١٥٠/ ٣ - وعَن ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِمَنْكِبِي وَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صحَّتِكَ لمِرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ. أخرجه البخاري (٥) والترمذي (٦).
وزاد بعد قوله: "أو عابر سبيل: وعُدّ نفسكَ من أهل القبور. [صحيح].
_________________
(١) في "السنن" رقم (٢٣٣٤) وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٣٢)، وهو حديث صحيح.
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٣) في المخطوط (ب) مكررة.
(٤) في المخطوط متأخرة، والصواب ثبتها هنا.
(٥) في "صحيحه" رقم (٦٤١٦).
(٦) في "سننه" رقم (٢٣٣٣) وأخرجه ابن ماجه رقم (٤١١٤)، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٤٢١ ]
قوله: "بمنكبي": بفتح الميم وكسر الكاف، فجمع العضد والكتف، وضبط بالإفراد والتثنية.
قوله: "أو عابر سبيل": قال الطيبي (١): ليست "أو" للشك بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى: "بل" تشبيه للناسك السالك بالغريب الذي ليس له سكن يأويه، ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى، وأضرب عنه إلى عابر سبيل [١٢٩/ ب] لأن الغريب قد سكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية ومفاوز مهلكة وقطاع الطريق، فإن من شأنه لا يقيم لخطة ولا يسكن لمحة، ومن ثمة عقبه بقوله: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح " إلى آخره، وبقوله: "عدَّ نفسك من أهل القبور" فإن المراد استمر سايرًا، ولا تفتر فإنك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية.
قالوا: وفيه إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقالوا: هذا أصل في الحث على الفرار من الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها، والقناعة بالبلغة فيها.
وقال النووي (٢): معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق الغريب في غير وطنه.
وقال غيره: عابر السبيل: هو المار على الطريق طالبًا وطنه فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر ويفعل ما أرسل له، وقد استشكل عطف عابر سبيل على غريب.
_________________
(١) في شرح الطيبي على "مشكاة المصابيح" (٣/ ٣٤١).
(٢) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٣٤).
[ ١ / ٤٢٢ ]
وأجيب: بأنه من عطف الخاص على العام، وفيه نوع من الترقي لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم.
قوله: "وكان ابن عمر يقول ".
أقول: هو استنباط منه من الحديث كما قال بعض العلماء: كلام ابن عمر منتزع من الحديث المرفوع، وهو يتضمن النهاية في قصر الأمل، وأن العاقل ينبغي له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وهذا الذي أتى به ابن عمر قد ثبت. أخرجه الحاكم مرفوعًا أن النبي - ﷺ - قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (١).
قوله: "وزاد": أي: الترمذي [١٣٠/ ب].
أقول: لفظه في الجامع (٢) بعد سياق ما ساقه "المصنف": هذه رواية البخاري وأخرجه الترمذي [٣٢/ أ] قال: أخذ رسول الله - ﷺ - ببعض جسدي، وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من أهل القبور" قال مجاهد: قال لي ابن عمر: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا. انتهى.
أي: هل يقال: شقي أو سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به فإنه لا يتعين.
وقيل: المراد هل يقال: حي أو ميت.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٠٦) موصولًا من حديث ابن عباس رفعه بسند صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٩٢).
[ ١ / ٤٢٣ ]
وأما قوله: "من صحتك لسقمك" أي: فإن المرض قد يطرأ فيفوت العمل عليه فيصل المعاد بغير زاد بخلاف إذا اجتهد في صحته في الأعمال الصالحة، فإنه يكتب له ما عمله في صحته في أيام مرضه لحديث: "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا".