١٥٢/ ٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "أَعْذَرَ الله تَعَالى إِلَى امْرِئٍ أَخَرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلغَ سِتِّينَ سَنَةً" أخرجه البخاري (٢). [صحيح].
واللفظ له، والترمذي (٣)، وعنده: "أَعْمَارُ أُمَّتِى مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ" [حسن].
ولرزين (٤) - ﵀ - قال: مُعْتَركُ المنايا مَا بَيْنَ الستينَ إلى السبعينَ، ومن أنسأ الله تعالَى في أجلهِ إلى أربعين فقد أعذَر الله إليه. [حسن].
قوله: "أعذر الله":
أقول: الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مُدَّ لي في الأجل لعملت ما أُمرت [١٣١/ ب] به. فقال: أعذر الله إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه، وإذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكينه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذٍ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية.
_________________
(١) في المخطوط متأخرة، والصواب ثبتها هنا.
(٢) في "صحيحه" رقم (٦٤١٩).
(٣) في "سننه" رقم (٢٣٣١) وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٣٦)، وهو حديث حسن.
(٤) عزاه إليه ابن الأثير في "جامع الأصول" (١/ ٣٩٤). • قلت: وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٢٥٣) وأبو يعلى في "المسند" (١١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٧٦) من طرق كلهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، به. وله طرق أخرى انظرها في تخريجي لـ "التنوير شرح الجامع الصغير" رقم الحديث (٨١٨٧) بتحقيقي. وبها يكون الحديث حسن إن شاء الله.
[ ١ / ٤٢٥ ]
ونسبة الإعذار إلى الله مجازية، والمعنى: أن الله لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به، والحاصل أنه لا يعاقب إلا بعد حجة الله.
قوله: "أخر أجله": أي: أطاله حتى بلغ ستين سنة. قال ابن بطال (١): إنما كانت الستون حد الإنهاء لهذا، لأنها قريبة من المعترك، وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية، فهذا إعذار بعد إعذار لطفًا من الله بعباده حتى نَقَلهُم من حالة الجهل إلى حالة العلم، ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة، وإن كانوا فطروا على حُبَّ الدنيا، وطول الأمل لكنهم أمروا بمعاهدة النفس في ذلك ليتمثلوا ما أمروا به من الطاعة، وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية.
وفي الحديث إشارة إلى أن انقضاء الستين مظنة لانقضاء الأجل.
قوله: "والترمذي وعنده أعمار أمتي":
أقول: لفظه في "الجامع" (٢): وفي رواية الترمذي قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عمر أمتي ما بين ستين سنة إلى سبعين" زاد في رواية: "وأقلُّهم من يجوز ذلك" انتهى.
قلت: قال الترمذي: حسن.
قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سن الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، وهي آخر الأسنان، وغالب ما تكون ما بين الستين والسبعين فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص [١٣٢/ ب] والانحطاط، فينبغي له الإقبال على [الآخرة] (٣) بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة.
وقد استنبط منه بعض الشافعية أنه من استكمل الستين، ولم يحج أنه يكون مقصرًا آثمًا.
_________________
(١) في شرحه لـ "صحيح البخاري" (١٠/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٩٤).
(٣) في المخطوط (أ): آخره.
[ ١ / ٤٢٦ ]
قلت: بل يجب أمره بالحج وإلزامه، وبغير ذلك مما يجب عليه، وقد كتبنا في ذلك رسالة سميناها: "بذل الموجود في مقدار الأعمار وحكم امرأة المفقود" (١).
قوله: "ولرزين معترك المنايا":
قال ابن الأثير (٢): ولرزين رواية لم أجدها في الأصول [٣٣/ أ] قال: قال رسول الله - ﷺ -: "معترك المنايا " إلى آخره.
أقول: أخرجه الحكيم الترمذي (٣) - إلى قوله - "إلى السبعين" فقط من حديث أبي هريرة.
انتهى الكلام بنا في حرف الهمزة، والحمد لله في يوم الخميس (٢٧/ شهر رجب/ سنة ١١٧٤).
_________________
(١) وهي ضمن كتاب: "عون القدير من فتاوى ورسائل ابن الأمير" جمع وتحقيق وتخريج محمد صبحي بن حسن حلاق ط: دار ابن كثير - دمشق رقم الرسالة: (١١١) في المجلد رقم (٦).
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٩٤).
(٣) في "نوادر الأصول" (١/ ٢٧٣).
[ ١ / ٤٢٧ ]