لكي نعرف ما يتمتع به القاضي الحسين من المكانة العلمية يَحْسُنُ بنا أن ننقل ما قاله عنه معاصروه ولا شك أن مَن عاصره أعلم به: قال عنه صاحب "الطبقات" إبراهيم بن القاسم بن المؤيد (١):
نشأ على طلب المعارف، وتفيأ في ظلال روضها الوارف، واقتنص شواردها، واقتاد أوابدها، ووقف على كنزها المدفون، واطلع على سرها المخزون، وكان بحرا من البحور، علامة متيقنًا متفننًا، وعاء من أوعية العلم، ودوحة عرفان ثمرتها الفضل والحلم.
_________________
(١) نشر العرف ٢/ ٦٢١.
[ المقدمة / ٢٤ ]
أدرك الإِمام المتوكل على الله إسماعيل وله عليه سماع، وتولى القضاء بمدينة صنعاء عن أمر الإِمام المهدي أحمد بن الحسين، وكان هو الحقيق بذلك المنصب لما منحه الله من النظر السليم، والطبع المستقيم، والرأي السديد، والورع الشديد، ولم يصده ذلك عن التدريس، وتأكيد الفوائد التي تقدم له فيها تأسيس وكان كعبة الطالبين يأتون إليه من كل فج سحيق ثم تولى القضاء في دولة الإِمام المؤيد بالله محمد بن المتوكل، ثم شطرًا من خلافة المهدي صاحب "المواهب" محمد بن أحمد بن الحسن، وكان عالمًا فاضلًا، محققًا في الأصول والفروع والحديث، حجة، ثبتا، ذا أناة، راجح العقل، واضح النقل ولم يزل مواظبًا على التدريس والقضاء حتَّى توفي في شهر رجب سنة ١١١٩.
وقال عنه الشوكاني (١):
"قاضي صنعاء وعالمها ومحدّثها، مصنف "البدر التمام شرح بلوغ المرام"، وهو شرح حافل".
وقال عنه صاحب "نفحات العنبر" (٢):
"إمام العلوم والنظر، قدوة من بدا ومن حضر، له مشايخ تقدموا في الشيوخ وسبقوا في الإِتقان والرسوخ، وله رسائل كثيرة، وأنظار ثاقبة، وأبحاث نفيسة، وفتاويه لا تُحْصَى".
قلت: بل إن توليه القضاء في صنعاء عاصمة الحكومة الزيدية لدليل على تمكنه واطلاعه في مذاهبهم وعلى مكانته عند حكومة الإِمام، لأنهم لا يُقَدِّمُون إلَّا مَنْ يوافق مذهبهم.