المعروف في "التعريفات" (٢): هو كل ما يحسن شرعًا، قاله الشريف.
قال: والمنكر ما ليس فيه رضى الله تعالى من قول، ولا فعل، والمعروف: ضده.
قال النووي في "شرح مسلم" (٣): قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو - أيضًا - من النصيحة التي هي الدين، ووجوبه بالشرع، لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٤) فليس مخالفًا لما ذكرنا، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٥)، وإذا كان كذلك، فمما كلّف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله، ولم يمتثل المخاطب، فلا عيب بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدّى ما عليه، فإنما عليه الأمر، والنهي، لا القبول، ثم إنه فرض على الكفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين.
فإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه، بلا عذرٍ، ولا خوف، ثم إنه قد يتعين، كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، ولا يتمكن من إزالته إلا هو.
_________________
(١) زيادة من "جامع الأصول" (١/ ٣٢٤).
(٢) في "التعريفات" للجرجاني (ص ٢٣٧).
(٣) في شرحه لـ "صحيح مسلم" (٢/ ٢٢).
(٤) سورة المائدة الآية: (١٠٥).
(٥) سورة الأنعام الآية: (١٦٤).
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال العلماء: ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين.
وقد قدمنا أنَّ الذي عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا القبول كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١).
قال العلماء: ولا يشترط في الآمر الناهي أن يكون كامل الحال ممتثلًا ما يأمر به مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر، وإن كان مخلًا بما أمر به، والنهي، وان كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان؛ أن يأمر نفسه، وينهاها، ويأمر غيره، وينهاه، وإذا أخلّ بأحديهما كيف يحلُّ له الإخلال بالآخر.
قالوا: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بذوي الولايات، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين.
قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهوهم عن المنكر من غير ولاية.
قلت: ومثاله: حديث الباب، فإنَّ الذي أنكر على مروان فرد من أفراد رعيته، وصوبه أبو سعيد، فاستدل له بالحديث، ثم قال: واعلم [٦٣ أ/ ج]: أنَّ هذا الباب، أعني: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان، إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم، وقوام الأمر، وملاكه، وإذا كثُر الخبث عمَّ العقاب الصالح، والطالح.
_________________
(١) سورة المائدة الآية: (٩٩).
[ ١ / ٣٢٤ ]
وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله العقاب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (١).
فينبغي لطالب الآخرة، والساعي في تحصيل رضي الله أن يعتني بهذا الباب، فإنَّ نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته، ولا ينافق من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤).
واعلم أنَّ الآجر على قدر النصب، ولا يتركه - أيضًا - لصداقته ومودته ومداهنته، طلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا، ومن حقه أن ينصحه ويدله إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان، ومحبّه هو من سعى في عمارة آخرته، وإن أدى ذلك إلى نقص دنياه، وعدوه من سعى في ذهاب دينه، ونقص آخرته، وإن حصل بذلك صورة بيع في دنياه، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب له، ومما يتساهل فيه كثير من الناس من هذا الباب أنهم إذا رأوا إنسانًا يبيع متاعًا معيبًا أو نحوه فإنهم لا ينكرون ذلك، ولا يُعرَّفون المشتري بعيب وهذا خطأ ظاهر.
وقد نص العلماء أنه يجب على من علم ذلك أن ينكر على البائع، وأن يعلم المشتري به. انتهى باختصار يسير.
_________________
(١) سورة النور الآية: (٦٣).
(٢) سورة الحج الآية: (٤٠).
(٣) سورة آل عمران: (١٠١).
(٤) سورة العنكبوت الآية: (٦٩).
[ ١ / ٣٢٥ ]
واعلم أنَّ الأمر بالمعروف تبع لما يؤمر به، فإن كان المأمور به. واجبًا فواجب الأمر به، وإن كان ما يؤمر به مندوبًا فمندوب الأمر به، والمنكر إن كان (١) حرامًا وجب النهي عنه، وإن كان مكروهًا كان النهي عنه مندوبًا، وشرطه: أنه لا يؤدي إلى الفتنة، فإن علم أنه يؤدي إليها لم يجب، ولا يندب، بل ربما كان حرامًا، بل يلزمه أنه لا يحصر المنكر، ويعتزل في بيته لئلا يراه، ولا يخرج إلا لضرورة.
الحديث الثالث:
٨٩/ ١ - عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أنَّ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِي: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" أخرجه الخمسة إلا البخاري (٢)، وهذا لفظ مسلم. [صحيح].
وعند الترمذي (٣): فقام رجل فقال: يا مروانُ! خالفت السنة.
زاد أبو داود (٤): أخرجْتَ المنبرَ في يومِ عيدٍ ولم يكنْ يُخرجُ فيه، وبَدأت بالخطبةِ قبل الصلاةِ، وليسَ عندَ النسائِي إلا المسند فقط [١٠٨/ ب].
قوله: عن طارق بن شهاب (٥).
_________________
(١) في المخطوط مكررة.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٤٩) وأبو داود رقم (١١٤٠) و(٤٣٤٠) والترمذي رقم (٢١٧٢) والنسائي رقم (٥٠٠٨) و(٥٠٠٩) واللفظ لمسلم.
(٣) في "سننه" رقم (٢١٧٢).
(٤) في "سننه" رقم (١١٤٠).
(٥) انظر ترجمته في "الاستيعاب" (ص ٣٦٧ رقم ١٢٨١).
[ ١ / ٣٢٦ ]
أقول: هذا أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي البجَلي الكوفي أدرك الجاهلية، ورأى النبي - ﷺ - وليس له سماع منه إلا شاذًا، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو أربعًا وثلاثين بين غزوة وسرية، ومات سنة اثنتين وثمانين.
قوله: "مروان".
هو ابن الحكم بن أبي العاص الأموي.
قوله: "رجل".
في المبهمات أنه عمارة بن رويبة، وفي البخاري (١) أنَّ أبا سعيد هو الذي أنكر، قال الحافظ (٢): يحتمل أن تكون القصة تعددت.
وفي رواية البخاري (٣): أنه قال أبو سعيد لمروان: غيرتم والله! هذا.
وقال القاضي عياض (٤): نقل أول من بدأ بالخطبة يوم العيد عثمان، وقيل: عمر بن الخطاب لما رأى الناس يذهبون عند تمام الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، وقيل: بل ليدرك [٦٣ ب/ ج] الصلاة من تأخر، وبَعُدَ منزلُه.
وقيل: أول من فعله معاوية، وقيل: ابن الزبير (٥).
_________________
(١) في "صحيح البخاري" رقم (٩٥٦).
(٢) في "الفتح" (٢/ ٤٥).
(٣) رقم (٩٥٦) وقد تقدم.
(٤) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (١/ ٢٨٨).
(٥) قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٥٢): وإلا فما في الصحيح أصح. قلت: يشير إلى الحديث. أخرجه البخاري رقم (٩٦٢) عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة. =
[ ١ / ٣٢٧ ]
قوله: فقد قضى ما عليه.
أي: من وجوب الإنكار الدال عليه الأمر في الحديث الذي رواه أبو سعيد من وجوب التعبير بأحد الجارحتين، فعبر باللسان كأنه لعدم الاستطاعة على التعبير باليد.
وأمَّا التعبير بالقلب، فإنما هو كراهة المنكر، واعتقاد قبحه، وإثم من فعله، فليس فيه تعبير، كما في اليد، واللسان، وإنما سماه تعبيرًا من باب التغليب، وفي قول أبي سعيد في محضر من الناس، وجمع عظيم دليل على استقرار السنة عندهم على خلاف ما فعله مروان.
قال النووي (١): فيه دليل على أنه لم يعمل به خليفة قبل مروان (٢)، وإنما حكي عمن ذكرنا بالأصح.
قلت: أما عن عثمان: فروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان (٣).
_________________
(١) = وكذلك حديث ابن عمر عند البخاري رقم (٩٥٧) أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي في الأضحى والفطر، ثم يخطبُ بعد الصلاة.
(٢) في شرح "صحيح مسلم" (٢/ ٢١).
(٣) قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٥٢): فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعًا لمعاوية لأنه كان أمير المدينة من جهته، وروى عبد الرزاق في "المصنف" (٣/ ٢٨٤) رقم (٥٦٤٦) عن ابن جريج عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية. وروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين، وأثر مروان؛ لأنه كلًا من مروان وزياد كانا عاملًا لمعاوية فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله، والله أعلم. اهـ
(٤) ويرد على هذا حديث ابن عباس المتقدم عند البخاري رقم (٩٦٢): فما في الصحيح أصح.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال الحافظ ابن حجر: وكذلك روى عن عمر (١) بإسناد صحيح، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، قال: ويحتمل أنّهما فعلا ذلك نادرًا، وفعله مروان مستمرًا، فنسب إليه، وأنكر عليه.
قوله: "منكرًا".
أدخل هذا الفعل تحت عموم: "من رأى منكم منكرًا" وسماه منكرًا؛ لأنه خلاف السنة، وهو دليل أن كل ما خالف السنة فعلًا أو قولًا فهو منكر؛ لأنه بدعة، وأنه لا اعتداد بخلاف من يخالف السنة ولو باجتهاد كما وقع لعمر، وعثمان، فإنهما لا يخالفانها، إلا لاجتهاد عندهما، وهذا يقوي ما قدمناه لك في حديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي" (٢) في أنَّ المراد من سنتهم هي: ما بقوا عليه من التمسك بسنته - ﷺ -، لا أنّ لهم سنة يشرعونها ويُتبعون عليها إذا أريد ذلك لما خالفهم الصحابة ما خالفوا السنة النبوية بدعة، ومنكرًا، ولومهم هذا أخذ من الحديث لبادر مروان إلى الرد على من نهاه.
وقال: هذه سنة الخليفتين الراشدين، بل سلم أنها بدعة. واعتذر بما في رواية البخاري أنَّه قال: إنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلنها، أي: الخطبة قبل الصلاة.
قال الحافظ (٣): وهذا يشعر بأنّ مروان فعل ذلك باجتهاد منه.
قال: وأمَّا عثمان فإنما فعله لعلة.
_________________
(١) ويرد على هذا حديث ابن عباس المتقدم عند البخاري رقم (٩٦٢): فما في الصحيح أصح.
(٢) تقدم تخريجه. فقد أخرجه أحمد (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) وأبو داود رقم (٤٦٠٧) والترمذي رقم (٢٦٧٦) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه رقم (٤٣) وغيرهم.
(٣) في "الفتح" (٢/ ٤٥٢).
[ ١ / ٣٢٩ ]
قلت: وإنما كان الناس لا يجلسون لسماع الخطبة؛ لأنَّ بني أمية كانوا يسبون عليًا - ﵇ - فكان الناس لا يبقون لسماع ذلك، فكيف يقال: إنَّه اجتهاد، بل هو إكراه للناس على البقاء لسماع ما يحرم سماعه.
فإن قلت: لم لَمْ ينكر الصحابة على عمر، وعثمان، كما أنكروا على مروان.
قلت: عدم النقل إلينا لا يدل على عدم وقوع الإنكار، ثم فرق بين الأمرين، فإن عثمان كان له عذر بالعلة، وعمر قدمها ليدرك بعيد الدار عن المصلى الصلاة، ثم إنهما كانا يخطبان بما لا ذنب في سماعه، ولا إثم في إيقاعه، ومروان يخطب بسبَّ أمير المؤمنين، ورأس المجاهدين، وأخي الرسول الأمين (١) الذي لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق بالنص الثابت (٢) عن ختام رسل الله أجمعين [٦٤ أ/ ج] ومن هنا يظهر لك وجه في أن الإنكار في تقدم الخطبة إنما هو إنكار لما فيها من القبائح، لكنه وجه الإنكار إلى تقديمها؛ لأنَّه لا يمكنه إنكار ما فيها من القبائح صريحًا، فلا يتوجه السؤال بأنهم لم ينكروا على الشيخين؛ لأنَّ غاية ما فعلاه تقديم الخطبة الشرعية التي على الطريقة النبوية، وتقديمها ليس بمنكر؛ لأنَّ الذي وقع منه تأخيرها فعلًا، ولم يأتِ أمر منه بوجوب التأخير غايته أنه أولى للتأسي، وفهم الشيخان جواز تقديمها،
_________________
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي رقم (٣٧٢٠) عن ابن عمر قال: آخى رسول الله - ﷺ - بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه فقال: يا رسول الله! آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال له رسول الله - ﷺ -: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث ضعيف.
(٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم رقم (٧٨) والترمذي رقم (٣٧٣٦) والنسائي رقم (٥٠١٨) و(٥٠٢٢) وابن ماجه رقم (١١٤) عن زر بن حبيش، قال: سمعت عليًا - ﵁ - يقول: "والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة! إنه لعهدُ النبي الأمي إليَّ: إنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق"، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣٣٠ ]
والعذر صحيح لا كعذر مروان أنه كان لا يُقعد له ليملأ أسماعهم بسب من يجب على كل مؤمن محبته، وموالاته والترضي عنه والترحم، فتأمل فإنه وجه لا يحمله عليه إلا نبيه.
قوله: "فليغيره بيده".
أقول: رواية البخاري (١): أنَّ أبا سعيد جبذ بثوب مروان لمَّا أراد أن يصعد المنبر، فقد غير بيده.
قوله: "وذلك أضعف الإيمان".
قال النووي (٢): معناه - والله أعلم -: أقلّه ثمرةً، قال القاضي عياض (٣): أصلٌ في صفة التغيير، فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شره.
ثم استوفى مباحث في الباب نافعة لم نطول بنقلها.
قوله: فقال: يا مروان! خالفت السنة.
أقول: فيه إثبات السنة بالأفعال، وإن لم تصحبها أقوال، فإنَّ تقديم الصلاة كان فعله دائمًا، ولم يقل صلوا قبل الخطبة، ويحتمل أنه شمله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤).
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٩٥٦).
(٢) في شرحه لـ "صحيح مسلم" (٢/ ٢٥).
(٣) في "إكمال المعلم بشرح مسلم" (١/ ٢٩٠).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٦٣١) ومسلم رقم (٢٤/ ٣٩١) وأبو داود رقم (٥٨٩) والترمذي رقم (٢٠٥) والنسائي (٢/ ٧٧) وابن ماجه رقم (٩٧٩) من حديث مالك بن الحويرث إلا أن مسلمًا عنده أصله.
