الوجوه جمع وجه، والمراد به: الأنواع التي يتعلق بها الإحرام، وهو الحج أو العمرة أو مجموعهما وصفته عطف تفسيري للوجوه، والمراد بصفة الإحرام هو أن الإحرام إذا تعلق بنوع فله صفة يتميز بها عن تعلقه بنوع آخر.
٥٦٢ - عن عائشة - ﵂ - قالت: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل وأما من أهل بحج أو (أ) جمع الحج والعمرة فلم يحل حتى كان يوم النحر" متفق عليه (١).
قولها: "خرجنا " كان خروجه - ﷺ - من المدينة نهارًا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعًا وخطبهم خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه، قال ابن حزم، وكان يوم الخميس، والظاهر أنه يوم السبت، وقولها "عام حجة الوداع" سميت بذلك لأن النبي - ﷺ - ودع الناس فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة، وقولها "من أهل بعمرة" الإهلال في اللغة (٢): رفع الصوت، ومنه استهل المولود أي صاح، ومنه قوله تعالى
_________________
(١) (أ) جـ: (وجمع).
(٢) البخاري الحج، باب التمتع والقران، والإفراد بالحج ٣: ٤٢١ ح ١٥٦٢، مسلم الحج باب بيان وجوه الإحرام ٢: ٨٧٣ ح ١١٨ - ١٢١١ م.
(٣) لسان العرب (هـ. ل. ل) ٦: ٤٦٨٩ (ط. دار المعارف، مصر).
[ ٥ / ٢٢١ ]
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) أي رفع الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله، ويسمى الهلال هلالًا لرفعهم الصوت عند رؤيته، قال العلماء: والإهلال في اللغة رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، ولعل هذا في عرف اللغة، والمعنى الأول في أصلها، وقولها: "فمنا من أهل بعمرة" تريد أنه وقع من مجموع القاصدين مع النبي - ﷺ - هذه الأنواع المذكورة، فلا يعارضها الروايات الأخر عنها، فإنه قد روى مسلم (٢) من حديثها "خرجنا لا نرى إلا الحج" وفي رواية القاسم عنها قالت: لبينا بالحج، وفي رواية "له خرجنا مهلين بالحج"، وفي رواية: "لا نذكر إلا الحج"، وفي رواية الأسود (٣) عنها: "نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة" (٤) لأن ذلك باعتبار اختلاف الناس فيما أحرموا به، وإنْ كانت في نفسها قاصدة للحج، وكذلك قولها "نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة" فلعلها قصدت أنهم لم يلتزموا ذكر ما علق به التلبية، وإن كانت المقاصد متنوعة، وقد تذكر في بعض الأحوال وهذا وجه للجمع، وقد قال القاضي عياض (٥): اختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة -﵂- فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثًا، وقال بعضهم يترجح أنها كانت محرمة بحج لأنها رواية عمرة (١) والأسود والقاسم وغلطوا عروة في روايته، قولها "ولم أهل إلا
_________________
(١) (أ) هـ: (عروة).
(٢) سورة المائدة الآية ٣.
(٣) مسلم الحج، باب بيان وجوه الإحرام ٢: ٨٧٢ ح ١١٦ - ١٢١١.
(٤) في صحيح مسلم: "أبي الأسود".
(٥) مسلم الحج، باب بيان وجوه الإحرام ٢: ٨٧٨ ح ١٢٩ - ١٢١١.
(٦) شرح مسلم ٣٠٥:٣.
[ ٥ / ٢٢٢ ]
بعمرة" وإن كان يحتمل أنها في آخر الأمر حين أمرت برفض العمرة لم تكن محرمة إلا بعمرة ثم أحرمت بالحج من بعد لأنها قد كانت فسخت الحج إلى العمرة فصارت منفردة بالعمرة ثم لما تعذر عليها تمام العمرة بسبب الحيض رفضتها وأحرمت بالحج وحدها، وهذا وجه صحيح للجمع بين الروايات أولى من تغليط البعض، وأحمد بن حنبل قال في حديث عروة: هو خطأ.
