بسم الله الحمن الرحيم
وبه نستعين (أ)
الحمد لله الذي أوضح المَحَجَّة إلى معالم الاسلام، وأنارَ لعباده طُرُق الحلالِ والحرامِ، وهداهم بسنة نبيه محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- إِلى ما أوصلهم به من بلوغ غاية المرام، وَعرفَهُم به من العلم بكيفية استنباط الأحكام، واصطفى لتحمل شرعه الأغر صفوةً من عترة (١) نبيه الكرام، وصحابته ذَوِي
_________________
(١) (أ) ساقطة من (هـ).
(٢) عترة الرجل: قال ابن الأثير، عترة الرجل أخص أقاربه. وقال أبو عبيدة وغيره: عترة الرجل وأمرته وفصيلته رهطه الأدنون. وقال ابن الأعرابي: عترة الرجل ولده وذريته وعقبه من صلبه، قال: فعترة النبي - ﷺ - ولد فاطمة البَتُول - ﵂ -، والمشهور المعروف أن عترته أهل بيته وهم الذين حرمت عليهم الزكاة والصدقة المفروضة وهم ذَوُو القربى الذين لهم خُمس الخُمس. النهاية ٣/ ١٧٧، تاج العروس ١٢/ ٥٢٠. والذي يظهر أن العترة هم الآل، وإذا اجتمعا فالعترة هم ولد فاطمة ﵂ فقط وبهذا تتفق الأدلة. فحديث الكساء عند الترمذي ٥/ ٦٦٣ - ٣٧٨٧ توْصل دخول ذريته - ﷺ - لأن السياق في زوجاته - ﷺ - انظر أضواء البيان ٦/ ٥٧٦، وحديث: "عترتي أهل بيتي" عند الترمذي ٥/ ٦٦٢ - ٣٧٨٦ بيان أن العترة أهل البيت. وحديث: "المهدي" من عترتي من ولد فاطمة عند أبي داود ٤/ ٤٧٤ - ٤٢٨٤، بيان أن المهدي من سلالة فاطمة ﵂. والمسألة متشعبة جدًّا، وفيها صور عديدة في دخول زوجاته - ﷺ - في مواليه وغير ذلك. والآل لهم خصائص منها حرمانهم من الصدقة، ومها أنهم لا يرثون، ومها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم. وهنا يحسن أن نقول أن ما يتردد في كتب الزيدية من إطلاق لفظ "العترة" وتزخر به مصنفاتهم فإنهم يقصدون المنتسبين إلى طائفتي القاسمية والناصرية، يقول صاحب البحر: "وإذا قيل العترة جميعا فالمراد إجماع القاسمية والناصرية". البحر ١ / ص وقد تعقبه الحيداري في تراجم رجال شرح الأزهار فقال: تطلق عند المؤلف -صاحب البحر- ويراد بها القاسمية والناصرية. ولعل مراده من في اليمن ٣/ ٤٥. ولا ينبغي إلا هذا وإلا فأين مَنْ قَبْل القاسم والناصر من سلالة علي كرم الله وجهه وسيدا شباب أهل الجنة رضي الله عهم ومن بعدهم حتى القاسم والناصر. والله أعلم. =
[ ١ / ٣ ]
الإِجلال والاحترام، ومَنْ تبعهم بإحسان، المقتفِينَ الأعلام فذادوا عن موارد سنته (أ) ما كاد يغشاها من ظلم (ب) حشو الكلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً [لأجلها أرسل اللهُ رُسُلَه فأوضح بها معالم الإِسلام، وأنزل كتبه وشرع شريعته فهدى بها طرائقَ الحل والحرام] (جـ)، أنجو بها من هوْلِ اليوم الجامع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمي المختص بالكلم الجوامع والألفاظ النيرة الدوامغ اللوامع، المؤيَّد بالدلائل القواطع، والبراهين السواطع، الذي تشنفت بحديثه المسامع، وتزينت بإملائه المجامع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الساطعة أنوارهم في أشرف المطالع، المقتفين لأثره فلا يحوم حول ذلك قاطع، الذين جعلهم نجومًا يُهْتَدَى بهم في معالم الهدى، ومصابيح يكشف بهم ظُلَم الشك عن من اقتدى، فَهُم وسائل النجاة في المشتبهات، المشار إلى رَفْع قدرهم يقول الله عز مِنْ قائل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١) صلاةً دائمةً متصلة البركات.
_________________
(١) (أ) زاد في ب، هـ: الغراء. (ب) ساقطة من (ب). (جـ) ما بين القوسين في هامش الأصل، وفي ب، وهامش هـ: (شهادة لأجلها أرسل الله رسله فأنار بهم غياهب الظلام، وأنزل كتبه فأوضح بها معالم الإسلام). = والقاسمية: أتباع الإمام القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني الرسبي، ولد سنة ١٧٠ هـ وتوفي بالرس سنة ٢٤٤ هـ الأعلام ٥/ ١٧١ تراجم رجال شرح الأزهار ٣/ ٢٩. والناصرية: أتباع الإمام أبي محمد الحسين بن علي بن الحسين بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يلقب الأطروشي لطرش أصاب أذنيه، ثالث ملوك الدولة العلوية بطبرستان، كان شيخ الطالبيين وعالمهم. قال الإمام الطبري: لم ير الناس مثل عدل الأطروشي وحُسن سيرته وإقامته للحق، ولد سنة ٢٣٠ هـ وتوفي سنة ٣٠٤ هـ. تاريخ الطبري ١١/ ٤٠٨، تراجم رجال شرح الأزهار ٣/ ١١.
(٢) الآية ١١ من سورة المجادلة.
[ ١ / ٤ ]
وبعد: فإنه لما كان العلم أشرف (أ) ما تحلي في الوجود، وأعز ما أنعم الله به على عباده من الجُود نَوَّه سبحانه بفضل مَنْ تحمله بأن جعلهم شاهدين على وحدانيته مذعنين بجلاله وفردانيته وأفردهم بحصر خشيته عليهم وكفى لهم فخرا بتخصيصهم بحميد ذكره وأورثهم المقام العالي لأنبيائه وأفضل نذره، وكان أفضل (ب) ذلك وأولاه بهذا المقام هو العلم المقتبس من مشكاة النبوة التي لا يطفأ نورها ولا يأفل بدورها وشموسها، وكان ذلك العلم الشريف يحتاج المنتفع به إلى تمييز الصحيح من السقيم وسلوك طريق الاعتبار ليكون العمل به جاريا على السَّنَن المستقيم وهذه طريقة عَزُبَ نَيْلُها، وَبَعُدَ تحصيلها، وتقاعدت الهِمَمُ العوالي عن أنْ تشتري مِنْ سوقِها لانتشار طريقها وتفرد بذلك أفراد من نحارير العلماء، وفرسان الحفاظ اللآثار النبوية النبلاء الفهماء، واختلفت طرائقهم في تدوين ذلك فبين مطول ومقتصر ومخلص ومختصر على اختلاف المقاصد وتباين المطالب واعتبار كل قاصد وطالب، وكان من أعظم المؤلفات في ذلك "التلخيص الحَبير" (١) المعلَّق على شرح الرافعي الكبير للحافظ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حَجَر فهو نَسِيْج وحده، وفريد عصره، ثم أتبع على ذلك المنوال مختصره "بلوغ المرام في أدلة الأحكام" (٢) صغير الحجم عظيم القَدْر، فلقد أجاد فيه وأفاد، ووقف (جـ) الآخذ منه على كمال (د)
_________________
(١) (أ) في هـ: أعظم، ومصوبة: أشرف. (ب) في هـ: أجود، ومصوبة: أفضل. (جـ) في ب: ورتب. (د) في هـ: بلوغ، مصوبة كمال.
(٢) التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، وهو تخريج لكتاب (فتح العزيز في شرح الوجيز) ويسمى الشرح الكبير للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي. وقد بين الإمام ابن حجر منهجه في مقدمة كتابه فقال: وقفت على تخريج أحاديث شرح الوجيز لجماعة من المتأخرين .. وعند كل منهم ما ليس عند الآخر من الفوائد والزوائد، وأوسعها عبارة وأخلصها إشارة كتاب شيخنا سراج الدين إلا أنه أطاله بالتكرار فجاء في سبع مجلدات فرأيت تلخيصه في قدر ثلث حجمه مع الالتزام بتحصيل مقاصده، فمن الله بذلك، ثم تتبعت عليه الفوائد من تخاريج المذكورين معه ومن تخاريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية. وهو مطبوع بتحقيق عبد الله هاشم يماني المدني، عنى بطبعة عام ١٣٨٤ / - ١٩٦٤. في جزأين.
(٣) راجع المقدمة.
[ ١ / ٥ ]
المراد من استكماله (أ) أدلة الأحكام في جميع أبواب الفقه وأصول المسائل التي يمكن اللبيب أنْ يَرُدَّ إليها أكثر الفروع في كل باب ويجتنى كل ثمرة تستطاب، ولكنه التزم في الإشارة إلى نقد الحديث الإِجمال دون التوضيح، واكتفى بإطلاق لفظِ صحيح وحَسن وضعيف أو نحو ذلك عن إفادة التصريح من بيان الوجه ولو بطريق التلويح وكان ذلك غير كامل بما يطلب من الإِفادة ولا واف بما قصد من الإِجادة.
قصدت إكمال الانتفاع به وبيان أسباب (ب) ما أشار إلى تعليله وتحسينه وتضعيفه وانقطاعه وإرساله على الطريقة المعتبرة عند أهل الحديث والأصول (جـ بوضع شرح يتضمن جميع ذلك جـ)، ولم آلُ جهدًا في استيفاء هذا المطلب ليكون الناظر فيه على بصيرة لا يحتاج معه إِلى غَيره ثم تبيين ما يفهم من الحديث من الأحكام منطوقا ومفهوما ومَنْ ذهب إلى ذلك من أحبار الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين من جميع المذاهب، والسلوك معهم طريق الإنصاف غير محام على مذهب ولا متحامل أحد من الأمة، سلامة عن العدول إلى سيء المذهب، وأضفتُ إلى ذلك بيان حال من روى الحديث وما يتعلق بذلك من المولد والوفاة وتوجيه ما يحتاج إليه إعراب اللفظ المشكل وشرح الغريب، وانجرَّ الكلام إلى فوائد كثيرة لا يعرف قدرها إلا المطلع على شروح كتب الحديث، ومن الله أستمد التوفيق وأن ينفع به ويجعله خالصًا لوجهه الكريم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وأذكر (د) إسنادي لهذا المختصر إلى مؤلفه -أعاد الله من بركته- فأخبرني به شيخي المحدث العلامة الغرة في وجه العلماء الأعلام العلامة عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن تقي الدين التغري الحبيشيّ (١) -نسبة إلى "حبيشة" (٢)
_________________
(١) (أ) في ب: استكمال. (ب) من هنا بدأت المقابلة من نسخة جـ، كما تقدمت الإشارة إليه في وصف النسخ. (جـ) ساقطة من ب، مثبتة في هامش هـ. (د) ساقطة من ب.
(٢) لم أقف له على ترجمة.
(٣) حبيشة: ناحية واسعة من أعمال إب، وهي في الغرب الشمالي منها، وتحتوي على سبع وعشرين عزلة وكل عزلة على قرى، معجم الحجري ل ٢٠٣.
[ ١ / ٦ ]
قريب من رداع من بلاد مذحج-[حفظه الله تعالى ووسع في مدته ونفع بعلومه] (أ) مناولة قال:
أخبرني به شيخي الفقيه العلامة الورع الزاهد إبراهيم بن عبد الله بن جعمان (١) -رحمه الله تعالى- قراءة مني له بجميعه في مدينة "زَبِيْد" (٢)، قال أخبرني الفقيه العلامة مفتي الأنام محمد بن إبراهيم بن جعمان (٣)، قال:
أخبرني به شيخ الإِسلام إبراهيم بن محمد بن جعمان (٤)، قال: أخبرنا به السيد الطاهر بن حسين (ب) الأهدل (٥)، قال: أخبرنا به الشيخ العلامة عبد الرحمن بن علي الديبع (٦)، قال: أخبرنا به شيخنا الحافظ السخاوي (٧) عن مؤلفه شيخ الإِسلام أحمد بن (جـ) حجر العسقلاني -﵀-.
_________________
(١) (أ) مثبت بهامش الأصل. (ب) في هـ: الحسين. (جـ) زاد في ب: على.
