قوله: "عدَّ فيه أربعة أحاديث، وفي الجامع خمسة، الأول":
٤٩/ ١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كمثلُ الزَّرْعِ لاَ تَزَالُ الرِّيحُ تُميلُهُ وَلاَ يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلاَءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزِ لاَ تَهْتَزُ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ". أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح].
الأرز: بسكون الراء: شجر الصنوبر.
قوله: "مثل المؤمن" أي: صفته العجيبة الشأن مثل آية الزرع.
أقول: في البخاري (٣) لفظين كلاهما بلفظ: "كخامة الزرع" عقد له باب ما جاء في كفارة المرض (٤).
"والخامة" - بالخاء المعجمة وتخفيف الميم - هي: الطاقة الطرية اللِّيّنَةُ، ووجه الشبه أشار إليه قوله: "لا تزال [الريح] (٥) تميله" وفي لفظ لمسلم (٦): تُفيئُه الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء" فقد شبه البلاء بالريح، والمؤمن بخامة الزرع والجامع أنهما لا يزالان في استقامة تارة وسلامة، وفي عناء أخرى.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٥٦٤٤) قلت: وأخرجه مسلم رقم (٢٨٠٩).
(٢) في "سننه" رقم (٢٨٦٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) الأول: رقم (٥٦٤٤)، والثاني: رقم (٧٤٦٦).
(٤) الباب الأول من كتاب المرض (٧٥).
(٥) في المخطوط (ب): "الزرع".
(٦) في "صحيحه" رقم (٥٩/ ٢٨١٠) من حديث كعب بن مالك.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقوله: "ومثل المنافق" وفي لفظ البخاري (١): "الفاجر" ولمسلم (٢): "الكافر".
"كشجرة الأرزة" - بفتح الهمزة وبسكون الراء - في الأكثر، كما قال المصنف. وقيل: بتحريكها. قيل: إنه الصنوبر، وأنه لا يحمل شيئًا، وإنما يستخرج من أعاجزه وعروقه الدلف. وقيل: إنه العرعر. وقيل: شجر بالشام. وقيل: إنه شجر مقتدر صلب لا تحركه هبوب الرياح. ذِكْرَه وجه الشبه بين الفاجر، وهذه الشجرة بقوله: "لا يهتز حتى يستحصد" أي: يطلب الحصاد ويهيأ له.
قال المهلب: معنى الحديث: أن المؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، فإن وقع له خير فرح به وشكر، وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الأجر والخير، فإذا اندفع عنه اعتدل شاكرًا.
والكافر لا يتفقد الله باختباره، بل يحصل له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه، فيكون موته أشد عذابًا عليه، وأكثر ألمًا خروج نفسه.
الحديث الثاني:
٥٠/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "مَثَلُ المؤمِن كمَثلِ شجرةٍ خَضْراء لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلاَ يَتَحَاتُّ" فَقَالَ الْقَوْمُ: هِي شَجَرَةُ كَذَا. هِي شَجَرَةُ كَذَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أقُولَ هِي النَّخْلَةُ. وَأَنَا غُلاَمٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: "هِي النَّخْلَةُ" أخرجه الشيخان (٣) [صحيح].
قوله: "وعن ابن عمر".
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٥٦٤٤).
(٢) في "صحيحه" رقم (٥٩/ ٢٨١٠) من حديث كعب بن مالك.
(٣) البخاري رقم (٦١) ومسلم رقم (٢٨١١).
[ ١ / ٢٢٧ ]
أقول: أخرجه البخاري (١) في مواضع [٨٢/ ب].
وقوله: "لا يسقط ورقها" وهو وجه الشبه. قال الحافظ (٢): ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما زاده الحارث بن أبي أسامة (٣) في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر، ولفظه قال: كنا يومًا عند النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: "إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة، أتدرون ما هي؟ " قالوا: لا. قال: هي النخلة لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة".
قال: وقوله: "النخلة" موجود في جميع أجزائها مستمر في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تبسر تؤكل أنواعًا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال، وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته.
قوله: "فقال القوم: هي شجرة كذا".
