قال النووي في "شرح مسلم" (٣): ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه يقع في كتب المحدثين وغيرهم: حتى يبدوا. هكذا بألف في الخط، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد يبدوا. والاختيار حذفها أيضًا، ويقع
_________________
(١) البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ٤/ ٣٩٤ ح ٢١٩٤، ومسلم، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع ٣/ ١١٦٥ ح ١٥٣٤/ ٤٩.
(٢) مسلم ٣/ ١١٦٦ ح ١٥٣٤/ ٥٢.
(٣) شرح مسلم ١٠/ ١٧٨.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
(أأمثله في أ): حتى يزهوا. والصواب حذف الألف. انتهى.
والحديث فيه دلالة على أنه منهي عن البيع قبل بدو الصلاح، ولم يظهر كون البيع باطلا أو لا، وفي المسألة خلاف، ولذلك لم يجزم البخاري في التبويب بشيء، وقال (١): باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. والإجماع على أنه لا يصح بيع الثمر قبل خروجه؛ لأنه بيع معدوم، وعلى هذا المعنى (ب) حمل النهي في هذا، وكذا بعد خروجه قبل نفعه، إلا أن الإمام المهدي في "البحر" روى عن المؤيد بالله صحة ذلك بشرط القطع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢).
وقد اعترض عليه في الرواية عنه وأنه روي ذلك في "الغيث"، وفي "الزهور" عن أبي مضر وحده، وكذا بعد نفعه قبل صلاحه بشرط البقاء إجماعًا، وأما من دون شرطه فقال ابن أبي ليلى والثوري، ونسبه في "البحر" إلى أحمد وإسحاق: إنه يبطل البيع.
قال المصنف ﵀ (٣): ووهم من نقل الإجماع فيه. وقال الشافعي وأحمد والجمهور: إنه يصح إن شرط القطع. وقال المؤيد والإمام يحيى وأبو حنيفة: إنه يصح وإن لم يشرط. قال أبو حنيفة: ويؤمر بالقطع. كذا رواه في
_________________
(١) (أ- أ) في ب: في مثله. (ب) ساقط من: ب.
(٢) الفتح ٤/ ٣٩٣.
(٣) الآية ٢٧٥ من سورة البقرة.
(٤) الفتح ٤/ ٣٩٤.
[ ٦ / ٢١٠ ]
"البحر".
وقال المصنف في "الفتح" (١): الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم.
وأما بعد صلاحه، فذهب العترة والفقهاء إلى أنه يصح مع شرط القطع إجماعًا، ومع شرط البقاء يفسد إجماعًا وإن جهلت المدة. قال الإمام يحيى: فإن عُلمت صح عند الهدوية؛ إذ لا غرر. وقال المؤيد: لا يصح للنهي عن بيع وشرط، فإن أطلق صح عند الهدوية وأبي حنيفة، إذ ما تردد بين وجهي صحة وفساد، عمل بالصحة إذ هي الظاهر. قال الإمام المهدي: إلا أن يجري عرف بالبقاء مدة مجهولة فسد، ومثله ذكر النووي في "شرح مسلم" (٢).
وقوله: نهى البائع والمبتاع. أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله، وفيه أيضًا قطع التخاصم والنزاع.
والعاهة: العيب والآفة، والمراد ما يصيب الثمر، وقد بين ذلك زيد بن ثابت (٣) قال: كان الناس في عهد رسول الله - ﷺ - يتبايعون (أ) الثمار، فإذا أجذ الناس -بالجيم والذال المعجمة، وهو قطع ثمر النخل- وحضر
_________________
(١) (أ) في ب، جـ: يبتاعون.
(٢) الفتح ٤/ ٣٩٦.
(٣) شرح مسلم ١٠/ ١٨١، ١٨٢.
(٤) البخاري ٤/ ٣٩٣ ح ٢١٩٣، وأبو داود ٣/ ٢٥١ ح ٣٣٧٢.
