يأتي تفسيرها.
٨٥/ ١ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - حَدِيثَيْنِ (٢) قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: "أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". ثُمّ حَدَّثَنَا عَن رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثرُهَا مِثْلَ أثر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً، فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِنْ قَلبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أثر الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَتْ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيءٌ". ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَ عَلَى رِجْلِهِ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتبَايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدُهُمْ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَعْقَلَهُ! وَمَا في قَلْبِهِ مِثْقَّالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" وَلَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ [١٠٦/ ب] نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَىَّ سَاعِيهِ، وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايعَ مِنْكُمْ إِلا فُلاَنًا وَفُلاَنًا" أخرجه الشيخان (٣) والترمذي (٤) [صحيح].
"الوكتُ" الأثر في الشيء من غير لونه كالنقطة.
و"المجلُ" ما يظهرُ في اليدِ شِبَه البُثر من معاناة الأشياء الصلبةِ الخشنة.
و"المُنْتَبرُ" المنتفخ.
_________________
(١) زيادة من "جامع الأصول" (١/ ٣١٩).
(٢) أي: في باب الأمانة إذ له أحاديث كثيرة وأولهما: في نزول الأمانة، وثانيهما: في رفعها.
(٣) البخاري رقم (٦٤٩٧) ومسلم رقم (١٤٣).
(٤) في "سننه" رقم (٢١٧٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٠٥٣)، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣١٣ ]
قوله: "حديثين".
أقول: أي: فيما يتعلق بالأمانة، وإلا فالأحاديث الذي حدثهم - ﷺ - كثيرة، والتي رواها حذيفة كثيرة.
الأول منها قوله: "حدثنا أن الأمانة".
اختلف في تفسيرها، قال ابن التين: الأمانة كلما يخفى، ولا يعلمه إلا الله تعالى من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها، ونهوا عنها.
وقيل: هي الطاعة. وقيل: التكاليف كلها، وقيل: هو العهد الذي أخذه الله على العباد.
وهذه الأخلاق وقع في تفسير الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (١) وقال ابن العربي (٢): المراد بالأمانة في حديث حذيفة: الإيمان.
وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أنَّ الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا ثناها الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان، والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن.
وكني عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلًا لزهوق الإيمان عن القلب حالًا فحالًا بزهق الحجارة عن الرجل حتى يقع بالأرض. انتهى.
قوله: "ثم نزل القرآن".
فيه أنهم كانوا يعلمون القرآن قبل علمهم بالسنن، وفيه دليل أن نزول الأمانة على أصل القلوب لبني آدم كان مثل نزول القرآن، ولذا أتى بثمَّ.
_________________
(١) الأحزاب الآية: (٧٢).
(٢) في "عارضة الأحوذي" (٩/ ٢٤).
[ ١ / ٣١٤ ]
وقوله: "الرجال".
مفهوم الذكور والإناث، وإنما خص قلوب الرجال؛ لأنهم الأصل في التكاليف، والذي يظهر عندي أنه أريد بالأمانة: الفطرة التي فطر الله العباد عليها، كما قدمنا، وأنه نزل القرآن مقررًا لها، فعلموا منه، ومن السنة ما يوافق الفطرة.
وقوله: حدثنا.
هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر أنه ينتظره، وكأنه كان بين المحدثين نزل، فأتى بثمَّ.
وقوله: "عن رفع الأمانة".
أي: من القلوب، وتقدم معنى ينام الرجل، وأنه كناية.
قلت: ويحتمل أنَّ المراد بالنوم الغفلة عن فعل الطاعات التي بها يزيد الإيمان قوة، ويقينًا، والمراد من الأمانة الإيمان الكامل، وأن كل غفلة تضعفه، فينقص الإيمان، أي: الكامل من قلبه، ويبقى فيه أضعفه وأقلّه.
"والوكت" بفتح الواو وسكون الكاف فمثناة فوقية يأتي تفسيره للمصنف.
