ابن الأمير من الأعلام الناشرين لعلوم الكتاب والسنة في كثير من الأقطار الإسلامية. فقد كان مؤمنًا بالله كل الإيمان:
أنا مؤمنٌ بالله ثم بِرُسْلِه وبكُتْبه وببعثه ولقائه (٢)
لا يشوب إيمانه نفاق أو تزوير، وأنعم بهذا الإيمان زادًا بنير الطريق في الدنيا والآخرة، ويستوجب الشكر لله على إنعامه به عليه:
والزاد كل الزاد في التوحيد والـ إيمان بالراقي لسبع طباق
وأنا بحمد الله ربي مؤمن ما شِيْبَ إيماني بشرب نفاق
_________________
(١) كما في نشر العرف (٣/ ٣٣)، وأما "نفحات العنبر في تراجم أعيان القرن الثاني عشر" لا يزال مخطوطًا. وقد تم تحقيقه ونشره في مكتبة الجيل الجديد - صنعاء.
(٢) "الديوان": (ص ٥٤).
[ ١ / ٢٠ ]
وبذا أجيب مسائلي في حفرتي وبه ختام القول عند سياقي
هذا بفضل الله ربي وحده أتت النصوص به على الإطلاق (١)
بل فضله بعد الممات مضاع والفضل عند الموت منه باقي
فهو يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، إيمان رسول الله - ﷺ - وأتباعه بذلك، لا يحيد عنه إلى غير طريق السلف الصالح، من الطرق الأخرى الملتوية في عقيدتها، المطعون في إيمانها من الفرق الضالة كالجهمية والناصبة والرافضة والجبرية وغيرها، بل اعتماده على الكتاب والسنة، ومن أجل ذلك نجده يقول:
ألم يعلموا أنا اتحدنا عقيدة فما أنا جهميُّ ولا أنا بالكسب
وقد طالما فتشتُ كل دقيقة وساءلت عنها كل ذي فكرة ندب (٢)
ما عندنا نَصْبٌ ولارَفْضٌ ولا جبر ولا لي بالهوى إلمام
عندي كتاب الله أشرف منزل والمصطفى حسبي بذين إمام (٣)
والدارس لمؤلفات ابن الأمير يلحظ غلبة الطابع السلفي عليه وتأثره به، ومما يرجح ذلك: رسالة "تطهير الاعتقاد" المتضمنة على ذلك بوضوح.
وقال البدر في "حاشية الأنوار على الإيثار" - ولم تكمل هذه الحاشية -:
قد جاءنا برد اليقين من الـ مختار في القرآن والسنن
فاقنع به ودع الوقوف على أطلال أهل الشرك والدمن
آي الكتاب كفت دلالتها صحب الرسول وعابدي الوثن
_________________
(١) "الديوان": (٢٩٥).
(٢) "الديوان": (ص ٧٦).
(٣) "الديوان": (ص ٣٨٥).
[ ١ / ٢١ ]
وانقاد كل بالزمام لها أهل الذكاء والفهم والفطن
لكن طلبت الحق من طرقٍ معوجة ليست على سنن
قد كان فيها الجبائي سلفًا والأشعري أيضًا أبو الحسن
والجعد قبلهما وجهم لقد باعا الهدى جهلًا بلا ثمن
أفضت إلى تضليل سالكها وإلى التباغض فيه وإلا حن
فسلكت مسلكهم فحرت كما قد قلته في شعرك الحسن
فضللت في تيه بلا علم وغرقت في بحر بلا سفن (١)
وقال البدر في رسالته "الإشاعة في بيان من نهى عن فراقه الجماعة" رقم (٦٨): " ولأنه معلوم أن الأشعرية قد ابتدعت بدعًا في علم الكلام مذمومة مخالفة لما كان عليه سلف الأمة، ففراق ما هم عليه من الابتداع مأمور به، لا منهي عنه، فليسوا بأهل السنة ولا بالجماعة.
وقد بسطنا هذا في "الأنفاس اليمنية الرحمانية قي الرد على بعض علماء الأشعرية" (٢).
وقد مدح البدر الصحابة والتابعين وأهل الحديث كالإمام البخاري ومسلم رضوان الله عليهم أجمعين:
سلام على أهل الحديث فإنني نشأت على حب الأحاديث من مهدي
هم بذلوا في حفظ سنة أحمد وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد
وأعني بهم أسلاف أمةِ أحمدَ أولئك في بيت القصيد هُمُ قصدي
أولئك أمثال البخاري ومسلم وأحمد أهل الجدَ في العلم والجد
_________________
(١) "الديوان": (ص ٤٠٨ - ٤٠٩).
(٢) "الأنفاس الرحمانية اليمنية قي أبحاث الإفاضة المدنية" رقم الرسالة (١٦) من عون القدير من فتاوى ورسائل ابن الأمير.
[ ١ / ٢٢ ]
بحور وحاشاهم عن الجزر إنما لهم مدد يأتي من الله بالمَد
كفاهم كتاب الله والسنة التي وأهل الكساهيهات ما الشوك كالورد
أولئك أهدى في الطريقة منكم فهم قدوتي حتى أوسَّد في لحدي (١)
وهناك بعض الانتقادات توجه إلى ابن الأمير، لا بد من البحث فيها والوصول إلى الحق، مع حبي وتقديري لهذا الإمام الذي عشت معه أكثر من عشرين سنة، دارسًا لكتبه، متعلمًا من علومه وآرائه، وفي النهاية محققًا لتراثه الذي ظل حبيس خزائن المخطوطات الخاصة والعامة، ينتظر أيدي الباحثين الحانية؛ لتفك عنه أسره؛ وتمسح عنه غبار الأزمان، وتقدمه للناس ليستفاد منه.
لكن هذا الحب لهذا الإمام الجليل لن يدفعني إن شاء الله إلى تعصب مذموم، ولا إلى حب يطغى على حق.
وإن تذكرت هنا شيئًا فإني أتذكر قول ابن قيم الجوزية - ﵀ -، وهو يعلق على أبي الحسن الهروي حيث قال: "أبو الحسن حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه".
وإنها العبارة نفسها: "ابن الأمير حبيب إليَّ، ولكن الحق أحب إليَّ منه".
إنها مشكاة واحدة لا نتعصب لقول، ولا نرجح رأي، إلا إذا كان الحق والدليل يدعمانه ويوجهانه.
كما أنني لا أدعي العصمة لابن الأمير، ولا أقول عنه إلا أنه من البشر، والبشر يخطئون ويصيبون.
أما الانتقادات فهي: