" الوَلِيْمَةُ" في "القاموس" (٣): الوليمة طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها، وأولم: صنعها.
الأول: حديث أنس - ﵁ -:
١ - عن أنس - ﵁ - قال: رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - علَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: "بَارَكَ الله لَكَ، أَوْلِمْ بِشَاةٍ". أخرجه الستة (٤)، وتقدم في كتاب الصداق مطولًا. [صحيح]
_________________
(١) في "المعلم بفوائد مسلم" (٣/ ٦٩ - ٧٠).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٩/ ٥٦١).
(٣) "القاموس المحيط" (ص ١٥٠٧).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٢٤٩) وأطرافه (٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٣، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦)، ومسلم رقم (١٤٢٧)، وأبو داود رقم (٢١٠٩)، والترمذي رقم (١٠٩٤)، والنسائي (٦/ ١١٩/ ١٢٠)، ومالك (٢/ ٥٤٥) وهو حديث صحيح.
[ ٧ / ٦٤٦ ]
بوب (١) له البخاري: باب الوليمة ولو بشاة.
"قال: رأى النبي - ﷺ - على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة" المراد بها: أثر الخلوق، والخلوق: طيب يصنع من زعفران وغيره.
وللطبراني في "الأوسط" (٢) بسند فيه ضعف كما قال ابن حجر (٣): أن عبد الرحمن أتى النبي - ﷺ - وقد خضب بالصفرة، فقال: "ما هذا الخضاب أعرست؟ " قال: نعم الحديث.
"قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب" اختلف في المراد بقوله: "نواة"؛ فقيل: نوى التمر كان يوزن به، وقيل: لفظ نواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق. وجزم به الخطابي (٤)، ونقله عياض (٥) عن أكثر العلماء.
وقال بعض المالكية (٦): النواة عند أهل المدينة ربع دينار.
وقال الشافعي (٧): النواة ربع النش، والنش نصف أوقية، الأوقية: أربعون درهمًا، فتكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد (٨): أن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى النواة كما تسمى الأوقية، وبه جزم (٩) أبو عوانة وآخرون.
_________________
(١) في صحيحه (٩/ ٢٣١ الباب رقم ٦٨ - مع الفتح).
(٢) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٣٤).
(٣) في "فتح الباري" (٩/ ٢٣٤).
(٤) في "معالم السنن" (٣/ ٥٨٤ - مع السنن).
(٥) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (٢/ ٥٨٧).
(٦) "مدونة الفقه المالكي وأدلته" (٢/ ٥٨٢).
(٧) "البيان" للعمراني (٩/ ٣٧٠).
(٨) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (١٥/ ٥٥٧)، "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٨٠٧).
(٩) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٣٥). وانظر: كتابنا: "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان والنقود الشرعية" (ص ١٨٣).
[ ٧ / ٦٤٧ ]
"فقال له النبي - ﷺ -: بارك الله لك" زاد في رواية: قال عبد الرحمن: "فلقد رأيتني لو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضة" وكأنه قال ذلك إشارة إلى بركة الدعوة النبوية أن يبارك الله له (١).
"أولم ولو بشاة" (لو) هنا للتقليل، والأمر الأصل فيه الإيجاب، ولكن قال ابن بطال (٢): أنه لا يعلم أحدًا أوجبها. [٤٥٢ ب].
وردَّ عليه ابن حجر (٣) بأنه قد قال بعض الشافعية (٤) بإيجابها للأمر بها هنا، وأما الاستدلال على وجوبها بوجوب إجابة الدعوة؛ فضعيف؛ لأن إيجاب الدعوة فرع أنه يدعو إليها العروس، ودعوته إليها فرع إيقاعه للوليمة، والدعوة لا تجب عليه اتفاقًا، فلا تجب الوليمة.
واختلف (٥) في وقت الوليمة على أقوال عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو موسع من ابتداء العقد إلى عند الدخول، أقوال.
واستحب (٦) أن تكون عند البناء وهو الزفاف للزوجة، ففي "القاموس": بنى على أهله وبها زفّها، ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس.
قوله: "أخرجه الستة، وتقدم في كتاب الصداق مطولًا".
_________________
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٣٥).
(٢) في "شرحه لصحيح البخاري" (٧/ ٢٨٤).
(٣) في "فتح الباري" (٩/ ٢٣٠).
(٤) انظر: "روضة الطالبين" (٧/ ٣٣٣)، "الحاوي الكبير" (٩/ ٥٥٦ - ٥٥٧)، "المحلى" (٩/ ٤٥٠)، "المغني" (١٠/ ١٩٣).
(٥) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٧/ ٢١٧)، "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (٤/ ٥٨٨).
(٦) انظر: "فتح الباري" (٩/ ٢٤٦).
[ ٧ / ٦٤٨ ]
الحديث الثاني:
٢ - وعنه - ﵁ - قال: مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - ﵂ -، أَوْلَمَ بِشَاةٍ.
وفي رواية: أَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى تَرَكُوهُ. أخرجه الشيخان (١) وأبو داود (٢). [صحيح]
"وعنه" أي: أنس - ﵁ -.
"قال: ما أولم رسول الله - ﷺ - على أحد من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش" المذكورة قصتها في الأحزاب.
بوّب البخاري (٣) لحديث أنس هذا بقوله: باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض، ثم بيّن ما أبهمه.
"أولم عنها بشاة" قال الكرماني (٤): لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها: أنه كان للشكر لله على ما أنعم به عليه من تزويجه إياها بالوحي.
"وفي رواية" لهما عن أنس.
"أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه" وهذا من أعلام النبوة، حيث يشبع الكثير من الناس بشاة واحدة.
قوله: "أخرجه الشيخان وأبو داود".
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥١٧١)، ومسلم رقم (٩٠١/ ١٤٢٨).
(٢) في "السنن" رقم (٣٧٤٣) وهو حديث صحيح.
(٣) في صحيحه (٩/ ٢٣٧ رقم ٦٩ - مع الفتح).
(٤) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٣٨).
[ ٧ / ٦٤٩ ]
الحديث الثالث:
٣ - وعنه - ﵁ - قال: أَوْلَمَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ. أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [صحيح]
"وعنه" أي: أنس - ﵁ -.
"قال: أولم رسول الله - ﷺ - على صفية بنت حيي" ابن أخطب الإسرائيلية.
"بسويق وتمر" ولفظه: أن النبي - ﷺ - أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليالي يبني بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، فما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمرنا بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط والسمن.
وقد أخرج مسلم (٣) في ذلك جملة روايات طويلة، وعقد له البخاري (٤) بابًا: باب من أولم بأقل من [٤٥٣ ب] شاة. والقصة مستوفاة في غزوة خيبر.
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
وللبخاري (٥) - ﵀ -: عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ - ﵂ - قالَتْ: أَوْلَمَ النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. [صحيح]
_________________
(١) في "السنن" رقم (٣٧٤٤).
(٢) في "السنن" رقم (١٠٩٥) وقال: حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد (٣/ ١١٠)، وابن ماجه رقم (١٩٠٩) وهو حديث صحيح.
(٣) في صحيحه رقم (٨٩/ ١٤٢٨ - ٩٥/ ١٤٢٨).
(٤) في صحيحه (٩/ ٢٣٨ الباب رقم ٧٠ - مع الفتح).
(٥) في صحيحه رقم (٥١٧٢) مرسلًا وهو أثر صحيح.
[ ٧ / ٦٥٠ ]
"وللبخاري - ﵀ - عن صفية بنت شيبة رضي [الله] (١) عنها" في البخاري (٢): عن منصور بن صفيَّةُ، وهي أمه واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة.
"أولم رسول الله - ﷺ - على بعض نسائه" قال الحافظ ابن حجر (٣): لم أقف على تعيين اسمها صريحًا. وأقرب ما يفسر به أم سلمة، فقد أخرج ابن سعد (٤) عن شيخه الواقدي بسند له إلى أم سلمة قالت: لما وليني النَّبي - ﷺ - وذكر قصة تزويجه بها، قالت: فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة، فإذا جرّة فيها شيء من شعير فأخذته فطحنته ثم عصدته.
في الترمذي: وأخذت شيئًا من إهاله فأدمته، فكان ذلك طعام رسول الله - ﷺ -.
وصفية بنت شيبة عيّنت قدر الشعير (٥)، فقالت: "بمدّين من شعير" وهو نصف صاع.
الرابع: حديث ابن مسعود - ﵁ -:
٤ - وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "طَعَامُ الوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي سُنَّةٌ، وَالثَّالِثُ سُمْعَةٌ، وَمَنْعَ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ". أخرجه الترمذي (٦). [ضعيف]
"قال: قال رسول الله - ﷺ -: طعام الوليمة" أي: إطعام من يريد العروس إطعامه.