(٢) إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن أبي القاسم بن جعمان سكن مدينة بيت الفقيه ابن عجيل من تهامة اليمن، كان متواضعًا، ملازمًا للجامع، محافظا على الأذكار، له رسالة في علم العروض تسمى (آية الحائر إلى الفك من أحرف الدوائر)، توفي سنة ١٠٨٣، ملحق البدر الطالع ٧.
(٣) زَبِيْد: -بفتح أوله وكسر ثانيه- اسم واد به مدينة يقال لها: "الحصيب"، ثم غلب عليها اسم الوادي فلا تُعرف إلا به، وهي مدينة مشهورة باليمن، خرج منها علماء، وهي بلدة عِلْم، معجم البلدان ٣/ ١٣٢.
(٤) القاضي المحدّث الإمام المفتي التغري، نشر العرف ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١.
(٥) إبراهيم بن محمد بن جعمان بن أبي القاسم اليمني الزبيدي الشافعي كان هو العمدة في عصره في الفتوى بمدينة زَبيْد والمعول عليه في حل المشكلات، توفي سنة ١٠٣٤. ملحق البدر الطالع ٩.
(٦) الطاهر محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الأهدل، ولد سنة ٩١٤ بقرية المراوعة، وكان من كبار المحدثين في اليمن، أخذ عن ابن الديبع، انتهت إليه رئاسة الحديث بعد وفاة شيخه، توفي بمدينة زبيد ٩٩٨، مصادر الفكر العربي في اليمن ٥٥، النور السافر ص ٤٤٧.
(٧) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر الديبع، ولد بمدينة زبيد سنة ٨٦٦، وتوفي والده وهو صغير، ورحل إلى مكة، وأخذ عن السخاوي، ثم رجع إلى اليمن له تآليف منها: تيسير الوصول إلى جاء الأصول، وتمييز الطيب من الخبيث بما يدور على ألسنة الناس من الحديث. توفي سنة ٩٤٤ بمدينة زَبيد. البدر الطالع ١/ ٣٣٥، الضوء اللامع ٤/ ١٠٤.
(٨) الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي إمام حافظ فقيه، تتلمذ على ابن حجر، ولازمه، وتخرج به في الحديث، توفي سنة ٩٠٢ هـ ﵀، له عدة مصنفات منها فتح المغيث شرح ألفية الحديث، والضوء اللامع، وغيرهما. البدر الطالع ٢/ ١٨٤ - ١٨٦.
[ ١ / ٧ ]
قال المصنف -﵀ ورضي عنه-: (الحمد لله)، افتتح هذا المختصر بالحمد بعد التسمية اقتداء بالكلام (أ) المجيد، وابتداء بخير الكلام، وامتثالا لما ندب إليه الشارع - ﷺ - في حديثي الابتداء بالبسملة والتحميد (١).
والحمد في اللغة: هو الوصف بالجميل الاختيارى.
وفي الاصطلاح: هو الفعل الدال على تعظيم المنعم من حيث أنه منعم، واصلة كانت النعمة أو غير واصلة، وبين المعنيين عموم وخصوص (ب من وجهه ب) (٢).
والمدح في اللغة والاصطلاح: هو الوصف بالجميل اختياريا كان أو غيره، فالنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق (٣) (جـ) بالنسبة إلى (د) الحد الأول (٣)، وعلى (هـ) الثاني من وجه) (و).
وقد قيل: إنَّ المَدحَ يخصُّ الاختيارى، فيساوي الحمد.
_________________
(١) (أ) مصححه في هـ: (بالكتاب). (ب) بهامش ب، وضرب عليهما في هـ وأثبت: (مطلق). (جـ) زاد في هـ: (أعني الحمد). (د) زاد في ب: معنى. (هـ) الواو ساقطة من هـ. (و) بهامش الأصل.
(٢) حديث البسملة: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" رواه السبكي في طبقات الشافعية من طريق الحافظ الرهاوي بسنده ١/ ١٢. وفي سنده أحمد بن محمد بن عمران يعرف بابن الجندي قال الخطيب: كان يضعف في روايته ٥/ ٧٧، وقد أطال الإمام السبكي الكلام عليه وعلى لفظ "الحمد لله" في الطبقات وصحح الحديث، وقد ضعف الألباني الحديث في إرواء الغليل ١/ ٢٩ - ٣٠. وأما حديث التحميد فرواه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل أمر بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع" ١/ ٦١٠ ح ١٨٩٤، وأبو داود بلفظ "فهو أجذم" ٥/ ١٧٢ ح ٤٨٤٠، قال أبو داود: روى عن الزهري مرسلًا، وأخرجه النسائي عن ابن شهاب مرسلًا ٣٤٥ ح ٤٩٥، وابن حبان موصولا. الإحسان طبقات السبكي ١/ ١٥.
(٣) العموم والخصوص الوجهي: أن يصدق أحد الكليّين على بعض ما صدق عليه الآخر فقط. تحرير القواعد المنطقية ٦٣.
(٤) العموم والخصوص المطلق: أن يصدق أحد الكليّين على كل ما يصدق عليه الآخر من غير عكس كالحيوان والإنسان، تحرير القواعد المنطقية ٦٣.
[ ١ / ٨ ]
والشكر في اللغة: بمعنى الحمد الاصطلاحِيّ، وفي الاصطلاح: هو صرف العبد جميع ما أعطي في الجهة التي أُعطِي لأجلها، كصرف النظر في مطالعة المصنوعات للاستدلال على وجود الصانع، ومعرفة آثار صنعته، وتصرفات حكمته، ونحو ذلك في السمع وغيره من الحواس الباطنة والظاهرة (أ)، والتقرب إليه بإفاضة ما أفيض عليه من النعم الدنيوية في جهات مرضاته، فحينئذ الحمد والشكر ليستا (ب) عبارة عن قول القائل: "الحمد لله"، "الشكر لله"، وإنما ذلك (جـ) اللفظان فردان من أفرادهما إذ قد حصل بهما استعمال اللسان في النطق بما خلقت له من الذكر لله تعالى.
والحمد مصدر حذف فعله لسده مسده وكان أصله النصب، ولكنه عدل إلى الرفع للدلالة على الدوام والثبات، والمصدر دال على الماهية والحقيقة دون الأفراد، وعَرَّفَ باللام لتعيينها، وأفاد حصر المبتدأ في الخبر أن هذه الماهية مختصة بالكون لله تعالى، فلا يشذ فَردٌ من أفرادها عن ذلك، إذ الماهية موجودة بوجود الفرد.
واللام في "لله": للاختصاص، ففي هذا التركيب دلالتان (د) على اختصاص الحمد بالله، إحداهما: تقديم المبتدأ المُعَرَّف، وهو يدل على الاختصاص الثبوتي بمعونة (١) المقام، والثاني: هو لام الجرّ، وهو يدل على الاختصاص الإثباتي (٢)، وبينهما فرقٌ واضح، فإنه لا يلزم من الثاني القَصر بخلاف الأول.
_________________
(١) (أ) في هـ: ظاهرة والباطنة. (ب) في ب، هـ: ليسا. (جـ) في ب: (فإنما ذلك)، وفي هـ: (وإنما ذانك). (د) في الأصل، وجـ، وب: دالان.
(٢) و(٢) الاختصاص: قصر شيء على شيء، والثبوتي: يطلق على ما من شأنه الوجود الخارجي وعلى الموجود الخارجي ولا يتأتى إدراك النسبة على جهة الإيجاب. فالاختصاص الثبوتي متعلق بالخارج والإثبات متعلق بما في الذهن. كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ١٧٢، ومذكرة الشيخ زهير في أصول الفقه ٤/ ٦.
[ ١ / ٩ ]
ويَرِدُ على اختصاص الحمد هنا بالله تعالى الحمدُ المتعلقُ بغير الله فإنَّ ذلك شائع لغة وشرعا. ويجابُ عنه بأنه راجع إلى الله تعالى باعتبار أنه المقدر على الصفات التي تَعلَّقَ الحمدُ لأجلها بالمحمود والممكن منها، وهذا صحيح الاعتبار (لا) (١) على مذهب الاعتزال وغيره، أو أنّ المحصور هو الحمد الكامل الذي لا يتطرق إليه نقصان، ولا خفي في أن ذلك لا يكون لغير الله.
و"الله" عَلَمٌ (٢) لذات (أ) الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وخصه من بين الأسماء الحسنى للدلالة على أنَّ استحقاقه للحمد لوجهيْن، ذاتيّ وإنعاميّ بخلاف غيره من الأسماء الحسنى، فإنه يوهم أن تعلق الحمد إنما هو لأجل معنى ذلك.
(على نِعَمِهِ الظاهرة والباطنة قديمًا وحديثًا)، "النِّعَم" جمع نِعْمَة، والمقصود هو الاستغراق إذ الإِضافة في معنى اللام، وجعل الحمد متعلقا بالمنعم به، لأن الحمد على الإِنعام إنما يكون من حيث وقوعه عليها (وكان (ب) تعلقه بها أولى، وإضافة النِّعَم لِيُستفاد منه الاستغراق، فحَصُل الحمد على كل فرد من أفرادها، فلا (جـ) يلزم منه إحصاء النعم، فيكون في الظاهر مخالفا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٣) لأنه لا يلزم مِنْ ذكرها لصيغة الاستغراق العَدّ، فتأمل) (د).
_________________
(١) (أ) في هـ: للذات. (ب) في هـ: فكان. (جـ) هـ: ولا. (د) بهامش الأصل.
(٢) هكذا في جميع النسخ بدون (لا) والكلام غير مستقيم المعنى فإن هذا الجواب لا يصح على مذهب المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق فعله فلا يرجع حمده إلى الله بوجهه فلعل الجملة: (لا على مذهب الاعتزال)، وهو ما أثبتناه. وقد عرف ابن القيم الحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله ﷾ مع محبته والرضى به فلا يكون المحب الساكت حامدا، ولا المثني بلا محبة حتى تجتمع له المحبة والثناء، الوابل الصيب ١/ ١٥١.
(٣) قال الخليل: "الله" لا يطرح الألف من الاسم إنما هو الله ﷿ ذكره على التمام، قال: وليس هو من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فِعْل كما يجوز في "الرحمن" و"الرحيم". لسان العرب ١٧/ ٣٥٩.
(٤) الآية ١٨ من سورة النحل.
[ ١ / ١٠ ]
و"الظاهرة": المدرَكَة بالحواسّ، و"الباطنة": المعقولة، أو "الظاهرة": ما تعرَف، و"الباطنة": ما لا تُعرَف.
و"القديم": ما تقدم زمانُهُ على الزمان الحاضر، و"الحديث" ما حضُر زمانه. ويحتمل أن يريد بالقديم من النعمة: ما تقدم على الأسلَاف فهي نعمة على الأخلاف، كما قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ (١) الآية مع أن النعمةَ بالإِنجاء على السلف ولكنها نعمةٌ على الخَلَفِ، إذ الخَلَف هم أثَر تلك النعمة.
و"الحديث": ما كان على الحامد في نفسه.
(والصلاةُ والسلامُ على نبيه ورسوله محمد)، عَطَفَ الصلاة على الحمد، وذلك لأنه لما كان الكمالات العلمية والعملية وصلت إلى العبد مِن اللهِ تعالى -بواسطةِ صاحبِ الشرعِ فوجب المقابلة لهذه النعمة بالثناء عليه - ﷺ -، وكان العَلَم في باب الثناء الذي أمرنا به هو الصلاة والسلام، فأتى بهما جميعًا امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)، ولقوله - ﷺ -: "كلُّ كلام لا يُذْكَرُ اللهُ فيه، ولا يُصَلَّى عليَّ فيه فهو أقطعُ أكتعُ ممحوقٌ من كلِّ بركةٍ" (٣).
والصلاةُ مِن اللهِ بمعنى الرحمة كذا في "الصِّحَاح" (٤)، والسلام: الأمان، أي السلامة من النار والأمان منها.
وقال القشيرىّ: "الصلاة" مِن الله تعالى لمن دون النبي - ﷺ - رحمة وللنبيﷺ - تشريف وزيادة تكرمة، وفي معنى "السلام عليه" ثلاثة وجوه:
_________________
(١) الآية ٤٠ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٥٦ من سورة الأحزاب.
(٣) بهذا اللفظ عزاه في كنز العمال إلى أبي الحسين أحمد بن محمد بن ميمون في فضائل علي بن أبي هريرة، وزاد: فيبدأ به بعد لفظ لا يذكر الله فيه، ٢/ ٢٦٥ ح ٦٤٦٣.