أقول: لأنه قال - ﷺ - للمخاطبين: "فحدثوني ما هي" وبوب له البخاري (٤) باب: قول المحدث حديثًا.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٦٢) (٧٢) (١٣١) (٢٢٠٩) (٤٦٩٨) (٥٤٤٤) (٥٤٤٨) (٦١٢٢) (٦١٤٤).
(٢) في "فتح الباري" (١/ ١٤٥).
(٣) كما في "بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث" (٢/ ٩٦٥ رقم ١٠٦٧) بسند ضعيف. • وأصل هذا الحديث عند أحمد (٢/ ٦) والبخاري رقم (٦١) ومسلم رقم (٦٣/ ٢٨١١) من طريق عبد الله ابن دينار. وأخرجه أحمد (٢/ ٣) والبخاري رقم (٦١٢٢) من طريق محارب بن دثار كلاهما عن ابن عمر مرفوعًا.
(٤) في "صحيحه" (١/ ١٤٤ رقم الباب ٤ - مع الفتح).
[ ١ / ٢٢٨ ]
قوله: "فاستحييت" زاد البخاري في روايته: "فأردت أن أقول: هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم". وله عدة ألفاظ عند البخاري [٢٨/ أ].
الثالث:
٥١/ ٣ - وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلاَبِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ الله ضَرَبَ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا عَلَى كَنَفَي الصِّرَاطِ زُوران (١) " وفي رواية: سُورانِ لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، عَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو فَوْقَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ فالأَبْوَابُ الَّتِي عَلَى كَنَفَي الصِّرَاطِ حُدُودُ الله تَعالَى فَلاَ يَقَعُ أَحَدٌ في حُدُودِ الله حَتَّى يُكْشَفَ السِّتْرُ، وَالَّذِي يَدْعُو مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ رَبِّهِ". أخرجه الترمذي (٢).
_________________
(١) زوران: أي: جداران، وفي حديث ابن مسعود الآتي: "سوران"، والظاهر أن السين قد أبدلت بالزاي كما يقال في الأسدي: الأزدي.
(٢) في "سننه" رقم (٢٨٥٩) وقال: هذا حديث حسن غريب. قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٨٢) والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" رقم (٢١٤٢) والآجري في "الشريعة" (ص ١١ - ١٢ - ١٣) وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (١٩) والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" رقم (٢٠٤١) والطبراني في الشاميين رقم (٢٠٢٤) والرامهرمزي في الأمثال رقم (٣) والحاكم (١/ ٧٣) من طرق. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة. والخلاصة: أن حديث النواس حديث صحيح، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وفسره رزينٌ في حديث رواهُ عن ابنِ مسعودِ (١) - ﵁ -: أنَّ الصِرَاط هوَ الإسلامُ، وأنَّ الأبوابَ محارمُ الله تعالى، والستورُ حدود الله، والداعي عَلَى رَأسِ الصراط هو القرآن، والداعي فوقهُ واعظُ الله تعالى في قلبِ كل مؤمنٍ".
قوله: "وعن النوَّاس" (٢) - بفتح النون وتشديد الواو - ابن سِمْعان - بكسر الميم المهملة وسكون الميم - وهو ابن خالد بن محمد بن عمر سكن الشام وهو معدود فيهم. روى عنه جبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني.
قوله: "إن الله ضرب مثلًا" أبدل منه قوله: "صراطًا مستقيمًا" أي: سوران كما قاله المصنف فإنما هي في رواية ابن مسعود التي أتى بها عن رزين غير مسندة كما في الجامع (٣) وعبارة المصنف أنها رواية للترمذي، ولم يذكرها ابن الأثير عنه.
و"كنفي الصراط" جانباه، وفسر الأبواب بحدود الله، والمراد بها المعاصي مطلقًا التي فيها حد، والتي لا حد فيها.
_________________
(١) الحديث بهذا اللفظ لا يعرف من حديث ابن مسعود، وإنما هو من حديث النواس بن سمعان. وقد أخرج أحمد في "المسند" رقم (٤١٤٢، ٤٤٣٧ - شاكر) والحاكم (٢/ ٣٦٨) من حديث عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا، ثم خط عن يمينه وشماله خطوطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] " وصححه الحاكم، وأقره الذهبي.
