلم في "كتاب الكنى" (٧): قال أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: وقال وكيع: اسمه عبد الله بن جهيم، والله أعلم.
_________________
(١) البخاري الصلاة باب إثم المار بين يدي المصلي ١/ ٥٨٤ ح ٥١٠، ولفظ (من الإثم) عند الكشميهني فقط، ومسلم الصلاة باب منع المار بين يدي المصلي ١/ ٣٦٣ ح ٢٦١ - ٥٠٧، أبو داود الصلاة باب ما ينهى عنه في المرور بين يدي المصلي ١/ ٤٤٩ ح ٧٠١، الترمذي الصلاة باب ما جاء في كراهية المرور بين يدي المصلي ٢/ ١٥٨ ح ٣٣٦، النسائي القبلة التشديد في المرور بين يدي المصلي ٣/ ٥٢، وابن ماجه إقامة الصلاة والسنن فيها باب المرور بين يدي المصلي ١/ ٣٠٤ ح ٩٤٥.
(٢) مجمع الزوائد باب فيمن يمر بين يدي المصلي ٢/ ٦١. وعزاه للبزار.
(٣) الاستيعاب ١١/ ١٨١، الإصابة ١١/ ٦٨.
(٤) البخاري ١/ ٤٤١ ح ٣٣٧، مسلم معلقا ١/ ٢٨١ ح ١١٤ - ٣٦٩.
(٥) أبو داود ١/ ٢٣٣ ح ٣٢٩.
(٦) في الاستيعاب فرق بين أبي جهم عبد الله بن جهم الأنصاري، فروى حديث المرور، وأبي الجهيم مصغرا ويقال أبو الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري روى حديث التيمم والسلام على من يبول الاستيعاب ١١/ ١٧٩ - وما بعدها.
(٧) الكنى ١/ ١٩٥.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
الحديث فيه دلالة على تحريم المرور بين يدي المصلي فإن المعنى أَنَّ المارَّ لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أَنْ يَقِفَ المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
قال المصنف -﵀-: ومقتضى ذلك أن يُعَدَّ في الكبائر، وهو صريح في تحريم المرور، ويُقَاسُ عليه القعود والاضطجاع ونحو ذلك بجامع شغله المصلي (١) بذلك (أ)، وظاهره عموم كل مُصَلٍّ سواء كان فرضا أو نفلا، إمامًا أو مأموما أو منفردا، وخصه بعض المالكية (٢) بالإِمام والمنفرد لا المؤتم، إذ سترة إمامه سترة له والتعليل غير مناسب إذ السترة إنما تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار (ب).
وقوله (٣): "بين يدي المصلي" أي أمامه بالقرب وعَبَّر باليدَيْن لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في مقدار ذلك فقيل إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قَدْر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية بحجر.
وقوله: "ماذا عليه من الإثم" لم تقع هذه اللفظة إلا في رواية الكشميهني "من الإثم"، وليست هذه من رواية غيره، والحديث في "الموطأ" بدونها.
_________________
(١) (أ) في هـ: بالفاء. (ب) في جـ: الإمام.
(٢) لكن ظاهر الحديث يختص بمن مر وإن قصد التشويش فالقياس جائز.
(٣) جواهر الإكليل ١/ ٥٠.
(٤) قلت: الحرج متعلق بالمار لكون الوعيد فيه. والحرج لم يسلم منه المصلي حيث أمر بدفعه وكذلك الأمر بالسترة لكن هل الأمر للوجوب أو الاستحباب. وقد قسم بعض الفقهاء المرور على أربع صور: أ) أن يكون للمار مندوحة ولم يتعرض المصلي لذلك فيختص المار بالإثم. ب) أن يكون للمصلي تعرض للمرور وليس للمار مندوحة يختص المصلي بالإثم. جـ) أن يكون للمصلي تعرض للمرور وللمار مندوحة فيأثمان جميعا. د) أن لا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة فلا يأثمان جميعا. إحكام الأحكام ٢/ ٤٥٠ - ٤٥١.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
قال المصنف (١): قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيءٍ من الروايات مطلقا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة" (٢): "يعني من الإِثم"، فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلًا لأنه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفاظ، وقد عزاها المحب الطبري في "الأحكام" (٣) للبخاري وأطلق فعِيب عليه ذلك وعلى صاحب "العمدة" (٤) في إيهامه أنها (أ) من الصحيحَيْن، وقال ابن الصلاح (٥): ليس "من (ب) الإِثم" في الحديث صريحا، وقال النووي في "شرح المهذب" (٦): وفي رواية رويناها في "الأربعين" لعبد القادر الرهاوي: "ماذا عليه من الإِثم".
وقوله: "لكان أن يقف" جواب لو، وليس بمحذوف كما زعمه الكرماني (٧)، وقال: تقديره: لوقف أربعين لكان خيرا له، "وخير" منصوب خبر كان في رواية المصنف للبخاري، وفي رواية الترمذي بالرفع على أنها اسم كان، وفيه كون الخبر معرفة والاسم نكرة، وهو قليل، ويحتمل أن يكون في كان ضمير الشأن.