(٤) الصحاح ٦/ ٢٤٠٢.
[ ١ / ١١ ]
أحدها: السلامة لك ومعك، الثاني: السلام على حفظك ورعايتك متول له كفيل به، فيكون اسما لله تعالى (١)، الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة والانقياد.
وفي شرح المشارق (٢): إن الصلاة على النبي عبارة عن طلب الوسيلة له التي أمرنا بها، وأما الرحمة والمغفرة فهر تحصيل الحاصل، وطلب الوسيلة وإنْ كان موعودا به، ولكنه يجوز أن يكون ذلك مشروطًا بشروطٍ من جملتها الدعاء، فلذلك حَرَّضَ عليه وخص من بين صفاته المادحة النبيَّ والرسول، لأنهما أفضل الصفات له، وبسببهما فُضِّلَ على سائرِ الخَلْق.
و"النبي" مشتق من الإنباء الذي هو الإخبار (٣)، فيكون أصله الهمز، ويجوز التخفيف، وإنما كره النبي - ﷺ - قول الأعرابي "يا نبيء الله" بالهمز (٤)، لأنه لما كان في ذلك ما يوهم أنه من "نَبَأ" يعني خرج مِنْ أرض إلى أرض، فيكون في ذلك ظَنْزٌ للمنافقين الذين كانوا يحبون إطلاق اللفظ المحتمل مثل "رَاعِنَا" في نحوه فنهاه النبي - ﷺ - عنه لذلك.
ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - مأخوذًا من النبوة بمعنى الرفعة (٥)، وكلا المعنيين قويمان.
والنبي في لسان الشرع عبارة عن: إنسانٌ أنزل عليه شريعة من عند الله تعالى بطريق الوحي، فإذا أُمِر بتبليغها إلى الغيْر سُمِّيَ رصولا، كذا في "شواهد النبوة".
_________________
(١) ثبت في صحيحَيْ البخاري ومسلم أن الله هو السلام. البخاري مع الفتح كتاب الأذان باب التشهد في الآخرة ٢/ ٣١١ ح ٨٣١، ومسلم ٢/ ٤٠.
(٢) في شرح المشارق: بعض الدعاء للنبي - ﷺ - طلب الوسيلة لا طلب الرحمة إذ هي حاصلة لأن ما تقدم من ذنبه وما تأخر معفو عنه، وأما إعطاء الوسيلة فيحتمل أن يكون مشروطا بالدعاء ولذا حرض أمته عليه. أهـ. مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار ١/ ٦٠.
(٣) القاموس ١/ ٣٠.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) القاموس المحيط ١/ ٣٠.
[ ١ / ١٢ ]
وفي "شرح العقائد العضدية" (١) للشيخ جلال الدين الدواني: "النبي إنسانٌ بعثه الله إلى الخَلْق لتبليغ ما أوحاه الله إليه، و"الرسولُ" قد يُسْتَعمل مرادفا له، وقد يختص بمن هو صاحب كتاب فيكون أخص من النبي.
وفي "أنوار التنزيل": "الرسول" مَنْ بعثه اللهُ تعالى بشريعة محددة يدعو الناس إليها والنبي يعمه ومَنْ بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بنى إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى، فالنبي على الحدود هذه (أ) أعمّ من الرسول.
وعَطْفُ الرسول على النبي من عَطْفِ بعض الصفات على بعض وهو جائز. و"محمد" هو العَلَم له - ﷺ - عطف بيان من النبي، وهو عَلَم ملحوظ فيه أصله، وهو اتصاف المذكور (ب) بالمحامد الكثيرة، ويجوز ملاحظة المعنى الوصفيّ مع العَلَم كما قال:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد (٢)
(وآله وصحبه الذين ساروا في نصرَةِ دينه سيرًا حثيثًا) "الآل": أصله أهل بدليل تصغيره بأهيل، ولا يستعمل إلا فيما شَرُفَ غالبًا.
وفي معنى "الآل" أقوال: جميع الأمة، أو بنو هاشم وبنو (جـ) المطلب، أو أهل بيته وذريته، رجح النووي في "شرح مسلم" (٣) الأول لقوله - ﷺ - لما سئل عنه فقال:
_________________
(١) (أ) في هـ: على هذه الحدود. (ب) في جـ وب وهـ: المدلول. (جـ) في (هـ) (وبنو) وأثبت فوقها: (أو بنو).
(٢) شرح العقائد العضدية ١/ ٩ - ١٢.
(٣) البيت لحسان بن ثابت ﵁. انظر ديوانه ١/ ٨٧ - ٨٨.
(٤) شرح مسلم ٢/ ٤٨، قلت: ويُفْهم من قول الشارح أن النووي رجح القول بأنهم جميع الأمة واستدل لهذا =
[ ١ / ١٣ ]
"آلي كُلُّ تقي" (١)، وفي رواية الطبراني: "آل محمد كل تقيّ"، [وروي هذا من حديث عليّ، ومن حديث أنس، وفي أسانيدها ضعف.
قال الحليميّ: المراد كل تقيّ من قرابته (٢).
قال البيهقي: ومن الأدلة على أنَّ الآل هم القرابة حديث الأضْحِية: "اللهمَّ تقبل مِن محمد، وآلِ محمد، ومن أمةِ محمد" أخرجه مسلم (٣)، وكذلك (أ) ما سيأتي (ب).
_________________
(١) (أ) في هـ: وكذا. (ب) في هـ: ما سيأتي لفظه. = القول بالحديث، والذي في شرح مسلم الأقوال دون أدلة. والاستدلال بالحديث على هذا القول غير وجيه، فهناك قول رابع أن آله هم الأتقياء من أمته حكاه ابن القيم ونسبه إلى جماعة واستدل بهذا الحديث وهو وجيه. وتفسير الآل وأدلة كل قول أطال النفس فها ابن القيم في جلاء الأفهام ١١٤ وما بعدها، والحليمي في المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ١٣٦ - ١٤٢.
(٢) سنن البيهقي ٢/ ١٥٢، من حديث أنس ولفظه: سُئل رسولُ الله - ﷺ - عن آل محمد قال: "كل تقي". قال البيهقي: وهذا لايحل الاحتجاج بمثله نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه يحيى بن معين وضعفه أحمد وغيرهما من الحفاظ. وأخرجه تمام في فوائده بلفظ: "آل محمد كل تقي" وفيه نافع أبو هرمز- أيضًا. وأخرجه الديلمي بلفظ: "آل محمد كل تقي" ثم قرأ ﴿إنْ أولياؤه إلَّا المتقون﴾ مسند الفردوس ١/ ٥٠٦. ومن حديث على في الدلائل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: قلت: يا رسول الله مَنْ آل محمد؟ قال: "كل تقى". وفيه: الحارث بن محمد الله الهمداني من كبار علماء التابعين على ضعفٍ فيه، كذبه الشعبي، وضعفه الدارقطني، وقال ابن سيرين: عامة ما يرويه باطل، الميزان ١/ ٤٣٣، التقريب ٦٠. وأورده شيخ الإسلام بلفظ: "كل مؤمن تقى" وقال: موضوع لا أصل له، وقال السيوطي: لا أعرفه، وقال السخاوي: (وأسانيدها ضعيفة ولكن شواهده كثيرة منها في الصحيحين: "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين). سنن البيهقي ٢/ ١٥٢، فتاوى شيخ الاسلام ٢٢/ ١٥٢، المقاصد الحسنة ٥ - ٦، مختصر المقاصد / ٤٣، كشف الخفا ١٧ - ١٨.
(٣) ولفظه: فإن قيل لم لا قلتم إن المؤمنين كلهم آل رسول الله - ﷺ - لما روى أنه - ﷺ - سئل عن الآل فقال: (كل مؤمن تقى). قيل: معنى ذلك إن المؤمنين الأتقياء من قرابته هم آله فأما الكفار فليسوا من آله لقطع الله الولاية بين المسلمين والكافرين. المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ١٤١ - ١٤٢.
(٤) أخرجه مسلم من حديث عاثشة أن رسول الله أمر بكبش أقرن، وفيه: "اللهم تقبل من محمد" ٣/ ١٥٥٧ ح ١٩ - ١٩٦٧.
[ ١ / ١٤ ]
في الزكاة: "لا يحلُّ لآلِ محمد منها شيءٌ" (أ)] (١) وفي معنى أنهم جميع الأمة قول أبي طالب (٢):
وانصر على آلِ الصليبِ وعابِدِيه اليوم آلك
فـ "آل الصَّلِيب" المراد به: أتباع الصليب، وهذا هو اختيار الأزهريّ (٣) وغيره مِن المحققين، ورجح الأكثرون الثاني.
وذهب جماعةٌ مِن أئمة أهل البيت إلى أن المراد بهم ذرية النبي - ﷺ - (٤).
و"الصَّحب" اسمُ جمع لصاحب، وقد اختُلف (ب) في تحقيق معنى الصحابي فقيل: مَنْ طالت مجالسته للنبي - ﷺ - مُتَّبعا لشرعه، والاتباع على أحد وجهيْن: إما في حياته -وهو رأي أكثر أهل هذا القول- أو في حياته وبعد وفاته، وهو رأي أقلهم، لأنَّ هذا الاسم يفيد التعظيم ولا يستحقه مَنْ بَدل بعده.
والظاهر هو الأول، ويدل على هذا القول ما أخرجه ابنُ الصلاح عن موسى السبلانيّ قال: أتيتُ أنس بن مالك فقلتُ: هل بقَي مِن أصحاب رسول الله - ﷺ - أحد غيرُك؟
قال: "بقيَ ناسٌ من الأعراب قد رأوه، أما مَن صَحِبه فلا" (٥).
_________________
(١) (أ) بهامش الأصل. (ب) في هـ: اختلفوا.
(٢) أخرجه مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أن أباه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب قالا .. وفيه: "إنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " ٢/ ٧٥٢ ح ١٦٧ - ١٠٧٢.
(٣) هذا القول لعبد المطلب والد أبي طالب .. الروض الأنف ١/ ٧٠.
(٤) تهذيب اللغة ١٥/ ٤٣٨.
(٥) انظر المغني ١/ ٥٤٤، والمجموع ٣/ ٤١٣، فتاوى شيخ الإملام ابن تيمية ٢٢/ ٤٦٠، المحلى ٦/ ١٤٧، البحر ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٦) علوم الحديث لابن الصلاح ٢٦٤.
[ ١ / ١٥ ]
وقيل: مَنْ طالت مجالسته متبعا له مع الرواية، ذهب إلى هذا القاضي عبدُ الله بن زيد.
وذهب ابنُ المسيب إلى أنه مَنْ أقام معه سنة، أو غزا غزوة أو غزوتَيْن (١).
وقال بعضُ أهل الحديث وبعض الفقهاء: هو مَنْ رأى النبي - ﷺ - مع إسلامه (٢)، وهذا القولُ يتأيد بقوله: - ﷺ -: "طُوبى لمن راني، أو رأى من رآني" (٣)، فلا يبعد أن يكون رؤية النبي - ﷺ - محصلة من الفوائد وجميل العوائد الكثير الطيب الذي يستحق صاحبها الشرف الكبير والفضل العميم.
[واختار المصنفُ -رحمه اللهُ تعالى- لفظ: "مَنْ لقى" دون "من رآني"، لعموم اللقاء للأعمى.
قال: "وكان مؤمنًا ومات على الإِسلام، ولو تخلّلت ردّة" لإِطباق المحدثين على عَدِّ الأشعث بن قيس (٤) ونحوه ممن وقع منه ذلك، وأما مَنْ لقيه غير مؤمن
_________________
(١) قال العراقي: لا يصح عنه فإن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف الحدبث (التقييد ٢٩٧). وقال ابن الصلاح: وكأن المراد بهذا -إن صح عنه- راجع إلى المحكي بن الأصوليين ولكن في عباراته ضيق يوجب أن لا يُعَدّ من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي ومَنْ شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا يعرف خلافا في عده من الصحابة. (علوم الحديث ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) قال البخاري: ومَن صحب النبي - ﷺ - أو رآه فهو من أصحابه. البخاري ٧/ ٣. قلتُ: وهو رأي ابن الصلاح: وقال الحافظ ابن حجر إنه أصح ما وقفت عليه. غلوم الحديث ٢٦٣ الإصابة ١/ ٧.
