قال ابن الأثير (٢): الموات الأرض التي لم تزرع، ولم تعمَرْ، ولا هي ملك لأحد، وإحياؤها مباشرة عمارتها بتأثير شيء فيها من زرع أو عمارة، أو إحاطة حائط، أو نحو ذلك.
ذكر المصنف ثلاثة أحاديث في الكتاب، وفي "الجامع" (٣) سبعة.
الأول:
١٠٥/ ١ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" قال عروة بن الزبير: قضى به عمرُ في خلافتهِ - ﵁ -. أخرجه البخاري (٤) [صحيح].
قوله: "من عمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق بها":
أقول: قال الشافعي (٥): بلاد المسلمين شيئان: عامر، وموات، فالعامر لأهله، وكذلك كلما يصلح به العامر من فناءٍ وطريق، ومسيل ماء، وغيره فهو كالعامر في أنَّ لا يملكه على أهله إلا بإذنهم.
قال: والموات شيئان: موات قد كان عامرًا لأهله معروفًا في الإِسلام، ثم ذهبت عمارته، فصار مواتًا، فذلك كالعامر هو لأهله لا يملك عليهم إلا بإذنهم.
_________________
(١) زيادة من "جامع الأصول" (١/ ٣٤٧).
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٤٨).
(٣) في "جامع الأصول" رقم (١٣٠، ١٣١، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦).
(٤) في "صحيحه" رقم (٢٣٣٥).
(٥) في "الأم" (٥/ ٧٧).
[ ١ / ٣٥٩ ]
والموات الثاني: ما لم يملكه أحد في الإِسلام، ولا عمر في الجاهلية، فذلك الموات الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: "من أحيا أرضًا ميتةً فهي له" (١) ومن أحيا مواتًا فهو له.
والإحياء ما عرفه الناس إحياءً مثل البناء إن كان مسكنًا أن يبني بناءً مثله، أو ما يقرب منه، وأقلّ عمارة الأرض الزرع فيها، وحفر البئر، ونحو ذلك.
وقال ابن عبد البر (٢): إحياؤها أن تعمل حتى تعود أرضًا بيضاء يصلح أن تكون مزرعة بعد حالها الأول، فإن غرسها بعد ذلك فهو أبلغ في إحيائها، هذا مما لا خلاف فيه.
واختلف في الحجر عليها بالحيطان، هل يكون ذلك إحياءً أو لا؟
قد ذهبت طائفة من التابعين ومن بعدهم إلى أنَّ من حجر على موات فقد ملكه، وأنَّ ذلك كالإحياء له، واستدلوا بما رواه شعبة وغيره عن قتادة عن الحسن عن سمرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له" (٣).
واختلفوا في شرط إذن السلطان، فقال أبو حنيفة (٤): ليس لأحدٍ أن يحيي مواتًا من الأرض إلا بإذن الإِمام، ولا يملك منه شيئًا إلا بتمليكه إياه، وقال صاحباه، والشافعي: من
_________________
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٣١٣، ٣٢٧، ٣٨١) والترمذي رقم (١٣٧٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح من حديث جابر. وهو حديث صحيح.
(٢) انظر "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد مرتبًا على الأبواب الفقهية للموطأ" (١٣/ ١١٩ - ١٢٥).
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ١٢، ٢١) وأبو داود رقم (٣٠٧٧)، وهو حديث ضعيف.
(٤) المبسوط للسرخسي (٢٣/ ١٨١) والاختيار (٣/ ٨٩ - ٩٠) والبناية شرح الهداية (١١/ ٣٢٥).
[ ١ / ٣٦٠ ]
أحيا مواتًا من الأرض فقد ملكه أذن الإِمام أم لا، قال الشافعي (١): وعطية رسول الله - ﷺ - عامة لكل من أحيا مواتًا أثبت من عطية من بعده من سلطان وغيره.
قلت: يريد أنَّ قوله - ﷺ -: "من عَمَّر أرضًا ليسَتْ لأحدٍ فهو أحق بها" (٢) بها، عام لكل الأمة من عصر تكلمه - ﷺ - إلى يوم القيامة فأي حاجة إلى إذن غيره، وهو قول أحمد وإسحاق، وأبي ثور وداود.
قوله: قال عروة بن الزبير: فقضى به عمر في خلافته.
أقول: لعله يريد ما رواه ابن عيينة عن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي - ﷺ - أقطع ناسًا من جهينة أرضًا، فعطلوها فجاء قوم، فعمروها، فخاصمهم أصحاب الأرض إلى عمر بن الخطاب فقال: لو كانت قطيعة من أبي بكر أو مني لم أردها إليكم، ولكنها قطيعة من رسول الله - ﷺ - فلا أستطيع إلا أن أردها، فردها إليهم، ثم قال: من أقطع أرضًا فعطلها ثلاث سنين [٦٩ ب/ ج] ثم أحياها غيره فهو أحق بها". انتهى.
ذكره ابن عبد البر، ويحتمل أنها قصة أخرى.
_________________
(١) في "الأم" (٥/ ٩٠ - ٩١).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٣٣٥) من حديث عائشة بلفظ: "من أعمر ". • وعلق الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٥/ ٢٠) بقوله: قال عياض: كذا وقع، والصواب: "عمر" ثلاثيًا. قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]. إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارًا. قال ابن بطال: ويمكن أن يكون أصله من اعتمر أرضًا، أي: اتخذها، وسقطت التاء من الأصل. وقال غيره: قد سمع فيه الرباعي، يقال: أعمر الله بك منزلك، فالمراد من أعمر أرضًا بالإحياء فهو أحق به من غيره، وحذف متعلق أحق للعلم به. اهـ
[ ١ / ٣٦١ ]
الحديث الثاني:
١٠٦/ ٢ - وعَنْ عروة بِن الزبير قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِي لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" أخرجه الأربعة إلا النسائي (١) [صحيح].
وزاد أبو داود (٢): قال عروة: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قضَى أَنَّ الأَرْضَ أَرْضُ الله، وَالْعِبَادَ عِبَادُ الله تعالى [١١٥/ ب]، فَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِينَ جَاءنا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ. [إسناده صحيح].
قوله: "لعرق ظالم":
يروى بالإضافة والتوصيف، ويأتي تفسيره في كلام المصنف، وهو تفسير مالك له في الموطأ.
قوله: "عُمّر": بضم العين المهملة وتشديد الميم، يأتي هذا تفسيرها في كلام المصنف.
قوله: "أخرجه الأربعة إلا النسائي":
أقول: أمَّا المنذري في "مختصر السنن" (٣) فنسبه إلى إخراج الترمذي والنسائي، وقال: قال الترمذي: حديث حسن غريب، وذكر أنَّ بعضهم رواه مرسلًا، وأخرجه النسائي - أيضًا - مرسلًا. انتهى كلامه.
قلت: وأخرجه مالك مرسلًا، ولفظه عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٧٤٣) وأبو داود رقم (٣٠٧٣) والترمذي رقم (١٣٧٨) وقال: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث صحيح.
(٢) في "سننه" رقم (٣٠٧٦) بسند صحيح.
(٣) (٤/ ٢٦٥).
[ ١ / ٣٦٢ ]
قال ابن عبد البر (١): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث عن هشام، وقد اختلف فيه على هشام، فرواه طائفة، كما رواه مالك مرسلًا، وهو أصح ما فيه. والله أعلم.
وروته طائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر عن النبي - ﷺ -.
وروى آخرون عن هشام عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جابر، ومنهم من يقول: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي رافع اضطربوا فيه على هشام كثيرًا، وقد ذكرنا الأسانيد بذلك في التمهيد، وأتينا باختلاف ألفاظ الناقلين له هناك. والحمد لله.
ثم قال: رواه يحيى بن عروة عن عروة، ورواه ابن أبي مليكة عن عروة يقضيان على أن من روى هذا الحديث مرسلًا، كما رواه مالك أصح من رواية من أسنده.