_________________
(١) (أ) في جـ: في. (ب) في جـ: نفي.
(٢) الفتح ١/ ٥٨٥.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٢ من حديث عبد الله بن عكيم.
(٤) الفتح ١/ ٥٨٥.
(٥) العمدة مع تيسير العلام ١/ ٢٥٢.
(٦) الفتح ١/ ٥٨٥. وعزاه إلى مشكل الوسيط.
(٧) المجموع ٣/ ٢١٠، ٢١١.
(٨) الكرماني ٤/ ١٦٣.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وفي زيادة البزار (١) تعيين (أ) المبهم في الحديث، وفي سياق البخاري دلالة على أن الإِبهام لشك الراوي قال: قال أبو النضر: "لا أدري أربعين يوما أو شهرا أو سنة" (٢)، وفي ابن ماجه (٣) وابن حبان من حديث أبي هريرة: "لكان (أأن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها"، وفي هذه الرواية إشعار بِأنَّ ذِكْر أ) الأربعين لمجرد المبالغة لا لتحقيق خصوص عدد، وجنح الطحاويّ (٤) إلى أنَّ التقييد بالمائة متأخر عن التقييد بالأربعين زيادة في تعظيم الإِثم على المار.
فائدة: وقع في رواية أبي العباس السرَّاج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النضر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلَّى" فحمله بعضُهم على ما إذا قصر المصلي في دفع المار، أو بأن صلى في شارع، ويحتمل أن يكون قوله "والمصلَّى" بفتح اللام أي بين يدي المصلي من داخل سترته وهذا أظهر، والله أعلم.
_________________
(١) (أ، أ) بهامش هـ.
(٢) مجمع الزوائد ٢/ ٦١.
(٣) البخاري ١/ ٥٨٤ ح ٥١٠.
(٤) ابن ماجة ١/ ٣٠٤ ح ٥٤٦، وابن حبان ١١٧ ح ٤١٠ (موارد) وفيه مقال لأن فيه عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي قال أبو حاتم: صالح الحديث وقال الحافظ: ليس بالقوي. التقريب ٢٢٦، الخلاصة ٢٥١، وفيه عبيد الله بن عبد الله بن موهب أبو يحيى التيمي المدني، قال أحمد: أحاديثه مناكير لا يعرف لا هو ولا أبوه، وثقه ابن حبان وقال: إنما وقع في المناكير في حديث أبيه من قبل أبيه يحيى. الميزان ٣/ ١١، الثقات ٥/ ٧٢.
(٥) الفتح ١/ ٥٨٥.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
١٧٥ - وعن عائشة - ﵂ - قالت: "سُئل رسول الله، - ﷺ -، في غزوة تبوك عن سُترة المصلي فقال: مثل مُؤْخِرَة الرَّحْل" أخرجه مسلم (١).
المُؤْخِرَة: بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء ويقال: بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء (أ) ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء، ويقال "آخِرَة الرحل" بهمزة ممدودة وكسر الخاء فهذه أربع لغاتْ، وهي العود الذي في آخر الرحل (٢).
وهذا الحديث تضمن بيان أنَّ أقَّل السُّتْرَة مثل مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع وهي ثُلُثَا ذراع، ويحصل بأي شيءٍ أقامه بين يديه سواء غَلُظَ أو رَقَّ كما سيأتي في قوله: (ب) "ولو بسهم".
وشرط مالك أن يكون مثل غلظ الرمح (٣) ويكون بين المصلِّي وبين السترة قدر ممر الشاة، وقيل أكثر من ذلك، ثلاثة أذرع لحديث بلال: "أن النبي، - ﷺ -، صلَّى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع" (٤) وجمع الداودي بأن أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم بأنَّ الأول في حال القيام والقعود والثاني في حال الركوع والسجود، وقال ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع (٥).
_________________
(١) (أ) ساقطة من هـ. (ب) في جـ: قولهم.
(٢) مسلم الصلاة باب سترة المصلي ١/ ٣٥٨ ح ٢٤٣ - ٥٠٠، النسائي كتاب القبلة سترة المصلى ٢/ ٤٨ (بلفظه)، البيهقي الصلاة باب ما يكون سترة المصلي ٢/ ٦٨.
(٣) شرح مسلم ٢/ ١٣٤، ١٣٥.
(٤) في المدونة قلنا لمالك: إذا كان السوط ونحوه فكره وقال لا يعجبني هذا ١/ ١٠٩. وقال ابن عبد البر: وأقل السترة ذراع في غلظ رمح. الكافي ١/ ٢٠٩، التمهيد ٤/ ١٩٨.
(٥) حديث ابن عمر: " .. فيمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع صلى يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي صلى فيه". البخاري ١/ ٥٧٩ ح ٥٠٦.
(٦) الفتح ١/ ٥٧٥.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قال المصنف (١) -رحمه الله تعالى-: ولا يخفى ما فيه.
وقال البغوي (٢): استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قَدْر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنوّ منها.
وفيه بيان الحكمة في ذلك وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: "إذا صلَّى أحدُكم إلى سترة فلْيَدْنُ منها، لا يقطع الشيطانُ عليه (أ) صلاتَه" (٣).
١٧٦ - وعن سَبْرة بن معبد الجهني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لِيَسْتَتِرْ أحدُكم في الصلاة لَوْ بسهَم" أخرجه الحاكم (٤).
هو أبو ثُرَيَّة (٥) -بضم الثاء المثلثة وفتح الراء وتشديد الياء تحتها نقطتان، ويقال بفتح الثاء وكسر الراء، والأول أكثر -سبرة بن معبد- ويقال (ب): ابن عوسجة- الجهني، سكن المدينة وهو والد الربيع بن سبرة، روى عنه الربيع، وعداد في المصريين، و(جـ) سَبْرة: بفتح السين وسكون الباء الموحدة.
_________________
(١) (أ) في جـ: عليه الشيطان. (ب) في هـ زيادة: سبرة. (جـ) الواو ساقطة من جـ.
(٢) الفتح ١/ ٥٧٥.
(٣) شرح السنة ٢/ ٤٤٧.
(٤) أبو داود ١/ ٤٤٦ ح ٦٩٥، النسائي ٢/ ٤٩، أحمد ٢/ ٤، الحاكم ١/ ٢٥١ ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وحَسَّنَ إسنادَه ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ١٩٥، وقال ابن القيم: رجاله مسلم. تهذيب السنن ١/ ٣٤٢.
(٥) الحاكم الصلاة ١/ ٢٥١، أحمد ٣/ ٤٠٤، البيهقي الصلاة باب ما يكون سترة المصلي ١/ ٢٧٠، التاريخ الكبير ٤/ ٢٧٠، الطبراني ٧/ ١٣٤، مسند أبي يعلى ٢/ ٢٣٩ ح ٩٤١، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح المجمع ٢/ ٥٨.
(٦) الاستيعاب ٤/ ١٢٩، الإصابة ٤/ ١٢١.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الحديث دل على الأمر بالسترة في الصلاة، وهو محمول على الندب بقرينة ما ذكر في سائر الأحاديث أنه لا يقطع الصلاة شيْءٌ مع السترة، وقطعها مع عدم السترة.
وقوله: "ولو بسهم" فيه دلالة على أنه تُجزئُ السترة سواء غلظت أو رقت (١).
قال العلماء الحكمة في السترة كَفّ البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه (٢)، والمستحب أن يجعل السترة عن يمينه أو (أ) شماله ولا يصمد إليها، والله أعلم.
١٧٧ - عن أبي ذَرٍّ - ﵁ - قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "يقطعُ صلاةَ المرءِ المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مُؤْخِرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود " الحديث، وفيه: "الكلب الأسود شيطان" أخرجه مسلم (٣).
وله عن أبي هريرة نحوه دون الكلب (٤).
_________________
(١) (أ) في هـ: أو عن.
(٢) يدل على ذلك حديث ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها قال: "ما رأيتُ رسول الله، - ﷺ -، يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدا" أبو داود ١/ ٤٤٥ ح ٦٩٣. والحديث فيه مقال لأن راويه الوليد بن كامل بن معاذ البجلي أبو عبيدة الشامي لين الحديث، التقريب ٣٧١، الكاشف ٣/ ٢٤١، وفيه أيضًا ضباعة بنت المقداد بن الأسود لا تُعرف. التقريب ٤٧٠.
(٣) القبس ١/ ٣٥٠.
(٤) مسلم بمعناه الصلاة باب قَدْر ما يستر المصلي ١/ ٣٦٥ ح ٢٦٥ - ٥١٠، أبو داود نحوه الصلاة باب ما يقطع الصلاة ١/ ٤٥٠ ح ٧٠٢، الترمذي: الصلاة باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة ٢/ ١٦١ ح ٣٣٨. النسائي نحوه القبلة باب ذِكْر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة ٢/ ٥٠، ابن ماجه نحوه باب إقامة الصلاة باب ما يقطع الصلاة ١/ ٣٠٦ ح ٩٥٢.
(٥) حديث أبي هريرة، مسلم ١/ ٣٦٥، ح ٢٦٦ - ٥١١ وفيه ذكر الكلب.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس (١) نحوه دون آخره، وقيد المرأة بالحائض. هو جُنْدُب -بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضًا- (أابن جُنَادة -بضم الجيم وتخفيف النون أ)، ويقال: جندب بن السكن- بن كعب بن سفيان بن عبيد بن حرام، ويقال: عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار الغفاري (٢)، وفي نسبه واسمه اختلاف كثير، وهو من أعلام الصحابة وزهادهم والمهاجرين، وهو أول من حَيَّا النبي - ﷺ - بتحية الإِسلام" (٣)، وأسلم قديما بمكة يُقال: كان خامسا في الإِسلام، ثم انصرف إلى قومه فأقام فيهم إلى أن قدم المدينة على النبي - ﷺ - بعد الخندق، ثم سكن الربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وصلى عليه ابن مسعود، ويقال: إن ابن مسعود مات بعده بعشرة أيام وكان أبو ذر يتعبد قبل مبعث النبي، - ﷺ -، روى عنه ابن عباس وأنس بن مالك وعُبادة بن الصامت وزيد بن وهب وأبو إدريس الخولاني وقيس بن أبي حازم وخلق سواهم.