وقولها: "وأما من أهل بحج " إلخ يدل بظاهره على أن أصحاب النبي - ﷺ - استمروا على الإحرام بالحج وأنهم لم يفسخوه إلى العمرة، وهذا خلاف ما اشتهر في الأحاديث الصحيحة المخرجة في الصحيحين وغيرهما من أنه - ﷺ - "أمر من لم يكن معه هدي بفسخه إلى العمرة" وقد بلغ عدة من روى ذلك من الصحابة أربعة عشر منهم (١) عائشة وحفصة وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي - ﷺ - وأسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري والبَرَاء بن عازب وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وبشر بن معبد الجهني وسراقة بن مالك المدلجي، ولعل هذه الرواية مقيدة بمن كان معه هدي وأحرم بحج مفرد كما في حق كثير من الصحابة، أو كان معه هدي وأحرم بحج وعمرة كما وقع من النبي - ﷺ - في الوادي المبارك لما أمر بهما وكان معه هدي فلا مخالفة على هذا بين الروايات، ودل هذا على أنه يجوز إفراد الإحرام بالعمرة وإفراد الحج والقران بينهما، وهو كذلك فإن أنواع الحج ثلاثة: إفراد، وقران، وتمتع، والظاهر أنه ما وقع من أحد إفراد الإحرام بالعمرة في الابتداء، فيحمل قولها "من أهل
_________________
(١) (أ) جـ: (رسول الله).
(٢) زاد المعاد ٢: ١٧٨.
[ ٥ / ٢٢٣ ]
بعمرة" على الإهلال بها متقدمة على الحج فيتم (أ) حينئذٍ، ذكر أنواع الحج الثلاثة.
والإفراد هو أن يحرم بالحج وحده، والقران أن يقرن في إحرامه بتعليقه بالحج والعمرة، والتمتع أن يهل بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج ويحج في تلك السنة، وتفاصيل هذه الأنواع مستوفاة في كتب الفروع من الفقه، ولو أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة (ب) فقولان للشافعي أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصح ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع من التحلل في الحج، وقيل قبل الوقوف بعرفات، وقيل قبل طواف القدوم أو غيره، قال القاضي جوز (جـ) إدخال العمرة على الحج أصحاب (د) الرأي وهو قول للشافعي لما ثبت أنه فعله - ﷺ - عند أن أتاه آتٍ من ربه في الوادي المبارك وأمره أن يصلي فيه ويقول: عمرة في حجة (١) ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصًّا بالنبي - ﷺ - لضرورة الاعتمار في أشهر الحج، ولو أحرم بالعمرة أولًا ثم أدخل عليها الحج، فقال القاضي (٢): اتفق جمهور العلماء على جواز ذلك وشذ بعض الناس فقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة، هذا كلامه، وظاهر كلام النووي (٣) أن ذلك موافق كلام الشافعي وأصحابه، وفي البحر للإمام المهدي ما لفظه مسألة الهادي والناصر وأبي حنيفة وقول للشافعي.
_________________
(١) (أ) كتب فوقه هنا في ي: (هذا تكلف). (ب) جـ بدلها هنا (بالتمتع). (جـ) (هـ: (جواز). (د) هـ: (لأصحاب).
(٢) البخاري الحج، باب قول النبي - ﷺ -: "العقيق واد مبارك" ٣: ٣٩٢ ح ١٥٣٤.
(٣) و(٣) شرح مسلم ٣٠٣:٣.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
ومن أدخل نسكًا على نسك أساء وانعقد فيرفض الدخيل ويؤديه لوقته مالك وأحد قولي الشافعي لا ينعقد الدخيل لقول علي - ﵁ - لأبي نضرة لما قال: "إني أهللت بالحج وإني أستطيع أن أضم إليها عمرة فأضم؟ قال: لا ولكنك إن أهللت بعمرة وأردت أن تضم إليها حجًّا ضممت" (١).