"أول يوم" من أيام الزواج. "حق" أي: ثابت.
"و" إطعام "الثاني سنة". "و" إطعام "الثالث سمعة" يقصد به تسميع الناس بذلك.
"ومن سمع" قصد التسميع.
_________________
(١) سقطت من (ب).
(٢) في صحيحه رقم (٥١٧٢) وقد تقدم آنفًا.
(٣) في "الفتح" (٩/ ٢٣٩).
(٤) في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٩٢).
(٥) انظر: "فتح الباري" (٩/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٦) في "السنن" رقم (١٠٩٧) وهو حديث ضعيف.
[ ٧ / ٦٥١ ]
"سمّع الله به" أي: سمع الله بوزره يوم القيامة.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (١): حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير.
سمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع (٢): زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث. انتهى.
وفي "صحيح البخاري" (٣): ولم يؤقت النَّبي - ﷺ - يومًا ولا يومين. أي: لم يجعل لوليمة الطعام وقتًا معينًا يختص به الإيجاب أو الاستحباب.
وذكر الحافظ (٤) أحاديث في جواز الزيادة، ثم قال: ومجموعها يدل على أن للحديث - أي: حديث الزيادة - أصلًا.
وذكر (٥) ما أخرجه أبو يعلى بسند حسن عن أنس: تزوج النبي - ﷺ - بصفية بنت حيي وجعل [٤٥٤ ب] عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام.
قال النووي (٦): إذا أولم بثلاثة فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة. والثاني: لا يجب قطعًا.
_________________
(١) في "السنن" (٣/ ٤٠٤).
(٢) ذكره الترمذي في "السنن" (٣/ ٤٠٤)، وانظر "فتح الباري" (٩/ ٢٤٠ - ٢٤١).
(٣) في صحيحه (٩/ ٢٤٠ رقم الباب ٧١ - مع الفتح).
(٤) في "فتح الباري" (٩/ ٢٤٣).
(٥) ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٢٤٣).
(٦) في "شرحه لصحيح مسلم" (٩/ ٢٣٤)، و"روضة الطالبين" (٧/ ٣٣٤).
[ ٧ / ٦٥٢ ]
واعتبر الحنابلة (١) الوجوب - أي: وجوب الإجابة - في اليوم الأول، وفي الثاني قالوا: سنة، تمسكًا بظاهر حديث ابن مسعود.
وقال عياض (٢): استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، وقال بعضهم: محلها إذا دعا كل يوم من لم يدع قبله.
الخامس:
٥ - وعن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يَقُولُ: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى لهَا الأَغْنِيَاءُ وَتُتْرَكُ المَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ". [صحيح]
وفي أخرى (٣): "يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا". أخرجه الثلاثة (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]
حديث "الأعرج" اسمه عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم (٦).
_________________
(١) انظر: "المغني" (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٢) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (٤/ ٥٨٨).
(٣) أخرجها مسلم في صحيحه رقم (١١٠/ ١٤٣٢) وهو حديث صحيح.
(٤) البخاري في صحيحه رقم (٥١٧٧)، ومسلم في صحيحه رقم (١٤٣٢)، ومالك في "الموطأ" (٢/ ٥٤٦) وهو حديث صحيح.
(٥) في "السنن" رقم (٣٧٤٢) وهو حديث صحيح. وأخرجه ابن ماجه رقم (١٩١٣).
(٦) انظر: "التقريب" (١/ ٥٠١ رقم ١١٤٢).
[ ٧ / ٦٥٣ ]
"عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقول: شر الطعام طعام الوليمة" بيّن شرِّيته بقوله:
"ويدعى لها الأغنياء وتترك المساكين" وكان الأولى عكسه، لكنه جرى العرف بذلك وأقرّ الشرع ذلك وإلا لنهى عنه.
ولما حكم بشريته احترس بقوله: "ومن لم يأت الدعوة" إلى ذلك الطعام.
"فقد عصى الله ورسوله" دفعًا لما يتوهمه السامع من الحكم بشرِّيته أنه لا يؤتى إليه.
"وفي" رواية "أخرى" عن أبي هريرة في بيان شرية طعام الوليمة.
"يمنعها من يأتيها" وهم المساكين.
"ويدعى إليها من يأباها" وهم الأغنياء، فالمعنى متقارب (١).
قوله: "أخرجه الثلاثة وأبو داود".
ومن الأطعمة المضافة إلى أسبابها: