الاعتكاف لغة كما في "النهاية" (٢) بلفظ: الاعتِكاف، والعُكوف: الإقامة على الشيء، وبالمكان ولزومهما.
ويقال: عكَف يَعْكُف، ويَعْكِف عُكُوفًا، فهو عَاكِف، واعْتكفَ.
ومنه قيل لِمَن لازَم المسجدَ، وأقام على العِبادَة عاكِف، ومُعْتكِف. انتهى.
ويسمى جوارًا، كما يأتي في أحاديث الكتاب.
والاعتكاف يستحب إجماعًا، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان.
الحديث الأول: عن عائشة:
٩٧/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالت. كَانَ رسول الله - ﷺ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله تَعالى، ويَقُول: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ"، ثُمَّ اعْتكفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. أخرجه الستة (٣) [صحيح].
وفي رواية (٤): كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاء مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ - قَالَ - فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ - ﵂ - أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ - ﵂ -، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وضَرَبَتْ زَيْنَبُ - ﵂ - أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الْغَداة أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ،
_________________
(١) زيادة من "جامع الأصول" (١/ ٣٣٤).
(٢) "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٨٤).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٢٠٢٦) ومسلم رقم (٥/ ١١٧٢) وأبو داود رقم (٢٤٦٢) والترمذي رقم (٧٩٠) دون قوله: "ثم اعتكف أزواجه من بعده" ومالك في "الموطأ" (١/ ٣١٦)، وهو حديث صحيح.
(٤) للبخاري رقم (٢٠٣٣) ولمسلم رقم (٦/ ١١٧٢) والنسائي رقم (٧٠٩) وأبو داود رقم (٢٤٦٤) والترمذي مختصرًا رقم (٧٩١).
[ ١ / ٣٤٧ ]
فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَأُخْبِرَ بذلك، فَقَالَ: "مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا الْبِرُّ؟ (١) انْزِعُوهَا فَلاَ أَرَاهَا" فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. [صحيح].
وفي رواية (٢): أَمَرَ بِخِبَائِهِ فقُوَّض وتركَ الاِعْتِكَافَ شَهْر رَمَضَان حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ. [صحيح].
"الخباء" بيت من وبر أو صوف، لا من شعر.
و"تقويضه" رفعه. [١١٢/ ب].
أقول: هذا لفظها في البخاري ومسلم.
وقوله: في رواية عائشة: "كان يجاورهن" لفظ البخاري وحده.
وكذا الرواية الثالثة: "كان يعتكف في كل رمضان" هي لفظ البخاري (٣) وحده.
قوله: "جاء مكانه".
لفظه في البخاري (٤): "فيصلي الصبح، ثم يدخله" وفي رواية له (٥): "فإذا صلّى الغداة دخل" وفي لفظ: "حل" ولم أجد فيه لفظة: "جاء" واستدل لهذا على أنَّ نية الاعتكاف أول النهار، وهو قول الأوزاعي، والثوري.
وقال الأربعة الأئمة: أوله قبل غروب الشمس، وتأولوا الحديث على أنه كان قبل المغرب معتكفًا لابثًا بين أهله بعد صلاة الغداة انفرد بنفسه في قبة.
_________________
(١) آلبّر: اسم جامع للخير كله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
(٢) للبخاري رقم (٢٠٣٤) ولمسلم رقم (٦/ ١١٧٣).
(٣) في "صحيحه" رقم (٢٠٤٤) و(٢٠٤١).
(٤) في "صحيحه" رقم (٢٠٣٣).
(٥) في "صحيحه" رقم (٢٠٤١).
[ ١ / ٣٤٨ ]
وفيه دليل على جواز اتخاذه موضعًا في المسجد ينفرد به مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس، وينبغي أن يكون في آخر المسجد، وفي الخالي منه لئلا يضيق على غيره.
قوله: "فاستأذنته عائشة":
هو من وضع الظاهر موضع الضمير، أي: استأذنته؛ لأنها الراوية.
قوله: "فضربت فيه":
أي: في المسجد المعلوم.
"قبة" هي: الخباء، وهو بكسر الخاء المعجمة، ثم موحدة بيت صغير من شعر.
قوله: "أربع قباب":
أي: بقبته - ﷺ -.
قوله: "آلبر":
بهمز واستفهام ممدود، وغير ممدود، ولفظ البر مرفوع فاعل لفعل محذوف، أي: حملهن البرد دلَّ عليه.
قوله: "حملهنَّ":
وفي لفظ: "البرّ تردن" والبرَّ بالنصب مفعول تردن قدم عليه؛ لأنه المسؤول عنه، والقاعدة في علم المعاني والبيان أنه الهمزة المسؤول عنه، فلذا قدم.