قلت: رواية يحيى بن عروة وابن أبي مليكة هي رواية سنن أبي داود (٢)، ثم قال: والحديث صحيح عن النبي - ﷺ - وقد تلقاه العلماء بالقبول.
قوله: الذين جاءوا بالصلوات عنه.
أقول: زاد هذا عروة؛ لأنَّه ليس بصحابي، فلم يشهد قضاء رسول الله - ﷺ - لكنه أخبر أنَّ الذين رووا لنا الصلاة هم الصحابة الذين رووا هذا.
١٠٧/ ٣ - قال عروة (٣): ولقد حدثني الذي حدثني بهذا الحديث: "أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا في أَرْضِ الآخَرِ فَقَضَى لِصَاحِبِ الأَرْضِ بِأَرْضِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُها بِالْفُئُوسِ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا.
_________________
(١) في "التمهيد" (٢٢/ ٢٨٠ - تيمية) و"الاستذكار" (٢٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٢) في "سننه" رقم (٣٠٧٦) وهو حديث صحيح.
(٣) في سنن أبي داود بإثر الحديث رقم (٣٠٧٤).
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال مالك (١) - ﵀ -: "والعِرْق الظالمُ" كلُّ ما أخِذَ واحتُفِرَ وَغُرِسَ بغير حق "الفؤوس" جمع فأسِ، وهي الآلة المعروفة من الحديد: "والعُمُّ" جمع عَمَّية، وهي التامة في الطول والالتفاف.
قوله: لقد حدثني الذي حدثني.
لفظ أبي داود: "أخبرني الذي حدثني" وكأنَّ هذه القصة هي القضاء الذي أخبر عنه بقوله: قضى رسول الله أنَّ الأرض أرض الله. إلخ.
قوله: "جمع عميَّة":
قلت: في "الجامع" (٢) جمع: عميمة، وهي التامة في الطول والالتفاف.
وفي "النهاية" (٣): مثله لفظ: "عُمّ" أي: تامة في طولها، والتفافها واحدتها: عميمة، وأصلها: عمم، فأسكن وأدغم. انتهى.
ومثله في "القاموس" (٤) فإنه قال: ونخلة عميمة، وعماء طويلة، وقال: والعم الجماعة، والنخل: الطوال، وتضم. انتهى.
فأفاد أنها تضم عين الجمع وتفتح فلا أدري من أين نقل المصنف أنه جمع عمية.
قوله: "الحديث الثالث عن سمرة":
١٠٨/ ٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدِب قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا فِي مَوَاتٍ فَهِو لَهُ". أخرجه أبو داود (٥) [ضعيف].
_________________
(١) في "الموطأ" (٢/ ٧٤٣).
(٢) في "جامع الأصول" (١/ ٣٤٩).
(٣) "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٣/ ٣٠١).
(٤) "القاموس المحيط" (١٤٧٣).
(٥) في "سننه" رقم (٣٠٧٧) وهو حديث ضعيف.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وزاد رزين - ﵀ - عن سعيد بن زيد (١) - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ عَمَرَ أَرْضًا قَد عجزَ صاحِبُها عنها وتركها مَهْلَكَة فهي له" [صحيح].
قلت: أخرجه أبو داود (٢) من طريق الحسن عنه، ولأئمة الحديث كلام كثير في سماع الحسن من سمرة قد بيناه في الجزء الثاني من سبل السلام (٣).
قوله: "زاد رزين عن سعيد بن زيد":
أقول: هو أول حديث في باب: إحياء الموات من سنن أبي داود (٤) عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي - ﷺ - لكن لفظ: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" وقد قدمنا شرح ما أفاده في الحديث الأول [٧ أ/ ج].
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (١٣٧٨) وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أبو داود رقم (٣٠٧٣)، وهو حديث صحيح.
(٢) في "سننه" رقم (٣٠٧٧) وهو حديث ضعيف.
(٣) في "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" (٥/ ٩٩) بتحقيقي.
(٤) في "سننه" رقم (٣٠٧٣).
[ ١ / ٣٦٥ ]