الحديت فيه دلالة على أنَّ الصلاة يقطعها هذه المذكورات إذا لم يكن ثَمَّ سُترة، والقطع ظاهر في إبطال الصلاة، وقد ذهب إلى أن هذه المذكورات تقطعها جماعةٌ، وقال عطاء (٤): تقطعها المرأةُ والكلب الأسود دون الحمار (ب)، وقال أحمد (٥): يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار شيءٌ.
وذهب الجمهور (٦) إلى أنه لا يقطعها شيء، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد
_________________
(١) (أ، أ) بهامش هـ. (ب) الواو ساقطة من جـ.
(٢) حديث ابن عباس رواه أبو داود الصلاة باب ما يقطع الصلاة ١/ ٤٥٢ ح ٧٠٣، النسائي ٢/ ٥٠، ابن ماجه ١/ ٣٠٥ ح ٩٤٩.
(٣) طبقات ابن سعد ٤/ ٢١٩ - ٢٣٧، حلية الأولياء ١/ ١٥٦، الإصابة ١١/ ١٨٨.
(٤) صحيح مسلم من حديث طويل وفيه: " .. فكنتُ أنا أولي مَنْ حَيَّاه بتحية الإسلام" ٤/ ١٩١٩ - ١٩٢٢ ح ١٣٢ - ٢٤٧٣.
(٥) المغني ٢/ ٢٥٠.
(٦) المغني ٢/ ٢٤٩ ورواية أخرى عن أحمد: الكلب الأسود والمرأة إذا مرت والحمار. ٢/ ٢٥٠.
(٧) المغني ٢/ ٢٥٠، المجموع ٣/ ٢١١، ٢١٢، شرح فتح القدير ١/ ٤٠٤.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، وبعضهم (١) ذهب إلى أن هذا منسوخ بحديث أبي سعيد: "لا يقطع الصلاة شيءٌ" وسيأتي، وهذا غير مرضيّ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا حيث تعذر الجمع بين الحديثَيْن وعلم التاريخ، وهما مفقودان، إذ الجمع بالتأويل المذكور ممكن ولا تاريخ هنا، وأيضًا لا يستقيم على القول ببناء العام على الخاص إذ (أ) على القول به هذا الحديث المذكور في الكتاب خاص بأن هذه المذكورات تقطع، وحديث أبي سعيد عام والعمل بالخاص فيما يتأوله مع أنه سيأتي بيان ضعف ذلك (٢).
ووجه قول أحمد أنه ورد حديث اعتراض عائشة (٣) في قبلة النبي، - ﷺ -، وهو يصلي وإذا سجد غمزها فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما، وفي الحمار حديث ابن عباس بمروره راكبا على الحمار بين يدي الصف، والنبي، - ﷺ -، يصلي بهم في منى (٤)، ولم يأمر النبي، - ﷺ -، بإعادة الصلاة ولا سأل أحد من الصحابة النبي، - ﷺ -، في ذلك، وإنما لم يجزم بالقول بعدم القَطْع في حق الحمار لاحتمال أن النبي - ﷺ - لم يشعر بذلك وإن سترة الإمام سترة للمأموم، وبقي الحديث في الكلب الأسود غير معارض فوجب العمل به.
ولعل وجه قول عطاء بأن المرأة والكلب يقطعانها دون الحمار حديث ابن عباس في حق الحمار ولعله قول في اعتراض عائشة أن ذلك في نفل وهو يغتفر فيه من النقص ما لا يغتفر في الفرض، أو أن ذلك حكاية فعل الغمز ولم يحك أنه (ب) اجتزأ بما اعترضت فيه، ولعله أعاد ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في جـ: أو. (ب) في هـ: بأنه.
(٢) الشافعية. وقد أطال النووي النفس في الكلام على بطلانه، المجموع ٣/ ٢١٣.
(٣) في ح ١٧٨.
(٤) البخاري ١/ ٥٨٨ ح ٥١٣.
(٥) البخاري ١/ ٥٧١ ح ٤٩٣.
[ ٢ / ٣٦١ ]
[أو أنه يغتفر اعتراض الراقد ما لا يغتفر في القاعد والماشي لقلة تشويشه دونهما، وفي رواية النسائي (١) عن عائشة لحديثها في اعتراضها في قبلة النبي - ﷺ -: "فأكره أن أقوم فأمر بين يديه فأنسل انسلالا" فظهر أنها كرهت القيام بين يديه دون الاعتراض والله أعلم] (أ).
وقد ورد أنه يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار واليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير وهو ضعيف (٢).
١٧٨ - وعن أَبي سعيد الخُدْرِيّ - ﵁ - قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "إذا صلى أَحَدُكُم إلى شيءٍ يستره (ب) من الناس وأراد أحد أن يجتاز بين يديه فلْيَدْفَعْه فإنْ أَبَى فلْيُقاتِلْهُ، فإنَّما هو شيطانٌ" متفق عليه (٣).
وفي رواية: "فإنَّ معهُ القَرِين" (٤).
_________________
(١) (أ) بهامش الأصل. (ب) في الأصل: ليستره، والصحيح المثبت.
(٢) النسائي ١/ ٥١.
(٣) أخرج أبو داود أن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخزير واليهودي والمجوسي والمرأة ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفه بحجر" ١/ ٤٥٣ ح ٧٠٤، قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء: كنت أذاكر به إبراهيم وغيره فلم أر بأحدٍ جاء به عن هشام ولا يعرفه. وأحسب الوهم من ابن أَبي سمينة يعني محمد بن إسماعيل البصري مولى بنى هاشم والمنكر فيه ذكر المجوس وفيه: "على قذفه بحجر" وذكر الخنزير وفيه نكارة، قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل بن سمينة وأحسبه وهم لأنه كان يحدثنا من حفظه، سنن أبي داود ١/ ٤٥٣، ٤٥٤.
(٤) البخاري الصلاة باب يَرُدُّ المصلي من مر بين يديه ١/ ٥٨١ ح ٥٠٩ وفيه قصة واللفظ له، مسلم الصلاة باب منع المار بين يدي المصلي ١/ ٣٦٢ ح ٢٥٩ - ٥٠٥ م، أبو داود الصلاة باب ما يؤمر المصلي أن يدرء عن الممر بين يديه ١/ ٤٤٧ ح ٦٩٧، النسائي القبلة التشديد في المرور بين يدي المصلي وسترته ٢/ ٥٢، ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب إدراء ما استطعت ١/ ٣٠٦ ح ٩٥٤، أحمد ٣/ ٣٤.
(٥) رواية: "فإن معه القرين" من رواية أبي سعيد في السنن الكبرى ٤/ ١٥٠٧ ح ٧٤٧، ومن رواية عبد الله بن عمر عند مسلم ١/ ٣٦٣ ح ٢٦٠ - ٥٠٥، وابن ماجه ١/ ٣٠٧ ح ٩٥٥.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
الحديث يدل بحسب مفهومه أنه إذا لم يستتر المصلي بشئٍ فليس له أن يدفع المار هذا الدفع لتقصيره، وكذا إذا تباعد عن السترة، وقد نَصَّ على هذا بعض الشافعية (١).
وقوله: "فليدفعه" وفي رواية لمسلم: "فليدفع في نحره" (٢) قال القرطبي (٣): أي بالإِشارة ولطيف المنع.
وقوله: "فليقاتله": أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول. قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة من الإقبال عليها والاشتغال بها والخشوع فيها. انتهى.
وأطلق جماعةٌ من الشافعية (٤) إلى أن له أن يقاتله حقيقة، واستبعد ابن العربي (٥) ذلك في "القبس" وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، وقال الباجي: المراد بالمقاتلة (٦): اللعن والتعنيف، وتعقب بأن الكلام يفسد الصلاة بخلاف الفِعل اليسير، وأجيب بأنه إنما يفسد إذا كان مخاطِبًا وهو يأتي به هنا على جهة الدعاء، لكن فعل أبي سعيد مع الشاب الذي دفعه وهو راوي الحديث قرينة أن المقاتلة على ظاهرها بالفعل لا بالقول، وقد روى الإسماعيلي في هذا الحديث: " فإنْ أَبَى فليجعل يده في صدره وليدفعه" (٧). ونقل البيهقي عن الشافعي (أأن المقاتلة مراد بها دفع أَشَدّ من الدفع الأول، قال أصحاب الشافعي (٨): يرده أ) بأسهل الوجوه
_________________
(١) (أ، أ) بهامش هـ.
(٢) المجموع ٣/ ٢١١.
(٣) مسلم ١/ ٣٦٢ ح ٢٥٩ - ٥٠٥ م.
(٤) المفهم ل ١١٨.
(٥) الفتح ١/ ٥٨٢، المجموع ٣/ ٢١١.
(٦) القبس ١/ ٣٥٥، ٣٥٦.
(٧) المنتقى ١/ ٢٧٥ وذكر معاني أخرى للمقاتلة.
(٨) الفتح ١/ ٥٨٣.
(٩) المجموع ٣/ ٢١٢.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
فإن أَبَى فبأشد ولو أدى إلى قتله ولا شيء عليه، لأن الشارع أباح له مقاتلته فلا ضمان عليه كمقاتلة الصائل. ونقل عياض (١) الخلاف عندهم في وجوب الدية في هذه الحالة، ونقل ابن بطال (٢) وغيره كالقاضي عياض الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشدّ في إبطال الصلاة من المرور، وذهب الجمهور (٣) أنه إذا مَرَّ ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده لأن فيه إعادة للمرور، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنّ له ذلك (٤)، ويمكن حمله على ما إذا رده فامتنع وتمادى لا حيث يُقَصِّر المصلي في الرد، قال النووي (٥): ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع بل صَرَّح أصحابُنَا بأنه مندوب.
قال المصنف -﵀ (٦) -: قد صرح بوجوبه أهل الظاهر، وكأن النووي لم يطلع على خلافهم أو لم يعتد به. انتهى (٧).
وقوله "إنما هو شيطان": أي: فِعله فعل الشيطان من التشويش على المصلي.
وفي الحديث دلالة على جواز إطلاق هذا اللفظ على من فُتِنَ في الدين كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٨) والظاهر أنه من باب التشبيه البليغ لأنَّ الشيطان حقيقة في المتمرد من الجن، ويحتمل أنْ يكون المعنى: فإنما الحامل له
_________________
(١) شرح مسلم ٢/ ١٤١، ١٤٢.
(٢) شرح ابن بطال باب يرد المُصلِّي من مر بين يدي المُصَلّي.
(٣) المغني وعزاه إلى الثوري والشعبي وإسحاق وابن المنذر. وعزاه ابن حجر إلى الجمهور، المغني ٢/ ٢٤٧، الفتح ١/ ٥٨٤.
(٤) عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: كان ابن مسعود إذا مر أحدٌ بين يديه وهو يصلي التزمه حتى يرده ويقول: إنه يقطع نصف صلاة المرء مرور المرء بين يديه، مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٢.
(٥) شرح مسلم ٢/ ١٤١.
(٦) الفتح ١/ ٥٨٤.
(٧) قلت: بل صرح الإمام النووي أنه لا يعتد بقول داود في الإجماع والخلاف لإخلاله بالقياس وهو أحد شروط المجتهد. شرح مسلم ٤/ ٧٦٤.
(٨) الآية ١١٢ من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
على ذلك الشيطان، ويدل على هذا ما وقع في رواية الإِسماعيلى: "فإن معه الشيطان" (١)، ورواية مسلم: "فإن معه القرين" (٢). واستنبط ابن أبي حمزة من هذا أن الأمر بالمقاتلة المراد به المدافعة اللطيفة، لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة منه.
واختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالمدافعة، فقيل: إنها (أ) لدفع الإِثم عن المار، وقيل لخلل يقع في الصلاة، والأخير أرجح (٣) إذ اشتغال المصلي بصلاته أهم من دفعه الإِثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شيبة (٤) عن ابن مسعود: إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، وروى أبو نعيم عن عمر: "لَوْ يَعلَمُ المصلِّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلا إلى شيءٍ سَتَره (ح) من الناس". والأثران يُؤَيِّدَان الأخير ولهما حكم الرفع، والله أعلم.
١٧٩ - وعن أَبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإنْ لم يجد فلينصِب عَصًا، فإن لم يكن فليخط خطا، ثم لا يضره من مَرَّ بين يَدَيْه" أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن حبان (٥)، ولم يُصب مَنْ زعم أنه مضطرب بل هو حسن.
الزاعم بأنه مضطرب ابن الصلاح حيث أورده مثالا للمضطرب (٦).
_________________
(١) (أ) في هـ: بأنها. (ب) في هـ وجـ: يستره.
(٢) الفتح ١/ ٥٨٣.
(٣) مسلم ١/ ٣٦٢ ح ٢٥٩ - ٥٠٥ م.
(٤) قال الصنعاني: ولو قيل إنهما لهما معا لما بعد فيكون لدفع الإثم عن المار الذي أفاده حديث "لو يعلم .. "، ولصيانة الصلاة عن النقصان الذي أفاده حديث عمر.
(٥) ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٢.
(٦) أحمد ٢/ ٢٥٥، ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما يستر المصلي ١/ ٩٤٣ ح ٣٠٣، أبو داود الصلاة باب الخط إذا لم يجد عصا ١/ ٤٤٣ ح ٦٨٩، ابن حبان الإمامة باب السترة للمصلي ١١٧ ح ٤٠٧ (موارد)، البيهقي الصلاة باب الخط إذا لم يجد عصا ٢/ ٢٧٠.
(٧) علوم الحديث ٨٥.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
قال المصنف -﵀ (١) -: وقد نوزع في ذلك كما بينته في "النكت" (٢)، وقد ذكره الشافعي في القديم، وأخرجه أبو داود والبيهقي وصححه أحمد وابن المديني فيما نقله ابن عبد البر (٣) في "الاستذكار"، وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة (٤) والشافعي (٥) والبغوي (٦) وغيرهم، وقال الشافعي (٧) في البويطي: ولا يخط المصلي بين يديه خَطًّا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت، وكذا قال في "سنن حرملة"، ورواه المزني في المتوسط عن الشافعي وهو من الجديد فلا اختصاص له بالقديم.
والحديث يدل على أن السترة تجزئ من أي شيءٍ، وقد ورد في الصحيحَيْن من حديث ابن عمر (٨) "أن النبي، - ﷺ -، كان يعرض راحلته فيصلي إليها" أي: ينيخها بالعَرْض من القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من يمر بين يَدَيْه.
وفي ذلك الحديث قلت: أفرأيت إذا هبت الركاب، أي قامت والركاب جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده راحلة. قال: كان يأخذ الرحل فيعد له فيصلي إلى آخرته وقد تقدم ذلك.
_________________
(١) التلخيص ١/ ٢٨٦.
(٢) النكت وقال: إنَّ جميع مَنْ رواه عن إسماعيل بن أمية عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر فيه لم يكن فيه حقيقة الاضطراب. وحقيقة الاضطراب الخلاف الذي يؤثر قدحا واختلاف الرواة في اسم رجل لا يؤثر، ذلك لأنه إذا كان ذلك الرجل ثقة فلا ضير، وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثقات في اسمه فتأمل. (النكت ٢/ ٧٧٢: ٧٧٣ بتصرف).
(٣) التمهيد ٤/ ١٩٩.
(٤) حيث قال: لم نجد شيئًا يشد به هذا الحديث ولم يجيء إلا من هذا الوجه. النكت ٢/ ٧٧٣.
(٥) سنن البيهقي ٢/ ٢٧١ قال ابن حجر: فيه نظر فإنه احتج به فما وقفت عليه في المختصر الكبير للمزني. النكت ٢/ ٧٧٤.
(٦) شرح السنة ٢/ ٤٥١، والنووي: المجموع ٣/ ٢٠٩.
(٧) سنن البيهقي ٢/ ٢٧١.
(٨) البخاري ١/ ٥٨٠ ح ٥٠٧، مسلم ١/ ٣٥٩ ح ٢٤٨ - ٥٠٢ م.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
(أقال أصحاب الشافعي (١): وإذا لم يجد العصا جمع أحجارًا أو ترابا أو متاعه، فإن لم يكن شيءٌ من ذلك خطَّ خَطًّا، والخط قال أبو داود (٢) (ب): سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الخط غير مرة فقال: هكذا يعني عرضا مثل الهلال، قال أبو داود: وسمعت مسددا قال: قال أبو داود: الخط بالطول [أي يكون مستقيما أ) بين يديه إلى القبلة، قال النووي (٣): المختار في كيفيته (جـ) ما قاله الشيخ أبو إسحاق أنه إلى القبلة، لقوله (د في الحديث د) تلقاء وجهه، واختار في "التهذيب" أنْ يكون من المشرق إلى المغرب كالجنازة] (هـ).
وقوله: "ثم (و) لا يضره مَنْ مَرَّ بين يديه" لفعله ما شرع له من الإِعلام بأنه مصلي (ز) بخلاف ما إذا قصر في ذلك، وقد تقدم معنى الضرر وأنه يرجع إلى نقص صلاة المصلي، وهذا إذا كان منفردا، أو إماما، وأما إذا كان مؤتمًّا فسترة الإِمام سترة له، وقد بوب البخاري وأبو داود (٤) لذلك وأورد بعده حديث ابن عباسٍ (٥) وحماره في صلاة النبي - ﷺ - في مِنًى. قال القاضي عياض (٦): الاتفاق على أنَّ المأمومين يصلون إلى سترة لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإِمام أم سترتهم الإِمام نفسه. انتهى.
_________________
(١) (أ، أ) ما بينهما متأخر في هـ بعد قوله: (كالجنازة) وقد أشار في النسخة إلى ذلك. (ب) زاد في هـ: و. (جـ) في هـ: من كيفيته. (د، د) بهامش هـ. (هـ) بهامش الأصل. (و) ساقطة من جـ. (ز) في هـ: يصلي.
(٢) المجموع ٣/ ٢٠٩.
(٣) سنن أبي داود ١/ ٤٤٤.
(٤) المجموع ٣/ ٢٠٩.
(٥) البخاري ١/ ٥٧١، وأبو داود ١/ ٤٥٥.
(٦) ١/ ٥٧١ ح ٤٩٣.
(٧) الفتح ١/ ٥٧٢.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
قال المصنف -﵀ (١) -: وفيه نظر لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن عمرو الغفاري الصحابي "أنه صلى بأصحابه في سفر (أ)، وبين يديه سترة، فمرت حمير بين يدي أصحابه فأعاد لهم الصلاة" (٢)، وفي رواية (ب له أنه قال ب): "إنها لم تقطع صلاتي ولكن قطعت صلاتكم" (٣) فهذا يعكر على ما نُقل من الاتفاق، وقد ورد (جـ في حديث مرفوع جـ) عن أنس أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤) من طريق سويد بن عبد العزيز عن عاصم عن أنس مرفوعًا: "سترة الإِمام سترة لمن خلفه"، وقال: تفرد به سويد عن عاصم وسويد ضعيف عندهم، وورد أيضًا في حديث موقوف على ابن عمر أخرجه عبد الرزاق (٥) ويظهر (د) أثر الخلاف الذي نقله القاضي عياض فيما لو مر بين يدي الإِمام أَحَدٌ فعلى قول مَنْ يقول: إن سترة الإِمام سترة من خلفه يضر صلاته وصلاتهم معا وعلى قول من يقول: إن الإِمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته ولا يضر صلاتهم.
