بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يسر الوصول، إلى جامع الأصول (١) من حديث الرسول، وسهل في نحو ثلث حجمه اختصاره، مع حسن الإيراد ولطف العبارة، والتلخيص لما يكثر شرحه ويطول، أحمده وأستغفره، وأستعين به وأستنصره، وأتوب إليه وأسأله القبول فله الحمد سبحانه على من به وأنعم، من خدمة حديث حبيبه المكرم، وبلغ بمتابعته السؤل، وله الشكر على أن جعلني من أمته، الملبين لدعوته، المقتفين لما يقول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أعدها لجواب المسألة، ولكل هول مهول.
وأشهد أن محمدًا عبده النبي الكريم، ورسوله الرءوف الرحيم، وحبيبه الشفيع المقبول المبين للناس ما نزل إليهم، والموصل لهم بشفقته عليهم، إلى خير مأمول.
صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه ومن هاجر إليه ما نقل مرويّ أو روى منقول، صلاة دائمة الاستمرار، مشرقة الأنوار، لا انقطاع لها ولا أُفول.
أما بعد:
فإني وقفت على كثير مما دونه الأئمة من كتب الحديث في القديم والحديث، فلم أر فيها أكثر جمعًا، ولا أحسن وضعًا من كتاب: جامع الأصول (١) من حديث الرسول - ﷺ - وشرف وكرم وعظم الذي ألفه الإمام العلامة الكبير مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير، فجمع فيه
_________________
(١) "جامع الأصول في أحاديث الرسول" تأليف الإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ). جمع فيه المؤلف الأصول الستة المعتمدة عند الفقهاء والمحدثين: "الموطأ" "البخاري" "مسلم" "أبو داود" "الترمذي" "النسائي". وهذبها، ورتبها، وذلل صعابها، وشرح غريبها، ووضح معانيها.
[ ١ / ٨٧ ]
أحاديث الأصول الستة المشهورة، صحيحي البخاري ومسلم، وموطأ الإمام مالك، وسنن أبي داود السجستاني، وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي [٢/ ١ ب] عبد الرحمن النسائي رحمهم الله تعالى، جمعًا. رصيدًا لطلابها - على ما اشتملت عليه من علومها وفوائدها - معينًا، شكر الله تعالى مسعاه، وأحسن عاقبته ورجعاه.
فلقد أجاد فيه كل الإجادة، مع كثرة الجدوى وحسن الإفادة، وقد جرده في نحو ربع حجمه قاضي القضاة شرف الدين هبة الله بن البارزي (١) قاضي حماه - ﵀ - في كتاب سماه: "تجريد الأصول من حديث الرسول" (٢) فتداولته الطلبة لحسن اختصاره واعتماده على تجريد أخباره وآثاره.
قال قاضي القضاة في خطبة كتابه ما ملخص لفظه ومعناه: إن أبا الحسن رزين ابن معاوية العبدري (٣) جمع الأصول الستة المذكورة، فكان كتابه أجمع الكتب في هذا الفن نفعًا،
_________________
(١) أبو القاسم هبة الله بن قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن القاضي شمس الدين إبراهيم المعروف بابن البارزي الشافعي قاضي حماة، وصاحب التصانيف الكثيرة. ولد في رمضان سنة (٦٤٥ هـ) وتوفي سنة (٧٣٨ هـ). "شذرات الذهب من أخبار من ذهب" لابن العماد (٨/ ٢٠٩/ ٢١٠) و"طبقات الشافعية الكبرى" (٨/ ١٨٩ - ١٩٠) "والدرر الكامنة" (٤/ ٤٠١).
(٢) وهو اختصار لجامع الأصول
(٣) رزين بن معاوية أبو الحسن العبدري الأندلسي السَّرقسطي، مصنَّف "تجريد الصحاح" روى كتاب البخاري عن أبي مكتوم بن أبي ذر، وكتاب مسلم عن الحسين الطبري، وجاور بمكة دهرًا، وتوفي في المحرم سنة (٥٣٥ هـ) "شذرات الذهب" (٦/ ١٧٥). قلت: وتجريد الصحاح: جمع فيه بين "الموطأ" و"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" و"سنن أبي داود" و"سنن الترمذي" و"المجتبى من سنن النسائي". ورتبه الإمام ابن الأثير بعد ذلك وسماه: "جامع الأصول في أحاديث الرسول".
[ ١ / ٨٨ ]
وأنفعها جمعًا حيث حوى الأصول الستة التي هي أمهات الحديث وأصولها، وبأحاديثها استدل العلماء وعمدتهم منقولها.
