٣٧٩ - عن المُغيرة بن شُعْبة - ﵁ - قال: انكسفت الشمسُ على عهد رسول الله - ﷺ - يوم مات (أ) إبراهيم، فقال الناس: انْكسفْت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الشمس والقمرَ آيتانِ من آيات الله لَا تنْكسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإِذا رأيْتُمُوهُما فادْعوا اللهَ، وصلّوا حتى تَنكَشِف". متفق عليه (١).
وفي رواية للبخاري (٢): "تنجلي"، وللبخاري من حديث أبي بكرة (٣): "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم".
قوله: "انكسفت الشمس": (ب يقال: انكسفت ب) وكسفت بفتح الكاف والسين (جـ) وبضم الكاف (د وكسر السين د) نادر وخسفت بفتح الخاء وضمها (هـ وكسر السين هـ) أيضًا وانخسفت (٤). واختلف العلماء في أن
_________________
(١) (أ) في جـ: موت. (ب، جـ، د، هـ) ساقطة من جـ.
(٢) مسلم، بلفظه ولم يورد: (فقال الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم). كتاب الكسوف، باب ذكر النداء لصلاة الكسوف الصلاة جامعة ٢/ ٦٣١ ح ٢٩ - ٩١٥، البخاري، نحوه الكسوف، باب الدعاء في الكسوف ٢/ ٥٤٦ ح ١٠٦٠، أحمد ٤/ ٢٤٥.
(٣) البخاري ٢/ ٥٤٦ ح ١٠٦٠.
(٤) البخاري بلفظ (يكشف) ٢/ ٥٢٦ ح ١٠٤٠، النسائي كتاب الكسوف، كسوف الشمس والقمر ٣/ ١٠١، أحمد ٥/ ٣٧، ابن خزيمة باب الأمر بالدعاء مع النداء عند كسوف الشمس والقمر ٢/ ٣١٠ ح ١٣٧٤.
(٥) النهاية ٤/ ١٧٤.
[ ٤ / ٥٥ ]
اللفظين يستعملان جميعًا في الشمس و(أ) القمر أو لا، فقال البخاري (١): باب هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟ وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ (٢) (ب) هذه لفظه فظاهره (جـ) التردد في ذلك في حق الشمس والجزم في حق القمر بالخسوف، والأحاديث التي أوردها في الباب بإطلاق لفظ الكسوف في الشمس على انفراد نسبته إليها، ولفظ خسفت أيضًا إليها (د) في حديث ابن عمر (٣): "خسفت الشمس" يدل دلالة واضحة على استعمال الكسوف والخسوف في حق الشمس، والخسوف في حق القمر واستعمالهما مقرونًا بينهما في حق الشمس والقمر في قوله: "ينكسفان وينخسفان"، وأما ورود الكسوف منسوبًا إلى القمر على جهة الانفراد فلم أره في شيء من الأحاديث وقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري عن عروة موقوفًا: "لا تقولوا كسفت (هـ) الشمس
_________________
(١) (أ) في جـ: أو. (ب) زاد في جـ: و. (جـ) في هـ: وظاهره. (د) في جـ: لها. (هـ) في هـ: خسفت.
(٢) البخاري ٢/ ٥٣٥.
(٣) الآية ٨ من سورة القيامة.
(٤) الحديث الذي أورده البخاري في الباب إنما هو عن عائشة خسفت ٢/ ٥٣٥ وأورد حديث ابن عمر في باب الصلاة في كسوف الشمس: (إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد. .) ٢/ ٥٢٦ ح ١٠٤٢.
[ ٤ / ٥٦ ]
ولكن قولوا: (حسنت) (أ). وأخرجه أيضًا مسلم (١) عن يحيى بن يحيى عنه، ولكنه معارض بما ثبت في الروايات الصحيحة من قوله: "ينخسفان"، والمشهور في استعمال الفقهاء الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه (٢) أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض (٣) عن بعضهم عكسه، وغلط لثبوته في القمر في القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث. ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف فإن الكسوف التغير إلى سواد والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل: في الشمس كسفت أو خسفت، فقد حصل فيها التغيير والنقصان وكذلك الخسوف فيستقيم ذلك المعنى في حق الشمس والقمر ولا يلزم من صحة الاستعمال لملاحظة المعنى الترادف، وقيل: بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف (لتغيره) (ب) (٤).
وقوله: "يوم مات إبراهيم"، يعني ابن النبي - ﷺ -. ذكر جمهور أهل
_________________
(١) (أ) في النسخ: انخسفت، وهو تصحيف والمثبت هو الصحيح. (ب) في الأصل: لتغييره.
(٢) مسلم ٢/ ٦٢٥ ح ١٣ - ٩٠٤ م.
(٣) ولكن الأحسن في القمر خسف وفي الشمس كسف. القاموس ٣/ ١٩٦. وقال ابن الأثير: وقد ورد الخسوف في الحديث كثيرًا للشمس والمعروف لها في اللغة الكسوف لا الخسوف وإطلاقه في الحديث تغليبًا للقمر لتذكيره على تأنيث الشمس. النهاية ٢/ ٣١. وقال: والكثير في اللغة -وهو اختيار الفراء- أن يكون الكسوف للشمس، والخسوف للقمر. النهاية ٤/ ١٧٤.
(٤) مشارق الأنوار ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٥) انظر فتح الباري ٢/ ٥٣٥.
[ ٤ / ٥٧ ]
السير (١) أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قال أبو داود: في (أربيع الأول يوم الثلاثاء لعشر خلون منه، وقيل: في أ) رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر أن وفاته في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل في رابع عشرة (٢) ولا يصح كونه في ذي الحجة في (ب) السنة العاشرة (جـ لأن النبي - ﷺ - كان إذ ذاك بمكة وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت جـ) بالمدينة بلا
_________________
(١) (أ- أ) ساقطة من هـ. (ب) في جـ: من. (جـ-جـ) ساقط من هـ.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٦.
(٣) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح كونه توفي إلا في استسرار الشمس وهي يوم تسع وعشرين أو ثلاثين أو واحد واعترض عليه البعض بأن ذلك واقع من موت إبراهيم والأدلة في ذلك إذ هم مختلفون في موته ثم إن الغلط لا يسلم منه أحد وكأنهم أرادوا أن يدفعوا الاعتراض الذي أورد على الشافعي في اجتماع العيد والكسوف والله أعلم. الفتاوى ٢٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧، الفتح ٢/ ٥٢٩. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "بخوف الله بهما عباده" وليس بشيء؛ لأن لله أفعالًا على حسب العادة وأفعالًا خارجة عن ذلك وقدرته حاكمة على كل سبب فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والسببات بعضها على بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًّا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى. الفتح ٢/ ٥٣٧، وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على الفتح: ما قاله ابن دقيق تحقيق جيد وقد ذكر كثير من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما وافق ذلك وأن الله سبحانه قد أجرى العادة بخسوف الشمس والقمر لأسباب معلومة يعقلها أهل الحساب، والواقع شاهد بذلك لكن لا يلزم من ذلك أن يصيب أهل الحساب في كل ما يقولون بل قد يخطئون في حسابهم فلا ينبغي أن يصدقوا ولا أن يكذبوا والتخويف بذلك حاصل على كل تقدير لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم. الفتح ٢/ ٥٣٧.
[ ٤ / ٥٨ ]
خلاف، ثم قيل: إنه مات سنة سبع. فإن ثبت صح ذلك وقد اعترض أيضًا بأنه في سنة تسع كان بالحديبية، وأجيب بأنه رجع منها في آخر ذي القعدة فلعلها كانت في أواخر الشهر، وتوفي وهو في ستة عشر شهر وثمانية أيام، وقيل: سنة وعشرة أشهر وستة أيام وحمل على سرير صغير (أ) وصلى عليه النبي - ﷺ - بالبقيع وقال: "ندفنه عند سلفنا عثمان بن مظعون" (١)، وروي عن عائشة - ﵁ -: "أنه دفنه (ب ولم يصل عليه" فيحمل أنه ب) لم يصل عليه في جماعة بل صلى عليه وحده، وأمر أصحابه أن يصلوا عليه، وروى (جـ) أن الذي غسله أبو بردة [وروى الفضل بن عباس: ونزل قبره أسامة بن زيد والفضل، والنبي - ﷺ - واقف على شفير القبر، ورش (٢) قبره، وعُلِّم بعلامة، وهو (٣) أول قبر يرش] (٤) وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس: لما مات إبراهيم ابن النبي - ﷺ - أنه صلى عليه وقال: "إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط، وما استرق قبطي" (٥)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن
_________________
(١) (أ) في جـ: صغيرة. (ب- ب) ساقطة من هـ. (جـ) في جـ: ويروى.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي وقفت عليه بلفظ: "ألحقي بسلفنا الصالح الخير عثمان". أحمد ١/ ٢٣٧، والحاكم، ولفظه: "ألحقوها" ٣/ ١٩٠، وفيه علي بن زيد بن جدعان، ضعيف. مر في ح ١٢.
(٣) الأم ١/ ٢٤٢. وهي مرسلة عن جعفر بن محمد عن أبيه. مر في ح ٥٢.
(٤) مراسيل أبي داود ١٧٨ ح ٣٨٤، البيهقي مرسلًا ٣/ ٤١١.
(٥) من أول (وروى الفضل إلى قوله: وهو أول قبر يرش) أوردها النووي ولا أعلم مسنده ١/ ١٠٣، وابن عبد البر في الاستيعاب ١/ ١١٥.
(٦) ابن ماجه، بلفظ "لما مات إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - صلَّى رسولُ الله - ﷺ - وقال: "إن له مرضعًا. ." ابن ماجه ١/ ٤٨٤.
[ ٤ / ٥٩ ]
عثمان الواسطي (١)، وهو ضعيف، قال: "وكان إبراهيم قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبيًّا (٢) وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى: "ولو قضي بعد محمد بنبي (أ) عاش ابنه إبراهيم ولكن لا نبي بعده" (٣) وأخرج أحمد (٤) عنه نحوه، وأخرج الطبراني (٥) عن أنس نحوه، وقد أنكر النووي (٦) في تهذيب الأسماء واللغات هذه الجملة الشرطية، وكذا ابن عبد البر (٧) من حيث تجويز نبوته بعد النبي - ﷺ - لأن ذلك يلزم منه أن لا يكون خاتم النبيين، ولا يلزم ما ذكر إذ المحذور إنما هو تجويز كون الشيء واقعًا متحققًا في (نفس) (ب) الأمر، لا فرض الوقوع، والفرق واضح.
وقولهم: انكسفت لموت إبراهيم. وذلك لأنه لما كان كسوفها (في العاشر أو في الرابع كما تقدم وكذا يوم قتل الحسين بن علي - ﵄ - فإنه كما رواه البيهقي (٨) في يوم (جـ) عاشوراء وكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، وهذا) (د) مخالف لا تقررت عليه قاعدة
_________________
(١) (أ) في هـ: نبي. (ب) في الأصل: النفس. (جـ) ساقطة من جـ. (د) بهامش الأصل.
(٢) أبو شيبة. مر في ح ٦٩. ولفظ "إن له مرضعا في الجنة" ثبت في صحيح البخاري من حديث البراء ٣/ ٢٤٤ ح ١٣٨٢.
(٣) عزاه ابن حجر إلى ابن منده: الفتح ١٠/ ٥٧٩.
(٤) البخاري ١٠/ ٥٧٧ ح ٦١٩٤.
(٥) أحمد ٤/ ٣٥٣.
(٦) الطبراني الكبير ١١/ ٢١٣ ح ١/ ١٠٣.
(٧) تهذيب الأسماء واللغات.
(٨) الاستيعاب ١/ ١١٥.
(٩) سنن البيهقي ١/ ٣٣٧.
[ ٤ / ٦٠ ]
ذلك عند علماء الهيئة، فإنهم يزعمون أن ذلك لا يكاد يتفق لعدم حصول الأسباب المفضية (أ) إلى كسوفهما عندهم فقالوا: إنما ذلك لأجل هذا (ب) الفادح العظيم، فرد عليه النبي - ﷺ - فقوله (ب): "إنهما آيتان"، أي علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته أو على تخويف العباد من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ (١) وقوله في رواية: "يخوف الله بهما عباده".
وقوله: "ولا لحياته"، فائدته الاحتراس عن توهم من يتوهم أنه إذا لم يكن ذلك سببًا في العدم فيجوز أن يكون سببًا للوجود (د) فعمم الأمرين جميعًا.
وقوله: "فإِذا رأيتموهما" بصيغة التثنية في رواية الكشميهني (٢) للبخاري، وفي رواية الأكثر بصيغة ضمير المؤنث المفرد، فعلى التثنية أي كسوف كل واحد منهما في وقته لاستحالة الاجتماع عادة، وإن جاز ذلك بالنظر إلى القدرة الإلهية وعلى رواية الإفراد أي الآية، وقد وقع في رواية ابن المنذر (٣): "حتى ينجلي كسوف أيهما انكسف" وهو أصرح.
