و"الكنى" جمع: كنية، وهو كل ما صدّر بأبٍ وأم.
ذكر سبعة أحاديث؛ الأول:
١١٣/ ١ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ" أخرجه أبو داود (٢). [ضعيف].
قوله: "حديث أبي الدرداء":
واسمه عويمر بن مالك الأنصاري (٣).
قوله: بأسمائكم وأسماء آبائكم.
أي: يقال: يا فلان بن فلان، لا باسم أمه، وذكر جار الله في "الكشاف" (٤) في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (٥) ما لفظه.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين سقط من (ج).
(٢) في "سننه" رقم (٤٩٤٨). قلت: وأخرجه عبد بن حميد رقم (٢١٣) وابن حبان رقم (٥٨١٨) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٣٠٦) وفي "الشعب" (٨٦٣٣) وأحمد (٥/ ١٩٤) بسند ضعيف لانقطاعه عبد الله بن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء، وهو حديث ضعيف.
(٣) انظر ترجمته في "الاستيعاب" (ص ٥١٧ - ٥١٩) رقم الترجمة (١٨٥٠).
(٤) في "الكشاف" (٣/ ٥٣٧).
(٥) سورة الإسراء الآية: (٧١).
[ ١ / ٣٧٤ ]
ومن بدع التفاسير: أنّ الإِمام جمع أمٍ، فإن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأنَّ الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء [٧١ أ/ ج] رعاية في حق عيسى بن مريم - ﵇ - وإظهار شرف الحسن والحسين - ﵉ - وألا يفتضح أولاد الزنا، وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظة أم بها حكمته. انتهى.
قال سراج الدين: يريد أنَّ إمامًا جمع أم غير سائغ، وإنما المعروف الأمهات أم لها حكمته في أنَّ حق عيسى في اختياره بالدعاء، فإن جعله في غير أب كرامة له لا يقضي فيه، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك إثم، فإن أباهما خير من أمهما مع أنَّ أهل البيت من أهل الغنى كلهم كالحلقة المفرغة.
وأمَّا افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات وهي حاصلة دعاء أولادهم بالأمهات، أو بالآباء، ولا ذنب لهم في ذلك حتى يترتب عليه الافتضاح.
قوله: "فحسنوا أسماءكم".
أقول: قال في "زاد المعاد" (١): لما كانت الأسماءُ قوالِبَ للمعاني، ودالَّةٌ عليها، اقتضتِ الحكمةُ أن يكون بينها وبينها ارتباطٌ وتناسبٌ، وألا يكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلُّقَ له بها، فإن حِكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقعُ يشهد بخِلافه، بل للأسماء تأثيرٌ في المسمَيات، وللمسميات تأثير في أسمائها في الحُسن، والقبيح، والخِفِّة، والثِّقل، والكَثَافة، واللطَافة، كما قيل:
وقلَّما [شاهدت] (٢) عَيَنَاكَ ذَا لَقَب إلا ومَعْنَاهُ إن فَكَّرتَ في لَقَبِهْ
_________________
(١) في "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن قيم الجوزية (٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٢) في "زاد المعاد": "أبْصَرَتْ".
[ ١ / ٣٧٥ ]
وكان - ﷺ - يستحِبُّ الاسم الخفي، وأمرهم إذا أبردوا إليه بريدًا أن يكونَ حَسَن الاسْمِ حَسَنَ الوَجْهِ (١).
وكان - ﷺ - يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة، وكان يكره الأمكِنةَ المنكرةَ الأسماء، ويكره العُبُورَ فيها، كمَا مَرَّ بين جبلين في بعض غزواته، فسأل عن أسمائها، فقيل: فاضِحٌ ومُخزٍ، فعدلَ عنهما، ولَم يَجُزْ بينهما، ولما كان بين الأسماء والمسميات من التناسُبِ والترابط، والقرابة ما بين قوالبِ الأشياء، وحقائقها، وما بينَ الأرواحِ والأجسام عَبَرَ العقل مِن كل منهما إلى الآخر كما كان إياسُ بن معاوية يرى الشخص، ويقول: ينبغي أن يكونَ اسمُه كيْتَ وكَيْتَ، فلا يكاد يُخطئُ، وضِدُّها هذا العبور من الاسم إلى مسماه، كما عبر عمر بن الخطاب من لفظ: جَمْرَةُ وشِهَابٌ، وحِرَّة النَّار، وذاتِ لَظَى إلى معانيها، فقال: "اذهَب فقد احترق أهلك" (٢) فعبر من الألفاظ إلى أرواحها.