[ ٦ / ٢١١ ]
تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر (أ) الدَّمانُ. بفتح الدال وتخفيف الميم، وضبطه الخطابي (١) بضمها، ورُوي فيهما الكسر، وهو فساد الطلع وسواده. وفي رواية يونس: الدمار. بالراء بدل النون، وهو تصحيف كما قال عياض (٢). ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك. وقال الأصمعي (٣): الدمال، باللام، العفن. [أصابه] (ب) مراض؛ بكسر أوله. وقال الخطابي (٤): بالضم، وهو داء يقع في الثمرة فتهلك، وهو اسم لجميع الأمراض، يقال: أمرض. إذا وقع في ماله عاهة. زاد الطحاوي في روايته (٥): أصابه عفن.
قشام، بضم القاف بعدها شين معجمة مخففة، وهو شيء يصيبه حتى لا يرطب، وقال الأصمعي (٦): هو أن ينقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحا. وقشام المائدة: ما ينقص مما بقي على المائدة مما لا خير فيه. عاهات يحتجون بها: أي هذه عاهات أو بدل من المذكورات قبله. فقال رسول الله - ﷺ - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر". كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم. انتهى.
ويفهم من قوله: كالمشورة. أن النهي للتنزيه لا للتحريم، فلا يدل على
_________________
(١) (أ) في جـ: التمر. (ب) ساقطة من. النسخ، والمثبت من الفتح ٤/ ٣٩٥.
(٢) ينظر الفتح ٤/ ٣٩٥.
(٣) مشارق الأنوار ١/ ٢٥٨.
(٤) تهذيب اللغة ١٤/ ١٣٦.
(٥) ينظر الفتح ٤/ ٣٩٥.
(٦) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٨.
(٧) تهذيب اللغة ٨/ ٣٣٧.
[ ٦ / ٢١٢ ]
بطلان البيع، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كان لا يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. وقد أخرج أبو داود (١) مرفوعًا عن أبي هريرة قال: "إذا طلع النجم صباحًا رُفعت العاهة عن كل بلد". والنجم هو الثريا، والمراد طلوعها صباحًا، وهو في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار، وهو المعتبر حقيقة، وطلوع الثريا علامة له.
وفي قوله: كان إذا سُئل عن صلاحها. إلخ ما يدل على أن ذلك موقوف على ابن عمر، والله أعلم.
٦٨٤ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قيل: وما زَهْوها؟ قال: "تحمارُّ وتصفارُّ". متفق عليه واللفظ للبخاري (٢).
قوله: تُزهي. يقال: أزهى يُزهي. إذا احمر واصفر، زها النخل يزهو. إذا ظهرت ثمرته. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. ومنهم من أنكر يزهو، ومنهم من أنكر يُزهي. كذا في "النهاية" (٣). وقال الخطابي (٤): هذه الرواية هي الصواب ولا يقال في النخل: يزهو. إنما يقال: يُزهي. لا غير. ومنهم من أثبت ما نفاه فقال: زها. إذا طال واكتمل، و: أزهى. إذا احمرَّ واصفرَّ.
_________________
(١) أبو داود -كما في الفتح ٤/ ٣٩٥ - وينظر مجمع الزوائد ٤/ ١٠٣.
(٢) البخاري، كتاب البيوع، باب بيع النخل قبل أن يبدو صلاحها ٤/ ٣٩٧ ح ٢١٩٧، ومسلم، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح ح ١٥٥٤/ ١٥.
(٣) النهاية ٢/ ٣٢٣.
(٤) معالم السنن ٣/ ٨٣.
[ ٦ / ٢١٣ ]
وقوله: قيل: وما زهوها؟. لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسئول أيضًا، وقد رواه النسائي (١) بالتصريح بالمسئول بلفظ قيل: يا رسول الله. وظاهر الرواية التي هنا الرفع، وقد رواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفًا على أنس (٢).
وقوله: "تحمارَّ وتصفارَّ". قال الخطابي (٣): لم يُرِدْ بذلك اللون الخالص من الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة، فلذلك قال: "تحمار وتصفار". قال: ولو أراد اللون الخالص لقال: تحمر وتصفر. وبه فسر التشقيح الوارد في الرواية الأخرى، قال ابن التين (٤): أي تغير ألوانها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله: "تحمار وتصفار". ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن تنضج (أ). قال: وإنما يقال: تفعالّ في اللون المتغير إذا كان يزول ذلك. وأنكر هذا بعض أهل اللغة وقال: لا فرق إلا أنه قد يقال في هذا المحل المراد به ما ذكر، بقرينة قوله: يبدو صلاحها. في الرواية الأخرى وبدو الصلاح بتميز (ب) الألوان، وهو يحصل بما ذكر.