(٣) الحاكم من حديث عبد الله بن بسر بلفظ: "طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي) قال الحاكم: وهذا حديث قد رُوى بأسانيد قوية عن أنس بن مالك - رضي الله - عنه مما علونا في أسانيد منها، وأقرب هذه الروايات إلي الصحة ما ذكرناه. قال الذهبي: جميع واهٍ. وأخرجه أحمد والطبراني وابن حبان من حديث أبي أمامة بلفظ: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرارا" أحمد ٥/ ٢٤٨، الطبراني ٨/ ٣١٠ ح ٨٠٠٩. ابن حبان: الإحسان ٩/ ١٧٨ ح ٧١٨٩، وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح غير أيمن بن مالك الأشعري وهو ثقة ١٠/ ٦٧.
(٤) تدريب الراوي ٣٩٦، الإصابة ١/ ٨.
[ ١ / ١٦ ]
وأسلم بعد موته فخارج عن العدِّ أخذًا من مفهوم: "وكان مؤمنا" (١)، وعلى الأرجح دخول الجن للقطع بِبَعثِهِ إليهم، وهم مكلفون، فمن عُرف اسمُه منهم لم يُتَرَدد في عده من الصحابة، ولم يرتضه ابنُ الأثير (٢) بِلا استناد منه إلى حُجة.
وأما الملانكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، وفيه خلاف، وقد نقل بعضُهم الإجماع على ثبوته (٣)، وعكس (أ) بعضُهم.
وأما من رآه بعد موته قبل دفنه فالراجح أنه غير صحابي، وكذلك من كُشِف له (٤) عنه من الأولياء ورآه يقظةً كرامة لانقطاع أحكام الحياة وإنْ كان - ﷺ - حيًّا في قبره (٥)، وكذا مَنْ رآه مناما] (ب).
والسير مجازٌ عن الجد في أعلى معالم الدين، وإضافة النصرة إلى الدِّين مَجَاز، والحقيقة إضافتها إلى صاحب الدين، والظاهر أنَّ (لفظ) (جـ) الصُّحبة تسمية تدل على النصرة، وأما الجمع بينهما فلا يظهر له توجيه إِلا بتكلف. و"سَيْرًا" منتصب على أنه مفعول مطلق ذُكِر لبيان النوع بالصفة له "بحثيث".
_________________
(١) (أ) في هـ: عكسه. (ب، جـ) بهامش الأصل.
(٢) تدريب الراوي ٣٩٦، الإصابة ١/ ٨.
(٣) الإصابة ١/ ٧.
(٤) لم أقف على حكاية الإجماع.
(٥) هذا لا يُعرف في السلف الصالح، والذي ثبت في الحديث أنه - ﷺ - يُرَى في المنام: "من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي". البخاري ١٢/ ٣٨٣ ح ٦٩٩٤.
(٦) الرسول حَيٌّ في قبره حياة برزخية. والأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت فمنها أرواح في أعلى عِليين في الملأ الأعلى وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .. شرح العقيدة الطحاوية ٤٥٤، والبرزخ: الحاجز بين الشيئين من وقت الموت إلى وقْت القيامة. لوامع الأنوار ٢/ ٤.
[ ١ / ١٧ ]
(وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم، والعلماء ورثة الأنبياء وأكْرِم بهم وارثا وموروثا)
الأتباع: جمع تابع، وفاعل تُجمع على أفعال كما صرّح بذلك الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (١) قال: "جمع بَرّ أو بَارّ" (٢)، وكذا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٣)، والجوهري (٤) أنكر أن يُجمع فاعل على أفعال، وقال: "إن الأصحاب جع صِحب بالكسر تخفيف صاحب، كنِمر وأنمار"، ولكنه لا يكون حُجة على الزمخشري، فإن الزمخشري صرَّح بأن "الصِّحاح" مشحونٌ بالخطأ.
ووراثة الأتباع لعلم الآل والأصحاب لأنهم الذين نقلوه عنهم وتلقوه حتى صار كأنه ميراث.
وقوله: "والعلماء ورثة الأنبياء"، اقتباسٌ من الحديث وهو قوله - ﷺ -: "العلماء ورثة الأنبياء" (٥) رواه أبو الدرداء، أخرجه عنه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان، وضعفه الدارقطني في "العلل"، وهو مضطرب الإِسناد قاله المنذري (٦)، وقد ذكره البخاري في صحيحه بغير إسناد (٧).
و"أكرِم" فعل تعجب، و"بهم" إما فاعل والباء زائدة عند سيبويه أو مفعول به عند الأخفش (٨)، وفي "أكْرِم" ضمير الفاعل، "ووارثا" (أ) "وموروثا" من باب اللف والنشر، "وارثا" عائد إلى العلماء و"الموروث" إلى الأنبياء.
_________________
(١) (أ) في هـ: ووارثا لعلمه!
(٢) الآية ١٩٣ من سورة آل عمران.
(٣) الكشاف ٢/ ٤٨٩.
(٤) الآية ٤٠ من سورة غافر.
(٥) ذكر الجوهري أصحاب جع صَحْب، بالفتح مثل فَرخ أفراخ. الصحاح ١/ ١٦١.
(٦) أبو داود ٤/ ٥٧ ح ٣٦٤١، والترمذي ٥/ ٤٩ ح ٢٦٨٢، وابن ماجه ١/ ٨١ ح ٢٢٣، وأحمد ٥/ ١٩٦.
(٧) مختصر سنن أبي داود ٥/ ٢٤٤.
(٨) أورده البخاري تعليقا ١/ ١٦٠، ومل يخرجه الحافظ في التعليق ٢/ ٧٨ - ٧٩.
(٩) الكافية في النحو ٢/ ٣٠٧.
[ ١ / ١٨ ]
(أما بَعْدُ)، "أما مِن أدوات الشرط بمعنى مهما،، و"بَعد" ظرف زمان مقطوع عن الإِضافة مبني على الضم، نائب مناب شرط "أما"، وهو جزء من الجزاء قُدِّمَ لما حذف الشرط كراهة أن يلي الفاء الداخلة على الجزاء إمَّا بعد حذف شرطها والعامل فيها ما بعد الفاء أو (أ) الشرط المقدر، أو إما لنيابتها عن الفِعل أقوال (١).
(فهذا مُختصَرٌ)، "هذا" إشارة إلى الألفاظ المرتبة في الذهن أو المعاني كذلك، والمشار (ب) إليه ذهني على كل من التقديرَين مطلقا سواء كان وضع هذه الديباجة قبل التأليف أو بعده إذ لا وجود للألفاظ ولا للمعاني في الخارج.
(يَشْتَملُ عَلَى أصُولِ الأدِلَّةِ الحَدِيثيَّةِ لِلأحكَام الشَّرعِيَّةِ)، الاشتمال: الاحتواء والتضَمُّن والانطواء بمعنى واحد، والأصول: جمع أصل، وهو ما ينبني عليه غيره، وإضافة الأصول إلى الأدلة بيانية لأن الأصول هي الأدلة، و"الحديثيَّة" منسوبة إلى الحديث لأن الأصول عامًّ فالصفة للتخصيص، و"للأحكام" متعلق بالأدلة، "والشرعية" منسوبة إلى الشَّرع، ووصف الأحكام بها لتتميز عن العقلية.
(حَرّرته تحريرًا بالغا)، التحرير: تهذيب الكلام وتنقيحه.
(ليصيرَ مَنْ يحفظه مِن بين أقرانِهِ نابِغًا) الأقران: جمع قرن وهو نظير الشخص (٢)، والنابغ: الخارج عن نظرائه لزيادته عليهم.
(ويستعين به الطالبُ المبتديء، ولا يستغني عنه الراغبُ المنتهي، وقد بينتُ عقيب كل حديث مَنْ خرَّجه من الأئمة -لإرادة نصحِ الأمة- فالمراد
_________________
(١) (أ) في هـ: والشرط. (ب) في هـ: فالمشار.
(٢) راجع: شرح ابن عقيل ٢/ ٣٣٠.
(٣) مختار الصحاح بالفتح مثلك في السنن وبالكسر كفؤك في الشجاعة، مختار الصحاح ٥١٠.
[ ١ / ١٩ ]
بالسَّبعة: أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسَائي والتَّرمذِيّ وابن مَاجَه، وبالستة: من عدا أحمد، وبالخمسة: من عدا البخاري ومسلما.
وقد أقول: "الأربعة وأحمد"، وبالأربعة: من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة: من عداهم والأخير، وبالمتفق: البخاري ومسلم، وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما عدا ذلك فهو مبيَّن.
وسميته "بلوغُ المَرام من أدلة الأحكام". والله أسأل أنْ لا يجعل ما عَلَّمنَاهُ علينا وَبَالًا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه ﷾).
ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- اصطلاحه في ذِكر أئمة الحديث، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح، فلكلٍّ (أ) أن يبتدئ له اصطلاحا فيما أراد وضعه مما يقرب معه الكلام ويتيسر له فيه النظام.
ويحسُنُ ذكر تراجم الأئمة المذكورين، وإن كانت أحوالهم مشهورة، وقد أُودِعَتْ تراجمهم الكتب المطولة والمختصرة.
فأحمد هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (١)، الإِمام، البارع، المُجْمَع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته ووفور علمه وسيادته، رحل إلى الحجاز والشام واليمن وغيرها، وعمن سفيان بن عُيَيْنَة وأقرانه، وروى عنه جماعةٌ من شيوخه وخلائق آخرون لا يُخصَون، منهم البخاري ومسلم (٢)، وكثر ثناء الأئمة عليه: قال أبو زُرعَة (٣): كان كتبه اثني عشر حِمْلا وكان
_________________
(١) (أ) في هـ: بل لكل.
(٢) حلية الأولياء ٩/ ١٦١، طبقات الحنابلة ١/ ٢٠، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧٧.
(٣) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨١.
(٤) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زُرعة، الرازي، إمامٌ جليل، سيد الحفاظ، قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة". تاريخ بغداد ١٠/ ٣٢٦، تهذيب التهذيب ٧/ ٣٠.
[ ١ / ٢٠ ]
يحفظها على ظهر قلبه، وكان يحفظ ألف ألف حديث، فقيل لأبي زرعة: ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب (١).
وقال إبراهيم الحَرْبِيّ (٢): كأنّ الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويترك ما شاء (٣).
قال الشافعي: خرجتُ من بغداد (أ)، وما خلفتُ بها أتقى ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه.
وامتُحن المحنة المشهورة على يَدَي القاضي أحمد بن أبي (٤) دُؤاد في أيام المأمون، كتب المأمون إلى نائبه ببغداد -وهو إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ب) (٥) - في سنة ثمان عشرة ومائتين، وحمل أحمد إلى "طُوْس" ومحمد بن نوح، ومات المأمون وأحمد محبوس، ومات محمد بن نوح، ودفنه أحمد، ثم بويع المعتصم، وأُحضر أحمد إلى بغداد مقيدا، وحُبس في حبس العامة نحوا من ثلاثين شهرا، والناس يقرأون عليه، وبلغت القيود أربعة عشر قيدا، وكان له تكة يرفع بها القيود إذا مشى، ودُعِيَ في بعض الأيام إلى حضرة المعتصم، وألانَ المعتصمُ معه القول، فأغلظ أحمد القول، فأمر بضربه وحبسه، فضرب
_________________
(١) (أ) في هـ: بغداد -بالذال المعجمة في آخره، وهي لغة في (بغداد). (ب) في النسخ: الجماعي، وفي ب مصححة: الحزاعي وهو الصحيح. انظر الترجمة.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٧، ١٨٨.
(٣) إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، الحربي، البغدادي، إمامٌ حافظ. طبقات الشافعية، ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧، طبقات الحنابلة ١/ ٨٦ - ٩٣، الوافي بالوفيات ٥/ ٣٢٠ - ٣٢٤.
(٤) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٨٨.
(٥) أحمد بن فرج بن حريز، الإيادي، البصري، المشهور بأحمد بن أبي دُؤاد، جَهْمِي دعا إلى خَلْق القرآن في ولاية المأمون والمعتصم، وفي ولاية المتوكل صادره وعزله. تاريخ بغداد ٤/ ١٤١ - ١٥٦، لسان الميزان ١/ ١٧١.
(٦) إسحاق بن إبراهيم بن مصعب الخزاعي أمير بغداد، وعلى يده امتحن العلماء بأمر المأمون في خلق القرآن، كان سائسا صارما له فضيلة ومعرفة ودهاء. تاريخ بغداد ٧/ ٣١٩ - ٣٢٣، سير أعلام النبلاء ١١/ ١٧١.
[ ١ / ٢١ ]
بالسياط حتى ذهب عقله، ثم أفاق وقد زالت القيود عنه، وكان مدة امتحانه وحبسه ثمانية وعشرين شهرا (١)، ومن كراماته الباهرة أن تكة لباسه انقطعت فتحرك لباسه إلى النزول إلى عانته، فحرك شفتَيْه (أ) فارتفع وثبت، ولم يظهر شيءٌ من عورته. وروى أنه دعا وقال: "اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأ العرش، إنْ كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترا".
وأصاب بعضَ من ضربه البَرَصُ.
وروي أن جملة ضاربيه مائة وخمسون رجلا، وفضائله كثيرة، وأنواره مشهورة.
ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين -على الأصح المشهور- في خلافة المتوكل بمدينة السلام، ودُفِن بباب حرب في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلقٌ كثير لم يُرَ مثل ذلك اليوم ولا في جنازة أحد ممن سلف.
واختلفوا في عدد المصلين، ومِنْ جملة ما قيل: إنّ الأرض التي وقعت الصلاة فيها مُسِحَتْ فوسعت ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان في الأطراف والسفن (٢)، وقيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف.
قال أبو زرعة: بلغني أن المتوكل أمر أنْ تُمسَح الأرض التي وقف عليها الناس، للصلاة على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف (٣).
_________________
(١) (أ) في هـ: شفته.
(٢) ولعل الاختلاف منشؤه متى دخل السجن هل هو في رمضان أو في ذي الحجة، وقال العليمي إنّه جلس قرابة ثمانية وعشرين شهرا. المنهج الأحمد ١/ ٣٧.
(٣) مناقب الإمام أحمد ٥٠٤ - ٥٠٥.
(٤) مناقب الإمام أحمد ٥٠٤ - ٥٠٥.
[ ١ / ٢٢ ]
وعن بعض جيران أحمد أنه أسلم يوم موته من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفا، وقد استبعد الذهبي (١) هذه الحكاية من حيث تفرد الراوي والقضية من حقها أن تشتهر، والله أعلم.
وكان قبره ظاهرا ببغداد (أ) يتبرك به فطمسته الروافض (٢) لما استولوا عليها، ثم أعاد ذلك السلطان سليمان، وروي أنه كشف القبر فرئي وهو (ب) على كيفيته حتى كفنه لم يتغير، وهو الآن مزور رحمة الله تعالى عليه (جـ).
وله -﵀- المسند الكبير أعظم المسانيد وأحسنها وضعا وانتقاءً (د)، فإنه لم يدُخِل فيه إلا ما يحتج به مع كونه انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وقال: "ما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - ﷺ - فارجِعوا فيه إلى المسند، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة".
وبالغ بعضُهم فأطلق الصِّحَّة على كل ما فيه، وأما ابن الجوزي فأدخل كثيرا منها في "موضوعاته"، وتعقبه بعضهم في بعْضِها وفي سائرها شيخ الإسلام ابن حجر (٣) وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطأ والسنن الأربع، وليست الأحاديث
_________________
(١) (أ) في هـ: ببغداذ - بذال معجمة. (ب) ساقطة من هـ. (جـ) سقط من هـ: عليه. (د) في هـ: وانتقادا.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٤٣.
(٣) لا يجوز التبرك بالقبور فإن زيارتها للتذكير بالآخرة والاستغفار للميت أمر حث عليه الشارع، أما التبرك وطلب النفع وما شابه ذلك فلا يجوز لأن ذلك لا يطلب إلا ممن يملك النفع والضر وهو الله ﷾.
(٤) تعقبه أبو موسى المديني، وتبعه العراقي وابن الجوزي، واستدركوا عليه تسعة أحاديث، وأضاف إليه الإمام ابن حجر خمسة عشر حديثًا في جزء صغير سماه "القول المسدد في الذب عن المسند" وقد طبع هذا الجزء. وذكر السيوطي أن ابن حجر فاته أربعة عشر حديثًا وأنه جمعها في جزء صغير أسماه "الذيل الممهد" التدريب ١/ ١٧٢ - ١٧٣، النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٥٠ - ٤٧٣.
[ ١ / ٢٣ ]
الزائدة على الصحيحَيْن بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي، وبالجملة فمن (أ) أزاد الاحتجاج بحديث من غير الصِّحَاح لا سيما سنن ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، فإن كان أهلًا للنقد والتصحيح وجب عليه ذلك، كان لم يكن كذلك فإن كان قد صحيح أو حسن أمن هو أهل له فله أن يقلده، وإلا فلا يحل له أن يقدم على الاحتجاج به، إذ لم يأمن أن يحتج بما لا يحل الاحتجاج به، وبهذا السبب أحال جماعة من المتأخرين الاجتهاد المطلق لتعسر التصحيح، والتقليد في التصحيح يخرجه عن المقصد وهو الاجتهاد ولم يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح بعض المذاهب على بعض بالنظر إلى قوة الدلالة أو إلى كثرة من صحيح أو جلالته، والواجب الرجوع إلى الظن القوي بحسب الإِمكان.
البخاري (١) هو الإِمام المجتهد أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن (ب) الأحنف بن بَرْدِزْبَه-[بموحدة مفتوحة فراء مهملة ساكنة فدال مهملة مكسورة فزاي معجمة ساكنة (جـ) فموحدة مفتوحة] (د) الجُعفِيّ مولاهم، الحافظ الكبير، حبر الاسلام.
كان جده المغيرة مجوسيًّا فأسلم على يد اليَمَان الجُعْفي، وهذا هو سبب الولاء على قول مَنْ يُثبت ولاء الموالاة بالإِسلام.
و"الجُعفي" نِسْبة إلى جُعف بن سعد العُشَيرة إلى قبيلة من اليمن من مَذْحج، ووَهِم مَنْ قال إنه اسم بلد ولعله توهم ذلك من قول ياقوت (٢) في "معجمه": "إنه مخلاف باليمن نسبة لقبيلة من مَذْحِج بينه وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخا" انتهى.
_________________
(١) (أ) في هـ: من. (ب) في هـ: مِن بني. (جـ) ساقطة من هـ. (د) بهامش الأصل.
(٢) طبقات الحفاظ ٢٤٨ - ٢٤٩، خلاصة تذهيب الكمال ٣٢٧.
(٣) معجم البلدان ٢/ ١٤٤.
[ ١ / ٢٤ ]
وأما جده المغيرة فقال المصنف (١) -رحمه الله تعالى:- لم أقف على شيء من أخباره.
وأما أبوه إسماعيل فكان من العلماء العاملين، وَرَوى عن حماد بن زيد، ومالك، وصَحب ابنَ المبارك، وروى عنه العراقيون (٢)، قال: لا أعلم في جميع مالي درهما من شُبهة (٣)، توفي وولده صغير، فنشأ في حجر والدته، ثم عمي، فرأتْ إبراهيمَ الخليل -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- قائلًا لها: "قد رَدَّ اللهُ على ابنك بصره بكثرة دعائك له" فأصبح وقد رد الله عليه بصره (٤)، وله نحو عشر سنين بعد خروجه من المكتب.
ورَدَّ على بعض مشايخه غلطًا وهو في أحد عشرة سنة فأصلح كتابه مِنْ حِفْظ البخاري (٥).
وبلغ ست عشرة سنة وقد حفظ كثيرا من كتب الحديث فصنف "التاريخ الكبير" وغيره وهو في ثمان عشرة سنة عند قبر النبي - ﷺ - في الليالي المقمرة، وكتبوا عنه الحديث، ثم رحل، واتسع في الرحلة فاجتمع بأكثر مشايخ الحديث بعد أن سمع الكثير ببلده "بُخَارَى" أعظم مدن ما وراء النهر، وسمع من أصحاب الشافعي كالزعفرانيّ وأبي ثور، ولم يرو في "صحيحه" عن الشافعي (أ)، وذكره في موضعَيْن في "صحيحه" (٦).
_________________
(١) (أ) في هـ: ولم يرو عن الشافعي في صحيحه.
(٢) عبارة المصنف في "الهدى": (وكان بردزبه فارسيا على دِين قومه ثم أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفْر وأتى بخارى وأما ولده إبراهيم بن المغيرة فلم نقف على شيء من أخباره ..) هدي الساري ٤٧٧.
(٣) كلام الحافظ في الهدي ٤٧٧.
(٤) الهدي ٤٧٩.
(٥) طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٤، الهدي ٤٨٠.
(٦) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٣.
(٧) طبقات الشافعية ٢/ ٢١٥، البخاري باب في الركاز الخمس ٣/ ٣٦٣ قال البخاري: (قال مالك وابن إدريس)، قال ابن حجر: قال أبو ذر: فقال ابن إدريس: هو الشافعي، ويقال عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي وهو أشبه، قال ابن حجر: وقد جزم بأنه الشافعي أبو زيد المروزي، وهو أحد الرواة عن الفربري بأنه الشافعي، وتابعه البيهقي. تفسير العرايا ٤/ ٣٩٠.
[ ١ / ٢٥ ]
وألَّف الصحيح بعد أن رأى أنه واقف بين يَدَي النبي - ﷺ - وبيده مروحة يذب عنه، فعَبَّر له مُعَبِّر بأنه يذب الكذب، قال: وما وضع فيه حديثًا إلا بعد الغُسْل وصلاة ركعتَيْن استخارة، وأخرجه من زهاء ستمائة ألف حديث، وألفه بمكة، قال: "وما أدخلتُ فيه إلا صحيحا، وأحفظُ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح" أي (أ): باعتبار طرقها الكثيرة مع عده المكرر والموقوف وآثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف يطلقون عليه حديثًا، وهذا التأويل متعين، إذ مجموع الموجود بأيدي الناس اليوم لا يساوى ثلث هذا العدد.
وكان أئمة الحديث يصححون كتبهم من حفظه وهو شاب، وسأله أهلُ "بَلْخ" الإملاء عليهم، فأملى (ب) ألف حديث عن ألف شيخ (١)، والامتحان له في "سمرقند" بخلط الأسانيد بعضها في بعض، وكذا في "بغداد" (جـ) بمائة حديث قلبوا متونها وأسانيدها مشهور (٢).
وامتُحن أيضًا عند مَقْدِمِهِ من "نيسابور" إلى "بُخَارى"، وذلك أنه لما علم أهلُ "بخارى" بمقدمه قال لهم رئيسهم محمد بن يحيى الذهليّ: "إني مستقبله فمن أراد فليستقبله" فاستقبله هو وعامة علمائها، وقد كان قال لهم: "لا تسألوه عن شيء من الكلام فلعله يجيب بما نخالفه فيه فتقع الفتنة بيننا وبينه، فيشمت بنا كُلُّ مبتدع"، فلم يكن بأسرع من أنْ سُئِلَ عن اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق؟ فقال: "أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا"، وهذا كلامه -رحمه الله تعالى- متفقٌ عليه بين الأشعرية والمعتزلة، وإنما الخلاف فيه للكرَّامِية وبعض
_________________
(١) (أ) في هـ: باعتبار أي مع طرقها. (ب) زاد في هـ: عليهم. (جـ) في هـ: بغداد وكذا في جميع المواضع الآتي ذكرها فيها.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٥.
(٣) تاريخ بغداد ٢/ ٢٠، ٢١.
[ ١ / ٢٦ ]
الحنابلة القائلين بقِدَم الألفاظ والعبارات، فقال الذهلي: "القرآن كلامُ الله غير مخلوق، ومَنْ زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ولا نُكلم أحدا بعد هذا ممن يذهب إلى محمد بن إسماعيل"، فانقطع الناس عنه إلا مسلما، ورَدَّ إلى الذهلي ما كان كَتَبَه عنه لأنه ظهر له أنَّ الحق مع البخاري وأن الذهلي حاسدٌ متعصب.
ثم قال الذهلي: "لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد"، فخرج خائفا على نفسه منها (١).
وتوفي -رحمه الله تعالى- بخَرنتك -بخاء معجمة مفتوحة على الأشهر أو مكسورة، بعدها راء ساكنة مهملة (٢)، بعدها نون ساكنة- وهي على فرسخين من "سمرقند"، وقيل ثلاثة أيام، وسبب قدومه إليها أن أهل سمرقند طلبوا وصوله إلى بلدهم، فوصل إلى هذه البلدة فبلغه وقوع فتنة فيما بينهم وأنَّ بعضهم يريد وصوله وبعضُهم كره ذلك، فبقي في هذا المحل حتى يتجلى له الأمر وكان له أقرباء فيه، فأقام أياما، فمرض ثم وصل إليه رسول أهل سمرقند يطلبون وصوله، فتهيأ للركوب، ولبس خفيه وتعمم، فلما مشى قَدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلوني قد ضَعُفْت، فأرسلوه، فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضي، فسال منه عَرَقٌ كثير لا يُوصَفُ وما سكن منه العرق حتى أُدرج في أكفانه.
وقيل: ضجر ليلة فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل فقال: "اللهم قد ضاقت عليَّ الأرضُ بما رحبت فاقبضني إليك"، فمات في ذلك الشهر وقت العشاء ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما، لأنهُ ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة.
_________________
(١) انظر قصته مع الذهلي في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٥٣.
(٢) لا يتأتى النطق بساكنين متتابعين في العربية، وفي الأصل، وب تعليق لابن حجر الهيتمي: (ففوقية مفتوحة فنون). وفي هـ: (في تاريخ ابن خلكان: خرتنك بفتح المعجمة وسكون الراء وفتح التاء وسكون النون).
[ ١ / ٢٧ ]
وفاح من قبره عقيب دفنه رائحة عظيمة جدا (أ) كالمِسك أو أقوى، ودامت أياما، وانثال الناسُ على قبره يأخذون من ترابه لشدة رائحته التي لا يجدون مثلها عندهم، وتسمى البلد بخرنتك -وكان اسمه غير ذلك- لضيقه بالزائرين، لأن معنى "خرنتك" بالفارسية: الضيق.
ولم يعقب البخاري أحدًا من الأولاد، وقد رزقه الله ما هو أعظم وأجلّ من تخليف الولد الصالح من شهرة "صحيحه" وانتفاع الأمة به في جميع أقطار الإسلام.
مسلم (١): هو الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم بن كوشاذ، القُشَيْرِيّ من بني (٢) قُشَيْر قبيلة من العرب معروفة، أحد أئمة أعلام هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار، المُجْمَع على تقدمه فيه على أهل عصره كما شَهِد له بذلك إماما وقهما حِفْظًا وورعا وحديثا أبو زُرعة وأبو حاتم.
سمع من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد، وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحُفاظه، ومنهم مساويه درجة كأبي حاتم الرازي والترمذي وابن خزيمة، وله المؤلفات الجليلة الكبيرة لا سيما "صحيحه" الذي امتن الله به على المسلمين وأبقى له به الثناء الحَسَن الجميل إلى يوم الدين، فإنَّ مَنْ اطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحُسْن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وأنواع الورع التام والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها متفرقة وكثرة اطلاعه، عَلِمَ أنه إمام لا يُلْحَق، وفارس لا يُسْبَق.
_________________
(١) (أ) في هـ: رائحة عظيمة جدا عقيب دفنه.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨، تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢٦، ١٢٨، تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٧.
(٣) قال الذهبي: لعله من موالي قشير سير النبلاء ١٢/ ٥٥٨.
[ ١ / ٢٨ ]
قال: صنفت "المُسْنَد الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، ولما قدِم البخاري نيسابور آخِر مرة لازمه مسلم وأكثر التردد إليه، ومن ثَمَّ حذا حَذوه في "صحيحه" (١)، وكان هذا مراد الدارقطني بقوله: "لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء".
ولد سنة أربع ومائتين، وتوفي -﵀- عشِية يوم الأحد لأربع بقين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ودُفن يوم الاثنين بنيسابور وقبره بها مشهور، يُزار يُتبرك به.
ويُذكر في سبب موته: أنه عُقد له المجلس للإملاء فذُكر له حديث فلم (أ) يَعرِفه فانصرف إلى منزله، فَقُدِّمَت له سلة تمر فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فنيَ التمُر ووَجد الحديث، وكان ذلك سبب موته (٢)، ولذا قال ابن الصلاح (ب): "كانت وفاته بسبب غريب نشأ من غمرة فكرية علمية".
أبو داود (٣): هو سليمان بن الأشعث بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، السجستاني -بفتح [السين] (جـ) وبكسر الجيم (د) - و"سِجِسْتَان" (٤) اسم للولاية التي قصبتها زَرَنْج التي أبو داود منها وهي قُرب "كِرمان" إلى ناحية الهند.
_________________
(١) (أ) في هـ: فلمن. (ب) في هـ: وكانت. (جـ) بهامش الأصل. (د) في ب: وكسر، وفي جـ: وكسرها.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٢.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٢ طبقات الحنابلة ١/ ١٥٩، طبقات الشافعية ٢/ ٢٩٣، طبقات الحفاظ ٢٦١.
(٥) سجستان: إقليم صغير منفرد متاخم لإقليم السند غربية بلد "هراة" وجنوبية مفازة لينه ولين إقلبم كرمان وفارس، وأرض سجستان كثيرة النخل والرمل. معجم البلدان ٣/ ١٩٠.
[ ١ / ٢٩ ]
وهو أحد أئمة المسلمين والحفاظ والجهابذة المكْثِرين الذين يُعتمد عليهم، ويُرجع إليهم (أ).
قال بعضهم: هو تالي الشيخَيْن في علمهما وفضلهما، سكن البصرة، وروى سننه ببغداد فأخذها أهلُها عنه، وعَرَضه على أحمد فاستجاده واستحسنه (١).
وقال الخلال: لم يسبقه أحدٌ في زمنه إلى معرفته بتخرج العلم (٢) وقيل في حقة: أُلِيْنَ له الحديث كما أُلِيْنَ الحديدُ لداود - ﵇ (٣) -، سَمِع من أحمد والقعنَبِيّ وسليمان بن حرب وقُتَيْبَة وغيرهم (٤).
وروى عنه خلائق كالترمِذِيّ والنَّسَائي (٥).
قال: كتبتُ عن النبي - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمنته كتاب "السنن"، وأحاديثه أربعة آلاف حديث وثمان مائة (ب) ليس فيها حديث أجمع الناس على تَركِهِ (٦).
قال القاضي: كتابُ الله أصلُ الإسلام، وكتاب أبي داود (٧).
قال الخطابي: هو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين (٨).
_________________
(١) (أ) في هـ: "إلى قولهم": وفوتها كلمة: "إليهم". (ب) زاد في هـ: حديث.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٩.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢١١.
(٤) تهذيب التهذيب ٤/ ١٧٢.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٦) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٥.
(٧) طبقات الشافعية ٢/ ٢٩٥.
(٨) كذا في النسخ، وفي هامش نسخة المؤلف: "كتاب الله أصل الاسلام، وكتاب أبي داود عهد الإسلام". سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢١٥.
(٩) لفظه: "قد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه ولا متأخرا لحقه فيه". معالم السنن ١/ ١٢.
[ ١ / ٣٠ ]
وقال ابن الأعرابيّ (١): مَنْ عنده كتاب الله وسُنَن أبي داود لم يَحتَج إلى شيءٍ معهما مِن العلم".
ومِن ثَمَّ صرح حُجة الإسلام الغزالي (٢) باكتفاء المجتهد به في أحاديث الأحكام، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك، وبمثله صرح الإِمام المهدي -رحمه الله تعالى- في "الغيث" (٣).
وقال النووي: "ينبغي للمشتغل بالفقه وبغيره الاعتناء به وبمعرفته المعرفة التامة، فإنّ معظم أحاديث الأحكام التي يُحْتَجُّ بها فيه مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه". انتهى.
وبلغ من شدة الوَرَعِ أنه كان له كُمُّ واسع وكم ضيق، فقيل له في ذلك فقال: الواسع للكتب، والضيق لا أحتاج إليه.
وُلْد سنة اثنتين ومائتين (أوتوفي (ب) سنة خمس وسبعين ومائتين أ).
وذكر جماعة أنه شافعي، وكان سبب ذلك أخذه عن أصحاب الشافعي، والظاهر أنه حنبلي (٤). والله أعلم.
الترمذي (٥): هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَورة بن موسى بن
_________________
(١) (أ) ما بينهما ساقط من جـ. (ب) زاد في هـ: بالبصرة لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٥٦.
(٣) قال في شروط المجهد: (بل أنْ يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام كسنن أبي داود ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ) المستصفى ٢/ ٣٥١.
(٤) "الغيث المدرار المفتح لكمائن الأزهار" للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى شرح به كتابه "عيون الأزهار في فقه الأئمة الأطهار" ويعتبر عمدة كتب الفقه الزيدي اعتنى به علماؤهم شرحا وتعليقا وافيا. مقدمة عيون الأزهار ٥/ ٦.
(٥) ذكره السبكي في طبقات الشافعية ٢/ ٢٩٣، وأبو يعلى في طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٧.
(٦) طبقات الحفاظ ٢٧٨، خلاصة تذهيب الكمال ٣٥٥، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٠.
[ ١ / ٣١ ]
الضحاك، السلميّ، الترمذي -بتثليث الفوقية، وكسر الميم أو ضمها كلها، مع إعجام الذال نسبة إلى مدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ.
وهو الإمام الحجة الثقة الحافظ المتقن، أخذ عن البخاري وغيره، وروى عن شيوخ البخاري، وتخرج بالبخاريّ، في روى عنه في "جامعه" حديثًا واحدًا، وهو: "يا علي لا يحل لأحد يجنب (أ) في هذا المسجد غيري وغيرك" (١). وحسنه واستغربه.
قال -رحمه الله تعالى-: "عرضتُ كتابي هذا -أي كتاب السنن المسمى بالجامع- على علماء الحجاز والعراق وخُرَاسان فرضوا به، ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم" (٢).
مات الترمذي بترمذ أواخر رجب سنة سبع وستين ومائتين (٣).
النسائي (٤): هو أحمد بن شعيب بن علي بن سِنَان بن بَحر بن دينار، الخراساني، أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، بل أحد أئمة الدنيا في الحديث، سمع كثير من مشايخ الشيخين البخاري ومسلم، ومن أبي داود وآخرين ببلاد كثيرة وأقاليم مختلفة، واتسع أَخْذُهُ ورحلته (ب) حتى قال الذهبي والتاج السبكي: إنه كان أحفظ من مسلم صاحب "الصحيح" (٥)، وسننه أقل السنن بعد الصحيح حديثًا
_________________
(١) (أ) في ب: يجتنب. (ب) في هـ: ومرحلته.
(٢) سنن الترمذي ٥/ ٦٣٩ - ٦٤٠ ح ٣٧٢٧، ولم يروه عنه إنما سمعه منه فاستغربه قال أبو عيسى: وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه ٥/ ٦٤٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٤.
(٤) الصحيح: تسع وسبعين ومائتين، انظر المراجع السابقة.
(٥) طبقات الشافعية ٣/ ١٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٩٨، الوافي بالوفيات ٦/ ٤١٦.
(٦) عبارة الإمام الذهبي: (هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم). سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٣٣. وقال السبكي: (سمعت شيخنا أبا عبد الله الذهبي الحافظ وسألته: أيهما أحفظ مسلم أو النسائي؟ فقال: النسائي. ثم ذكرت ذلك للشيخ الوالد فوافقه). طبقات الشافعية ٣/ ١٦.
[ ١ / ٣٢ ]
ضعيفا ولذا قال ابن رُشَيْد (١): إنه أَبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا، وهو جامعٌ بين طريقتي (أ) البخاري ومسلم، مع حفظِ كثيرٍ من بيان العلل حتى ذهب جماعة من الحفاظ إلى أن كل ما فيه صحيح.
قلتُ: ولعل هذا في "المُجْتَبَى من السنن الكبرى"، كما يُفْهِمُهُ اقتراح أصحابه عليه أن يختار لهم الصحيح منها، والله أعلم.
مات -رحمه الله تعالى- بالرملة، ودُفن ببيت المقدس، وقيل: أوصى أن يحمَلَ إلى مكة فحُمِل إليها، ودُفن بين الصفا والمروة عن ثمانية وثمانين سنة كما قاله (ب) الذهبي وغيره (٢)، وكأنه بناه على قول النسائي عن نفسه: "يشبه أن يكونَ مولدى سنة خمس عشرة ومائتين"، كان موته (يوم الإِثنين لثلاث عشرة خلت) (جـ) من شهر ضفر سنة ثلاث وثلاثمائة.
وحُكي في سبب موته أنه لما قدم إلى دمشق سُئل عن معاوية فَفَضَّلَ عليًّا -﵁- عليه (د) فذَكَرَ له مَنْ يريد تفضيل معاوية على عليّ شيئًا من فضائل معاوية، قال لهم منكِرًا عليهم: "ألا يرضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتى يفضل"!