قلت: ومن تحسين الأسماء قد أرشدهم - ﷺ - إلى التسمي بأسماء الأنبياء، كما يأتي، وأمرهم بأحبها إلى الله وأصدقها.
فالأقسام الثلاثة داخلة تحت الأمر بتحسين الأسماء.
_________________
(١) أخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي - ﷺ - " (ص ٢٧٦ رقم ٧٩٦) في إسناده عمر بن راشد أبو حفص اليمامي، وهو ضعيف. انظر المجروحين (٢/ ٨٣) و"الكامل" لابن عدي (٥/ ١٥) والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (٣/ ١٥٧). وصححه الألباني في "الصحيحة" رقم (١١٨٦) مستشهدًا له بعدة شواهد من حديث بريدة، ومن حديث ابن عباس، وأيضًا من حديث أبي أمامة. وانظر ما تم تخريجه في تحقيقي للتنوير شرح الجامع الصغير لابن الأمير رقم الحديث (٥١١).
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٧٣) رقم (٢٥). إسناده ضعيف لانقطاعه.
[ ١ / ٣٧٦ ]
الحديث الثاني: حديث ابن عمر:
١١٤/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "أَحَبُّ الأَسماءِ إِلَى الله تَعالى عبد الله، وَعبد الرَّحْمَنِ" أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) [١١٨/ ب]، [صحيح].
قوله: "أحب الأسماء إلى الله":
هو من اسم التفضيل المبني للمفعول، أي: أكثرها محبوبية لله، وذلك لا سيما على الإقرار بالعبودية، والإضافة إلى أشرف اسم في الكون.
قوله: "الترمذي":
قلت: وقال: حسن.
الحديث الثالث: عن أبي وهب الجشمي:
١١٥/ ٣ - وَعَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى الله تَعالَى عبد الله وَعبد الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ" أخرجه أبو داود (٤)، واللفظ له، وللنسائي مختصرًا (٥) [ضعيف].
أقول: اسم أبي وهب كنيته، وله صحبة ورواية، والجُشمي بضم الجيم وفتح الشين المعجمة وكسر الميم، وهو اسم قبائل من مضر وغيرها.
قوله: "سموا بأسماء الأنبياء":
أي: لأنَّ الله لا يختار لهم، إلا أحسن الأسماء.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٢١٣٢).
(٢) في "سننه" رقم (٤٩٤٩).
(٣) في "سننه" رقم (٢٨٣٣) و(٢٨٣٤)، وهو حديث صحيح.
(٤) في "سننه" رقم (٤٩٥٠).
(٥) في "سننه" رقم (٣٥٦٥) قوله: "وأصدقها حارث "، وهو حديث ضعيف.
[ ١ / ٣٧٧ ]
قوله: "وأصدقها حارث وهمام".
قال ابن الأثير (١): الحارث: الكاسب، والاحتراث: الاكتساب، وهمَّام فعَّال، من هَمَّ، فهو همَّام، وإنما كان أصدق الأسماء؛ لأنَّ الإنسانَ كاسبٌ، وهمَّامٌ بالطَّبع، فلا يكاد يَخلُو من كسب [٧١ ب/ ج] وهم. انتهى.
قوله: حرب ومرَّة.
قال (١) - أيضًا -: إنما كانا أقبح الأسماء؛ لأنَّ الحرب مما يتفاءل بها، وتُكْرَهُ لما فيها من القتل، والأذى.
وأمَّا مُرّة فلأن معناه: المُرُّ، والمُرُّ كريةٌ بغيضٌ إلى الطباع، أو لأنه كنْيَةُ إبليس، فإن كنيَةَ أبو مُرَّة.