"والمجل" بفتح الميم وسكون الجيم كذلك، ثم تزداد غفلته على ما ذكرناه، فيزداد ضعف إيمانه حتى لا يبقى فيه شيء، أي: من كمال الإيمان، ثم مثل لهم المعقول بالمحسوس زيادة في إيضاحه بالحصى التي دحرجها على رجله.
وقوله: "يتبايعون".
مثل لرفعهما، وأنه يظهر أثره بها المعاملات الدنيوية، وأنه لا يكاد أحد منهم يؤدي أمانته [٦١ ب/ ج] في تجارته لضعف إيمانه.
قوله: "ما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".
هو دليل على أنه أريد بالأمانة أولًا الإيمان، ولا بدّ من حمله على الكامل، أي: مثقال حبة من إيمان كامل، وإنما أولناهُ بالكامل؛ لأنَّه من المعلوم أنه لا يخرج من الملة من لا أمانة له،
[ ١ / ٣١٥ ]
ولا يصير مرتدًا، ويرشد إليه حديث: "المؤمن من أمنه الناس" (١) أي: الكامل الإيمان، وهو المشار إليه بقوله: إنه يقال: إنَّ في بني فلان رجلًا أمينًا، وإلى هنا اللفظ النبوي، وهذا الذي اشتهر بالأمانة في بني فلان لعله الذي يقال له: ما أجلده .. إلخ.
هو الذي اشتهر شهرةً باطلة؛ لأنَّه ليس في قلبه مثقال حبة خردلة من إيمان، فشهرته إمَّا لأنَّه كان يتكلف الأمانة ليجعلها مكسبًا ليأمنه الناس، ولا بد أن ينال شيئًا من دنياهم بإظهاره الأمانة، فلم يكن إظهارها عن ديانة أو لأنه كان لا يخلو عن خيانة لكنه بالنسبة إلى أهل عصره خير موجود فيهم، فكان سبب شهرته.
وقوله: "ولقد أتى علي زمان".
هذا مدرج من كلام حذيفة.
وقوله: "بايعت".
في بيع السلع ونحوها لا بيعة الخلافة، كما قيل: فإنه وهمٌ يذكرهُ اليهود والنصارى، وفيه أنه حمل حذيفة الأمانة على الأموال والمعاملات، لا على الإيمان، إلا أنه قد يقال: أراد المثال، أي: مثلًا، أو لأن عدم الأمانة في المعاملات من فروع ضعف الإيمان، وذكر أهل الملتين إعلامٌ منه بأنه قد عمَّ رفع الأمانة في المعاملات كلّ فرقة.
وقوله: "ساعيه".
أي: واليه.
قوله: وأمَّا اليوم: أي: حين تكلّمه هذا، فقد قسم الناس فريقين: فريق يرده إسلامه، وفريق يرده ساعيه إن كان مليًا.
_________________
(١) وهو جزء من حديث أنس أخرجه أحمد (٣/ ١٥٤) والحاكم في "المستدرك" (١/ ١١) والبزار رقم (٢١ - كشف) وأبو يعلى رقم (٤١٨٧) وابن حبان رقم (٥١٠) وابن أبي الدنيا في "الصمت" رقم (٢٨) والقضاعي في مسند الشهاب رقم (٨٧٤) بسند صحيح، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣١٦ ]
والفريق الثالث: الموجودون حال تكلّمه، فإنه عرف اثنين بالأمانة لا غير، فهما اللذان يبايعهما.
وفيه أنه تغير الإِسلام بضعفه، فلا يرده إسلامه، فرفعت الأمانة، ثم تغير - أيضًا - سعاة اليهود، والنصارى فلم ينصفوا من (١) إشارة إلى أنَّ التغير عمَّ أفراد الفرق جميعًا.
وفيه أنه وقع هذا الذي كان ينتظره مما حدثه به النبي - ﷺ -.
واعلم أنَّ حذيفة بقي إلى خلافة أمير المؤمنين علي - ﵇ - وبايعه، وقام في نصرته، وتوفي في أوائل خلافته، ولا ريب أنه كان قد تغير الناس مما كانوا عليه، فكيف بِنَا الآن في أواخر القرن الثاني عشر بعد المائة والألف؟!
قوله: الترمذي.
قلت: وقال: حسن صحيح.
الحديث الثاني:
٨٦/ ٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعة" قَيلَ: وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟! قَالَ: "إِذَا وسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ" أخرجه البخاري (٢) [صحيح].
"وُسِّدَ" أسند.
قوله: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة".
سبب الحديث: أنَّ أعرابيًا سأل رسول الله - ﷺ - عن قيام الساعة وهو القائل: وكيف إضاعتها؟ ولفظه في الجامع (٣): بينما رسول الله - ﷺ - في مجلسٍ يُحَّدثُ القوم؛ فقال بعض القوم:
_________________
(١) بياض في الأصل مقدار كلمة.
(٢) في "صحيحه" رقم (٥٩).
(٣) في "جامع الأصول" (١/ ٣٢١ رقم ١٠٣).
[ ١ / ٣١٧ ]
سمع ما قال، فكره، وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قَضَى حديثَه قال: "أين السائل عن الساعة؟ " قال: هأنذا يا رسول الله! الحديث.
فقال: "إذا وسَّدَ" يأتي تفسيره للمصنف، وهو مبني للمفعول، والمراد بالأمر، الأمر المتعلق بالدين، كالخلافة والقضاء، والإمارة، والإفتاء، ونحو ذلك.
وقوله: "فانتظر الساعة".
الفاء: تفريعية، أي: جواب شرط حذف، أي: إذا كان الأمر كذلك، فانتظر.
قال ابن بطال (١): معنى وُسَّد الأمر إلى غير أهله: أنَّ الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قَلَّدوا غير أهل الدين، فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله إياها.
وهذا من أشراطها، وقد وقع هذا من إلحاق مثل إعصار في جميع الأقطار، فعليك للساعة بالانتظار.
وفيه بيان نوع من أنواع الأمانة، وهي تضييع ما أمر الله به عباده من أن يكون سادتهم، والعالمون [٦٢ أ/ ج] بأمور الدين هم علماؤهم، وأفضالهم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، فإذا ضيعت الأمة ذلك، وأسندوا أمر الدين إلى أهل الجهالة، ومشيدي أركان الضلالة فهي أشراط الساعة، فإن قلت: الأمر وسد إلى غير أهله من بعد الثلاثين سنة التي قال فيها رسول الله - ﷺ -: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم يكون ملكًا عضوضًا" (٢) وإلى الآن زيادة على ألف عام منذ وسد أمر الأمة إلى غير أهله، فكيف يقول - ﷺ -: "فانتظر الساعة".
_________________
(١) في شرحه لـ "صحيح البخاري" (١/ ١٣٨).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٠) وفي فضائل الصحابة رقم (٧٨٩) و(١٠٢٧) وصححه الخلال في السنة رقم (٦٣٦).
[ ١ / ٣١٨ ]
قلت: يحتمل أنَّ المراد إذا وسد كل أمر إلى غير أهله، ولا نسلم أن قد وقع ذلك في كل أمرٍ من أمور الدين، فإنه وإن كان ولي الخلافة من ليس من أهلها، فإنه يبقى علماء يفتون بالحق، وحكام يحكمون به ومجاهدون يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، ومن نظر في سير الماضين عرف ذلك.
ويحتمل أن يراد بإذا وسد، أي: إذا أجمع أهل الحق والعقد على تولية خليفة ليس أهلًا للخلافة، واتفقوا عليه جميعًا، وهذا لا يقع، فإنَّ غالب الخلفاء الذين ليسوا بأهل للأمر تغلبوا بالسيف، فلم يقع ما ذكر في الحديث.
الحديث الثالث:
٨٧/ ٣ - وعنه - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) [حسن].
"أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك".
عام لكل أمانة في الأموال، والأقوال، والأفعال، ولكل مؤتمن من مسلم وغيره.
"ولا تخن من خانك".
أي: لا تكافئ بالخيانة الخيانة، وتقول: فلان خانني فيما أمنته عليه، فأكافئه بالخيانة فيما أمنني عليه لا سيما مع عموم قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ و﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣).