وقوله: "رأسا برأس" من باب التنزل مع الخَصم، وإلا فإجماع (٥) أهل السنة أنَّ عليا هو الأفضل.
_________________
(١) (أ) في ب: طريقي. (ب) في هـ: قال. (جـ) بهامش لأصل. (د) في هـ: ففضل عليا - ﵇ -، فذكر (هـ) في هـ: وإلا فإن إجماع
(٢) زهر الربى ١/ ١٠ - ١١.
(٣) سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٣٢ - ١٣٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٠١. وقال الذهبي: إنه بالرملة ١٤/ ١٣٣.
[ ١ / ٣٣ ]
فأخرجوه من المسجد وداسوه بالأرجل حتى أشرف على الموت، فحُمل إلى "الرملة" ومات بها (١). و"نَسَا" بفتح النون والسين المهملة مِن كُوَر "نيسابور"، وقيل: مِنْ أرض فارس (٢)، والنسبة (أ) إليها نسائي بهمزة الألف، ويقال: نسوي، وهو القياس، (وفي القاموس: نَسَا: مقصور -بلد بفارس وقرية بسَرَخس وبكرمان وبهمذان) (٣) (ب).
ابن ماجه (٤): هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه، القزويني، مولى ربيعة بن عبد الله، الإِمام، الحافظ، أحد الأعلام، صاحب "السنن" التي يكفيها شَرَفًا أنها جُعِلت من الكتب الستة والسُّنَنَ الأربع بعد الصحيحَيْن بعد أن كان المكمِّل لذلك هو موطأ الإِمام (جـ) مالك، مع كونها شارحة عما حرص عليها أصحاب (د) الكتب الخمسة من المقاصد التي يعتبرها المحدث، وفيها أحاديث ضعيفة كثيرة بل فيها أحاديث منكرة، ونُقِل عن الحافظ المِزِّيّ أنَّ الغالب فيما انفرد به الضَّغف (٥)، ولذا جرى كثيرٌ من القدماء على إضافة "الموطأ" إلى الخمسة، قال الحفاظ (هـ):
_________________
(١) (أ) في هـ: ونسبته. (ب) مثبتة بهامش الأصل، وساقطة من جـ. (جـ) في هـ: الموطأ للإمام. (د) في هـ: أهل، وهي مصوبة "أصحاب". (هـ) في ب: الحافظ.
(٢) في قصة سؤاله عن عليّ ومعاوية انظر: السير ١٤/ ١٣٢.
(٣) معجم البلدان ٥/ ٢٨١.
(٤) القاموس ٤/ ٣٩٧.
(٥) طبقات الحفاظ ٢٧٨ - ٢٧٩، تهذيب التهذيب ٩/ ٥٣٠.
(٦) وحكى ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: (لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما فيه ضعف). شروط الأئمة الستة ١٦. قال الحافظ ابن حجر: (وهذه حكاية لا تصح لانقطاع سندها وإنْ كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية أو كان ما رأى من الكتاب إلا جُزءًا منه فيه هذا القدر). النكت ١/ ٤٨٦.
[ ١ / ٣٤ ]
وأول من أضافه (أ) إلى الخمسة أبو الفضل ابن طاهر في "الأطراف"، وكذا في "شروط الأئمة الستة"، ثم الحافظ (١) عبد العني في كتابه (ب) في أسماء الرجال الذي هذبه الحافظ المِزِّيّ، وسبب تقديم هؤلاء لها على الموطأ كثرة زوائدها على الخمسة بخلاف الموطأ.
قال ابن كَثِير: "كتابٌ مفيد قويّ (جـ) التبويب في الفقه".
رحل ابن ماجه فطاف البلاد حتى سمع أصحابَ مالك والليث، وروى عنه خلق كثير منهم أبو الحسن القطان وغيره. توفي يوم الثلاثاءِ لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث -أو خمس- وسبعين ومائتين، ومولده سنة تسع ومائتين.
واعلم أنَّ المصنِّفَ -رحمه الله تعالى- ذكر مصطحات أهل الحديث في وصف الحديث بالصحة والحُسْن والضعف ونحو ذلك، وهذه الاصطلاحات مستوفاة في علوم الحديب ولنذكر شرح معانيها على وجه الاختصار:
فاعلم أنَّ هذا التقسيم إنما هو في الخبر الآحَادِيّ (٢)، وأما المتواتر فهو المعبّر عنه بلفظه، (من غير تقييد) (د)، وهو المُفِيدُ للعِلْمِ، ومِن شَرْطِهِ أنْ يكونَ الخبِر به عددًا كثيرًا تحيلُ العادةُ تواطؤهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستَند انتهائه الحِسِّ، فمتى أفاد العلمَ كان ذلك هو المعبَّر عنه بالتواتريّ، وما عدا هذا فهو آحادِيّ.
_________________
(١) (أ) في هـ: أضاف ابن ماجه. (ب) ساقطة من ب. (جـ) في هـ: كثير، وهي مصوبة: قوي. (د) بهامش الأصل.
(٢) النكت ١/ ٤٨٧، تدريب الراوي ١/ ١٠٢.
(٣) باعتبار وصوله إلينا لا باعتبار وصفه صحيحا وحسنا وضعيفا.
[ ١ / ٣٥ ]
وهو ينقسم إلى: مشهور: ويسمى "المستفيض" (١) -وهو ما زاد رُوَاتُه على اثنين (٢).
وإلى عزيز: وهو ما رواه اثنان عن مثلهما، ويسمى (أ) بذلك لقلة وجوده، وليس بِشَرْطٍ للصحيح خلافا لأبي علي الجُبَّائِي (٣)، فقال: "هو شرط للصحيح".
وإلى غريب: وهو ما تفرد بروايته شخصٌ واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند (٤)، فإن كان التفرد في أصل السند فهو الفَرد المطلق (٥)، وإنْ لم يكن فهو الفرد النسبِي (٦).
وإلى صحيح: وهو ما نقله عَدل، تَامُّ الضبطِ (ب)، متصل السند، غير مُعَلَّل ولا شاذ، وهو الصحيح لذاته (٧).
فإن خَفَّ الضبطُ فهو الحَسَن لذاته (٨)، وإذا كثرت طرقه حُكِمَ له بالصحة.
_________________
(١) (أ) في هـ: وسمي. (ب) زاد في ب وهـ: عن مثله إلى منتهاه.
(٢) وهناك مَنْ غَايَرَ بين المستفيض بأنه يكون في ابتدائه وانتهائه، والمشهور أعم من ذلك، ومنهم من عَكَس. انظر: التدريب ١/ ٣٦٩.
(٣) ومحمد ابن الصلاح ما زاد على ثلاثة وجمل ما رواه اثنان أو ثلاثة من قبيل "العزيز"، وقد خالفه ابن حجر بأنه ما زاد على اثنين فقط. علوم الحديث ٢٤٣، النخبة وشرحها ١٨ - ٣١.
(٤) شرح النخبة ص ٧ وزاد: (وهو من المعتزلة).
(٥) شرح النخبة ص ٨، واللفظ لفظ النخبة.
(٦) شرح النخبة ص ١٠، واللفظ لفظ النخبة.
(٧) شرح النخبة ص ١٠ - ١١، لفظ النخبة.
(٨) شرح النخبة ص ١١، لفظ النخبة.
(٩) شرح النخبة ص ١٥.
[ ١ / ٣٦ ]
فما وقع في عبارة الترمذي من قوله: "حَسَنٌ صحيح" فهو متأول إما بأنه نردد في الناقل هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو شرط الحُسْن؟ وهو بتقدير العاطف لأن حقه حَسَن أو صحيح، أو باعتبار إسنادَيْن يكون أحدهما له شرط الصحيح والثاني له شرط الحَسَن، والأول متعين فيما له إسناد واحد فقط (١).
وإلى ضعيف: وهو ما اختل فيه شرطُ الصحيح والحَسَن.
وله ستة أسباب:
أحدها: عدم الاتصال، ثانيها: عدم عدالة الرجال، ثالثها: عدم سلامتهم من كثرة الخطأ والغفلة، رابعها: عدم مجيئه من وجه آخر حيث كان في الإِسناد مستور لم يعرف أهليته وليس متهما بالكذب، وخامسها: الشذوذ، وسادسها: العِلة (٢).
وقد دخل في الضعيف (٣) المُعَلَّق: وهو أن يحذف من أول السند واحدٌ أو أكثر، ويكون ذلك بتصرف من المُصَنِّف، وهو على أقسام: إما بأن يقول: "قال رسول الله - ﷺ -"، أو يذكر الصحابي ويحذف مَنْ دونه، أو يذكر (أ) مع الصحابي التابعيّ، أو يحذف مَنْ حَدَّثَه ويذكر مَنْ فوقه حيث لم يكن ذلك تدليسا، وإلا فمدلس.
_________________
(١) (أ) في هـ: ويذكر.
(٢) شرح النخبة ص ١٥.
(٣) ذكر ابن الصلاح أن ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح والحَسَن ضعيف، وقد أورد صاحب "التدريب" الأسباب الستة التي ذكر بها المصنف، وكذلك أوردها صاحب "تنقيح الأنظار"، ونقلها الشارح بلفظها. تدريب الراوي ١/ ١٠٥، توضيح الأفكار ١/ ٢٤٨.
(٤) شرح النخبة ٢٢.
[ ١ / ٣٧ ]
وإنْ كان الحذف من آخر السند بأن يكون مِن بعد التابعي فهو مُرْسَل.
ومن أقسام المرسل: المعُضل: بأن يكون الساقط اثنين فصاعدا مع التوالي.
والمنقطع: إذا كان اثنَيْن مع عدم التوالي (١).
ودخل في الضعيف (٢) ما كان الطعنُ فيه لكذبِ الراوي، أو تهمته بذلك، أو فُحش غلطه، أو غفلته، أو فِسْقِه، أو وهمه، أو مخالفته للثقات، أو جهالته، أو بدعته أو سوء حفظه.
والأول يختص "بالموضوع"، والثاني "المتروك"، والثالث "المُنْكَر" -على رأي من لا يشترط في المنكَر نحالفة مَنْ هو أحفظ منه-، وكذا الرابع والخامس يطلق عليهما اسم "المنكر" [وهو "الشاذ": وهو أن يخالِف الراوي مَنْ هو أحفظ وأضبط فيكون ما تفرد به شاذا مردودًا، وإن تفرّد الحافظ الضابط ولم يكنْ مخالفا لمن هو أحفظ منه كان ذلك مقبولًا، وإنْ لم يكن موثوقا بحفظه وإتقانه لِمَا (أ) انفرد به لم يكن صحيحا، وهو دائر بين الحسن إذا كان حفظه قريبا من درجة الحافظ، وإن كان بعيدا من ذلك كان من قبيل الشاذ المنكر كذا حققه ابن الصلاح] (ب) (٣).
والقسم السادس: إن اطلع على الوهم بالقرائن وجمع الطرق خص باسم "المُعلَّل"، وقد يقال: "المعلول" والأول أولى، إذ هو من علله، قال
_________________
(١) (أ) في هـ: فما. (ب) بهامش الأصل.
(٢) والعضَل: لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل معضَل منقطع وليس كل منقطع معضلا. علوم الحديث ٥٤.
(٣) شرح النخبة ٢٥ - ٢٦.
(٤) راجع بحث الشاذ: علوم الحديث ٧١.
[ ١ / ٣٨ ]
الزين: "والأجود في تسميته: المُعَلّ (١)، وأكثر عباراتهم في الفعل أنهم يقولون: أعله فلان بكذا وقياسه: مُعَلّ وهو المعروف في اللغة (أ)، قال الجوهري: لا أعلك الله (٢)، أي: لا أصابك بعلة، قال صاحب "المُحكَم": اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جتته وسللته، ولم يستعملا في الكلام (ب) أو استغني عنهما بأفعلت (٣) " انتهى، وأما عَلَّلَه (٤) فإنما يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصبي بالطعام.
"والعلة" (٥): عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثَرَتْ فيه وقدحت، وهي من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها ولا يقوم بذلك إلا مَنْ رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وَمَلكة قوية بالأسانيد والمتون (٦)، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المَديني، وأحمد بن حنبل، والبُخَارِيّ، ويعقوب بن شَيْبَة (جـ)، وأبي حاتم، وأبي زُرعة، والدارقطني حتى قال بعضهم: إن المحدث المتقِن يجس النبض في الحديث فيدرك منشأ علته.