ثم إن الشيخ الإمام العالم مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري ثم الموصلي، يعني: ابن الأثير - ﵀ - نظر في كتاب رزين، الحاوي لهذه الأصول، فاختار له وضعًا أجاد والله ترتيبه وتهذيبه، وأحسن تفصيله وتبويبه، فأبرزه في تأليف سماه: جامع الأصول من حديث الرسول فهو إذًا نخبة المنخوب، وإنسان عين المطلوب.
فأفرغت الوسع في تحصيله وروايته، وعزمت على الاشتغال به ولو بمطالعته، وحين يسر الله - وله الحمد - روايته، تدبرته فوجدته بحرًا زاخرة أمواجه، وبرًا وعرة فجاجه، ورأيت ذلك لعدم همم بني الزمان، كالداعي إلى الإعراض عن هذا المهم العظيم الشأن.
فاستخرت الله تعالى في تجريد أخباره وآثاره، واستعنته على [٣/ ١ ب] تلخيصه واختصاره، فألقيت عنه ما زاد على الأصول من شرح الغريب والإعراب، وألغيت منه ما ارتكبه من التكرير والإسهاب فليشتهر بتجريد الأصول قي أحاديث الرسول.
ولما كثرت فيه الكتب والأبواب، رتبتها على حروف المعجم لئلا يحتاج طالب الحكم إلى تصفح أكثر الكتب والأبواب، وضبط ذلك بالحرف الأول من الحكم بعد حذف آلة التعريف إلا أن يكون من أحكام كتاب حرف آخر فإنه يذكر فيه.
مثاله: ذكر الغنيمة في كتاب الجهاد من حرف الجيم لئلا تتفرق أحكام الجهاد وهكذا.
وأفرد لما اشتمل على معان لم يغلب أحدها كتابًا سماه: كتاب اللواحق، وَلِما جاء في تفضيل شيء من قول أو فعل أو رجل أو مكان كتابًا سماه: كتاب الفضائل من حرف الفاء، وذكر أنه وجد في كتاب رزين أحاديث لم يرها في مفردات الأصول التي جمعها، ونقل منها فسطر أسماء رواتها، وتركها عُطُلًا بلا علامة.
[ ١ / ٨٩ ]
قال قاضي القضاة: وقد اقتديت به في هذا الترتيب غير فصلين: أحدها: أنه متى أتى حرف فيه كتب لها فضائل نقلت فضائلها إليها، ثم ما بقي تركته حيث وضعه.
الثاني: أنه متى اجتمعت العلامات الست على اسم راوٍ جعلت مكانها (ق) فبينت بها اتفاقهم، ثم إني محافظ على لفظ البخاري ومسلم، فمتى اتفقا على لفظ قلت: هذا لفظهما، وإن اختلفا قدمت البخاري فقلت: هذا لفظه، وهكذا إذا انفرد أحدهما مع غيره، ثم أنبه على زيادات الباقين.
انتهى ملخص لفظ قاضي القضاة - ﵀ -.
وقد نظرت في كل من الجامع وتجريده، وشاهدت حسن وضع كل منهما وتمهيده، فرأيت كلًا من مؤلفيهما قد رقم اسم الصحابي الراوي للحديث في حاشية الكتاب، ورمز عليه [٤/ ١ ب] لمن أخرجه من الستة برموز اختلطت واختبطت على أكثر الكتاب، فحصل فيها التقديم والتأخير، والنقصان والتكرير، حتى كثر في ذلك العناء، ولم يحصل لأكثر الطلاب به غناء، وقل التذاذ قارئ كل منهما وسامعه، وعسر انتفاع محصل التجريد ومطالعه، فعزمت بعد استخارة الله تعالى على تيسيره للمنتفعين، وتحبيره للمستمعين، رغبة في إحياء السنة النبوية، ومحبة لاقتفاء الآثار الشريفة المحمدية.
وصدرت كل حديث منه باسم صحابيه الذي رواه، وختمته بمن خرجه من الأئمة الستة وحواه، ودمجت ذلك بين متون الأحاديث ليؤمن به من الغلط والاشتباه، وتقبله الطباع ولا تأباه.