قلنا: أراد أنه أساءه إذ سأله قبل العمل، قيل وهو مراد عمر بقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - أنا أنهى عنهما بل أعاقب على فعلهما، وقيل بل نكاح المتعة وعليه دم الرفض لما مر المؤيد والمنصور وسواء تضيق الوقت أم اتسع وقيل إن (أ) خشي فوت الحج الدخيل قدمه، قلنا لم يفصل الدليل العترة والشافعي ولا يصير قارنًا إذ لم يحرم لهما معًا الإمام يحيى وأحمد، وعن الشافعي لا ينعقد إدخال العمرة على الحج ويصح العكس لقوة الحج، عن الشافعي ينعقد ويصير قارنًا أبو حنيفة إذا أدخله قبل الطواف صار قارنًا إذ التأخير اليسير معفو عنه (ب)، قلنا: لم يُفرق ثم إن هذا مشى، انتهى.
ولا يخفى عليك ما بينه وبين كلام القاضي من المخالفة (جـ في نقل الخلاف جـ) وما في كلام البحر من اضطراب في نقل الخلاف وضعف الاحتجاج بقول على وعدم صحة الجواب، والذي (د) يظهر من مجموع
_________________
(١) (أ) جـ: (بل إنْ). (ب) سقط من هـ: (عنه). (جـ -جـ) سقط في هـ. (د) هـ: (الذي).
(٢) انظر صحيح مسلم من حديث أبي زيد "لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة". ٢: ٨٩٧ ح ١٦٢ - ١٢٢٤ م.
[ ٥ / ٢٢٥ ]
الأحاديث الواردة في الحج وما وقع من النبي - ﷺ - وأصحابه أنه لا مانع من إدخال الحج على العمرة والعمرة على الحج، وأن ذلك ليس فيه إبطال لما تقدمه بل هو تأكيد للزومه وزيادة في (أ) المحافظة على أدائه حيث لم يتَحلل من إحرامه، بل مضى فيه حتى أكمل أعمال المُدْخَل عليه، وإنما الشأن في التحلل من الحج وفسخه إلى العمرة هل كان ذلك خاصًّا بأصحاب النبي - ﷺأو حكمه باق، فذهب الجمهور إلى أن ذلك كان خاصًّا بأصحاب النبي - ﷺ - واستدلوا (ب) عليه بما رواه عبد الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن المرقع عن أبي ذر أنه قال: "كان فسخ الحج من رسول الله - ﷺ - لنا خاصة" (١).
وأخرج وكيع أيضًا عنه أنه قال: "لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة إنها كانت رخصة لنا أصحاب رسول الله - ﷺ -" (٢).
وأخرج البزار عن يزيد بن شريك "قلنا لأبي ذر: كيف تمتع رسول الله - ﷺ - وأنتم معه؟ قال: ما أنتم وذاك، إنما ذاك شيء رخص لنا فيه"، يعني المتعة.
وأخرج أيضًا عن أبي بكر التيمي عن أبيه والحارث بن سويد قالا: قال أبو ذر: في الحج (ب) والمتعة رخصة أعطاناها رسول الله - ﷺ -.
وأخرج أبو داود عن ابن الأسود أن أبا ذر كان يقول: من جمع ثم فسخها إلى عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله -
_________________
(١) (أ) سقط من جـ: (في). (ب) هـ: (إذا استدلوا). (جـ) هـ: (في الحج والعمرة والمتعة).
(٢) مسند الحميدي ١: ٧٣ ح ١٣٢.
(٣) زاد المعاد ٢: ١٨٩.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
ﷺ - (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمَّد خاصة" (٢) وفي لفظ: "كانت رخصة" (٣) يعني المتعة في الحج، وفي لفظ آخر "لا تصلح المتعة إلا لنا خاصة" (٤) يعني متعة النساء ومتعة الحج، وفي لفظ آخر "إنما كانت لنا خاصة دونكم" (٥) يعني متعة الحج. وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر في متعة الحج "ليست لكم ولستم منها بشيء، إنما كانت رخصة لنا أصحاب محمَّد" (٦).
وفي سنن أبي داود والنسائي من حدثنا بلال بن الحارث قال: "قلت يا رسول الله أىا فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "بل لنا خاصة" ورواه الإِمام أحمد (٧).