وقوله: "فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف"، في الأمر دلالة على
_________________
(١) (أ) في جـ: المقتضية. (ب) ساقطة من هـ. (جـ) في هـ: بقوله. (د) في جـ: في الوجود.
(٢) الآية ٥٩ من سورة الإسراء.
(٣) الفتح ٢/ ٥٢٨.
(٤) الفتح ٢/ ٥٢٨.
[ ٤ / ٦١ ]
مشروعية ذلك، وهو مجمع عليه والأمر محمول عند الجمهور على الندب المؤكد، فهي سنة مؤكدة (١) عندهم، ولعل القرينة على ذلك ما تقدم مرارًا من حديث: "خمس كتبهن الله" (٢)، وغير ذلك مما فيه دلالة على حصر الواجبات، فما عداها محمول الأمر على الندب، وصرح أبو عوانة (٣) في صحيحه بوجوبها، وحكى أيضًا عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية (٤) أنها واجبة.
وقوله: "حتى ينكشف ما بكم" فيه دلالة على استغراق ذلك الوقت جميعه بالصلاة والدعاء (أ)، وأنه تفوت الصلاة بالانجلاء، فعلى هذا إذا انجلت وهو في الصلاة لم يتمها بل يقتصر على ما قد فعل، وفي رواية لمسلم (٥) "فسلم (ب)، وقد انجلت" فدل على أنه يصح التمام للصلاة، وإن كان قد حصل الانجلاء، ويتأيد هذا بالقياس على سائر الصلوات، فإنه يصح تقييدها بركعة كما تقدم، فإذا قد (جـ) فعل ركعة منها أتمها والله أعلم.
[وفي الحديث دلالة على أن فعلها يتقيد بحصول السبب في أي وقت
_________________
(١) (أ) في جـ: وللدعاء. (ب) في جـ: يسلم. (جـ) ساقطة من هـ
(٢) المجموع ٥/ ٥١، المغني ٢/ ٤٢٠.
(٣) سبق تخريجه في ح ٢١٣.
(٤) قال: ذكر وجوب ذكر الله واستغفاره عند الكسوف والدليل على أنه نذير وتحذير ٢/ ٣٦٦.
(٥) وحكى صاحب فتح القدير أنها سنة بلا خلاف وواجب على قول ٢/ ٨٤.
(٦) بلفظ "ثم انصرف رسول الله وقد تجلت الشمس" ٢/ ٦١٨ ح ١ - ٩٠١ وعند البخاري "ثم سلم وقد تجلت الشمس" ٢/ ٥٣٤ ح ١٠٤٧.
[ ٤ / ٦٢ ]
كان من أوقات النهار وذهب إلى هذا الجمهور (١)، واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو المشهور من مذهب أحمد (٢) وعن المالكية (٣) من الوقت الذي تحل فيه النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر.
قال المصنف (٤) -﵀- ولم أقف على شيء من الطرق أنه - ﷺ - صلاها وقت الضحى، ولكن ذلك وقع اتفاقًا، فلا يدل على منع ما عداه، واتفقت جميع الروايات إلى أنه - ﷺ - بادر إليها عقيب وقوع السبب (أ)] ومعنى الرواية الأخرى (ب) للبخاري ظاهر بما ذكرناه (جـ).
٣٨٠ - وعن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ -: "جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلَّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات" (٥) متفق عليه (د وهذا لفظ مسلم د).
_________________
(١) (أ) بهامش الأصل. (ب) ساقطة من هـ. (جـ) في هـ: مما ذكرنا (د- د) ساقط من جـ.
(٢) الشافعية، الفتح ٢/ ٥٢٨.
(٣) المغني ٢/ ٤٢٨ - شرح العناية على الهداية ٢/ ٨٥.
(٤) بداية المجتهد ١/ ٢١٣.
(٥) ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٥٢٨.
(٦) مسلم: بلفظ (الخسوف) كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف ٢/ ٦٢٠ ح ٥/ ٩٠١ البخاري، بمعناه وزيادة، الكسوف، باب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف ٢/ ٥٤٩ ح ١٠٦٥ أبو داود: مطولًا بذكر صفة الصلاة، كتاب الصلاة باب من قال أربع ركعات ١/ ٥٩٧ - ٥٩٨ ح ١١٨٠. الترمذي، مطولًا أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الكسوف ٢/ ٤٤٦ ح ٥٦٠. ابن ماجه، مطولا، إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الكسوف ١/ ٤٠١ ح ١٢٦٣، النسائي، نحوه، كتاب الكسوف، باب الصفوف في صلاة الكسوف ٣/ ١٠٥، أحمد ٦/ ٧٦.
[ ٤ / ٦٣ ]
وفي رواية له: "فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعةً" (١).
قوله: "جهر في صلاة الكسوف"، فيه دلالة على شرعية الجهر في الكسوف، وهذا يحتمل (أ) أن يكون في القمر أو في الشمس، إلا أنه لم يرد لفظ الكسوف مسندًا إلى القمر على جهة الخصوص، فهو متبادر إلى كسوف الشمس، إلا أن لفظ هذا الحديث في البخاري: "جهر النبي - ﷺ - في صلاة الخسوف بقراءته، ثم قالت في آخره: ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف" (٢) فجمع في هذا اللفظ بين لفظ الخسوف والكسوف ولكنه مصرح بإسناده إلى الشمس في رواية الأوزاعي (٣) وغيره ولفظه: "إن الشمس خسفت على عهد رسول الله - ﷺ - ". . الحديث، ولكنه لم يذكر فيه الجهر بالقراءة، وقد أخرج أحمد (٤) الحديث بلفظ "خسفت الشمس"، وقال: "ثم قرأ فجهر بالقراءة". الحديث وكذا في مسند أبي داود الطيالسي (٥): "أن النبي - ﷺ - جهر بالقراءة في صلاة الكسوف"، وقد أخرج الجهر أيضًا الترمذي والطحاوي والدارقطني (٦) وهي طرق يقوي بعضها بعضًا، فيفيد مجموعها الجزم بذلك، وقد ورد الجهر فيها عن
_________________
(١) (أ) في جـ: يحمل.
(٢) مسلم ٢/ ٦٢٠ ح ٤ - ٩٠٢.
(٣) البخاري ٢/ ٥٤٩ ح ١٠٦٥.
(٤) مسلم ٢/ ٦٢٠ ح ٤ - ٩٠١ م.
(٥) أحمد ٦/ ٧٦.
(٦) الطيالسي ٢٠٦ ح ١٤٦٦.
(٧) الترمذي ٢/ ٤٥٢ ح ٥٦٣، شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٣، الدارقطني ٢/ ٦٤ ح ٧.