(٢) "الاستيعاب" (ص ٧٣١) رقم (٢٦٣١).
(٣) في "جامع الأصول" (١/ ٢٧٥) رقم (٦١)، وتقدم الكلام عليه بأنه من حديث النواس بن سمعان، وليس من حديث ابن مسعود.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقوله: [٨٣/ ب]: "حتى يكشف الستر" وذلك الستر هو نهي الله عنها، وفسر الصراط في الرواية الأخرى بالإسلام. والأبواب بمحارم الله. أي: ما حرمه على عباده والستور حدود الله فمن انتهك المحارم هتك الستور.
وفسر الداعي فوق الصراط بالقرآن، والداعي فوقه [واعظ] (١) الله في كل مؤمن، ولا ريب في مطابقة هذا التفسير، فإن الإسلام هو الصراط المستقيم فقد ذهب أئمة التفسير إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ هو دين الإسلام.
وتفسير الأبواب بما حرمه الله، فإنه جعل في جوانب الدين محرمات مالية وبدنية حض الدين باجتنابها، وقد سترها الله عن عباده بإيجاب الحدود فيها والعقوبات في الدنيا والآخرة، فلا يكشف العبد تلك الستور، فيقع في المحظور.
ثم تفسير الداعي بالقرآن يوافق أن هذا يهدي للتي هي أقوم: [ولأنها نهي الله عن قربان حدود الله] (٢) ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ (٣) ونحوها.
وواعظ الله في قلب المؤمن هو الواعظ الذي فوق القرآن، وإنما جعله فوقه لأن القرآن تفهم وتدبر ونفعه به، وقد جعل الله القلوب على فطرة صحيحة سليمة يدرك بها الحق حقًا والباطل باطلًا، ولذا وردت الأحاديث الآتية بلفظ: "استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون" (٤)
_________________
(١) في المخطوط (ب): ووعظ.
(٢) في المخطوط: ولأنها عن قربان الله حدود الله. ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) البقرة: (٢٢٩).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨) وأبو يعلى رقم (١٥٨٦، ١٥٨٧) والطبراني في "المعجم الكبير" (ج ٢٢ رقم ٤٠٣) والدارمي (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦) والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١٤٤ - ١٤٥) بسند ضعيف، وفيه علتان: =
[ ١ / ٢٣١ ]
وفي لفظ: "وإن أفتوك وأفتوك" ولذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ (١) وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (٢) فالقلوب مفطورة على إدراك كل خير، والنفرة عن كل شر. فطرةٌ لا تغيرها وتعميها وتذل [٨٤/ ب] إدراكها إلا ارتكاب الذنوب والإعراض عن زاجرها، فإن للقلوب زواجر تزجر عن القبائح، ولذا قيل:
لا تنتهي الأنفس عن غيها ما لم يكن منها لها زاجر
وثبت في الحديث الصحيح (٣): "إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كله، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَد كُلُّهُ" فالقلب هو الإنسان، ولذا يقال:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
_________________
(١) = أحدهما: الانقطاع بين الزبير بن عبد السلام وأيوب بن عبد الله بن مكرز، فإنه رواه عن قوم لم يسمعهم. الثانية: ضعيف الزبير هذا. وللحديث شواهد: منها: في الصحيح، لذا حسن الإمام النووي، والألباني في "صحيح الجامع" (١/ ٢٢٤ رقم ٩٩٨) الحديث. وانظر "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٩٣ - ٩٦). وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.
(٢) سورة الحج: (٤٦).
(٣) سورة محمد (٢٤).
