و"الإيلاء" بكسر الهمزة اليمين، آلى إذا حلف، وله في الفقه أحكام تخصه، وقد تسمى عندهم إيلاءً دونها، قاله ابن الأثير (١).
وقال الترمذي في السنن (٢): والإيلاءُ أَنْ يحْلِفَ الرَّجُلُ ألا يَقْرَبَ امرأتَهُ أربعةَ أشهُرٍ.
١٠٩/ ١ - عَنْ أَنَسِ - ﵁ - أَنَّ النبيَّ - ﷺ -[١١٦/ ب] صُرِعَ مِن فَرَس فَجُحِشَ شِقُّهُ أو كَتْفَه، وآلى مِنْ نِسَائه شهرًا فجلس في مَشْرَبه له درجُها من جِذِوعٍ، فأتاه أصْحَابه يعودونه فصلَّى بِهِم جَالِسًا وهم قِيام، فَلَمَّا سلم قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فصلوا قعودًا، ولا تركعوا حتى يركعَ، ولا ترفعوا حتى يَرْفَع، قال: ونزل التسع وعشرين". فقالوا: يا رسول الله! إنك آليت شهرًا. فقال: "إن الشهرَ تسعٌ وعشرونَ". أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥).
وفي أخرى للشيخين (٦) عن أم سلمة: إن الشهرَ يكون تسعا وعشرين.
وفي أخرى لمسلم (٧) عن جابر: "ثم طبَّق يديه ثلاثًا مرتين، بأصابع يديه كلَّها ومرةً بتسع منها". [صحيح]
_________________
(١) في "جامع الأصول" (١/ ٣٥٣).
(٢) في "سنن الترمذي" بإثر الحديث (١٢٠١).
(٣) في "صحيحه" رقم (١٩١١) و(٥٢٠١) و(٥٢٨٩) و(٦٦٨٤).
(٤) في "سننه" رقم (٦٩٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) في "سننه" رقم (٣٤٥٦).
(٦) البخاري رقم (١٩١٠) و(٥٢٠٢) ومسلم رقم (٢٥/ ١٠٨٥).
(٧) في "صحيحه" رقم (٢٣/ ١٠٨٤).
[ ١ / ٣٦٦ ]
قوله: "صُرِعَ":
بالمهملة مبني للمجهول، أي: سقط عن ظهر دابته.
وقوله: "جُحِشَ":
بالجيم فمهملة مبني له - أيضًا - يقال: جُحِشَ جلُد الإنسان إذا أصابه شيء، فسلَخَه، أو خَدَشه.
وقوله: "كتفه":
بالمثناة الفوقية.
وقوله: "أوشك":
من الراوي.
قوله: "من مَشْرُبَة":
بفتح الميم وسكون الشين المعجمة أو ضم الراء وفتحها العُرْفَةُ والعِلَّيَّة.
والمشربة كانت في حجرة عائشة كما في رواية جابر، وكان ذلك في شهر الحجة سنة خمس، كما أفاده ابن حبان.
قوله: "فصلوا قعودًا":
يأتي الكلام عليه في كتاب الصلاة وأنه حكم باقٍ غير منسوخ، وفيه خلاف.
قوله: فقال: "إنَّ الشهر تسع وعشرون":
أي: هذا الشهر.
قوله: "والترمذي":
قلت: وقال: حسن صحيح.
واعلم أنَّ هذا الإيلاء منه - ﷺ - اختلف في سببه على روايات:
[ ١ / ٣٦٧ ]
منها: أنه سبب إفشاء حفصة إلى عائشة للحديث الذي أسره إليها، واختلف - أيضًا - في الذي أسره، فقيل: إنه تحريمه لمارية (١) أسرَّه إلى حفصة، وقال: لا تخبر به عائشة، فأخبرت به عائشة، أو تحريمه للعسل (٢).
وقيل: إنه أسر إليها أن أباها يلي الأمر بعد أبي بكر، وقيل: بل سبب الإيلاء أنه - ﷺ - فرَّق هديةً جاءت له بين نسائه، فلم ترضَ زينبُ جحشٍ بنصيبها، فزادَها مرة أخرى، فلم ترضَ فقالت عائشة: لقد أممت وجهك أن تردُّ عليك الهدية، فقال: "لأنتُن أهونُ على الله من أنْ تَغمني لا أدخل عليكن شهرًا" أخرجه ابن سعد (٣) عن عمرة عن عائشة من طريق الزهري.
وقيل: بل سببه طلبهن النفقة، أخرجه مسلم (٤) من حديث جابر.