فإن اتفق الستة على إخراجه قلت: أخرجه الستة، وإن انفرد منهم مالك بعدم إخراجه قلت: أخرجه الخمسة، وإن انفرد واحد من الستة غير مالك أو من الخمسة بعدم إخراجه استثنيته باسمه فقلت: أخرجه الستة أو الخمسة إلا فلانًا، وإن اتفق البخاري ومسلم على إخراجه قلت: أخرجه الشيخان، فإن وافقهما مالك على إخراجه قلت: أخرجه الثلاثة، وإن
[ ١ / ٩٠ ]
وافقهما غيره قلت. أخرجه الشيخان وفلان باسمه، وإن أخرجه من عدا البخاري ومسلمًا قلت: أخرجه الأربعة، فإن لم يخرجه معهم مالك قلت: أخرجه أصحاب السنن، وإن أخرجه الأربعة إلا واحدًا منهم غير مالك استثنيته باسمه فقلت: أخرجه الأربعة إلا فلانًا، وإن اختلف هذا الترتيب ولم يتفق حسن نظمه ذكرت من أخرجه من الستة باسمه، وما صدرت باسم الإمام مالك، فإني مستغن عن عزوه إليه بذلك، واكتفيت في زيادات رزين بنسبتها إليه، واستغنيت في ذلك بالحوالة عليه، وما تقاربت معانيه من الأحاديث واختلفت ألفاظه اكتفيت بإثبات إحدى رواياته، وما اختلفت معانيه وألفاظه فلا بد من ذكر المخالف وإثباته، وما تكرر فيه من الأحاديث اقتصرت على [٥/ ١ ب] أتم الروايات فيه، إلا أن يقع اختلاف في تخريجه أو اسم راويه، واعتمدت في ذلك على تجريد قاضي القضاة، وزدت من أصله شيئًا كثيرًا من غريب الحديث ومعناه، وتصحيح ما وقع فيه الغلط والاشتباه لتعظم فائدته وجدواه، ويستغني به محصله عما سواه وسميته:
"تيسير الأصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول - ﷺ -"
وقد أخبرني بتجريد قاضي القضاة - ﵀ - إجازة شيخنا الإمام العلامة المحدث زين الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي (١) والإمام الحافظ الحجة شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٢) رحمهما الله تعالى فيما شافهني به كل واحد
_________________
(١) أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف بن أبي بكر الشرجي عالم محدث أديب شاعر مؤرخ، مولده ليلة الجمعة (١٢) رمضان سنة (٨١٢ هـ) وفي الطبقات السنية في تراجم الحنفية (١/ ٣٠٩) سنة (٨١٦ هـ) وتوفي بزبيد يوم السبت (٩) ربيع الآخر سنة (٨٩٣ هـ). "الضوء اللامع" (١/ ٢١٤) و"هجر العلم ومعاقله في اليمن" (٢/ ١٠٤٣ رقم ٣).
(٢) الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين. =
[ ١ / ٩١ ]
منهما غير مرة قالا: أخبرنا به شيخنا الإمام العلامة الزاهد شرف الدين أبو الفتح محمد ابن قاضي طيبة وخطيبها الإمام العلامة زين الدين أبو بكر بن الحسين العثماني المراغي المدني (١) قال: أنا به والدي قال: أخبرنا به مؤلفه قاضي القضاة شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي - ﵀ - فيما كتب به إليَّ من حماه.
وقال: أخبرني بجامع الأصول الشيخ الإمام العالم زين الدين أبو العباس أحمد بن أبي الكرم هبة الله الواسطي - ﵀ - بقراءتي عليه لجميعه قال: أخبرني به مؤلفه الإمام مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير - ﵀ - سماعًا عليه لجميعه فاتصلت بحمد الله روايتنا لتجريد قاضي القضاة وأصله، فنسأل الله تعالى أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه، وأن يعمنا بفضله.
وبدأت أولًا بذكر مناقب هؤلاء الستة الأئمة، الذين كشف الله تعالى بهم عن عباده الغمة، وانتفع المسلمون بعلومهم الجمة، واعتمدت على ما دونوه من السنة الأمة.
فشكر الله تعالى صنيعهم، وعم بواسع الرحمة جميعهم، والمرجو منه سبحانه أن يلحقنا جمهم، ويشركنا بمحبتنا لهم في جزيل ثوابه [٦/ ١ ب]، إنه السميع العليم القريب المجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
_________________
(١) = ولد في ربيع الأول سنة (٨٣١ هـ) وطلب العلم، وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني، ولقي جماعة من العلماء، وله تصانيف عدة. توفي سنة (٩٠٢ هـ). "شذرات الذهب" (١٠/ ٢٣ - ٢٥) وفي "الضوء اللامع" ترجم السخاوي لنفسه ترجمة مطولة (/٢ - ٣٢)
(٢) زين الدين أبو بكر بن حسين بن عمر بن محمد بن يونس المَرَاغي ثم المصري الشافعي نزيل المدينة. ولد سنة (٧٢٨ هـ) وتوفي بالمدينة المنورة في ذي الحجة سنة (٨١٦ هـ). "شذرات الذهب" (٩/ ١٧٧) و"الضوء اللامع" (١١/ ٢٨).
[ ١ / ٩٢ ]