(٤) وهو حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٤) والبخاري رقم (٥٢) ومسلم رقم (١٥٩٩) وابن ماجة رقم (٣٩٨٤) والدارمي (٢/ ٢٤٥) وابن حبان رقم (٢٩٧) من حديث النواس بن سمعان.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولهذا يعاقب الله العبد على ذنوبه بتقليب قلبه قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ [٢٩/ أ] أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (١) فأخبر أنه عاقبهم بتقليب القلوب لعدم انقيادهم أول مرة لما دعتهم إليه الرسل وقبلته القلوب، فردوا الداعيين من الرسل والقلوب فعوقبت بتقليبها حتى أبصرت الحق باطلًا والباطل حقًا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥﴾ (٢) فجعل الحجاب على القلوب من فهم القرآن لكونهم لا يؤمنون بالآخرة، بل قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٣) الآية. وكقوله: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) وغيرها مما ملأ به القرآن وثبت في السنة أضعاف ذلك.
ففي مسلم (٥) حديث: "تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ [كالحصير] (٦) عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أشربَها نُكتَ فيه نكتةٌ سودَاءُ " الحديث، وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.
ولقد اتفق نكتة دالة على سلامة الفطر ما لم تغير [٨٥/ ب] إني سافرت في بعض الأعوام إلى مكة المشرفة من طريق الحجاز فتوسطنا في بلاد الحرامية، وهي ديار ليس فيها شريعة ولا يعرفون إسلامًا، فقعد عندي صَبيَّان لم يبلغا سن التمييز أو هما في أول بلوغها، فما زالا يسألاني سؤال الصِبيان فأكثرا عليَّ حتى رأيا خاتمًا في كفي فقالا: بكم هذا؟ فمن النزق
_________________
(١) سورة الأنعام: (١١٠).
(٢) سورة الإسراء: (٤٥).
(٣) سورة الأنعام: (٢٥).
(٤) سورة التوبة: (٩٣).
(٥) في "صحيحه" رقم (٢٣١/ ١٤٤) من حديث حذيفة.
(٦) سقط من المخطوط، وأضيفت من "صحيح مسلم".
[ ١ / ٢٣٣ ]
قلت لهما: بمائة قرش. فنظر أحدهما إلى الآخر، وقال: تعجب من ربك كيف يودهم وهم يكذبون! فعجبت لهذه الفطرة التي هدتهما أولًا إلى أن الخاتم لا يبلغ هذه القيمة، ثم إلى الإقرار بالرب، ثم التعجب من حلمه، ثم معرفة أن الكذب معصية يستحق عليها العقوبة، وأن من العقوبة أن يحول بين العاصي وبن رده إلى وطنه وبلوغه مقصده.
ولقد كان عندي صبي في أيام يخدم في البيت، فكان لا يتكلم إلا صدقًا، فلما جالس الناس، وتعلم منهم الكذب أخذ من أخلاقهم فذكرت قول المعري:
ومن صحب الليالي علمته خداع الإلف والفعل المحالا
فالعبد مفطور على عدم الأخلاق القبيحة والصفات المذمومة حتى يأخذها من أبناء جنسه، وهذا البحث يناسب حديث: "كل مولود يولد على الفطرة" وله مناسبة هنا.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال: حسن (١)، وأخرجه أحمد (٢) والنسائي (٣) وابن جرير (٤) وابن المنذر وأبو إسحاق، والحاكم (٥) وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦) من حديث النواس.
قوله: "وفسره رزين" أي: فسره ابن مسعود (٧) فيما رواه رزين.
_________________
(١) عقب الحديث رقم (٢٨٥٩)، وقد تقدم.
(٢) "المسند" (٤/ ١٨٢)، وقد تقدم.
(٣) كما في "تحفة الأشراف" (٩/ ٦١).
(٤) في "التفسير" (١٨٦).
(٥) في "المستدرك" (١/ ٧٣) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة.
(٦) رقم (٧٢١٦)، وهو حديث صحيح.
(٧) بل النواس بن سمعان كا تقدم قريبًا.
[ ١ / ٢٣٤ ]
قلت: بل هذا التفسير في رواية النواس المسوقة [٨٦/ ب] هنا فيما أخرجه من ذكرنا بلفظ: "والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم"، هذا لفظه.
الحديث الرابع:
٥٢/ ٤ - وعَنِ أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "بَدَأَ الإِسْلاَمَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كما بَدَأَ فَطُوبَى للغُرَباء" أخرجه مسلم (١) [صحيح].