_________________
(١) في "سننه" رقم (٣٥٣٥).
(٢) في "سننه" رقم (١٢٦٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث حسن. انظر تخريجه بشكل موسع في تحقيقي لسبل السلام (٥/ ١٧٥).
(٣) سورة الشورى الآية: (٤٠).
[ ١ / ٣١٩ ]
فيكون هذا الحديث مخصصًا للآيات، وقد بسطنا البحث في ذلك في "سبل السلام" (١)
قوله: أخرجه أبو داود والترمذي.
قلت: قال الترمذي (٢): حسن غريب، وصححه الحاكم (٣)، وقال الشافعي: إنَّ الحديث غير ثابت، وقال أحمد بن حنبل: إنه باطل لا يعرف عن النبي - ﷺ - من وجه صحيح، وأعلَّه ابن حزم، وابن القطان، والبيهقي بقيس بن الربيع (٤)، وشريك (٥)، وغيرهما.
الرابع: حديث أبي موسى:
٨٨/ ٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الأَمِينَ الَّذِي يُعْطِى مَا أُخْرَجه كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيَّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ" أخرجه الخمسة إلا الترمذي (٦).
وزاد النسائي في أوله: "الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" [١٠٧/ ب]، [صحيح].
_________________
(١) (٥/ ١٧٥ - ١٧٧) بتحقيقي.
(٢) في إثر الحديث (١٢٦٤).
(٣) في "المستدرك" (٢/ ٤٦).
(٤) قال الحافظ (٢/ ١٢٨): صدوق تغيَّر لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به. قلت: ومثل حديث هذا يقبل في المتابعات، وقد توبع.
(٥) قال الحافظ (١/ ٣٥١): صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع. قلت: ومثل حديث هذا يقبل في المتابعات، وقد توبع. وانظر الصحيحة (١/ ٧٠٨، ٧٠٩ رقم ٤٢٣).
(٦) أخرجه البخاري رقم (١٤٣٨) و(٢٣١٩) و(٢٢٦٠) ومسلم رقم (٧٩/ ١٠٢٣) وأبو داود رقم (١٦٨٤) والنسائي رقم (٢٥٦٠)، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قوله: أحد المتصدقين.
والآخر الآمر له، وهو خبر إنَّ، والحديث واضح المراد.
قوله: وزاد النسائي.
أقول: لفظه مخالف لما ساقه المصنف، فإن لفظه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
وقال: "الخازِنُ الأمينُ الذي يُعطى ما أُمِرَ به طيبةً به نفسه أحد المتصدقين".
هكذا في الجامع (١)، وفيه الإخبار بأنَّ أهل الإيمان يتعاضدون، ويتساندون على فعل الخيرات، وأنَّ انضمام المؤمن إلى المؤمن في نشر الخير، وكفّ الشر يقوى به جانب كل منهما، كما أنَّ أحجار البنيان ولبنها يشدّ بعضها بعضًا، وتستقيم به العمارة، وتقوى بها الجُدران، وإذا أُحيل حجر منها أحيل البناء، وقد ينهدم الجدار، فكذلك المؤمنون إذا لم ينصر بعضهم بعضًا، ويشدّ كل واحدٍ أخاه، ويعينه على ما أمر الله به، وارتضاه، وإلا انهدم الدين، وقوي جانب المفسدين، وضاع الإيمان، وتهدمت منه الأركان [٦٢ ب/ ج].
والحديث مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٣) الآية.
_________________
(١) في "جامع الأصول" (١/ ٣٢٤).
(٢) سورة الصف الآية: (٤).
(٣) سورة النساء الآية: (١٣٥).
[ ١ / ٣٢١ ]
وفي الآية الأخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (١) وما هدم الشرائع وأضاع الأحكام، وضعضع قواعد الإِسلام، إلا عدم تعاون العباد، وتعاضدهم وتخاذلهم، وتحاسدهم، وتنازعهم الذي تفرّع عليه ذهاب ريح الدين، وتصديق قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة المائدة الآية: (٨).
(٢) سورة الأنفال الآية: (٤٦).
[ ١ / ٣٢٢ ]