قال الحافظ ابن حجر (٥): اللائق بمكارم أخلاقه، وسعة صدره، وكثرة صفحه أن تكون هذه الأسباب سببًا لاعتزالهن، وسيأتي في تفسير سورة التحريم الحديث بطوله إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (٢٣١٦). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٧) وقال: رواه الطبراني .. من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه، قال الذهبي: مجهول ساقط، وخبره ساقط، وأخرجه أيضًا العقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ١٥٥) في ترجمة موسى بن جعفر هذا، وقال: لا يصح إسناده. والخلاصة: أن الحديث ضعيف جدًا، والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٩١٢) ومسلم رقم (١٤٧٤) من حديث عائشة.
(٣) في "الطبقات" (٨/ ١٩٠).
(٤) في "صحيحه" رقم (٢٩/ ١٤٧٨).
(٥) ذكر محمَّد بن إسماعيل الأمير في "سبل السلام" (٦/ ١٨٩ - ١٩٠) بتحقيقي.
[ ١ / ٣٦٨ ]
قوله: وفي أخرى للشيخين (١) عن أم سلمة.
أقول: لفظه: أنه - ﷺ - حلف لا يدخل على بعض أهله شهرًا، فلما مضى تسع وعشرون يومًا غدا عليهم، أو راح، فقيل: يا رسول الله! حلفت ألا تدخل عليهن شهرًا، فذكره.
قوله: وفي أخرى لمسلم (٢) عن جابر.
قوله: ثم طبق.
حذف المصنف المعطوف عليه، فإنه عطف هو عطف على قوله - ﷺ -: "إنَّ الشهر يكون تسعًا وعشرين، تم طبق" فحذف المصنف المعطوف عليه من حديث جابر اكتفاءً بلفظه في أم سلمة.
١١٠/ ٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. يَعني: المولى. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ - ﵃ -، وَاثْنَي عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَة. أخرجه البخاري (٣) ومالك (٤). [صحيح].
وفي أخرى للبخاري (٥) قال: يعني ابنَ عمرَ: الإيلاء الذي سمى الله تعالى لا يَحلَّ لأحدٍ بعد الأجل إلا أن يُمسكَ بالمعروف، أو يعزمَ الطلاق كما أمر الله تعالى [١١٧/ ب]، [صحيح].
_________________
(١) البخاري رقم (١٩١٠) و(٥٢٠٢) ومسلم رقم (٢٥/ ١٠٨٥) وقد تقدم.
(٢) في "صحيحه" رقم (٢٣/ ١٠٨٤) وقد تقدم.
(٣) في "صحيحه" رقم (٥٢٩١).
(٤) في "الموطأ" (٢/ ٥٥٦)، وهو حديث صحيح.
(٥) في "صحيحه" رقم (٥٢٩٠).
[ ١ / ٣٦٩ ]
قوله: "وعن ابن عمر".
أقول: في هذا الإيلاء عن وطئ الزوجة الذي أنزل الله فيه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١) ولذا قال البخاري: يعني ابن عمر الإيلاء الذي سماه الله فحديث ابن عمر بيان لما في الآية، وأنها إذا مضت الأربعة الأشهر يوقف الزوج المولى حتى تطلق.
قال ابن عبد البر (٢): لأنّ الله قد جعل للمولى تربص أربعة أشهر لا سبيل فيها لامرأته عليه، ومعلوم أنَّ الجماع من حقوقها، ولها تركه والمطالبة به إذا انقضى الأجل الذي جعل لزوجها عليها فيه التربص، فإن طلبته في حين يجب لها عند السلطان، وقف المولى، فأمَّا فاء، وإما طلق، والدليل أنه تعالى قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ (٣).
فإنه يدل على أنه لا يكون الطلاق إلا بإيقاعه لا بمضي الأربعة الأشهر كما قاله جماعة، وهذا مذهب الجمهور، فإن امتنع عن الفيئة، والتطليق طلق عنه السلطان.
١١١/ ٣ - وعن عَلي كرمَ الله وجهه قال: إذا آلى الرجلُ من امرأتهِ لَم يقعْ عليه طلاقٌ، وإن مضت الأربعةُ الأشهُرُ حتَّى يوقفَ، فإمَّا أن يطلق وإمَّا أن يُفئ. أخرجه مالك (٤). [إسناده ضعيف].
_________________
(١) سورة البقرة الآية: (٢٢٦).
(٢) "الاستذكار" (١٧/ ١٠٥ رقم (٢٥٤٨٣، ٢٥٤٨٤).
(٣) سورة البقرة الآية: (٢٢٦ - ٢٢٧).
(٤) في "الموطأ" (٢/ ٥٥٦) رقم (١٧). قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٣٧٧) وفي "معرفة السنن" (٥/ ٥١٨ - ٥١٩ رقم ٤٥١٩ - العلمية) بسند ضعيف لانقطاعه.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وقَالَ (١): من حلفَ على امرأتِهِ أنْ لا يطأَهَا حتَّى تفطمَ ولدَهَا لم يكنْ موليًا. بلغني عن علي - ﵁ - أَنَّهُ سئلَ عن ذلكَ فلم يرهُ إيلاء.