[ ١ / ٣٣١ ]
قوله: "أخرجت المنبر":
يدل أنه أخرج منبر المدينة، وقد روي أنه لما أنكر عليه تركَ إخراجه، وأمر بمنبر من لبن وطين.
وفي البخاري (١): أنه - ﷺ - كان ينصرف من صلاة العيد فيقوم قائمًا. أي: يقابل الناس.
وفي رواية لابن خزيمة (٢): خطب يوم عيد على رجليه. وهو مشعر بأنه لم يكن في مصلاه - ﷺ - يومئذٍ [منبر] (٣).
فإن قلت: لا يخفى أنه - ﷺ - لم يخرج المنبر كما قاله، وهذا ترك منه - ﷺ -، والترك لا يعد سنة؛ لأنها الأقوال والأفعال، والتقرير بخلاف تقديمه الخطبة، فإنه خالف فعله - ﷺ -.
قلت: التأسي به - ﷺ - يجري في الأفعال والتروك، ولذا عدّ بعض علماء الأصول التروك أفعالًا، ولأنَّ المراد أنه خالف طريقته - ﷺ - وهديه، وهو كافٍ في سببية الإنكار، وعلى ما قررنا، فإنه إنما توسل إلى إنكاره ما هو منكر بالإجماع من سبّه لأمير المؤمنين، وإقسارهم على سماع سبه.
وفيه دليل على أنه إذا وقع إنكار المنكر، ولم يؤثر فلا يجب على المنكر فراق موقف الطاعة، وإن سمع فيه، أو رأى ما يحرم مما أنكره؛ لأنه قد قام بالواجب عليه من الإنكار، فسماعه لما يحرم لا إثم عليه فيه سيما إذا خاف تفرق العباد، وزيادة الفساد، وإلا فإن ابن عمر لما دخل مسجدًا لصلاة الظهر، وسمع من يثوب في أذانه، أو إقامته خرج من المسجد لما فيه من الابتداع، ولا يقال: هؤلاء أفراد من الصحابة، لا دليل في أفعالهم، لأنا نقول: هم منزهون عن فعل المنكر وسماعه بعد إنكاره.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٩٥٦).
(٢) في "صحيحه" رقم (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
(٣) بياض في الأصل بمقدار كلمة ولعلها ما أثبتناه.
[ ١ / ٣٣٢ ]
قوله: "وليس عند النسائي إلا المسند".
يريد قوله: "من رأى منكم منكرًا" وهو بلفظ: [٦٤ ب/ ج] قريب مما تقدم.
والأولى أن يقول: المرفوع، فإنَّه ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله - ﷺ -.
وأمَّا المسند فإنه خلاف المرسل، وهو الذي اتصل إسناده إلى رسول الله - ﷺ - والمسند قد يكون متصلًا ومنقطعًا في أصول علوم الحديث.
الحديث الثاني: حديث ابن مسعود:
٩٠/ ٢ - وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله - ﷺ -: "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ الله تَعَالَى فِي أُمَّةٍ قَبْلي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" أخرجه مسلم (١) [صحيح].
"حواري الرجل" خاصتُه وناصروُهُ.
"والخلوف" جمع: خلْف بسكون اللام، وهمُ الذين يأتونَ بعدَ من مضى ويكونونَ شرًا منهم.
قوله: "حَوَاريُّون":
قال في "شرح مسلم" (٢): قال الأزهري: هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخلصان الذين نُقوا من كل عيب.
وقال غيره: هم أنصارهم، وقيل: المجاهدون الذين يصلحون للخلافة بعدهم. انتهى.
_________________
(١) في "صحيحه" رقم (٥٠).
(٢) أي: النووي في شرحه لـ "صحيح مسلم" (٢/ ٢٨).
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف":
الضمير في إنّها هو ضمير القصة والشأن، والمراد من تخلف - بضم اللام - أي: تحدث من بعدهم خُلوف - بضم الخاء - هو جمع خلْف بإسكان اللام، وهو الخالف بشر، وأمَّا بفتح اللام فإنه الخالف بخير، هذا هو الأشهر، قال بعض أئمة اللغة: هما واحد بالفتح والإسكان.
قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن":
أي: من غير ما أتوا من البدع بيده مع إمكانه، كما يأتي قوله: ثم يقدرون على أن يغيروا.
قوله: "ومن جاهدهم بلسانه":
وذلك عند تعذر الجهاد باليد، فهو مؤمن، وذلك بالإنكار عليهم ما يأتونه، والقلم أحد اللسانين، فمن جاهدهم به فقد جاهدهم بلسانه.
قوله: "ومن جاهدهم بقلبه":
وذلك بكراهة ما يأتونه، فهو مؤمن؛ لأنَّ هذه الثلاث هي الوظائف التي اعتبرها الشارع في الباب، وجهاد القلب مصاحب للأولين لا ينقل عنهما.
الحديث الثالث:
٩١/ ٣ - وعَنْه - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ في الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَوَاكلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ الآية، ثُمَّ جَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا" (١).
ومعنى: "تأطروهم" تعطفوهم وتردوهم [١٠٩/ ب]، [ضعيف].
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٣٣٦) و(٤٣٣٧) والترمذي رقم (٣٠٤٧) وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه رقم (٤٠٠٦)، وهو حديث ضعيف، لأن في سنده انقطاع، فأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه كما ذكره غير واحد.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قوله: "وعنه": أي: ابن مسعود.
قوله: "قال: لما وقعت": لفظه في "الجامع" (١) قال: قال رسول الله - ﷺ -، فهو حديث مرفوع، والمصنف ذكره موقوفًا على ابن مسعود.
قوله: "نهتهم علماؤهم".
فيه: أنَّ النهي يقوم به العلماء، فإنَّ العالم هو خليفة الرسول، والرسل إنما بعثت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولأن العلماء هم الذين يعرفون المنكر، ويعلمون المعروف؛ ولأنهم الذين يتأتى لهم الإنكار [] (٢) بالإتيان بالقول اللين أولًا، ثم بالأغلظ، ولذا خصهم بقوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ (٣). فالعلماء هم الذين يخاطبون بإصلاح الناس، فإذا فسدوا وأعرضوا عما به أمروا [] (٤) محتاجين إلى من يصلحهم، ولذا قيل:
يا علماء السوء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد
ولسنا نريد بالعلماء الأئمة المجتهدين، بل كل من علم أن هذا الشيء منكر يُنهى عنه، وأنَّ هذا معروف يُؤمر به، وإن كان من يأمره وينهاه أعرف منه سيما بسأله عن وجه تركه المعروف وفعله المنكر تدرجًا إلى نهيه وأمره.
_________________
(١) في "جامع الأصول" (١/ ٣٢٧ رقم ١٠٩).
(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٣) سورة المائدة: (٦٣).
(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ويجب ان يكون المأمور والمنهي متقيًا، ولأوامر الله ممتثلًا لمن أمره أو نهاه، ولا يكون من الذين إذا قيل له: اتقِ الله أخذته العزة بالإثم، فقد توعده الله بقوله: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ (١).
قوله: فجالسوهم إلى آخره:
لفظ الترمذي بزيادة: "في مجالسهم" وهو لفظه في "الجامع" (٢)، ولا بد منها لإفادتها أنَّ العلماء هم الذين أتوا إلى مجالس العصاة، وقصدوهم، لا أنَّ العصاة قصدوا أهل العلم، ففيه زيادة وتضمين على العلماء، لا [٦٥ أ/ ج] يفيده إلا هذه الزيادة، فما كان يحسن من المصنف إسقاطها.
وخص الأكل والشرب؛ لأنهما من أعظم التأنيس لمن يواكل، ويشارب، ولذا جعل الشارع من حقوق المسلم على المسلم إجابة دعوه لأنَّ عدم إجابتها فيه إيحاش له، والمسلم مأمور بتأنيس أخيه المسلم منهي عن إيحاشه، فمواكلة الظالم من أعظم التأنيس له، وأعظم دلالة على موالاته، فلذا خصهما - ﷺ - من بين سائر الأنواع.
فيه تحريم مخالفة من نُهي عن المنكر، ولم ينته عنه، وأن الواجب اعتزاله، والإعراض عنه، وهجره إعلانًا بقبيح ما هو عليه، وإظهارًا لعدم موالاته؛ لأنَّ المجالسة والمواكلة دليل على الموالاة لهم، وهجر العصاة واجب سيما بعد نهيهم، وإصرارهم على معاصيهم، فإن قلت: أيحرم ذلك؟
قلت: الحديث أفاد تحريمه، كيف وقد أخبر أنَّ الله لعنهم على لسان أنبيائه، أي: مبلغًا سبحانه لعنه إياهم على لسان رسله فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كأنَّ المراد طمس على
_________________
(١) سورة البقرة الآية: (٢٠٦).
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ٣٣٦ ]
قلوبهم وختم عليها، وأنزل بها القسوة والغفلة، وصارت قلوب الناهي والمنهي شيئًا واحدًا قلوبًا غلفًا عقوبة لهم وأيّ عقوبة، فإن عقوبات (١) القلوب سلب إيمانها وإدراكها الحق أعظم العقوبات، كما عاقب الله ثعلبة بن حاطب (٢) فإنَّه لما أخلف الله ما وعده، ومنع ما أوجب عليه، وتولى معرضًا أعقبه نفاقًا إلى يوم يلقاه.
قوله: "ولعنهم على لسان داود" الآية:
أقول: أي: اقرءوا الآية، وهي قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٣) الآية.
والآية دلت على أنَّ المذكورين من علمائهم كفروا، وأن نهيهم الذي نهوه أولًا لا يخرجون به من عهده الواجب عليهم؛ لأنهم والوهم بعد ذلك.
فلذا قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ فلم يعدّ نهيهم الأول شيئًا، ويحتمل أنه أريد بالكفر كفر نعمة العلم الذي أعطاهم الله، ثم يحتمل أنهم عند المخاللة، والمواكلة لم يبق في قلوبهم إنكار لما هم عليه، أو أنه كانوا قادرين على التغيير باليد أو اللسان، أو أنه كان تكليف بني إسرائيل في النهي أشدّ من تكليف هذه الأمة، وأنه لا يكفي إنكار القلب.
_________________
(١) في المخطوط مكررة.
(٢) انظر كتاب "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه" تأليف: عراب بن محمود الحمش، وكتاب: "الشهاب الثاقب في الذب عن الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب" تأليف: أبي أسامة سليم الهلالي.
(٣) سورة المائدة الآية (٧٨ - ٧٩).
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقوله: "ثم جلس، وكان متكئًا".
إنما جلس لزيادة الاهتمام فيما سيقوله، ولذا ابتدأ خطابه بالقسم زيادة، وفيه دليل أنه سيكون في أمته ما كان في بني إسرائيل من الأمور التي ذكرها، وأنه يجب على علماء أمته أن يعطفوا على الحق ويردوه عنه، وإلا أصابهم ما أصاب بني إسرائيل.
واعلم أنه اشتهر في العرف أنَّ الظالم هو الذي يتأمر على العباد، ويأكل أموالهم بالباطل، ويبغي في الأرض الفساد، فلا يتبادر عند إطلاقه إلا هذا الفرد، ولا ريب أنه أعظم أفراد الظلمة، ولكن الظالم المراد هنا في الأحاديث العاصي، كما قال أبو البشر آدم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (١) الآية، أي: بالمعصية بأكل الشجرة، وقال: ذو النون - ﵇ -: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ (٢).
وفي الدعاء الذي علمه النبي - ﷺ - أبا بكر أن يقوله في صلاته، وفيه: "إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" (٣) حديث صحيح سيأتي.
وانظر إلى قوله في أول هذا الحديث: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي" إذا عرفت هذا عرفت أن كل من واكل أيّ عاصٍ وجالسه وخَالَله بعد نهيه له [٦٥ ب/ ج] ولم ينته، ويتوب، ولو كان ولده أو أخوه أو امرأته، أو خادمه، فإنه داخل في هذا الوعيد فتنبه للمراد، ولا تكن غافلًا عما أفاد.
_________________
(١) سورة الأعراف الآية: (٢٣).
(٢) سورة الأنبياء الآية: (٨٧).
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٤، ٧) والبخاري رقم (٨٣٤) ومسلم رقم (٢٧٠٥) والترمذي رقم (٣٥٣١) والنسائي (٣/ ٥٣) وابن ماجه رقم (٣٨٣٥) وغيرهم، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قوله: "والذي نفسي بيده! حتى تأطروهم":
أقول: هو غاية المقدار، أي: لا يؤمنون، ولا يكونوا آمرين ناهين حتى يعطفوهم، أي: يعطفون الذين يرتكبون المعاصي، ويردوهم عنها بالقهر، وهو مقيد بالاستطاعة، أي: إن قدرتم، وإلا فإنه يكفي الإنكار باللسان، وإلا فالقلب.
وفيه ما يشعر أنَّ علماء بني إسرائيل كانوا قادرين على رد العصاة عن معاصيهم.
قوله: "أخرجها أبو داود والترمذي":
لكن هذا لفظ الترمذي، ولذا قال ابن الأثير (١): ورواية الترمذي، وساق اللفظ الذي ساقه المصنف، وقد كان قدم رواية أبي داود بلفظ: آخر يقارب لفظ الترمذي.
الحديث الرابع:
٩٢/ ٤ - وعَنْ قَيْسٍ بِن أبِي حازم قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - بَعْدَ أَنْ حَمِدَ الله تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوضِعِهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِما رَأَوُا الظَّالمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله بِعِقَابٍ" وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ قوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، فَلَمْ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ الله مِنْهُ بِعِقَابٍ" أخرجهما أبو داود (٣) والترمذي (٤) [صحيح].
_________________
(١) في "جامع الأصول" (١/ ٣٢٨).
(٢) سورة المائدة الآية: (١٠٥).
(٣) في "سننه" رقم (٤٣٣٨).
(٤) في "سننه" رقم (٢١٦٨) و(٣٠٥٧). =
[ ١ / ٣٣٩ ]
ومعنى: "يوشك" يقرُبُ ويُسرعُ.
قوله: "قيس بن أبي حازم" (١):
أقول: بالمهملة والزاي، وقيس هو أبو عبد الله الأحمسي البجلي أدرك الجاهلية، وأسلم وجاء إلى النبي - ﷺ - ليبايعه، فوجده قد توفي، يعدُّ في تابعي الكوفة، وقد عد في أسماء الصحابة مع اتفاقهم أنه لم ير النبي - ﷺ -.
شهد النهروان مع علي بن أبي طالب - ﵇ - قال ابن عيينة: ما كان في الكوفة أروى عن أصحاب النبي - ﷺ - من قيس بن أبي حازم، وطال عمره، وجاوز المائة، وتوفي سنة ثمان أو ست وتسعين.
قوله: "وتضعونها في غير موضعها":
أقول: كأنَّه يريد ما أخرجه ابن جرير (٢) عن جُبير بن نفير قال: كنتُ في حلقةٍ فيها أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لأصغرُ القوم فتذاكروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) فاقبلوا عليَّ بلسان واحد، فقالوا: تنزع كلمة من كتاب الله لا نعرفها، ولا ندري ما تأويلها حتى تمنيت أن لم أكن تكلمت، ثم تحدثت فكأنَّ أبا بكر خطب بعد هذا.
قوله: "فلم يأخذوا على يده":
هو كناية عن منعه عن الظلم نحو قوله: "حتى تأطروهم على الحق أطرًا".
_________________
(١) = قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٠٠٥)، وهو حديث صحيح.
(٢) انظر ترجمته في "الاستيعاب" (ص ٦١٥ - ٦١٦) رقم (٢١٣٣).
(٣) في "تفسيره "جامع البيان" (٩/ ٤٦ - عالم الكتب). وذكره ابن كثير في تفسيره (٣٩٨ - ٣٩٩).
(٤) سورة المائدة الآية: (١٠٥).
[ ١ / ٣٤٠ ]
قوله: "تقدرون على أن تغيروا":
فيه اعتبار القدرة على التغيير، والمراد باليد، أو باللسان، أو بالقلب مقدر أبدًا، كما قدمنا، ثم إنه أفاد أبو بكر أنَّ آية: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ مقيدة بعد أن يأتوا بواجب الأمر والنهي.
واعلم أن للصحابة كلام في الآية:
فأخرج ابن جرير (١)، وابن مردويه (٢) عن عمر أنه قيل له: لو جلستَ هذه الأيام، فلم تأمُرْ ولم تنهَ، فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: إنها ليست لي، ولا لأصحابي، لأن رسول الله - ﷺ - قال: "ليبلغ الشاهد الغائب" فكنا نحن الشهودَ، وأنتم الغيب، ولكنَّ هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدِنا إنْ قالوا لم يقبل منهم.
وأخرج عبد الرزاق (٣)، وابن جرير (٤) من طريق قتادة عن رجلٍ قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيها أصحاب رسول الله - ﷺ - فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال: أبي بن كعب فقرأ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فقال: إنما تأويلها آخر الزمان.
وأخرج ابن مردويه (٥) عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله! أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: "يا
_________________
(١) في تفسيره "جامع البيان" (٩/ ٤٤ - عالم الكتب).
(٢) عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٣) في تفسيره (١/ ١٩٢ - ١٩٣ رقم ٧٥٩ - "المعرفة").
(٤) في تفسيره "جامع البيان" (٩/ ٤٥ - ٤٦ - عالم الكتب). قلت: وأخرجه الطبراني (ج ٩ رقم ٩٠٧٢) من طرق عن الحسن عن ابن مسعود به. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٢) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الحسن البغوي لم يسمع من ابن مسعود.
(٥) عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٢١٧).
[ ١ / ٣٤١ ]
معاذ! مروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحًا مطاعًا، وهوى متبع، وإعجاب كل [٦٦ أ/ ج] ذي رأي برأيه فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم، فإنّ من ورائكم أيام صبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم" قلت: يا رسول الله! خمسين منهم؟ قال: "بل خمسين منكم أنتم".
وقريب منه أخرج الترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني، وحديث حذيفة قال فيه الترمذي: حسن.
قوله: أخرجه الترمذي.
أقول: يعني: حديث قيس بن أبي حازم، وقال الترمذي (١): هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا مرفوعًا، وروى بعضهم عن قيس عن أبي بكر.
قوله: ولم يرفعوه.
الحديث الخامس: حديث حذيفة:
٩٣/ ٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده! لتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلتَنْهَوُنَّ عنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يسْتَجَيبُ لكمْ" أخرجه الترمذي (٢).
قوله: "لتأمرن بالمعروف":
الأمر في الثلاثة الأفعال مفتوحة؛ لأنها جواب قسم بعد رأى والله لتأمرن، أو والله! ليقرب أن يبعث عليكم عقابًا لترككم ما أوجبه عليكم من الأمر والنهي.
_________________
(١) في "سننه" عقب الحديث رقم (٢١٦٨).
(٢) في "سننه" رقم (٢١٦٩) وقال: هذا حديث حسن، وهو كما قال.
[ ١ / ٣٤٢ ]
قوله: "ثم تدعونه":
ليكشف عنكم العقاب.
"فلا يستجيب" دعاءكم.
الحديث السادس: حديث ابن مسعود:
٩٤/ ٦ - وَعَنْ عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: [١١٠/ ب] قَالَ رَسُولَ الله - ﷺ -: "إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ، وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ الله! وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١) [حسن].
قوله: "إنكم منصورون":
فيه البشرى بأنَّ الأمة تنصر على من عاداها، وتصيب من حاربها، وتفتح بلاد من ناداها.
وقد وقع كل ما ذكره - ﷺ -، فهو من أعلام النبوة وقوع الغيب الذي أخبر به، ثم أمرهم بتقوى الله؛ لأنَّ الفتح والنصر والغلبة من أسباب البطر والأشر، وعدم القيام بواجب الشكر، ولهذا يقول الله - ﷾ -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ (٢).
ثم خص من أنواع التقوى الآمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أنهما قد دخلا تحت الأمر بتقوى الله؛ لأنهما عمدة التقوى، ولأنَّه عند انفتاح الدنيا، والنصر على الأعداء،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في "سننه" رقم (٢٢٥٧) وقال: وهذا حديث حسن صحيح. وهو حديث حسن. • وأخرج الترمذي رقم (٢٦٥٩) وابن ماجه رقم (٣٠) شطره الأخير: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" وهو حديث صحيح.
(٢) سورة العلق الآية: (٦).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وسعة المال، والرخاء يعرض الناس عن هذين الواجبين بخصوصهما لما فيهما من السعة على النفوس.
وأمَّا قوله: "ومن كذب عليَّ متعمدًا" فيأتي الكلام عليه.
الحديث السابع:
٩٥/ ٧ - وَعَنِ عُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في الأَرْضِ كانَ مَن شَهِدَهَا فأنْكَرَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كانَ كمَنْ شَهِدَهَا" أخرجهما أبو داود (١) [حسن].
قوله: "العُرْسُ بن عَمِيرة" (٢):
أقول: بضم العين المهملة وسكون الراء، وعميرة - بفتح العين المهملة وكسر الميم وبالراء -.
قوله: "من شهدها": حضرها.
قوله: "فأنكرها": بلسانه، أو بقلبه، أو بيده إن أمكن.
قوله: "كمن غاب":
في أنه غير آثم.
قوله: "فرضيها كان كمن شهدها":
راضيًا بها، فالإثم يتعلق بالكراهة، والرضى.
_________________
(١) في "سننه" رقم (٤٣٤٥) وهو حديث حسن.
(٢) انظر ترجمته في "الاستيعاب" (ص ٥٨٦ رقم ٢٠١٢).
[ ١ / ٣٤٤ ]
الحديث الثامن:
٩٦/ ٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الجهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [١١١/ ب]، [حسن].
قوله: "كلمة عدل عند سلطان جائر - أو أمير جائر":
هو شك من الراوي، وإنما كانت أعظم الجهاد، أو فضله على لفظ أبي داود، والنسائي (٣)، فإنه عندهما لفظ: "أفضل"؛ لأنه تكلم بحق في موقف لا يؤمن، وورد الحديث بلفظ: "كان أحب وأفضل" لما فيه من الإعلان بالحق والصدوع به، وإيثار مرضاة الله على مرضاة عباده، والمخاطرة بالنفس لإعلاء كلمة الحق، وإنما كان أفضل من الجهاد بملاقاة الأقران؛ لأنَّ ذلك فيه مظنة الظفر، والغلبة، والسلب، والنفس قوية في الدفع عن دمها بخلاف المتكلم عند السلطان الجائر، فإنَّ بنفسه وماله مخاطرة، وليس فيه شيء مما ذكرناه في ملاقاة الأقران.
وفيه دليل أنَّ أحب الأعمال وأفضلها أشقها على النفس، وأنَّ التعرض للشهادة مع القطع بعدم الغلبة جائز.
_________________
(١) في "سننه" رقم (٤٣٤٤).
(٢) في "سننه" رقم (٢١٧٤) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٠١١) وهو حديث حسن.
(٣) في "سننه" رقم (٤٢٠٩) من حديث طارق بن شهاب بلفظ: "أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر" بسند صحيح.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وفيه أنه لا يشترط [٦٦ ب/ ج] في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمان على النفس؛ لأنَّ هذا الموقف مظنة عدم السلامة.
وقد بسطناه في "التنوير" (١) في بحث "أحب الجهاد" أخرجه بهذا اللفظ أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة.
_________________
(١) في "التنوير شرح الجامع الصغير" رقم الحديث (٢١٠) بتحقيقي. أخرجه أحمد (٥/ ٢٥١) والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٨٠٨٠) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٩١). وله شاهد من حديث طارق بن شهاب البجلي عند أحمد في "المسند" (٤/ ٣١٤) بسند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. وطارق بن شهاب رأى النبي - ﷺ - ولم يسمع منه، فروايته عنه مرسل صحابي.
[ ١ / ٣٤٦ ]