[ ٤ / ٦٤ ]
علي - ﵁ - مرفوعًا. أخرجه ابن خزيمة (١) وغيره، وقد اختلف العلماء في الجهر والإسرار فيهما، فذهب الهادي (٢) ومالك إلى أنه يخير المصلي بين الجهر والإسرار، قالوا: لثبوت الأمرين عنه - ﷺ - فأما الجهر فالحديث (أ) عن عائشة وغيرها، وأما الإسرار فلحديث ابن عباس (٣)، "قام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة" فلو جهر بالقراءة لم يقدره بما ذكر، والاعتراض على ذلك باحتمال أنه كان بعيدًا مدفوع بما رواه الشافعي (٤) تعليقًا عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبي - ﷺ - في الكسوف فلم يسمع منه حرفًا، ووصله البيهقي (٥) من ثلاث طرق أسانيدها واهية وكذلك حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذي (٦) "ولم يسمع له
_________________
(١) (أ) في هـ: فلحديث.
(٢) ابن خزيمة ٢/ ٣٢٠ ح ١٣٨٨ وفيه حنش بن المعتمر الكوفي، صدوق له أوهام ويرسل. التقريب ٨٥.
(٣) الجهر والإسرار في الكسوف والخسوف. أحمد: يجهر بالقراءة ليلًا كان أو نهارًا. المغني ٢/ ٤٢٢. الشافعي: يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر. المجموع ٥/ ٥٧. أبو حنيفة: يسر القراءة في كسوف الشمس وقال صاحباه: يجهر، ولمحمد مثل قوله. الهداية ٢/ ٨٧.
(٤) حديث ابن عباس سيأتي في ح ٣٨١.
(٥) الأم ١/ ٢١٥.
(٦) البيهقي ٣/ ٣٣٥.
(٧) الترمذي ٢/ ٤٥١ ح ٥٦٢، ابن خزيمة ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧ ح ١٣٩٧، أبو داود ١/ ٧٠٠ ح ١١٨٤، ابن ماجه ١/ ٤٠٢ ح ١٢٦٤، أحمد ٥/ ١١، ومدار إسناده على ثعلبة بن عباد العبدي البصري، جهله ابن المديني وابن حزم والقطان والعجلي، وثقه ابن حبان وصح حديثه الترمذي وجهله الذهبي في تعليقه على المستدرك ١/ ٣٣٤، المحلى =
[ ٤ / ٦٥ ]
صوتًا، وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه يسر في الشمس (١)، ويجهر في القمر، وهو متأيد بالقياس على الصلوات الخمس وما تقدم من الدلالة يرد عليهم وذهب صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما (أ) من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية إلى الجهر فيهما جميعًا وهو متأيد بالقياس على الجمعة والعيدين إذ هي صلاة مشروع فيها الجماعة والخطبة والجواب عنهم بما تقدم في المذهب الثاني.
وقوله: "فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات"، يعني أنه ركع في كل ركعة ركوعين، فيه دلالة على الصفة المذكورة، وقد ذهب إليه ابن عباس وعثمان والشافعي وأحمد ومالك، وسيأتي تمام ذكر المذاهب.
وقوله: "وبعث مناديًا" فيه دلالة على شرعية الإعلام للاجتماع لها.
وقوله: "الصلاةَ جامعةً" بالنصب فالصلاة (ب) مفعولية فعل محذوف أي احضروا الصلاة، وجامعة على الحال، ويجوز رفعها على أن الصلاة
_________________
(١) (أ) في جـ: وغيرهم. (ب) في هـ: في الصلاة. = ٥/ ١٠٢، تهذيب ٢١/ ٢٤، الميزان ١/ ٣٧١، قال ابن خزيمة: هذه اللفظة التي في هذا الخبر لا يسمع له صوت من الجنس الذي أعلمنا أن الخبر الذي يجب قبوله خبر من يخبر بكون الشيء لا من ينفي، وعائشة قد خبرت أن النبي - ﷺ - جهر بالقراءة فخبر عائشة يجب قبوله؛ لأنها حفظت جهر القراءة وإن لم يحفظها غيرها، وجائز أن يكون سمرة كان في صف بعيد من النبي - ﷺ - بالقراءة، فقوله "لا يسمع له صوت" أي لم أسمع له صوتًا، على ما بينته قيل: إن العرب تقول: لم يكن كذا، لما لم يعلم كونه ٢/ ٣٢٧.
(٢) المشهور من المذاهب الثلاثة ما أثبتناه.
[ ٤ / ٦٦ ]
مبتدأ وجامعة خبر، أي ذات جماعة، أو أن الإسناد إليها مجاز عقلي، لما كانت سببًا للجمع فنسب (أ) إليها، ويجوز رفع جامعة على الوضعية لكون اللام في الصلاة للجنس، والخبر محذوف أي احضروها، ويجوز أيضًا نصب جامعة على الحال، والخبر مقدر.
٣٨١ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "انْخَسَفت الشمسُ على عهد رسول الله - ﷺ - فصلَّى فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف، وقد تجلت الشمس فخطب الناس". متفق عليه (١) واللفظ للبخاري.
_________________
(١) (أ) في جـ: نسب.
(٢) البخاري: الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة ٢/ ٥٤٠ ح ١٠٥٢. مسلم، نحوه كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ٢/ ٦٢٦ ح ١٧ - ٩٠٧. أبو داود: الصلاة، باب من قال أربع ركعات ١/ ٦٩٨ ح ١١٨١. النسائي مختصرًا، الكسوف -نوع آخر من صلاة الكسوف عن ابن عباس ٣/ ١٠٥. أحمد ١/ ٢١٦.
[ ٤ / ٦٧ ]
وفي رواية لمسلم (١): "صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات (أ) في أربع سجدات".
[وعن علي -﵁- مثل ذلك.
وله عن جابر: "صلى ست ركعات (ب) بأربع سجدات" (٢).
ولأبي داود عن أبي بن كعب - ﵁ -: "صلَّى فركع خمس ركعات وسجد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك] (جـ) (٣).
قوله: "فصلّى": ظاهر الفاء التعقيب من دون تراخ وأنها وقعت الصلاة عقيب الانخساف واستدل بهذا السياق بعضهم على أنه - ﷺ - كان يحافظ على الوضوء ولذا وقع منه الصلاة عقيب الانخساف، وهو غير
_________________
(١) (أ، ب) في جـ: لاكوعات. وهو تصحيف. (جـ) بهامش الأصل.
(٢) مسلم، الكسوف، باب ذكر من قال: إنه يركع ثماني ركعات في أربع سجدات ٢/ ٦٢٧ ح ١٨ - ٩٠٨ وقال: عن علي مثل ذلك. أبو داود: الصلاة، باب من قال أربع ركعات ١/ ٦٩٩ ح ١١٨٣. الترمذي، أبواب الصلاة باب ما جاء في صلاة الكسوف ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧ ح ٥٦٠، النسائي، الكسوف باب كيف صلاة الكسوف ٣/ ١٠٥، أحمد ١/ ٢٢٥.
(٣) مسلم ٢/ ٦٢٣ ح ١٠ - ٩٠٤، أبو داود، ١/ ٦٩٦ ح ١١٧٨، أحمد ٣/ ٣١٧ - ٣١٨، البيهقي ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦، أبو عوانة ٢/ ٣٧١.
(٤) أبو داود ١/ ٦٩٩ ح ١١٨٢، أحمد، ٥/ ١٣٤، البيهقي ٣/ ٣٢٩. الحاكم ١/ ٣٣٣ وقال: رواته موثقون، وخالفه الذهبي فقال: خبر منكر وعبد الله بن أبي جعفر ليس بشيء وأبوه لين. عبد الله بن أبي جعفر الرازي صدوق يخطئ. الميزان ٢/ ٤٠٤. التقريب ١٧٠. ولكنه توبع عند أبي داود وأحمد والبيهقي من طريق عمر بن شقيق وهو مقبول، عمر بن شقيق بن أسماء الجرمي البصري مقبول. التقريب ٢٥٤. ولكن مداره على أبي جعفر الرازي، أبو جعفر الرازي عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان وقيل: عيسى بن ماهان التميمي مولاهم مر في ح ٢٣٥.
[ ٤ / ٦٨ ]
مستقيم، فإن (أ) في رواية ابن عباس (١) لهذا الحديث: "أنها خسفت فخرج إلى المسجد فصف الناس" وهذا يدل على أن في السياق الأول حذفًا، وهو صريح في التراخي، فيجوز أن يكون توضأ بعد الانْخساف في بيته ثم خرج.
وقوله: "نحوًا من قراءة سورة البقرة"، فيه دلالة على أنه أسر بالقراءة كما تقدم.
وقوله: "ركوعًا طويلًا"، فيه دلالة على شرعية ذلك.
قال المصنف (٢) -رحمه الله تعالى-: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه وإنما المشروع فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما.
وقوله: "وهو دون الركوع الأول ثم سجد"، فيه دلالة على أن القيام الذي يعقبه السجود لا تطويل فيه، وقد وقع في رواية مسلم (٣) لحديث جابر: "أنه أطال ذلك"، ولكنه قال النووي (٤): إنها رواية شاذة تفرد بها أبو الزبير مخالفة، فلا يعمل بها، ونقل القاضي (٥) إجماع العلماء أنه لا يطول الاعتدال الذي يلي السجود، وقد تؤول هذه الرواية بأنه أراد بالإطالة هو زيادة الطمأنينة لا الإطالة التي تقرب من الإطالة فيما قبله (٦)،
_________________
(١) (أ) في جـ: لأن.
(٢) من رواية عائشة وليس من رواية ابن عباس كما يوهم الكلام. البخاري ٢/ ٥٣٣ ح ١٠٤٦، ويدل عليه أن ابن حجر قال هذا الكلام على حديث عائشة، الفتح ٢/ ٥٣٠.
(٣) الفتح ٢/ ٥٣٠.
(٤) مسلم ٢/ ٦٢٢ ح ٩ - ٩٠٤.
(٥) و(٥) شرح مسلم ٢/ ٥٦٨.
(٦) أجاب النووي على رواية مسلم بإجابتين: أ) المخالفة، ب) زيادة الطمأنينة وذكرهما =
[ ٤ / ٦٩ ]
وقوله: "ثم سجد"، لم (أ) يذكر في هذه الرواية طول السجود وقد استدل به بعض المالكية على عدم إطالته، وأن الذي شرع فيه التطويل إنما هو ما شرع تكريره، وهو قياس في مقابلة النص وبعضهم ناسب ذلك بأن القيام والركوع مع إطالتهما يمكن المصلي تعرف حال الشمس من الانْخساف والانجلاء، وأما السجود فلا يمكن معه ذلك فلا تشرع فيه الإطالة، وأيضًا فإن في السجود تسترخي الأعضاء فيؤدي إلى النوم، وهذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة بتطويله، فقد أورده (١) مسلم والبخاري (ب (عن أَبي موسى وعبد الله بن عمرو، ومسلم من حديث جابر، وقد ذكره الشافعي فيما حكاه عنه الترمذي (٢) وكذا في كتاب البويطي، وأخرجه أبو داود والنسائي (٣) من حديث سمرة: "كأطول ما سجدنا في صلاة قط"، وفي رواية مسلم (٤) لحديث جابر بلفظ: "وسجوده نحو من ركوعه". وقد
_________________
(١) (أ) في جـ: فلم. (ب) في هـ: بالتقديم والتأخير. = الشارح ٢/ ٥٦٨ وقد تعقبه ابن حجر أنه ثبت من حديث عبد الله بن عمر عند ابن خزيمة والنسائي "ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد ثم سجد .. " لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه، والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط .. الفتح ٢/ ٥٣٩، ابن خزيمة ٢/ ٣٥٣ ح ١٣٩٣، النسائي ٣/ ١١٢.
(٢) رواية أبي موسى عند البخاري ٢/ ٥٤٥ ح ١٠٥٩، مسلم ٢/ ٦٢٨ ح ٢٤ - ٩١٢، عبد الله بن عمرو عند البخاري ٢/ ٥٣٨ ح ١٠٥١، ومسلم ٢/ ٦٢٧ ح ٢٠ - ٩١٠، وحديث جابر عند مسلم ٢/ ٦٢٢ ح ٩ - ٩٠٤، ١٠ - ٩٠٤.
(٣) الترمذي ٢/ ٤٥٠.
(٤) أبو داود ١/ ٧٠٠ ح ١١٨٤، النسائي ٤/ ١١٣، ولفظهما: "ثم سجد بنا كأطول سجود، ما سجد بنا في صلاة قط" لفظ النسائي، وأبي داود بدون لفظ (سجود).
(٥) مسلم ٢/ ٦٢٣ ح ١٠ - ٩٠٤ ولفظه "ركوعه نحوًا من سجوده".
[ ٤ / ٧٠ ]
ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق (١) وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل (٢) العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سريج ثم النووي (٣)، وتعقب صاحب المهذب في قوله: إنه لم ينقل في خبر ولم يقل به الشافعي، ورد عليه في الأمرين، وأن الشافعي نص عليه في البويطي، ولفظه: "ثم سجد سجدتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحوًا مما قام في ركوعه" (٤)، ووقع في رواية مسلم لحديث جابر "إطالة الاعتدال بين السجودين" (٥) وقد أخرجه أبو داود والنسائي (٦) وإسناده صحيح، لأنه من رواية شعبة (٧) عن
_________________
(١) المغني ٢/ ٤٢٢.
(٢) نقل النووي أنه لا يطول وحكى ترجيحه لجماهير الأصحاب. المجموع ٥/ ٥٥.
(٣) المجموع ٥/ ٥٥.
(٤) اللفظ في المجموع "سجدتين تامتين طويلتين" ٥/ ٥٥.
(٥) كلام الشارح تطويل الاعتدال ببن السجودين وليس هذا المراد الذي أراد ابن حجر وتشهد له رواية مسلم، فإن ابن حجر قال: وقع في حديث جابر الذي أشرت إليه عند مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السجود ولفظه: "ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم سجد" فالمراد تطويل القيام بعد الركوع حينما يريد أن يهوي إلى السجود، وتبع الصنعاني المغربي في هذا. الفتح ٢/ ٥٣٩، السبل ٢/ ١٣٣، مسلم ٢/ ٦٢٢ ح ٩ - ٩٠٤.
(٦) كلام ابن حجر: إن النسائي وابن خزيمة خرجا حديث عبد الله بن عمرو وليس تخريجًا لحديث جابر، والشارح وَهِمَ في النقل في ذلك فخلط بين مسألتين: ١) تطويل القيام بعد الركوع وقبل الانحدار إلى السجود. ٢) والمسألة الثانية تطويل الجلوس بين السجدتين وابن حجر فصلها في ذلك حيث قال: تنبيه واقع في الحديث الذي أشرت إليه عند مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السجود ولفظه: "ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال ثم سجد" وقال النووي: هي رواية شاذة مخالفة فلا يحمل بها أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع، وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا ففيه "ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع ثم رفع فأطال حتى قيل: لا يسجد ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد ثم سجد" على لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط فالحديث صحيح ولم أقف على شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا. الفتح ٢/ ٥٣٩.
(٧) عند ابن خزيمة: الثوري، وليس شعبة وهما من طبقة واحدة وسمعهما من عطاء قبل =
[ ٤ / ٧١ ]
عطاء بن السائب، وقد سمع منه قبل الاختلاط، قال المصنف (أ) ﵀: و(ب) لم أقف على تطويل الجلوس بين السجدتين في شيء من الطرق إلا في هذا، ونقل الغزالي (١) الاتفاق على عدم إطالته، وهو مردود بما عرفت.
وقوله: "ثم قام قيامًا طويلًا" إلخ، فيه دلالة على إطالة القيام في الركعة الثانية، ولكنه دون القيام في الركعة الأولى، وقد ورد في رواية أبي داود (٢) عن عروة أنه نحو من آل عمران، وهذا يدل على أن القيام الأول في الركعة الثانية هو دون القيام الأول في الركعة الأولى، وقال ابن بطال: (٣) لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعها، وقال النووي (٤): اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه أقصر من القيام الأول وركوعه، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أو يكونان (جـ) سواء، قيل: وسبب هذا (د) الخلاف فهم معنى قوله: "وهو دون القيام الأول"، هل المراد به الأول من الثانية؟ أو يرجع إلى الجميع
_________________
(١) (أ) زاد في هـ: في التلخيص. (ب) الواو ساقطة من هـ. (جـ) في هـ: أو يكونا. (د) في هـ: هذه. = الاختلاط، ابن خزيمة ٢/ ٣٢٣ ح ١٣٩٣ الكواكب النيرات ٣٢٣.
(٢) الوسيط ٢/ ٧٩٧ ولفظه: ولا خلاف أن القعدة بين السجدتين لا تطول، وتعقبه الحافظ، فقال: إن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام وإلا فهو محجوج في الرواية. الفتح ٢/ ٥٣٩.
(٣) أبو داود ١/ ٧٠١ - ٧٠٢ - ١١٨٧.
(٤) شرح ابن بطال باب صلاة الكسوف جماعة.
(٥) شرح مسلم ٢/ ٥٦١.
[ ٤ / ٧٢ ]
فيكون كل قيام دون الذي قبله.
وقوله: "ثم انصرف": أي من الصلاة، "وقد تجلت الشمس" وفي رواية ابن شهاب (١): "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف"، وللنسائي (٢): "ثم تشهد وسلم فخطب الناس .. " وقوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على شرعية الخطبة، وقد ذهب إلى استحباب الخطبة: الشافعي (٣) وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة (٤): لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية (٥) من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة لأنه (أ) لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث مصرحة بالخطبة، والمشهور عند المالكية (٦) أنه لا خطبة، مع أن مالكًا (٧) روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة، وتأوله بعضهم بأن النبي - ﷺ - لم يقصد بها الخطبة بخصوصها وإنما على من اعتقد أن الكسوف يكون بسبب موت أحد، وتعقب هذا بأن في رواية البخاري (٨): "فحمد الله وأثنى عليه"، وفي رواية (٩) زيادة: "وشهد أنه
_________________
(١) (أ) ساقطة من جـ.
(٢) البخاري ٢/ ٥٣٣ ح ١٠٤٦.
(٣) النسائي ٣/ ١٢١ - ١٢٢.
(٤) المجموع ٥/ ٥٨.
(٥) المغني ٢/ ٤٢٥، وقال: وأصحابنا على أن لا خطبة لها وهذا مذهب مالك وأصحاب الرأي.
(٦) الهداية ٢/ ٩٠.
(٧) الكافي ١/ ٢٦٦.
(٨) الموطأ ١٣٢ ح ١، وفيه "فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم .. ".
(٩) البخاري ٢/ ٥٢٩ ح ١٠٤٤.
(١٠) من حديث سمرة عند النسائي ٣/ ١١٤ ولفظة "فحمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله".
[ ٤ / ٧٣ ]
عبده ورسوله" وفي سياق البخاري (١) زيادة: "لذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك"، وهذه من مقاصد الخطبة، وبعضهم قال: إنه لم يرد أنه صعد المنبر فدل على عدم الخطبة، ويجاب عنه بأن المنبر ليس بشرط، وأيضًا فعدم الذكر لا يدل على عدم الكون.
وقوله في رواية مسلم: "ثماني ركعات (أ) في أربع سجدات"، فيه دلالة على أن الركوع أربعة في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا (٢).
وقوله في رواية جابر: "ستة ركوعات بأربع سجدات"، فيه دلالة على أن الركوع ثلاثة في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا (حذيفة، كذا في البحر (٣» (ب).