قوله: في حديث علي لم يقع عليه طلاق، وإن خصت الأربعة الأشهر.
أقول: هذه المسألة وقع فيها بين السلف من الصحابة وغيرهم نزاع، فقول علي - ﵇ - هو رأي جماهيرهم، وهذه الرواية عن علي هي الصحيحة.
وقد روي عنه أن تمضي الأربعة يقع تطليقة، وإليه ذهب جماعة من السلف.
قوله: أخرجه مالك.
أقول: منقطعًا، فإنه قال: عن جعفر بن محمَّد عن أبيه علي.
قال ابن عبد البر: الخبر عن علي، وإن كان منقطعًا في الموطأ، فإنه متصل عنهم من طرق كثيرة صحاح، ثم ساقها بأسانيدها في كتابه: "الاستذكار" (٢).
قوله: بلغني عن علي أنه سئل عن ذلك فلم يجعله إيلاءً.
قال عبد الرزاق (٣) عن معمر: أنه بلغه ذلك عن علي.
وذكر ابن عبد البر (٤) بسنده إلى سعيد بن جبير أنَّ عليًا قال له رجل: حلفت ألَّا أمس امرأتي سنتين، فأمره باعتزالها، فقال له ذلك الرجل: إنما ذلك من أجل أنها ترضع ولدي، فخلّي بينه وبينها.
_________________
(١) مالك في "الموطأ" رواية أبي مصعب الزهري (١/ ٦١١/ ١٥٨٧).
(٢) "الاستذكار" (١٧/ ٩٥ - ١٠٨).
(٣) في "المصنف" (٦/ ٤٥٢ رقم ١١٦٣٤).
(٤) في "الاستذكار" (١٧/ ١٠٧ رقم ٢٥٤٩٦).
[ ١ / ٣٧١ ]
قال ابن عبد البر (١): ليس هذا بمضار؛ لأنه أراد إصلاح ولده، وقد همَّ رسول الله - ﷺ - أن ينهى عن الغَيْلَة لما علم أن العرب تعتقد أنه فساد بالولد، ثم تركها توكلًا على الله، إذا بلغه أنَّ فارس والروم يفعلون ذلك، ولا يضرّ أولادهم.
والغَيْلَة (٢) وطئُ الرَّجُلِ امرأتَهُ الرَّضاع، وقد اختلف الفقهاء فيمن قال لامرأته: والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك.
فقال مالك (٣): لم يكن موليا؛ لأنه ليس على وجه الضرار، إنما أراد الإصلاح لولده.
وقد قال الأوزاعي (٤) والشافعي (٥): إن مضت أربعة أشهر قبل أن تكون شيء مما حلف عليه كان موليًا، وله قول آخر.
وللحنفية (٦) قول ثالث أنه إن بقي بينه وبين مدة الفطام أربعة أشهر، فإنه مول.
الحديث الرابع: حديث عائشة:
١١٢/ ٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: آلَى رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ، وَحَرَّمَ فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلاَلًا وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً. أخرجه الترمذي (٧). [ضعيف].
قولها: "وحرّم":
أي: قربانهنَّ.
_________________
(١) في "الاستذكار" (١٧/ ١٠٧ رقم ٢٥٤٩٧).
(٢) "الاستذكار" (١٧/ ١٠٨ رقم ٢٥٤٩٩).
(٣) "الاستذكار" (١٧/ ١٠٨ رقم ٢٥٥٠١).
(٤) "الاستذكار" (١٧/ ١٠٨ رقم ٢٥٥٠٢).
(٥) "الاستذكار" (١٧/ ١٠٨ رقم ٢٥٥٠٤).
(٦) "الاستذكار" (١٧/ ١٠٨ رقم ٢٥٥٠٧).
(٧) في "سننه" رقم (١٢٠١) وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٧٢).
[ ١ / ٣٧٢ ]
قوله: "فجعل الحرام":
وهو قربانهنَّ.
"حلالًا، وجعل في اليمين كفارة":
قولها: وحرم.
هو بيان لقولها: "آلى" أي: أقسم أن لا يقربهنَّ، فضرب حرامًا بالقسم، ثم جعل هذا الحرام حلالًا، وكفَّر عن يمينه.
قوله: "أخرجه الترمذي":
قلت: قال (١) بعد إخراجه عن مَسْلَمَةَ بنِ عَلْقَمَةَ عن دَاودَ عن عامر عن مَسْرُوق ما لفظه: حديث مَسْلَمة بن عَلْقَمَةَ عن داودَ رَوَاهُ عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، وغيره عن دَاوُدَ عن الشَّعبي أنَّ النبي - ﷺ - مرسلًا، وليس فيه عن مَسْروق عن عائشة، وهذا أصح من حديث مَسْلمة بن علقمة. انتهى كلامه.
_________________
(١) أي: الترمذي بإثر الحديث رقم (١٢٠١).
[ ١ / ٣٧٣ ]