قال أبو عمر بن عبد البر (٢): هذا عندي من باب الفأل الحسن، فإنَّه - ﷺ - كان يطلبه ويعجبه، وليس من باب الطيرة في شيء؛ لأنه محال أن ينهى عن الطيرة، ويأتيها، بل هو من باب الفأل، فإنه - ﷺ - يتفاءل بالاسم الحسن.
وقد روى حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا توجه لحاجة يحب أن يسمع يا نجيح! يا راشد، يا مبارك".
وأخرج بسنده: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان لا يتطير، وكان يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من أسلم، فلقي النبي - ﷺ - ليلًا، فقال له نبي الله - ﷺ -: "من أنت" فقال: أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر، وقال: "يا أبا بكر برد أمرنا وصلح" قال: "ممن؟ " قلت: من أسلم. قال لأبي بكر: "سلمنا" ثم قال: "ممن؟ " قلت: من سهمٍ قال: "خرج سهمك". انتهى.
_________________
(١) في "جامع الأصول" (١/ ٣٥٩).
(٢) في "التمهيد" (٢٤/ ٧١، ٧٢، ٧٣).
[ ١ / ٣٧٨ ]
قوله: أخرجه أبو داود، واللفظ له.
قوله: "وعبد الرحمن":
أقول: قال القرطبي (١): يلتحق بهذين الأسمين ما كان مثلهما مثل: عبد الرحيم وعبد الصمد.
قال: وإنما كانت أحب إلى الله؛ لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله، وما هو وصف للإنسان واجب له، ثم أضيف العبد الى الرب إضافة حقيقة فصدقت أفراد هذه الأسماء، وشرفت بهذا التركيب، فحصلت لها الفضيلة.
وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن عبد الى اسم من أسماء الله غيرهما، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٢) وفي الآية الأخرى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (٣) ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٤).
ويناسب الأول ما أخرجه الطبراني (٥) مرفوعًا: "إذا سميتم فعبَّدوا".
وأخرج (٦) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "أحبّ الأسماء إلى الله ما يعبّد به".
_________________
(١) في "المفهم" (٥/ ٤٥٣).
(٢) سورة الجن الآية: (١٩).
(٣) سورة الفرقان الآية: (٦٣).
(٤) سورة الإسراء الآية: (١١٠).
(٥) في "المعجم الكبير" (ج/ ٢٠ رقم ٣٨٣) من حديث عبد الملك بن أبي زهير عن أبيه، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٥٠) وقال: وفيه أبو أمية بن يعلى، وهو ضعيف جدًا.
(٦) أي: الطبراني في "المعجم الكبير" (ج ١٠ رقم ٩٩٩٢) وفي "الأوسط" رقم (٦٩٤) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٥٠) وفيه: محمَّد بن محصن العكاشي وهو متروك.
[ ١ / ٣٧٩ ]
إلا أنه قال الحافظ ابن حجر (١): وفي إسناد كل منهما ضعف.
قوله: وأخرجه النسائي مختصرًا.
أقول: قال ابن الأثير (٢): إلى عبد الرحمن، وزاد فيه زيادة في وصف الخيل، والوصية بها.
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة:
١١٦/ ٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ لاَ مَالِكَ إِلاَّ الله تَعالَى".
قال سفيان - ﵀ -: مثلُ شاهان شاه.
قَالَ أحْمَد بن حَنْبَل رحمه الله تعالى: سألتُ أبا عمرو رحمه الله تعالى عن أخنع فقال: أوضعَ. أخرجه الخمسة إلا النسائي (٣) [صحيح].
قوله: "أخْنَعَ":
أقول: وفي البخاري (٤)، وفي رواية: "أخنا" من الخنا بفتح المعجمة وتحقيق النون مقصور، وهو الفحش في القول. وفي رواية: "كما خنا" من الخنوع، وهو الذلة.
_________________
(١) في "فتح الباري" (١٠/ ٥٧٠).
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٥٨).
(٣) البخاري رقم (٦٢٠٦) ومسلم رقم (٢١٤٣) وأبو داود رقم (٤٩٦١) والترمذي رقم (٢٨٣٧)، وهو حديث صحيح. • قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٥٩٠): واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد، ويلتحق به ما في معناه مثل: خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء، وقيل: يلتحق به أيضًا من تسمي بشيء من أسماء الله الخاصة به كالرحمن والقدوس والجبار ". اهـ.