واعلم أن ظاهر الحديث وما كان عليه، - ﷺ -، واستمرت عادته في الصلاة إلى السترة سواء كان في فضاء أو غيره فثبت أنه كان، - ﷺ -: إذا صلى إلى الجدار جعل بينه وبينه قَدْر (هـ) ممر الشاة (٦) ولم يكن يتباعد منه بل أمرنا بالقرب من السترة، وكان إذا صلى إلى عُودٍ أو عمود أو شجرة جعله على جانبه الأيمن أو
_________________
(١) (أ) في جـ: سفره. (ب، ب) ساقطة من هـ. (جـ، جـ) مكررة في هـ. (د) زاد في هـ: من. (هـ) في هـ: وبين الجدار قدر.
(٢) الفتح ١/ ٥٧٢.
(٣) و(٣) المصنف ٢/ ١٨ ح ٢٣٢٠ - ٢/ ١٨ ح ٢٣١٨.
(٤) مجمع الزوائد ٢/ ٦٢ وفيه سويد بن عبد العزيز بن نمير السلمي مولاهم الدمشقي قاضي بعلبك لين الحديث. التقريب ١٤٠، المغني في الضعفاء ١/ ٢٩١، الميزان ٢/ ٢٥١.
(٥) المصنف ٢/ ١٨ ح ٢٣١٧ قال عبد الرزاق: وبه آخذ وهو الأمر الذي عليه الناس.
(٦) البخاري ١/ ٥٧٤ ح ٤٩٦.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الأيسر ولم يصمد له صمدا، وكان يركز الحربة في السفر والبرية فيصلي إليها فتكون سترته، وكان يعرض راحلته فيصلي إليها، وكان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته، وأمر المصلي أن يستتر ولو بسهم أو عصا، فإِنْ لم يجد فليخط خَطًّا، وقاس بعضُ الشافعية (١) علي ما ذكر بسط المصلى بجامع إشعار المار، والحكمة في اعتبار ذلك هو منع المار (أمن المرور أ) بينه وبين قبلته وقد مر تفصيل ذلك، والله أعلم.
١٨٠ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "لا يقطع الصلاة شيءٌ وادْرَأْ ما اسْتَطَعْتَ" أخرجه أبو داود وفي سنده ضعف (٢).
وأخرج نحوه أيضًا الدارقطني من حديث أنس (٣) وأبي أمامة (٤)، وأخرج أيضًا الطبراني من حديث جابر (٥)، وفي إسناده ضعف، وترجم البخاري (٦): من قال لا يقطع الصلاة شيءٌ وأورد هذه الجملة من قول الزهري، ورواها مالك في "الموطأ" (٧) عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه من قوله، ورواها سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن علي وعثمان وغيرهما موقوفًا.
الكلام تقدم على فقه الحديث والجمع بينه وبين معارضه.
عدة (ب) أحاديث الباب اثنا عشر حديثًا.
_________________
(١) (أ، أ) ساقطة من هـ. (ب) ساقطة من هـ.
(٢) البغوي والغزالي المجموع ٣/ ٢١٠، الوسيط ٢/ ٦٥٨.
(٣) أبو داود (بلفظ وادْرؤوا ما استطعتم) الصلاة باب من قال لا يقطع الصلاة شيء. ١/ ٤٦٠ ح ٧١٩، وهو ضعيف لأن فيه مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمر الكوفي ليس بالقوي، اختلط في آخر عمره. التقريب ٣٢٨، الكواكب ٥٠٥.
(٤) الدارقطني ١/ ٣٦٨ وسنده ضعيف لأن فيه صخر بن عبد الله بن حرملة المدلجي حجازي مختلف فيه، قال ابن حجر، مقبول. التقريب ١٥١، الميزان ٢/ ٣٠٨.
(٥) الدارقطني ١/ ٣٦٨، فيه عفير بن معدان قال يحيى بن معين: ليس بشيء، المجروحين ٢/ ١٩٨.
(٦) مجمع الزوائد ٢/ ٦٢، وقال: رواه الطبراني في الأوسط. قال: فيه يحيى بن حمون النجار أبو أيوب البصري. قال الدارقطني: متروك، وقال النسائي: ليس بثقة وقال الفلاس: كتبت عنه وكان كذابا، الميزان ٤/ ٤١١، الخلاصة ٤٢٨.
(٧) البخاري ١/ ٥٨٨.
(٨) الموطأ ١٢١٥.
[ ٢ / ٣٦٩ ]