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سئل عثمان عن متعة الحج فقال: "كانت لنا ليست لكم" ويتأيد هذا بإنكار عمر، ومنعه مع وفور الصحابة وقرب العهد منهم للنبي - ﷺ - من غير ظهور خلاف عليه في عصره ويتأيد بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ﴾ (٨) فإن الآية تقضي بوجوب تمامهما، وأنه لا يجوز الخروج من أحدهما قبل إتمامه، وقد أجاب عن جميع ذلك في الهدي
_________________
(١) أبو داود المناسك، باب في الإقران ٢: ٣٩٩ ح ١٨٠٧.
(٢) مسلم الحج، باب جواز التمتع ٢: ٨٩٧ ح ١٦٠ - ١٢٢٤.
(٣) و(٤) و(٥) مسلم السابق ٨٩٧:٢ ح ١٦١ - ١٦٢ - ١٦٣ - ١٢٢٤ م.
(٤) النسائي المناسك، باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي ٥: ١٧٩.
(٥) أبو داود المناسك، باب في الإقران ٢: ٣٩٩، ٤٠٠ ح ١٨٠٨، والنسائي، المناسك، باب إباحة فسخ الحج بعمرة ، ٥: ١٧٩، أحمد ٣: ٤٦٩.
(٦) سورة البقرة الآية ١٩٦.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
النبوي (١)، ونسب جواز ذلك وبقاءه إلى علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبي موسى وسعيد بن المسيب وجمهور التابعين، فليراجع، والله أعلم.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أفضل أنواع الحج، فقال الشافعي ومالك وكثيرون أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن، وهو قول الهادي في الأحكام، وقال أبو حنيفة: أفضلها القرآن، وقال أحمد وآخرون -وهو مروي عن الصادق والباقر، والناصر-: إن أفضلها التمتع، وقال أبو العباس: إن القرآن أفضل لمن قد حج، والإفراد أفضل لمن لم يكن قد حج (ب).
وقد اختلف العلماء في حجه - ﷺ - على ثلاثة أقوال بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعًا واذعت أن حجة النبي - ﷺ - كانت كذلك، والصحيح أنه - ﷺ - كان أولًا مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا.
وقد اختلفت روايات الصحابة في صفة حج النبي - ﷺ - حجة الوداع.
وفي البخاري ومسلم روايات مختلفة في ذلك، وطريق الجمع أن من روى الإفراد فباعتبار أول أمره، ومن روى القرآن فباعتبار ما انتهى إليه،
_________________
(١) (أ) سقط من جـ: (والباقر). (ب) جـ: (لمن لم يحج).
(٢) قال محقق زاد العاد: "في الأصل المطبوع وفي سنن أبي داود وهو تحريف وإسناده صحيح كما قال المؤلف وهو في حجة الوداع ٢٧٦ لابن حزم ٢١١: ١٩١. زاد المعاد ٢: ٩٠ وما بعدها.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
ومن روى التمتع فقد أراد به التمتع اللغوي، فإنه انتفع بالعمرة وارتفق بها من دون إعادة إحرام، واحتج (أ) من فضَّل الإفراد بأنه صح ذلك من حديث جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية على غيرهم في معرفة ما فعله - ﷺ - فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي - ﷺ - من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذًا بخطام الناقة وأنكر هو على من رجح قول أنس على قوله، فقال: "كنت تحت ناقة رسول الله - ﷺ - يمشي لعابها أسمعه يلبي بالحج".