وقوله: "تردن":
بضم أوله، قال النووي (١): وسبب إنكاره - ﷺ - ذلك فإنه خاف أن يكنّ غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو لغيرته عليهن، كذا قيل، والأول ظاهر.
وأمَّا غيرته - ﷺ - فالمراد أنهن كرهن أن يشتغل قلبه بالغيرة عليهنَّ إذا بعدن عنه.
_________________
(١) في شرحه لـ "صحيح مسلم" (٨/ ٦٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
فلذا قربن منه، وأردن الاعتكاف فكره ملازمتهن المسجد مع أنه مجمع الناس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنَّ محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهنَّ فاعتذر لهنَّ لذلك، أو لأنه - ﷺ - رَآهنَّ عنده في المسجد وهو في اعتكافه، فصار كأنه في منزله لحضوره مع أزواجه، فيذهب المهم من الاعتكاف وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا. انتهى.
قوله: "في آخر العشر من شوال":
أقول: وفي رواية للبخاري [٦٧ أ/ ج] (١): "في العشر الأول من شوال".
يأتي للمصنف ذكرها، وجمع الحافظ (٢) بينهما، فقال: ويمكن الجمع بينهما بأنَّ المراد من قوله: آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه.
قلت: وفيه نظر؛ لأنه إذا اعتكف العشر الأولى من شوال انتهى اعتكافه في أول الثلث الثاني من شوال.
وأخذ منهما الإسماعيلي جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأنَّ أول شوال يوم الفطر، وصيامه حرام.
وأخذ من الخبر استحباب قضاء النوافل المعتادة إذا فاتت، وأخذ منه المالكية وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه، ثم أبطله ورد بأنه إنما قضاه استحبابًا، لا وجوبًا بدليل أنه لم ينقل أن نساؤه اعتكفن معه في شوال.
وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية، ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه ذلك في سائر التطوعات، ويدل له أنَّ المتطوع أمير نفسه.
وفيه ترك الأفضل للمصلحة، وأنَّ من خشي على عمله الرياء جاز له تركه، وقطعه.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٢٠٣٤).
(٢) في "الفتح" (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
[ ١ / ٣٥٠ ]
قلت: بل يحرم عليه الاستمرار فيه؛ لأنه استمرار في معصية، ولا يخفى أنه إن أراد أنه - ﷺ - خشي ذلك فقطع اعتكافه، فهو غير صحيح؛ لأنه لم يقطع اعتكافه خشية ذلك.
وإن أراد أنه قطع اعتكافه نسائه لخشية الرياء عليهن فعبارته لا تؤدي هذا، ثم الذي تقدم أنه - ﷺ - إنما خشي أنهن قصدن القرب منه، لا إخلاص العبادة، فالأولى أن يعلل أمره - ﷺ - بتقويض قبب نسائه؛ لأنه لم يكن أذن إلا لواحدة، وغيرها خرج من بيته - ﷺ - بغير إذنه، وهو لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلا بإذنه، ثم عمّم التقويض لقبة من أذن لها، فلأنها كانت سبب خروجهن بغير إذنه، وأمّا قبته فلأنه متطوع فهو أمير نفسه.
قوله: "فقوض":
بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة، أي: نقض ورفع، وبه فسره المصنف.
واعلم أنَّ المصنف نسب اللفظ الأول من حديث عائشة إلى الستة، فأوهم كلامه أنَّ اللفظ لهم، وليس كذلك، بل قد فصل ابن الأثير ألفاظ الروايات، فهذا اللفظ الذي أتى به المصنف برمته مجمع من ألفاظ، فلا نطول بالروايات، إلا أنَّه قال ابن الأثير لفظ الموطأ (١) أي: عن عائشة أنَّه - ﷺ - أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه وجد أخبية خباء عائشة، وحفصة، وزينب، فقال رسول الله - ﷺ -: "آلبرَّ تَقُولُونَ بهنَّ" ثم انصرفَ، ولم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال.
وأخرجه الترمذي (٢) عن عائشة، وأبي هريرة معًا مختصرًا، قال: "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله - ﷿ -".
_________________
(١) في "الموطأ" (١/ ٣١٦).
(٢) في "سننه" رقم (٧٩٠) وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٣٥١ ]
قلت: وقال: حسن صحيح، ثم ذكر رواية الترمذي آخرًا، ثم ذكر رواية أبي داود (١)، وفيها: "ثم أخّر الاعتكاف إلى العشر الأول - يعني من شوال".
وفي رواية (٢): قال: "اعتكف عشرين من شوال" انتهى.
وبه تعرف ما في رواية التفسير من الإجمال، والإبهام، والإهمال على أنّ ابن الأثير اختصر ما في أبي داود، ففيه: "ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول - يعني: من شوال" قال أبو داود (٣): رواه ابن إسحاق، والأوزاعي عشرًا، والمحفوظ عن يحيى بن سعيد نحوه، ورواه مالك (٤) [٦٧ ب/ ج].
٩٨/ ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتكَفَ فَلْيَرْجعْ إِلَى مُعْتكفِهِ فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ورَأَيْتُنِي كَأنِّي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ" فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتكفِهِ، وَهَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلى عَرِيشً، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ وذَلِك ليلةَ الحادِي والعِشْرِين" أخرجه الشيخان (٥) [صحيح].
٩٩/ ٣ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: "كَانَ رسول الله - ﷺ - يَعْتكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتكَفَ عِشْرِينَ".
_________________
(١) في "سننه" رقم (٢٤٦٢).
(٢) لأبي داود في "سننه" رقم (٢٤٦٦).
(٣) في إثر الحديث رقم (٢٤٦٤).
(٤) سقطت من المخطوط (ج) صفحة.
(٥) البخاري رقم (٢٠١٦) و(٢٠٣٦) و(٢٠٤٠) ومسلم رقم (١١٦٧).
[ ١ / ٣٥٢ ]
أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) [صحيح].
١٠٠/ ٤ - وَعَن أنس وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵄ - قال: "كَانَ رسول الله - ﷺ - يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتكفَ عِشْرينَ" أخرجه أبو داود (٣) عن أبي، والترمذي (٤) عن أنس. [صحيح].
١٠١/ ٥ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ [١١/ ب]- ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ وكَانَ لاَ يَدْخُل البيتَ إلا لِحَاجَة الإنسان إذا كَانَ معتَكِفًا. أخرجه الستة (٥) [صحيح].
وزاد أبو داود (٦): وَكَانَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ وَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. [ضعيف].
وقَالَتْ (٧): السُّنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جَنازة، ولا يَمسَّ امرأة، ولا يباشِرهَا، ولا يخرُجَ إلا لمِا لا بدّ له منه، ولا اعتكاف إلا في المسجد الجامع. [حسن].
"الترجيل" تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٢٠٤٤).
(٢) في "سننه" رقم (٢٤٦٦) وأخرجه ابن ماجه رقم (١٧٦٩).
(٣) في "سننه" رقم (٢٤٦٣). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (١٧٧٠)، وهو حديث صحيح.
(٤) في "سننه" رقم (٨٠٣) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وهو حديث صحيح.
(٥) أخرجه البخاري رقم (٢٠٤٦) ومسلم رقم (٦/ ٢٩٧) ومالك في "الموطأ" (١/ ٣١٢) وأبو داود رقم (٢٤٦٧) والترمذي رقم (٨٠٤) والنسائي رقم (٢٧٥، ٢٧٦).
(٦) في "سننه" رقم (٢٤٧٢) وهو حديث ضعيف.
(٧) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٧٣) وهو حديث حسن.
[ ١ / ٣٥٣ ]
١٠٢/ ٦ - وعنها - ﵂ - قالت: اعْتَكَفْت مَعَ النبي - ﷺ - امرأةٌ مِنْ أزْوَاجِه مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّم والصُّفْرَةَ وَهِي تُصَلِّي، وَرُبَّمَا وَضَعت الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنْ الدَّم. أخرجه البخاري (١) وأبو داود (٢) [صحيح].
"تحتها وهي تصلي" الحديث (٣).
١٠٣/ ٧ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قال: قَالَتْ صَفِيَّةَ - ﵂ -: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُعْتَكِفًا فَأتيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِيَ حَتَّى إذا بَلَغ بابَ المَسْجِد مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسْرَعَا فَقَالَ: "عَلَى رِسْلِكُمَا [١١٤/ ب] إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" فَقَالاَ: سُبْحَانَ الله! يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا" أَوْ قَالَ: "شَيْئًا". أخرجه البخاري (٤) وأبو داود (٥) [صحيح].
"الانقلاب" الرجوع.
قوله: "وعن علي بن الحسين":
أقول: هو أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ويقال: أبو محمَّد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بزين العابدين من أكابر سادات أهل البيت، ومن جلة التابعين، وأعلامهم.
_________________
(١) البخاري رقم (٣١٠).
(٢) في "سننه" رقم (٢٤٧٦). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (١٧٨٠)، وهو حديث صحيح.
(٣) هذا ما تبقى من شرح الحديث الموجود في الورقة الساقطة.
(٤) في "صحيحه" رقم (٢٠٣٥) ومسلم رقم (٢٤/ ٢١٧٦).
(٥) في "سننه" رقم (٢٤٧٠).
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل من علي بن الحسين. مات سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمان وخمسين، ودفن بالبقيع (١).
قال: "قالت صَفيَّة".
أقول: بنت حُيَيّ (٢) أم المؤمنين من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران، كانت تحت كنانة بن أبي الحُقَيق، فقتل يوم خيبر فاصطفاها النبي - ﷺ - لنفسه وتزوجها، وجعل عتقها صداقها ماتت سنة خمسين، ودفنت بالبقيع.
وهذا الحديث ترجم له البخاري (٣) باب: "هل يَخْرُجُ المعتَكِف لحِوائِجِه إلى بابِ المَسْجِد".
قوله: رجلان من الأنصار.
أقول: قال الحافظ (٤): لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث إلا أن ابن العطار في "شرح العمدة" زعم أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مسندًا. انتهى.
ووقع في رواية البخاري (٥): فأبصره رجل من الأنصار، بالإفراد.
قال ابن التين: وهم، ثم قال: ويحتمل تعدد القصة.
_________________
(١) انظر ترجمته في "المعرفة والتاريخ" للفسوي (١/ ٣٦٠، ٥٤٤ - ٥٤٥) الطبقات لمسلم (٧٠٦) والعلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (٢/ ٣٥٠) (٢٤٤٠) و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٨٦ - ٤٠١) و"الجرح والتعديل" (٦/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٢) انظر ترجمتها في "الاستيعاب" (ص ٩١٦ - ٩١٧) رقم (٣٣٧٢).
(٣) الباب رقم (٨) من كتاب الاعتكاف (٣٣) - (٤/ ٢٧٨ - مع الفتح).
(٤) في "الفتح" (٤/ ٢٧٩).
(٥) في "صحيحه" رقم (٢٠٣٩).
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال الحافظ (١): قلت: الأصل عدمه، بل هو محمول على أنَّ أحدهما كان تبعًا للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر، ويحتمل أنَّ الزهري كان يشك، فيقول تارةً: رجل وتارة رجلان، وقد رواه مسلم (٢) من حديث أنس بالإفراد.
قوله: "أسرعا":
أي: في المشي.
قوله: "على رسلكما":
أقول: بكسر الراء وفتحها، أي: على هنيتكما في المشي، فليس هنا شيء يكرهانه، قال: سبحان الله يا رسول الله! زاد في رواية: فقال: يا رسول الله! هل يظن بك إلا خيرًا.
قوله: "من ابن آدم":
المراد: جنس أولاد آدم، فيدخل الرجال والنساء، والحاصل: أنه - ﷺ - خشي أنَّ يوسوس لهما الشيطان؛ لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر بإعلامهما حسمًا للمادة، وتعليمًا لمن بعده إذا وقع له مثل ذلك.
وفيه دلالة أنَّ الشيطان أقدره الله على أن يجري من الإنسان مجرى دمه في عروقه.
قوله: "شيئًا أو شرًا":
هو لفظ سنن أبي داود (٣) وهو شك من الراوي، وفيه دليل أنه يتجنب محل التهمة، وأنه يُبَّين لمن لا يعرف وجه الفعل وجهه.
_________________
(١) في "الفتح" (٤/ ٢٧٩).
(٢) في "صحيحه" رقم (٢٣/ ٢١٧٤) من حديث أنس.
(٣) في "سننه" رقم (٤٩٩٤) وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال ابن دقيق العيد (١): وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظنّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأنه سبب إلى إبطال الانتفاع بهم.
ومن ثمة قال بعض العلماء (١): ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم إذا كان خائفًا للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يوري بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف، والله المستعان. ذكره الحافظ (٢).
الحديث الثامن: حديث ابن عمر:
١٠٤/ ٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أنَّ عُمَر نَذَرَ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَة، ويُرْوَى: يَومًَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فسأَل رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" أخرجه الخمسة (٣). [صحيح].
قوله: "نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة":
أقول: استدل به على أنَّ الاعتكاف جائز بغير صوم، وأنه ليس شرطًا فيه؛ لأنَّ الليل ليس طرفًا للصوم، فلو كان شرطًا لأمره النبي - ﷺ - به.
_________________
(١) حكاه عنه الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٨٠).
(٢) في "الفتح" (٤/ ٢٨٠).
(٣) البخاري رقم (٢٠٣٢) ومسلم رقم (١٦٥٦) وأبو داود رقم (٣٣٢٥) والترمذي رقم (١٥٣٩) والنسائي رقم (٣٨٢٠ - ٣٨٢٢)، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وتعقب برواية: "يومًا" وهي عند مسلم (١) وجمع بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته، وقد ورد [٦٩ أ/ ج] في روايات أنه - ﷺ - قال له: "اعتكف وصم" إلا أنها ضعفت.
قوله: "أوفِ بنذرك":
يأتي تحقيقه في كتاب النذر إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٢٨/ ١٦٥٦).
[ ١ / ٣٥٨ ]