(٤) في "صحيحه" رقم (٦٢٠٥).
[ ١ / ٣٨٠ ]
قال القاضي عياض (١): معناه: أنه أشدّ الأسماء صغارًا، فسره الخليل بأفجر قال ابن بطال (٢): وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من يسمى به أشد ذلًا، ووقع عند الترمذي في آخر الحديث: "أخنع" أقبح.
قوله: "ملك الأملاك":
بكسر اللام من ملك الأملاك - بالكسر والفتح - جمع: مليك.
قوله: "لا مالك إلا الله":
في "الجامع" (٣) زاد في رواية: "لا مالك إلا الله" وقال: إنَّه زاد أبو داود والترمذي فيها: "يوم القيامة" بعد قوله: "عبد الله".
قوله: "قال سفيان".
أي: ابن عيينة.
وقوله: "شاهان شاه":
بسكون النون، وألف في آخره، وقد ينون، وليست هاء تأنيث فلا يقال: بالمثناة أصلًا، وقد تعدب بعضٌ من تفسير سفيان للفظة عربية بلفظة عجمية، وهو غفلة عن مراده، وذلك أنَّ شاهان شاه قد كانت التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان على أنَّ الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان فهو [٧٢ أ/ ج] مراد بالذم، واستدل به على تحريم التسمي بهذا الاسم لوروده الوعيد الشديد، ويلحق به ما في معناه، مثل خالق الخلق، وأحكم الحاكمين، وسلطان السلاطين، وأمير الأمراء (٤).
_________________
(١) في "إكمال المعلم" (٧/ ١٨).
(٢) في "شرحه لصحيح البخاري" (٩/ ٣٥٤).
(٣) في "جامع الأصول" (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٤) انظر "فتح الباري" (١٠/ ٥٩٠).
[ ١ / ٣٨١ ]
قلت: أما أمير الأمراء، فلفظ: أمير لا يطلق على الله تعالى بخلاف كبير الكبراء.
واختلف في التسمي بقاضي القضاة، أو حاكم الحكماء، واستدل من أجاز قاضي القضاة بحديث: "أقضاكم علي" (١) ورد بأنّ التفضيل وقع في حق من خوطب به، ومن يلحق بهم، فليس مساويًا لإطلاق التفضيل بالألف واللام يريد في قولهم: أقضى القضاة، ولا يخفى ما في ذلك من الجراءة، وسوء الأدب.
قال الشيخ محمَّد بن أبي حمزة: يلتحق بملك الأملاك: قاضي القضاة، وإن كان أشهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كثير من القضاة.
وقد سلم أهل العرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة، والصواب أنه لا يقال: قاضي القضاة إلا لله، فهو يقضي الحق، وهو خير القاضين، ومثله في القبح والكراهة قولهم: سيد الناس، وسيد الكل، أو الجميع، وليس ذلك إلا لرسول الله - ﷺ - خاصة، كما قال: "أنا سيد ولد آدم" (٢).
قوله: "قال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو":
قال النووي (٣): هذا هو إسحاق بن مرار - بكسر الميم - وقيل: مرار بفتحها وتشديد الراء كعمار، وقيل: بفتحها، وتحقيق الراء كغزال، وهو أبو عمرو اللغوي النحوي المشهور.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٣/ ٢٢٧٨) وأبو داود رقم (٤٧٦٣) والترمذي رقم (٣٦١٥) من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم رقم (١/ ٢١٧٦) والترمذي رقم (٣٦٠٥) و(٣٦٠٦) وأحمد (٤/ ١٠٧) وابن حبان رقم (٦٢٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع.
(٣) في شرحه لـ "صحيح مسلم" (١٤/ ١٢٢).
[ ١ / ٣٨٢ ]
١١٧/ ٥ - ولمسلم (١) رحمه الله تعالى في أخرى: "أغيظُ رجل على الله تعالى يوم القيامةِ وأخبثُهُ رجلٌ كان يسمَّى ملكَ الأملاكِ لا ملِكَ إلا الله تعالَى". [صحيح].
قوله: ولمسلم في أخرى: "أغيظ":
بالغين المعجمة فمثناة تحتية من الغيظ، وفي شرح النووي (٢): إنه ورد في مسلم: "أخنع" و"أغيظ" و"أخبث" ووقع في مسلم (٣) - أيضًا - أغيظ رجل، وأغيظه بتكرير أغيظ.
قال القاضي (٤): ليس تكريره وجه الكلام، وكأنه وقع من بعض الرواة وهم في تكريره، أو تغييره.
قال بعضٌ: لعلَّ أحدهما أغنط بالنون والطاء المهملة، أي: أشده عليه، والغنط: شدة الكذب. قال المازري (٥): أغيظ هنا مصروف عن ظاهره؛ لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالغيظ، فيتأول هذا الغيظ على الغضب (٦).
قوله: "لا ملك إلا لله":
وفي الرواية الأولى: "لا مالك" والمراد لا مالك للأملاك إلا الله؛ لأنه نهى عن التسمي بمالك، وإن كان قد نقل ابن التين (٧) عن الداودي أنه قال: وقد ورد في بعض الأحاديث:
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٢١/ ٢١٣٤) ..
(٢) في شرحه لـ "صحيح مسلم" (١٤/ ١٢١).
(٣) في "صحيحه" رقم (٢١/ ٢١٤٣).
(٤) في "إكمال المعلم" (٧/ ١٩).
(٥) في "إكمال العلم بفوائد مسلم" (٣/ ٨٥).
(٦) قال قوَّام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٧). قال علماؤنا: يوصف الله بالغضب، ولا يوصف بالغيظ. اهـ
(٧) ذكره الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٥٨٩).
[ ١ / ٣٨٣ ]
"أبغض الأسماء إلى الله خالد ومالك"، قال: وما أراه محفوظًا؛ لأنَّ في الصحابة من يسمى بهما، وقال: في القرآن تسمية خازن النار مالك. انتهى.
قال ابن حجر (١): إنَّ الحديث الذي ذكره الداودي هو بلفظ: "أحب الأسماء إلى الله ما سمى به، [وأصدقها] (٢) الحارث وهمام، وأكذب الأسماء خالد ومالك" (٣) الحديث. وهو من رواية أحد الضعفاء، ومن مناكيره.
الحديث الخامس:
١١٨/ ٦ - وَعَن جَابِر - ﵁ - قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى وَبَرَكَةَ وَأَفْلَحَ وَيَسَارٍ وَنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبِضَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْها. أخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥)، واللفظ له.
زاد أبو داود (٥) - ﵀ -: فإن الرجلَ يقولُ: أثَمَّ بركةُ؟ فيقولون: لا. [صحيح].
_________________
(١) في "الفتح" (١٠/ ٥٨٩).
(٢) بياض في المخطوط، والمثبت من الفتح.
(٣) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٣٢) من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: وذكره. قال ابن عدي: وإبراهيم بن الفضل مع ضعفه يكتب حديثه، وعندي أنه لا يجوز الاحتجاج بحديثه، وإبراهيم الخوارزمي عندي أصلح منه.
(٤) في "صحيحه" رقم (٢١٣٨).
(٥) في "سننه" رقم (٤٩٦٠)، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قوله: "ينهى " إلخ:
قال النووي في شرح مسلم (١): هكذا وقع هذا اللفظ في مسلم نسخ صحيح مسلم التي ببلادنا: "أن يسمى بيعلى" وفي بعضها: "بمقبل" وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: "بيعلى".
وذكر القاضي عياض (٢): إنه في أكثر النسخ: "بمقبل" وفي بعضها: "بيعلى".
قال: والأشبه أنه تصحيف، قال: والمعروف: "بمقبل" وهذا الذي أنكره القاضي ليس بمنكر، بل هو الصحيح المشهور، وهو صحيح في الرواية، وفي المعنى. انتهى [٧٢ ب/ ج].
قوله: فإنك تقول: "أثَمَّ بركةُ":
أي: أفي المكان بركة، فيقال: لا.
قال ابن القيم (٣): الله أعلم هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع، أو مدرجةٌ من هول الصحابي، وبكل حال: فإنَّ هذه الأسماء قد تُوجب تطيُّرًا تكرَهه النفوس، ويَصُدُّها عما هي بصدده، فاقتضت حكمةُ الشارع أن ينهاهم من أسباب توجب لهم سماع المكروه، أو وقوعه.
قوله: "ثم رأيتُه سكتَ بعدُ عنها، ثم قُبِضَ ولم ينه عنها":
لفظ ابن الأثير (٤): ثم رأَيتُه سكتَ بعدُ عنها، ولم يَقُلْ شيئًا، ثم قُبِضَ رسول الله - ﷺ - ولم ينْه عنها.
_________________
(١) (١٤/ ١١٨).
(٢) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (٧/ ١٢).
(٣) في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).
(٤) في "جامع الأصول" (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٣٨٥ ]
قوله: "وأبو داود":
أقول: لفظ "الجامع" (١) ورواية أبي داود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن عشت إن شاء الله أنهى أمتي أن يُسمُّوا نافعًا وأفلح وبركة، قال الأعمش: ولا أدري أَذكرَ نافعًا أم لا، فإنّ الرجل يقول: أَثَمَّ بركة؟ فيقولون: لا، وفي أخرى له نحوه، ولم يذكر: "بركة" انتهى.
وكلام المصنف أوهم أنه أخرج أبو داود معنى ما أخرجه مسلم مع أنهما كما ترى في التفاوت.
قال النووي (٢): قوله: أراد أن ينهى.
أي: نهي تحريم، وأما النهي الذي هو الكراهة التنزيه فقد نهى عنها بقوله: فإنك تقول: أثم هو، فيقال: لا، لساعة الجواب، وربما أوقع بعض الناس في الطيرة، وهذه هي العلة في الكراهة لها.
بمعناه قال ابن القيم.
حديث أسلم مولى عمر:
١١٩/ ٧ - وَعَن أَسْلَمَ مَولَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ -: ضَرَبَ ابْنًا لَهُ يكَنَّى أَبا عِيسَى، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ تَكَنَّى أَبَا عِيسَى فَقَالَ لَهُ عُمَرُ [١١٩/ ب]: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكَنَّى بِأَبِي عبد الله؟ فَقَالَ: إِنَّ النبيَّ - ﷺ - كَنَّانِي أبَا عِيْسَى، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّا بَعْدُ فِي جَلْجَلَتِنَا، فَلَمْ يَزَلْ يُكْنَى بِأَبِي عبد الله حَتَّى هَلَكَ. أخرجه أبو داود (٣). [حسن].
_________________
(١) (١/ ٣٦١).
(٢) في شرحه لـ "صحيح مسلم" (١٤/ ١١٩).
(٣) في "سننه" رقم (٤٩٦٣) وهو حديث حسن.
[ ١ / ٣٨٦ ]
"الجلج" بلام ساكنة بين جيمين أولاهما مفتوحة: هي حباب الماء في لُغة أهل اليمامة أي: تركنا في أمر ضيق كضيق الحباب. قال الزهري: الجلجلة واحدة الجلاَجِ وهي الرءوس ومعناه: وإنَّا بعدُ في عدد أفراد في عدد أفراننا وأخواننا لم ندر ما يصنع بنا (١).
قوله: "يكنى بأبي عيسى":
قال ابن القيم (٢): كره قوم من السلف الكنية بأبي عيسى، وأجازها آخرون. قلت: ولا أدري ما وجه الكراهة.
قوله: "الجلجلة":
بلام ساكنة بين جيمين.
قلت: في "القاموس" (٣): "الجلجلة" بحركة الجمجمة والرأس جمعه: جلج انتهى.
وفي "النهاية" (٤): بالجيمين والتحريك يعني: في أمر ضيق. انتهى.
قال أبو حاتم: لا يعرف جلجتنا، إلا أنه وقع في قلبي أنه أراد في أمر مضطرب لا يستقر عليه. انتهى.
وأمَّا قول المصنف: بسكون اللام فغير صحيح.
وقوله: "حباب الماء":
لا يعرف ضبطه هل بالحاء المهملة، أو بالجيم، ولم نجده في القاموس، واعلم أن كلام عمر مع المغيرة، كالمغالطة، فإنه لما قال له: إنه - ﷺ - الذي كناه بأبي عيسى لم يجب عنه جواب قبول الرواية، ولا ردها بل أجاب بأنه قد غفر له - ﷺ -، وهذا ليس جوابًا عن الرواية، بل
_________________
(١) انظر "جامع الأصول" (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
(٢) في "زاد المعاد في هدي خير العباد" (٢/ ٣١٧).
(٣) "القاموس المحيط" (٢٣٤).
(٤) "النهاية" (١/ ٢٨٣).
[ ١ / ٣٨٧ ]
خروج إلى الإخبار بفضله - ﷺ -، وأنه مغفور له، وكأنه ارتاب في الرواية، كما وقع له ذلك مع أبي موسى، ووقع لأبي بكر مع المغيرة، والله أعلم، ويأتي تفسير اللَّقحَةُ.
الحديث السادس (١): وعن يحيى بن سعيد:
١٢٠/ ٨ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ لِلَقْحَةٍ تُحلَبُ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ " فَقَامَ رَجُل فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ مُرَّةُ. فَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ" ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ" فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ: حَرْبٌ، فَقَالَ لَهُ: "اجْلِسْ" ثمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: "مَا اسْمُكَ؟ " فَقَالَ يَعِيشُ. فَقَالَ: "احْلُبْ" أخرجه مالك (٢) [صحيح لغيره].
أقول: الأنصاري أبو سعيد من بني النجار أنصاري (٣) خزرجي سمع أنس بن مالك، وجماعة من الصحابة، وعنه هشام بن عروة، ومالك ابن أنس، وابن جريج، وسعيد،
_________________
(١) هو الحديث الثامن كما في المطبوع.
(٢) في "الموطأ" (٢/ ٩٧٣ رقم ٢٤). قلت: وأخرجه عبد الله بن وهب في "جامعه" (٢/ ٧٤١ رقم ٦٥٢) سمعت مالكًا به. وهذا مرسل صحيح الإسناد. ووصله ابن وهب في "جامعه" ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٧٢) و"الاستذكار" (٢٧/ ٢٣٣/ ٤٠٩٣٨) عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير، عن يعيش الغفاري به. وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (ج ٢٢ رقم ٧١٠) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٥/ ٢٨٢٠/ ٦٦٧٢) من طريق قتيبة بن سعيد وسعيد بن أبي مريم كلاهما عن ابن لهيعة به. وسنده حسن. وحسن إسناده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٤٧). والخلاصة: أن الحديث صحيح لغيره.
(٣) انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٤٦٨ رقم ٢١٣) و"تذكرة الحفاظ" (١/ ١٣٧) رقم (١٣٠).
[ ١ / ٣٨٨ ]
والنووي، والحمادان كان إمامًا من أئمة الحديث، والفقه عالمًا، ورعًا، زاهدًا، صالحًا، مشهورًا بالثقة والدين.
قوله: "لقحة".
بفتح اللام وكسرها ذات اللبن من الإبل، وجمعها لقاح، وقيل: هي الحديثة النتاج.
قوله: قال: يعيش. قال: احلبْ.
أقول: قال ابن عبد البر (١): هذا عندي من الفأل؛ لأنه - ﷺ - كان يطلب الحسن، ويعجبه وليس من باب الطيرة في شيء؛ لأنه محال أن ينهى عنها، ويأتيه، بل هو من باب التفاؤل بالاسم الحسن، وقد قدمنا كلامه هذا.
قوله: "أخرجه مالك":
أقول: أخرجه مقطوعًا، فقد عرفت يحيى بن سعيد [٧٣ أ/ ج] ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢): بعد ذكره له مقطوعًا: قد روي هذا مسندًا نا عبد الرحمن نا علي نا أحمد نا سحنون نا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري قال: دعا النبي - ﷺ - يومًا بناقةٍ. الحديث.
قال: وقد ذكرناه في التمهيد (٣).