وأما عائشة فقربها من رسول الله - ﷺ - معروف، وكذلك اطلاعها لفطنتها على باطن أمره وظاهره وفعله على خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها، وأما ابن عباس فمحله من الفقه والعلم والدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة بحثه وحفظه أحوال رسول الله - ﷺ - التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، وبأنه واظب على ذلك الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر وعثمان، وفعل عليّ اختلف لبيان جواز ذلك، وبأنه لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف ما عداه فيجب الدم للجبران، واحتج من فضل القرآن بأنه ورد أنه - ﷺ - قرن، ورويت في ذلك بضعة وعشرون حديثًا كلها صحيحة من سبعة عشر صحابيًّا هم: عائشة وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان بإقراره لعليٍّ وتقرير على له وعمران بن الحصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأبو قتادة وابن أبي أوفى وأبو طلحة والهرماس بن زياد وأم سلمة وسعد بن أبي وقاص وأنس مع أن حديث أنس أيضًا رواه ستة عشر نفسًا من الثقات كلهم متفقون عن
_________________
(١) (أ) جـ: (واحتج آخر).
[ ٥ / ٢٢٩ ]
أنس (١) أن لفظ النبي - ﷺ - كان إهلالًا بحجة وعمرة معًا، وهم
الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن
الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني ومحمد وبكر بن
عبد الله المُزَني وعبد العزيز بن صهيب وسليمان التيمي ويحيى بن أبي
إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب بن سليم (أ) وأبو قدامة عاصم بن حسين وأبو قزعة وهو سويد بن حجر الباهلي (٢). واحتج من قال بأفضلية التمتع أن النبي - ﷺ - حج تمتعًا، وروايات التمتع هي روايات القرآن، فإن التمتع الذي وقع من النبي - ﷺ - هو القرآن كما عرفت، وأما التمتع الذي هو النوع الثالث فهو وقع من أصحاب النبي - ﷺ - بأمره لهم واستحسانه لذلك، وقوله "لو استقبلت من أمري ما استدبرت " الحديث فإن اختياره - ﷺ - ذلك لهم يدل على أفضليته وقد ينقضي عن ذلك بأنه لا شك أنه أفضل في حقهم، ووقوعه بحكمه في حقهم لا يحصل مِن فعل من بعدهم، وهو أنه لإظهار مخالفة ما كان ارتسم في النفوس من أن العمرة لا يجوز التلبس بها في أشهر الحج وإن ذلك من أفجر الفجور، ولذلك عظم على أصحابه - ﷺ - حين أمرهم بالحل كله، والأحكام شرعت لمصالح العباد، وهذه مصلحة مناسبة للتشديد في الأمر به، فإن ذلك من التشريع الذي يجب تبليغه إلى العباد، فكان في حقهم أفضل، وأما في حق غيرهم فلا، وأقول والله أعلم: الذي يترجح اختيار أفضليته هو القرآن فإن القرآن قد اشتمل على مقاصد معتبرة منها تأكد الإحرام من حيث إنه علقه بسنتين موجبتين للفضل والثواب.
_________________
(١) (أ) جـ: (سليمان).
(٢) زاد المعاد ٢: ١١٦.
(٣) زاد المعاد ٢: ١١٦.
[ ٥ / ٢٣٠ ]
ومنها موافقة ما انتهى إليه حال النبي - ﷺ - وأمر به من الجمع بينهما.
ومنها إظهار مخالفة المشركين المحرمين للعمرة في أشهر الحج.
ومنها قبول التيسير الذي أراده الله لأمته - ﷺ - في الشريعة من حيث إنه قام بإحرامَيْن دفعة واحدة من دون تكرار إحرام.
ومنها التزام النسك الذي فيه التقرب بنحر دمه وإظهار شعار البيت الحرام بالهدي والقلائد وإنالة المساكين من لحمه وغير ذلك.
ومنها: العمل بتمام ما أحرم به من الحج والعمرة والمطابقة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإن ظاهر الآية قاضٍ بأنهم متلبسون بهما دفعة واحدة وإتمامهما معًا أن يكون التحلل منهما تحللًا واحدًا، وهذا ظاهر في حق القارن ولا ريب في شرعية الثلاثة الأنواع وحصول الامتثال بأنها فعل، والله أعلم.
خاتمة: اشتمل هذا الباب على حديث واحد، ولعل المصنف رحمه الله تعالى خص هذا الباب بهذا الحديث لما كان جامعًا للثلاثة الأنواع، والله أعلم.
[ ٥ / ٢٣١ ]