_________________
(١) وقد ورد من حديث سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن سَنَّةَ، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن عوف بن زيد بن ملحة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر. • أما حديث سعد بن أبي وقاص، فقد أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ١٨٤) وأبو يعلى في "المسند" رقم (٧٥٦) والدورقي رقم (٩٢) والبزار رقم (١١١٩) وابن منده في "الإيمان" رقم (٤٢٤)، وهو حديث صحيح. • وأما حديث ابن مسعود: فقد أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ٣٩٨) والترمذي رقم (٢٦٢٩) وابن ماجه رقم (٣٩٨٨) والدارمي (٢/ ٣١١ - ٣١٢) والطبراني في "الكبير" رقم (١٠٠٨١) والشاشي رقم (٧٢٩) والآجري في "الغرباء" (١، ٢) وأبو يعلى في "المسند" رقم (٤٩٧٥) وابن أبي شيبة (١٣/ ٢٣٦)، وهو حديث صحيح. • وأما حديث أبي هريرة: فقد أخرجه أحمد في "المسند" (٢/ ٢٨٦) والبخاري رقم (١٨٧٦) ومسلم رقم (١٤٧) وابن ماجه رقم (٣١١١) وابن حبان رقم (٣٧٢٩) والبغوي رقم (٦٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الإيمان ليأرزُ إلى المدينة، كما تأرزُ الحيةُ إلى جحرها"، وهو حديث صحيح. • وأما حديث عبد الرحمن بن سَنَّةَ: فقد أخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ٧٣ - ٧٤) مرفوعًا بلفظ: "والذي نفسي بيده! ليأرزنَّ الإسلامُ إلى ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها". إسناده ضعيف جدًا. • وأما حديث عبد الله بن عمر فقد أخرجه مسلم (١٤٦)، وهو حديث صحيح. =
[ ١ / ٢٣٥ ]
"عن أبي هريرة: بدأ الإسلام غريبًا".
أقول: أي أهل الإسلام، وذلك لأنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له لقلة المسلمين: "وسيعود غريبًا" في آخر الزمان لقلة أهل الإسلام المحقق السالمة عن الابتداع المجدد لحسن الاتباع، فيصيرون أيضًا كالغرباء.
وقوله: "فطوبى للغرباء" أي: الجنة لأولئك المسلمين الذين قلوا في أول الإسلام، وسيقلون في آخره، وإنما خصهم بصبرهم على أذية الكفار وأهل الابتداع".
_________________
(١) = • وأما حديث عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة: فقد أخرجه الترمذي برقم (٢٦٣٠) مرفوعًا بلفظ: "إن الدين بدأ غريبًا، ويرجعُ غريبًا فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي"، وهو حديث ضعيف جدًا. • وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: فقد أخرجه أحمد في "المسند" (٢/ ١٧٧) وابن المبارك في "الزهد" رقم (٧٧٥) والآجري في "الغرباء" رقم (٦) مرفوعًا بلفظ: "طوبى للغرباء فقيل: من الغرباء يا رسول الله؟! قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثرُ ممن يطيعُهم"، وهو حديث حسن لغيره. • وأما حديث أنس: فقد أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٨٧) والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١/ ٢٩٨) مرفوعًا بلفظ: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء". قال البوصيري في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد حسن، سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان مختلف فيه وفي اسمه، وله شاهد في "صحيح مسلم" وغيره من حديث أبي هريرة، وفي الترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود. اهـ وهو حديث حسن لغيره. • وأما حديث جابر: فقد أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١/ ٢٩٨) والبيهقي في "الزهد" رقم (١٩٨) والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٨)، وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، وقد وثق. اهـ.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وأخرج أحمد في المسند من حديث ابن عمر (١) مرفوعًا: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ".
وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود (٢) بزيادة في آخره (٣)، وهي:
قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل".
وأخرجه أبو بكر الآجري (٤): قيل: ومن هم يا رسول الله؟! قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس".
وخرجه عميرة وعنده قال: "الذين يفرون بدينهم من الفتن".