_________________
(١) (أ) ساقطة من ب. (ب) في هـ: واستغنى! (جـ) زاد في ب: أبي. وهي من المصحح، خطأ.
(٢) التقييد والإيضاح ١١٧، ولفظه: (والأحسن أنْ يُقَالَ فيه "مُعَلّ" بلام واحدة لا معلل) والعبارة من تنقيح الأنظار فإنها بلفظه.
(٣) الصحاح ٥/ ١٧٧٤.
(٤) المحكم ١/ ٤٠٦.
(٥) القاموس ٤/ ٢١.
(٦) تنقيح الأنظار ٢/ ٢٦.
(٧) شرح النخبة ٢٧ - ٢٨.
[ ١ / ٣٩ ]
مثال ذلك ما قال الحاكم في "علوم الحديث": حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني نا حجاج بن محمد قال: قال ابن جُرَيْج عن موسى بن عقبة عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - "مَنْ جلس مجلسا كَثُرَ فيه لَغَطُه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك".
وله علة قادحة: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الوراق: قال: سمعت أبا حامد أحمد بن حمدون القصار يقول: "سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقَبَّل (أ) عَيْنَيه وقال: دعني حتى أُقَبِّل رجلَيْك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام ثنا مخلد بن يزيد الحراني أنا ابن جُرَيْج عن موسى عقبة عن سُهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - في كفارة المجلس فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مَلِيح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلُول، حدثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سُهيْل عن عون عن عبد الله".
قوله: "قال محمد بن إسماعيل" هذا أولى، فإنه لا يُذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل. انتهى (١).
قال علي بن المَديْنِيّ (٢): "الباب إذا لم تُجْمَع طرقُه لم يتُبين خطؤه".
والعلة تكون في الإِسناد -وهو الأغلب-، وفي المتن. ثم العِلة في الإسناد قد تقدح في المتن كالإعلال بالارسال، وقد لا تقدح كالإعلال بوهم الراوي في اسم أحد رجال الإِسناد مع ثبوت الإِسناد عن الثقات على الصواب من غير رواية ذلك
_________________
(١) (أ) في ب: يقبل. (ب) زاد في ب: فيه.
(٢) انظر: علوم الحديث للحاكم ١١٣ - ١١٤، وعلوم الحديث لابن الصلاح ٨١، وتدريب الراوي ١/ ١٦٢، وقد ساق الحافظ في "النكت" الكلام على هذه الرواية واستوفى طرقها ٧١٤ - ٧٤٥.
(٣) تنقيح الأنظار ٢/ ٢٩.
[ ١ / ٤٠ ]
الذي وَهِم، وقد يطلقون المُعَلّ على ما اختل راويه من حيث الفِسْق وذلك موجود في كتب العِلَل.
والقسم السابع: مخالفة الثقات (١)، وهي إِن كانت بتغيير سياق الإِسناد فيسمى مُدرَج الإِسناد وذلك بأن يروي الحديث جماعةٌ بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو ويُجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف (أ).
أو يكون المتن عند راو إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسنادٍ آخر فيرويه راو عنه تامًّا بالإِسناد الأول ونحو ذلك وإن كان مدمجًا موقوفًا من كلام الصحابة أو من بعدهم بمرفوع من كلام النبي - ﷺ - فيسمى مدرج المتن.
وإن كانت الخالفة بتقديم أو تأخير في السندَ كأن يقول: "مُرَّة بن كعب" في "كعب ابن مُرَّة"، أو في المتن كأن يقول في حديث السبعة: " حتى لا تعلم يميُنه ما تنفِق شماله" (٢). كما وقع له لبعض الرواة، وأصل الحديث: " حتى لا تعلم شمالُه ما تُنْفِق يمينه" فيسمى: "المقلوب".
وإن كانت المخالفة بزيادة راوٍ في الإِسناد المتصل المُصَرَّح فيه بالسماع فيسمى "المَزِيد" (٣).
_________________
(١) (أ) في هامش هـ.
(٢) شرح النخبة ٢٨.
(٣) مسلم مقلوبا ٢/ ٧١٥ ح ٩١ - ١٠٣١، والبخاري بلفظ "حتى لا تعلم شماله ما تنفق بيمينه" ٢/ ١٤٣ ح ٦٦٠.
(٤) يعني: "المزيد في متصل الأسانيد".
[ ١ / ٤١ ]
وإنَّ كانت الخالفة بإبدال الراوي براوٍ آخر ولا مُرَجِّح لاحدى الروايتين على الأخرى فيسمى: "مضطرب (أالإسناد"، وقد يكون الإبدال في المتن فيسمى "أيضًا": مضطرب (أ) المتن (١).
وقد يقع الإبدال لقصد الامتحان كما وقع في امتحان البخاري (٢).
وإن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء سورة الخط في السياق، فإن كان بالنسبة إلى اللفظ فيسمى: "المُصَحَّف"، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فيسمى: "المُحَرَّف" (٣).
القسم الثامن: جهالة الراوي، وهي إما بأنْ يُذْكَرَ بنعت غير ما اشتهر به لغرض، أو بأن يكون مُقِلًّا من رواية الحديث فلا يكثر الأخذ عنه (٤)، أو بأن يبهمه الراوي اختصارا، وهذا الذي أبهمه الراوي لا يُقْبَل ولو صرح بعدالته بأن يقول: "أخبرني الثقة"، لأنه قد يكون ثقة عنده مجروحا عند غيره (٥).
فإن سمى الراوي وانفرد (ب) واحد بالرواية عنه فيسمى: "مجهول العين" (٦)، وإنْ روى عنه اثنان فصاعدا ولم يُوَثَّق فيسمى: "مجهول الحال" (٧) وهو "المستور"، وهذا القسم موقوف على البحث عنه، فلا يُقْبَل ولا يُرَدّ إلا بعد استبانة حاله.
القسم التاسع: بدعة الراوي، وهي إما بمُكَفِّر (جـ)، فقيل: يُقبل مطلقا (د)،
_________________
(١) (أ، أ) ما بينهما بهامش جـ. (ب) زاد في ب: به. (جـ) في ب: بكفر. (د) زاد في هـ: كما قيل.
(٢) شرح النخبة ٢٨ - ٢٩.
(٣) في قصة امتحان البخاري انظر: تاريخ بغداد ٢٠/ ٢ - ٢١.
(٤) شرح النخبة ٢٩.
(٥) شرح النخبة ٣٠ - ٣١.
(٦) شرح النخبة ٣١ - ٣٢ وقال: (على الأصح).
(٧) و(٧) شرح النخبة ٣٠ - ٣١.
[ ١ / ٤٢ ]
وقيل: إن كان لا يعتقد حِلّ الكذب لنصرة مقالته والمعتمد أَنَّ مَنْ أنكر أمرًا متواترًا معلوما مِن الشرعِ بالضرورة أو اعتقد عكسه فإنه لا يُقْبَل، لأنه يصير حكمه حكم كافر التصريح.
وأما مَن كان كُفره من حيث التأويل لما طرأ عليه من خطأ النظر في الأدلة، فإنه يُقبل مهما كان مستكملا لشرط الرواية من الضبط والعدالة، وإن كانت بمُفسِّق فقيل: يُرَد مطلقا (١)، وقيل؛ يُقبل مطلقا، إلا إنْ اعتقد (أ) حِلّ الكذب (٢)، وقيل: يُقبل مَن لم يكن داعية إلى بدعته.
والأولى أن مَن عُرِف من حاله الأمانةْ وصدق اللهجة وأن المذهب لا يحمله على محبة ترويج الباطل وتقويته بما ليس بحق فإنه يُقْبَل (٣)، وإلا رُدَّ.
وقال الجُوْزَجَاني (٤) شيخ النَّسَائي: "إن مَنْ لم يكن داعية إلى بدعته (ب) يقبل إذا لم يكن ما رواه مُقَوِّيًا لبدعته" (٥).
العاشر: سوء حفظ الراوي، فإِنْ كان لازما له في جميع حالاته فإنه يسمى بالشاذ على رأي بعض المحدِّثين، وإنْ كان سوء الحفظ طارئا عليه سمى:
_________________
(١) (أ) في ب: يعتقد. (ب) في ب: بدعة.
(٢) ونسبه الخطيب إلى مالك لأن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها لذكره. الكفاية ١٩٤.
(٣) حكى الخطيب هذا القول عن الشافعي وقال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وحكاه عن ابن أبي ليلى والثوري. الكفاية ١٩٤.
(٤) وهو قول الأكثر من العلماء.
(٥) شرح النخبة ٣٢ - ٣٣.
(٦) قال أبو إسحاق الجوزجاني في كتابه "معرفة الرجال": " ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة-، صادق اللهجة فليس فيه حيلة إلا أن يؤخَذ من حديثه ما لا يكون منكرا إذا لم يقوي بدعته". شرح النخبة ٣٣.
[ ١ / ٤٣ ]
"بالمُختلِط" فهذه كلها أقسام للضعيف وليست كلها مردودة، بل قد يصير بعضها مرتقيا إلى مرتبة الحسن مع المتابعة له بمعتَبَر (أ)، وذلك كسوء الحفظ، والمرسل، والمستور، ونحو ذلك (١).
وأعلم أنه يُسَمَّى (ب) بالمرفوع ما انتهى إلى النبي - ﷺ -، وما اقتصر فيه على الصحابي يسمى بالموقوف، وما اقتصر فيه على التابعي يسمى (جـ) بالمقطوع وكذا مَنْ دون التابعيّ، وقد يقال للأخِيرَيْن: أثَر.
وفي هذا المذكور كفاية في معرفة اصطلاح أهل الحديث فيما يتعلق بهذا المختصر.
فائدة: يجوز للناظر في علم الحديث العمل بما ذكره الأئمة الملتَزِمون للصحيح، وذلك كالصحيحَيْن فإنهما التزما أن يذكرا ما صَحَّ عندهما، وقد تلقتهما الأمة بالقبول فأفاد ما فيهما العِلم الاستدلالي، وكذا المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة، وصحيح أبي حاتم محمد بن حِبَّان البُسْتِيّ المسمى: "بالتقاسيم والأنواع"، وكتاب "المُسْتَدْركَ على الصحيحَيْن" لأبي عبد الله محمد الحاكم (٢) وكذلك ما يوجد من المستَخْرَجَات على الصحيحَيْن (٣) من زيادة أو تتمة لمحذوف، فهو محكوم بصحته.
_________________
(١) (أ) في هـ: بغيره. (ب) في هـ: سمى. (جـ) في ب: سمى.
(٢) شرح النخبة ٣٣ - ٣٤.
(٣) قال ابن الصلاح: (هو واسع الخطو في شرط الصحيع متساهل في القضاء به). وقال القاضي بدر الدين ابن جماعة: (أنه يُتتبع ويُحَكم عليه بما يليق بمثله من الصحة والحسن والضعف). علوم الحديث ١٨، المنهل الروي ل ٧.
(٤) المستخرجات: جمع مستخرج، وهو أن يأتي المصنف إلى الكتاب فَيُخَرِّج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه. توضيح الأفكار ١/ ٦٩، تدريب الراوي ١/ ١١٢.
[ ١ / ٤٤ ]
وأما السُّنَنَ الأربع والموطأ والمسانيد مما لم يلتزم مصنفوها التصحيح فإِنْ كانَ مما بين صحته أو حُسنه فيها فلا كلام في جواز العمل به، وما أطلق من ذلك فإن كان الناظر متأهلا للبحث وجب عليه ذلك، كان لم يكن (أ) ولا وجد أحدا من الأئمة (ب) قد نص فيه بتصحيح لم يَجُزْ له الاحتجاج لئلا يقع في الباطل ولا يشعر.
وقد بَيَّن أبو داود ما في كتابه من الصحيح وما يقاربه، والضعيف، وما سكت عنه فهو "صالح" (١)، وكذا الترمذي فإنه بَيَّنَ (جـ الصحيح والحَسَن جـ) والضعيف وما سكت عنه يحتاج إلى بحث، وكذا مسند الإمام أحمد فإنَّ ما سكت عنه صالح للاحتجاج به (٢)، والله أعلم.
_________________
(١) (أ) زاد في هـ: ذلك. (ب) في ب: وقد. (جـ) في ب تقديم وتأخير وأشار إليه.
(٢) رسالة أبي داود. ٢١ - ٣٤.
(٣) النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٤٦ - ٤٧٣.
[ ١ / ٤٥ ]