وقوله في رواية أُبَيّ بن كعب: "فركع خمس ركعات" إلخ، فيه دلالة على أن الركوع خمسة في كل ركعة وقد ذهب إلى هذا جماعة أهل البيت (٤) ما عدا الباقر. قال في اللمع: لا يختلفون في هذه الصفة، وقد روي من حديث سمرة والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو: "أنه - ﷺ -
_________________
(١) (أ) في جـ: ركوعات. (ب) في هامش الأصل.
(٢) من رواية ابن عباس ٢/ ٥٤٠ ح ١٠٥٢.
(٣) لم يذكر الشارح أحدًا وقد ذهب إلى هذا إسحاق فقال: يجوز ركوعان في كل ركعة وثلاثة وأربعة لأنه ثبت هذا ولم يثبت عن النبي - ﷺ - أكثر من هذا. المجموع ٥/ ٦٦، قلت: وهو متعقب برواية أبي داود من حديث أبي حيث أثبتت خمس ركعات في سجدتين.
(٤) البحر ٢/ ٧٢.
(٥) البحر ٢/ ٧٢.
[ ٤ / ٧٤ ]
صلاها ركعتين كل ركعة بركوع" (١)، وفي حديث قبيصة الهلالي (٢) عنه - ﷺ - قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة". وروى هذه الأحاديث أحمد والنسائي، وعن الحسن البصري (٣) قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركعتين (أ) ثم ركع، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي - ﷺ - يصلي. رواه الشافعي في مسنده، وهو مروي أيضًا عن ابن
_________________
(١) (أ) في جـ: ركوعين.
(٢) حديث سمرة: مر في أول الحديث وقد بينت ما فيه، وأما حديث النعمان فخرجه أبو داود ١/ ٧٠٤ ح ١١٩٣ ولفظه: "فجعل يصلي ركعتين ركعتين"، والنسائي ٣/ ١١٥، ولفظه "إذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة"، وابن ماجه ١/ ٤٠١ ح ١٢٦٢ ولفظه "فلم يزل يصلي حتى انجلت"، وأحمد ٤/ ٢٦٩، ولفظه: يصلي ركعتين ركعتين ويسأل ويصلي ركعتين ويسأل حتى انجلت" وابن خزيمة ولفظه "فأيهما انخسف فصلوا" ٢/ ٣٣٠ ح ١٤٠٤، بهذا الاختلاف في متنه وأما سنده فإنه من رواية أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري ثقة فاضل كثير الإرسال مدلس، وهو لم يسمع من النعمان قاله ابن خزيمة. التقريب ١٧٤، الكاشف ٢/ ٨٨، التهذيب ٥/ ٢٢٤، طبقات المدلسين ١٥، ابن خزيمة ٢/ ٣٣٠. حديث عبد الله بن عمرو. أخرجه أبو داود ١/ ٧٠٤ ح ١١٩٤، وابن خزيمة ٢/ ٣٠١ - ٣٢٣ ح ١٣٨٩، أحمد ٢/ ١٥٩، عبد الرزاق. الصلاة ٣/ ١٠٣ - ١٠٤ ح ٤٩٨ قلت: وعطاء اختلط ولكن سماع الثوري -كما هو عند عبد الرزاق وحماد عند أبي داود- قبل الاختلاط. الكواكب النيرات ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٣) أبو داود ١/ ٧٠١ ح ١١٨٥، النسائي ٣/ ١١٧، أحمد ٥/ ٦٠، ٦١، الحاكم ١/ ٣٣٣، الحديث فيه عبيد الله بن الوازع الكلابي البصري مجهول. التقريب ٢٢٧، ولكن له متابع عند أبي داود وأحمد فالجهالة محتملة ثم إن عنعنة أبي قلابة محتملة كما أشار إلى ذلك الحفاظ. بقى اضطراب المتن فقد روي روايات متباينة جعلت العلماء يعلونه بالاضطراب.
(٤) الشافعي ٣٥١.
[ ٤ / ٧٥ ]
الزبير: أنه صلى كصلاة الفجر، فقيل لعروة بن الزبير: إن أخاك يوم كسفت الشمس بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل (أ) الصبح، قال: أجل لأنه أخطأ السنة (١). وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة (٢) والثوري والنخعي، ورواه في شرح الإبانة عن الباقر قال ابن عبد البر: أصح ما في هذا الباب رواية ركوعين في كل ركعة. قال: وما عدا هذا معلل ضعيف.
وقد حاول جماعة الجمع بين هذه الروايات المختلفة فقالوا: وقع من النبي - ﷺ - جميع ذلك باعتبار اختلاف حال الكسوف في سرعة الانجلاء وبطئه وتوسطه، واعترض بأن هذا (ب) لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه من أول الأمر، وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر: أن فعله لجميع ذلك يدل على توسعة الأمر وبيان الجواز لذلك وهذا أقرب (٣) والله أعلم.
٣٨٢ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "ما هبت ريح قط إِلا جثا النبي - ﷺ - على ركبتيه، وقال: اللهم اجْعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا". رواه الشافعي والطبراني (٤).
_________________
(١) (أ) في هـ: قبل. (ب) ساقطة من هـ.
(٢) البخاري ٢/ ٥٤٩.
(٣) الهداية ٢/ ٨٤، البحر ٢/ ٧٢.
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الذي استفاض عند أهل العلم لسنة رسول الله - ﷺ - ورواه البخاري ومسلم من غير وجه واستحبه أكثر أهل العلم أنه صلى معهم ركعتين في كل ركعة ركوعان .. الفتاوى ٢٤/ ٢٥٩.
(٥) الأم، كتاب الاستسقاء، القول في الإنصات عند الاستسقاء والريح ١/ ٢٢٤، مشكاة المصابيح، وعزاه إلى الشافعي والبيهقي في الدعوات الكبير ١/ ٤٨١ ح ١٥١٩.
[ ٤ / ٧٦ ]
وعنه: "أنه صلى في زلزلة ست ركعات (أ) وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات". رواه البيهقي (١).
وذكر الشافعي عن علي - ﵁ - مثله دون آخره.
أخرج الشافعي الأول في "الأم" قال: أخبرني من لا أتهم عن العلاء بن راشد (٢) عن عكرمة عنه به، والطبرانى وأبو يعلى من طريق حسين بن قيس عن عكرمة.
والثاني: أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الحارث عنه: أنه (ب) في زلزلة بالبصرة فأطال، فذكره إلى أن قال: فصارت صلاته ست ركعات (جـ) وأربع سجدات ثم قال هكذا صلاة الآيات، لرواه ابن أبي شيبة (٣) مختصرًا من هذا الوجه أن ابن عباس صلى بهم في زلزلة كانت أربع سجدات ركع فيها ستا.