وخرجه الترمذي (٥) من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده [٣٠/ أ] عن النبي - ﷺ -: "إن الدين بدأ غريبًا ويرجع غريبًا، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي".
وأخرجه الطبراني (٦) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا وفيه: قيل: من هم يا رسول الله؟! [٨٧/ ب] قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس".
_________________
(١) تقدم تخريج حديث ابن عمر في التعليقة السابقة.
(٢) تقدم تخريج حديث ابن مسعود في التعليقة السابقة.
(٣) في المخطوط (ب): جملة مكررة، وهي: "قيل: يا رسول الله! ".
(٤) في "الغرباء" (١، ٢)، وقد تقدم.
(٥) في "سننه" رقم (٢٦٣٠) وقال: هذا حديث حسن. تقدم وهو حديث ضعيف.
(٦) في "الأوسط" رقم (٨٩٧٧) والكبير كما في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٨) وقال الهيثمي: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وأخرجه أحمد والطبراني من حديث ابن عمر (١) عنه - ﷺ - قال: "طوبى للغرباء" قلنا: ومن الغرباء؟ قال: "ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".
فقوله: "غريبًا" يفسره حديث عياض بن حمار الذي أخرجه مسلم (٢) وفيه: إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، فلما بُعث النبي - ﷺ - ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته يؤذى غاية الأذى ويُنال منه، وهو صابر على ذلك، وشردوا كل مشرد إلى الحبشة وغيرها، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ثم لم يزل بعد وفاته - ﷺ - ووفاة خلفائه الراشدين يظهر الابتداع والفتن والتحاسد على الدنيا، وسفك الدماء عليها، والمذاهب الباطلة، وتحزب الناس، وصار الدين في غربة أشد من الغربة الأولى، ورفعت سنن الهدى واتسع نطاق الابتداع وفاض. بحر مضلات الأهويه واتبع كلٌ هواه وكفَّرت كل طائفة الأخرى، وحصروا الدين على مذاهب ابتدعوها، وفرقوا الصلوات في حرم الله وشغلوا المسجد بعمارات سموها بالمقامات معارضة لله بتسمية مقام إبراهيم لموضع قدمي خليله، والخطب عظيم، والأقلام لا تبلغ نطقها بمثقال ذلك من ذلك الأمر الجسيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومما قلته (٣) في ذلك تشكيًا إلى الله:
بدأ الدين غريبًا مثلما قاله خير الأنام الكرما [٨٨/ ب]
ولقد عاد كما قال لنا وهو الصادق حقًا كَلِما
_________________
(١) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٨) هو في الصحيح. قلت: "صحيح مسلم" رقم (١٤٦) غير قوله: "فطوبى للغرباء" رواه البزار، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس. اهـ.
(٢) في "صحيحه" رقم (٦٣/ ٢٨٦٥).
(٣) في "ديوانه" (ص ٣٦٣ - ٣٦٤).
[ ١ / ٢٣٨ ]
قد رأينا كلما فاه به أنه أصدق شيء كَلِما
فاغتربنا بين إخوان لنا وقرابات وقوم عظما
فارحم الله ما نحن به إذ غدونا مثل من في فيه ما
غربة عمت وجاءت بِدَعٌ عمت الكون وزادته عما
ليت شعري والأماني ضلةٌ تنشر السنة يومًا علما
ويكون النصر فيها للهدى ويولي غيره منهزما
ونطوف البيت سبعًا لا نرى بدعة فيه ونأتي زمزما
ونصلي فيه خمسًا [جمعها] (١) واحد ما فيه تفريق لما
قد نهى الله تعالى عنه في سورة الشورى فأين العلما
ما لكم مزقتم الدين أما قد نهيتم عنه نهيًا محكما
وكذا في كل أرض بِدَعٌ لا أخص اليوم هذا الحرما
إنما هذا مثال فاعتبر وعليه قس تجدها ظلما
ظلمةٌ قد عمت الكون فما تنظر الأنوار إلا حلما [٨٩/ ب]
_________________
(١) في الديوان: "جمعًا"
[ ١ / ٢٣٩ ]