والزهو؛ قال الجوهري (٥): بفتح الزاي، وأهل الحجاز يقولونه بالضم،
_________________
(١) (أ) في ب، جـ: تنصع، وفي الفتح: تشبع. (ب) في ب: تميز، وفي جـ: تتميز.
(٢) النسائي ٧/ ٢٦٤.
(٣) البخاري ٤/ ٤٠٤ ح ٢٢٠٨.
(٤) معالم السنن ٣/ ٨٥.
(٥) الفتح ٤/ ٣٩٧.
(٦) الصحاح (ز هـ و).
[ ٦ / ٢١٤ ]
وهو البسر الملون، يقال إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل: قد ظهر فيه الزهو. وقد زها النخل زهوا، [وأزهى] (أ) لغة. انتهى. وهذا في اسم العين (ب)، والمصدر بالفتح كما وقع في الحديث. والله أعلم.
٦٨٥ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد. رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم (١).
صححه من حديث حماد عن حميد عن أنس. وقال الترمذي والبيهقي (٢): تفرد به حماد.
الكلام في هذا مثل ما تقدم في الثمر. والمراد باسوداد العنب واشتداد الحب بدو صلاحه وأمن الآفة عليه. وفي رواية لمسلم (٣): وعن السنبل حتى يبيض. والمعنى في ذلك اشتداد الحب وهو بدو صلاحه.
قال النووي (٤): فيه دليل لمذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء أنه يجوز
_________________
(١) (أ) في النسخ: وهي. والمثبت من مقدمة الصحاح، وشرح مسلم ١٠/ ١٧٨. (ب) في جـ: المعنى.
(٢) أحمد ٣/ ٢٢١، ٣/ ٢٥٠، وأبو داود، كتاب البيوع، باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ٣/ ٢٥١ ح ٣٣٧١، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ٣/ ٥٣٠ ح ١٢٢٨، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ٢/ ٧٤٧ ح ٢٢١٧، وابن حبان، كتاب البيوع، باب ذكر وصف ظهور الصلاح في الحبوب ١١/ ٣٦٩ / ح ٤٩٩٣، والحاكم، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الحب حتى يشتد ٢/ ١٩.
(٣) البيهقي ٥/ ٣٠٣.
(٤) مسلم ٣/ ١١٦٥، ١١٦٦ ح ١٥٣٥.
(٥) شرح مسلم ١٠/ ١٨٢.
[ ٦ / ٢١٥ ]
بيع السنبل المشتد، وأما مذهبنا ففيه تفصيل؛ فإن كان السنبل شعيرا أو ذرة أو ما في معناهما مما تُرى حبَّاته خارجة صح بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما تستتر حباته بالقشور التي تزال [بالدياس] (أ) (١) ففيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى؛ الجديد أنه لا يصح وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح. وأما قبل الاشتداد فلا يصح بيعه إلا بشرط القطع كما ذكرنا، فإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط صح تبعًا للأرض، وكذا الثمر قبل الصلاح إذا بيع مع الشجر جاز بلا شرط تبعًا، وهكذا حكم [البقول] (ب) في الأرض، لا يجوز بيعها دون [الأرض] (جـ) إلا بشرط القطع، وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه. وفروع المسألة كثيرة، وقد نقحت مقاصدها في "روضة الطالبين" و"شرح المهذب" (٢)، وجمعت فيها جملًا مستكثرةً، وبالله التوفيق. انتهى.
٦٨٦ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لو بعت من أخيك ثمرا (د) فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". رواه مسلم (٣).
_________________
(١) (أ) في الأصل، جـ: في الدياس. (ب) في النسخ: القول. والمثبت من شرح مسلم. (جـ) في النسخ: الزرع. والمثبت من شرح مسلم. وينظر روضة الطالبين ٣/ ٥٥٨. (د) في ب: "تمرا".
(٢) داس الناس الحب وأداسوه، درسوه، وهو الدياس بلغة الشام. التاج (دوس).