وقوله: وذكر الشافعي إلخ (د) أخرجه البيهقي في السنن والمعرفة بسنده إلى الشافعي فيما بلغه عن عباد عن (هـ) عاصم الأحول عن قزعة عن علي - ﵁ - أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات
_________________
(١) (أ) في جـ: ركوعات. (ب) زاد في جـ: - ﷺ -. وفي هـ: صلى. (جـ) في جـ: ركوعات. (د) أوردها المؤلف قبل جملة: "دون آخره .. " وأشار إلى تقدمها. (هـ) في جـ: بن.
(٢) البيهقي، الكسوف، باب من صلى في الزلزلة بزيادة عدد الركوع والقيام قياسًا على صلاة الخسوف ٣/ ٣٤٣.
(٣) قال الحافظ: العلاء بن راشد عن عكرمة وعنه إبرهيم بن أبي يحيى لا تقوم بإسناده حجة .. تعجيل المنفعة ٣٢٣.
(٤) ابن أبي شيبة ٢/ ٤٧٢.
[ ٤ / ٧٧ ]
خمس ركعات (أ) وسجدتين في الركعة (ب) الأولى، وركعة (جـ) وسجدتين في الركعة (د) الثانية، قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن علي لقلت به، وهم يثبتونه ولا يأخذون به.
وقول: دون آخره، وهو قوله: "وقال: هكذا صلاة الآيات".
قوله: "ما هبت ريح قط"، الريح: اسم جنس صادق على ما يأتي بالرحمة، وما يأتي بالعذاب، وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها" (١)، ويجمع على رياح في الكثرة، وقد يرد على هذا أن في تمام حديث ابن عباس: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا"، وهو يدل على المغايرة وأن الريح المفرد يختص بالعذاب، والجمع بالرحمة، قال ابن عباس (٢): في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (٣)، و﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (هـ)﴾ (٤)، ﴿وَأَرْسَلْنَا
_________________
(١) (أ) في جـ: ركوعات. (ب) في جـ: ركعة. (جـ) في جـ: وركوع. (د) في جـ: ركعة. (هـ) زاد في هـ: ما تذر.
(٢) أحمد ٢/ ٢٦٨، ابن حبان (موارد) ٤٨٨ ح ١٩٨٩، البيهقي ٣/ ٣٦١، شرح السنة ٤/ ٣٩١ - ٣٩٢ ح ١١٥٣، الحاكم ٤/ ٤٨٥، أبو داود ٥/ ٣٢٨ ح ٥٠٩٧، ابن ماجه ٢/ ١٢٢٨ ح ٣٧٢٧.
(٣) الأم ١/ ٢٢٤.
(٤) الآية ١٩ من سورة القمر.
(٥) الآية ٤١ من الذاريات.
[ ٤ / ٧٨ ]
الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (١) وأرسلنا ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٢)، رواه الشافعي والبيهقي في الدعوات الكبير (أ)، وقد أجيب عن ذلك بأن المعنى لا تهلكنا بهذه الريح، فإنهم لو أهلكوا بهذه الريح لم تهب بعدها عليهم ريح أخرى فتكون ريحًا لا رياح، وقيل: لأنه يلقح السحاب الرياح الكثيرة فيكثر مطرها، وأما لو كانت واحدة فلا تلقح، ولا تنزل المطر أو ينزل قليلًا وقوله: "قط" مبني على الضم: ظرف زمان ماض يقع بعد النفي كثيرًا.
وقوله: "إِلا جثا" الجثي (ب): القعود على الركبتين (٣) وهي قعدة مخافة لا يفعلها المطمئن (جـ) بالقعود بحسب الأغلب وهو جملة حالية واقعة بعد الاستغناء بها عن الواو وعن قد لتضمنها معنى الجزاء لما قبلها للزومها لما قبلها أي إن هبت ريح جثا.
وقوله: "أنه صلى" إلخ، فيه دلالة على شرعية الصلاة والتجميع بها أيضًا لأن الظاهر من اللفظ أنه صلى بهم، وقد ذهب إلى هذا القاسم فقال: يصلي للإفزاع كصلاة الكسوف قياسًا على الكسوف في الفزع، وإن شاء المصلي فركعتان ووافق (د) على ذلك أحمد بن حنبل (٤) وأبو ثور، ولكن كالكسوف فقط، وذهب الشافعي (٥) وتبعه الإمام يحيى إلى أنه لا
_________________
(١) (أ) في جـ: الكثيرة. (ب) في جـ: الجثو. (جـ) في هـ: المطمئنين. (د) في جـ: وأوفق.
(٢) الآية ٢٢ من سورة الحجر.
(٣) الآية ٤٦ من سورة الروم.
(٤) النهاية ١/ ٢٣٩.
(٥) المغني ٢/ ٤٢٩.
(٦) المجموع ٥/ ٦٠.
[ ٤ / ٧٩ ]
يشرع فيها التجميع، وحجته ما مر من عدم الصحة، ولو صح له لقال له به، وأما صلاة المنفرد فحسن، قال الشافعي: وإنما تركنا ذلك لأنه - ﷺ - لم يأمر بالتجميع في الصلاة إلا في الكسوفين، ولأن عمر (١) لم يأمر بالصلاة عند وقوع ذلك، انتهى.
وقد روى أبو داود عن ابن عباس مرفوعًا: "إذا رأيتم آية فاسجدوا" (٢)، وقوله: "فاسجدوا" يحتمل أنه أراد السجود الفرد (أ) أو عبر به عن صلوا (ب).
واعلم أن هذا الوارد في هذه الصلوات (جـ) لم يرو (د) مثله في صلاة الكسوف عن أحد فإن جميع ما تقدم في الكسوف أن الركوع في الركعتين على سواء. والله أعلم.
[عدة (هـ) أحاديث هذا الباب ثلاثة عشر حديثًا] (و).
_________________
(١) (أ) في جـ: المفرد. (ب) في جـ: صلاة. (جـ) في جـ: الصلاة. (د) في جـ: يرد. (هـ) في جـ: عدد. (و) بهامش الأصل.
(٢) شرح السنة ٤/ ٣٩١ - ٣٩٢، وذكره أبو داود دون ذكر عمر ٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩ ح ٥٠٩٧.
(٣) أبو داود ١/ ٧٠٦ ح ١١٧٩، الترمذي ٥/ ٧٠٧ ح ٣٨٩١. وفيه الحكم بن أبان العدني أبو عيسى صدوق عابد وله أوهام. التقريب ٧٩، الضعفاء للعقيلي ١/ ١٥٥، الميزان ١/ ٥٦٩.
[ ٤ / ٨٠ ]