(٣) روضة الطالبين ٣/ ٥٥٦، ٥٥٧، والمجموع ١١/ ١٣٢ - ١٣٦.
(٤) مسلم، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح ٣/ ١١٩٠ ح ١٥٥٤/ ١٤.
[ ٦ / ٢١٦ ]
وفي رواية له (١) أن النبي - ﷺ - أمر بوضع الجوائح.
الجائحة هي الآفة التي تصيب الثمرة، من الجَوْح، وهو الاستئصال.
الحديث فيه دلالة على أن الثمر الذي على رءوس الشجر إذا باعه المالك وأصابته الجائحة، أن تلفه من مال البائع، وأنه لا يستحق على المشتري في ذلك شيئًا، وظاهر الحديث فيما باعه بيعًا غير منهي عنه وأنه بعد بدو الصلاح؛ لوقوع النهي عن بيعه قبل بدو الصلاح، وإن كان هذا يحتمل وروده قبل النهي، وقد تقدم حديث زيد بن ثابت في بيان ورود أصل النهي وما كان عليه أهل المدينة من الشجار، إلا أنه وقع في رواية حديث زيد بن ثابت من طريق أبي الزناد عن خارجة عن أبيه، أنه قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ونحن نبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع خصومة، فقال: "ما هذا". فذكر الحديث (٢)، فأفاد مع ذكر سبب النهي تاريخ ذلك، فيكون هذا الحديث متأخرًا، فيحمل على البيع بعد بدو الصلاح.
وقد ذهب إلى العمل بظاهر الحديث حيث أصابت الجائحة الثمر جميعه أنه يوضع الثمر جميعه، محمد وأبو عبيد، وأن التلف يكون من مال البائع. وقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد: إن تلف ذلك يكون من مال المشتري ولا يجب على البائع أن يضع شيئًا، وإنما يستحب له. وهو قول الهدوية؛ لأن التخلية في العقد الصحيح بمنزلة القبض حيث كان العقد صحيحًا، وقد سلمه البائع بالتخلية بينه وبين المشتري،
_________________
(١) مسلم ٣/ ١١٩١ ح ١٥٥٤/ ١٧.
(٢) البخاري ٤/ ٣٩٣ ح ٢١٩٣ معلقا، وأحمد ٥/ ١٩٠.
[ ٦ / ٢١٧ ]
فكأنه قد قبضه، واحتجوا على ذلك بما سيأتي [في التفليس] (أ) في حديث أبي سعيد (١) أن النبي - ﷺ - أمر الناس أن يتصدقوا على الذي أصيب في ثماره. الحديث. فلو كانت توضع لم يفتقر إلى الأمر بالصدقة عليه، وهذا الحديث المذكور محمول على استحباب الوضع أو أنه فيما بيع قبل صلاحه، فالبيع فيه فاسد ولا تكفي التخلية فيه، ولكنه يجاب عن الأول بأن قوله: "فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا". تصريح بالتحريم، وهو أولى بأن يكون قرينة على تأويل حديث أبي سعيد بأن التصدق على الغريم من باب الاستحباب؛ ليكون فيه وفاء بغرضين؛ جبر البائع، وتعريض المشتري لمكارم الأخلاق، ويدل عليه قوله في آخر الحديث لما طلبوا الوفاء: "ليس لكم إلا ذلك". فلو كان لازما لأمرهم بالنَّظِرة إلى ميسرة. وعن الثاني بما عرفت أن النهي عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح كان قد تقدم، ومن البعيد أن يحصل من الصحابة ﵃ تعمد مخالفة النهي. وقال مالك: يوضع الثلث. وقول للشافعي: إن كان الذاهب من الثمر دون الثلث لم يجب وضع شيء، وإن كان الثلث فأكثر وجب الوضع وكانت من ضمان البائع. وجنح البخاري إلى مثل تأويل من قال: إن البيع كان قبل بدو الصلاح. وبوب على ذلك، قال: باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع. ثم أخرج حديث أنس (٢) أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى
_________________
(١) (أ) ساقط من: الأصل، جـ.
(٢) سيأتي ح ٦٩٨.
(٣) الفتح ٤/ ٣٩٨ ح ٢١٩٨. وتقدم ح ٦٨٤.
[ ٦ / ٢١٨ ]
تُزْهي. فقيل له: وما تزهي؟ قال: "حتى تحمرَّ". فقال رسول الله - ﷺ -: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". وهذا بناء من البخاري أن بيع الثمار قبل الصلاح صحيح، ولذلك بوب قبل هذا: باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. وذكر في هذا الباب حديث زيد (١)، وجعل ذلك كالمشورة عليهم، على أن النهي ليس للتحريم.
٦٨٧ - وعن ابن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبَّر، فثمرتها للبائع الذي باعها إلا أن يشترط المبتاع". متفق عليه (٢).
"ابتاع" أي اشترى، والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل.
وقوله: "تؤبر". مضارع أُبِرَت بوزن أكلت مخففًا على المشهور، ومشددًا؛ تقول: أبّرته أُؤبره تأبيرًا. بوزن علمته تعليمًا، والتأبير التشقيق والتلقيح (أ)، ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيها شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئًا، بل ولو تشققت بنفسها فالحكم فيها (ب) هذا.
_________________
(١) (أ) في ب، جـ: فالتلقيح. (ب) في ب: فيه.
(٢) تقدم ح ٦٨١.
(٣) البخاري، كتاب البيوع، باب من باع نخلا قد أبرت ٤/ ٤٠١، ٥/ ٤٩، ح ٢٢٠٤، ٢٣٧٩، ٢٧١٦، ومسلم، كتاب البيوع، باب من باع نخلا عليها ثمر ٣/ ١١٧٢، ١١٧٣ ح ١٥٤٣/ ٧٧ - ٧٩.
[ ٦ / ٢١٩ ]
والحديث ذهب إلى العمل بظاهره الجمهور أن الثمرة بعد التأبير للبائع، وهذا منطوقه، ودليل الخطاب أنها قبل التأبير للمشتري وهو مفهوم صفة معمول به. وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده. فعمل بمنطوق الحديث بعد التأبير، ولم يعمل بمفهومه قبل التأبير بناء على مذهبه من عدم العمل بمفهوم المخالفة. ورُد على أبي حنيفة بأن الظاهر يخالف المستتر في البيع، أي أن الفوائد الظاهرة تخالف المستترة، فإن الأمَة ولدها المنفصل لا يتبعها والحمل يتبعها. وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير وبعده. وقوله منابذ للسنة، ولعله لم يبلغه الحديث.
وقوله: "إلا أن يشترط المبتاع". أي المشتري بأن يقول: اشتريت الشجرة بثمرتها. كانت الثمرة له، وسواء كان الشرط للكل أو للبعض. وقال ابن (أ) القاسم: لا يجوز اشتراط البعض. وقالت الشافعية: لو باع نخلة بعضها مؤبَّر وبعضها غير مؤبَّر فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك بشرط اتحاد الصفقة، وإن أفرد فلكلٍّ حكمُه، ويشترط كونهما في بستان واحد، وإن تعدد فلكلٍّ حكمُه، ونص أحمد على أن الذي يؤبَّر للبائع والذي لا يؤبَّر للمشتري، ووجه قول الشافعية هو دفع ضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة، وجعل المالكية الحكم للأغلب، واختلفوا فيما إذا باع نخلة وبقيت ثمرتها له ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة؛ فقال ابن أبي هريرة (١): هو للمشتري؛ لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون ما لم يوجد. وهذا
_________________
(١) (أ) زاد في النسخ: أبي. والمثبت من الفتح ٤/ ٤٠٣.
(٢) الفتح ٤/ ٤٣٠.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
هو المختار عند الهدوية، فإن التبس فوجهان عندهم؛ يفسد العقد. والثاني: يقسم الثمر. ويبين مدعي الزيادة والفضل وهو المعمول عليه. وقال الجمهور من الشافعية: هو للبائع؛ لكونه من ثمرِه المؤبرة دون غيرها.
ويدل الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فيخُص النهي عن بيع وشرط.
وفي الحديث جواز التأبير، ويقاس عليه ما يعتاده أهل الحراثة من الأسباب التي أجرى الله العادة بحصول الثمرة معها، وهذا النص ورد في النخيل، ويقاس سائر الأشجار على ذلك، والله أعلم.
[ ٦ / ٢٢١ ]