" طَعَامُ الدَّعوَةِ" هي بفتح المهملة وبضم الحلفة، وفي "الصحاح" (٣): الدعوة بالضم ما يدعى إليه من الطعام وغيره، وذكره قطرب في مثلثته.
الأول: حديث ابن عمر - ﵁ -.
١ - عن ابن عمر - ﵄ - قال: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي العُرْسِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. أخرجه الخمسة (٤) إلا النسائي. [صحيح]
"قال: قال رسول الله - ﷺ -: أجيبوا هذه الدعوة" إشارة إلى جنس الدعوة.
_________________
(١) سورة طه الآية: ١٨.
(٢) انظر: سورة القصص الآيات: [٢٥ - ٢٨].
(٣) للجوهري (٦/ ٢٣٣٦).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٥١٧٩)، ومسلم رقم (١٠٣/ ١٤٢٩)، وأبو داود رقم (٣٧٣٦، ٣٧٣٧، ٣٧٣٨، ٣٧٣٩)، والترمذي رقم (١٠٩٨) وهو حديث صحيح.
[ ٧ / ٦٣٨ ]
وقال الحافظ ابن حجر (١): يحتمل أن تكون للعهد، والمراد: وليمة العرس، ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" (٢) وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعيّن ذلك. انتهى.
قلت: وابن عمر حمله على الأول كما دلَّ له قوله: "فكان" القائل، وكان هو نافع.
"ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغيره" ويؤيده حديث [٤٤٨ ب] مسلم (٣) وأبي داود (٤) عن نافع عن ابن عمر: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا أو نحوه" وقد أخذ بعض الشافعية (٥) منه وجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا شرطه، وزعم ابن حزم (٦) أنه قول جمهور الصحابة والسابقين، وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية (٧) والحنفية (٨) والحنابلة (٩) وجمهور الشافعية (١٠).
_________________
(١) في "فتح الباري" (٩/ ٢٤٦).
(٢) أخرجها البخاري رقم (٥١٧٣).
(٣) في صحيحه رقم (٩٨/ ١٤٢٩).
(٤) في "السنن" رقم (٣٧٣٦) وهو حديث صحيح.
(٥) "روضة الطالبين" (٧/ ٣٣٣)، "البيان" للعمراني (٩/ ٤٨٢).
(٦) "المحلى" (٩/ ٤٥٠).
(٧) "عيون المجالس" (٣/ ١١٨٠)، "التمهيد" (١١/ ١٤٥ - الفاروق).
(٨) "مختصر الطحاوي" (ص ١٨٩).
(٩) "المغني" (١٠/ ١٩٣)، "الإنصاف" (٨/ ٣١٦ - ٣١٨).
(١٠) "البيان" (٩/ ٤٨٢).
[ ٧ / ٦٣٩ ]
ولفظ الشافعي (١): إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاصٍ في تركها كما تبين لي في وليمة العرس. انتهى.
"وهو صائم" عملًا بآخر حديثه هذا عند أبي داود فلفظه: "فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليدع".
قالوا: وعرف من قوله: "فليدعُ" حصول المقصود من الإجابة بذلك، وأن المدعو لا يجب عليه الأكل.
وفي الحضور (٢) فوائد أخرى مقصودة كالتبرك بالمدعو والتجمل به والانتفاع بإشارته والصيانة عما لا يحصل به الصيانة لو لم يحضر، وأخذ من ذلك أن الصوم ليس بعذر في ترك الإجابة.
قوله: "أخرجه الخمسة إلا النسائي".
ومن أدلة الوجوب:
وفي أخرى لأبي داود (٣): "مَنْ دُعِيَ وَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيِّرًا". [ضعيف]
"المُغَيَّرُ" (٤): الناهب.
"رواية أبي داود" عن ابن عمر.
_________________
(١) انظر: "المهذب" (٤/ ٢٢٤).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٩/ ٢٤٧).
(٣) في "السنن" رقم (٣٧٤١) وهو حديث ضعيف.
(٤) قال ابن الأثير في "غريب الجامع" (٧/ ٤٨٧) المُغيرُ: الذي ينهبُ الناس، شبه خروج هذا الأكل من طعام لم يدع إليه، كمن أغار على قوم ونهبهم، وكذلك شبه في دخوله عليهم بالسارق.
[ ٧ / ٦٤٠ ]
"من دعي ولم يجب فقد عصى الله ورسوله" وظاهره عموم كل دعوة.
"ومن دخل على [غير] (١) دعوة دخل سارقًا" لما يأكله آثمًا إثم السارق.
"وخرج مغيرًا" لتغييره الطعام الذي لم يدع إليه وتغييره بقلب صاحب البيت، وهذا هو الذي يسمى الطفيلي.
قال الخطيب (٢): أنه نسبة إلى رجل كان يقال له طفيل من بني عبد الله بن غطفان كثر منه الإتيان إلى الولائم بغيره دعوة فسمِّي "طفيل العرائس"، ثم سمِّي من اتصف بصفته طفيليًا، وكانت العرب تسميه الوراش بشين معجمة، ويقال لمن يتبع المدعو من بغير دعوة "ضيفن" بزيادة نون، واستدل به على أن الطفيلي يأكل حرامًا.
قوله: "أخرجه أبو داود" قال الحافظ ابن حجر (٣): إنه حديث ضعيف.
الثاني:
٢ - وعن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب رَسولِ الله - ﷺ - قال: قَالَ رَسولُ الله - ﷺ -: "إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَان فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنَّ أَقْرَبُهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ". أخرجه أبو داود (٤). [حسن]
حديث "حميد بن عبد الرحمن الحميري" في "التقريب" (٥): ثقة فقيه.
_________________
(١) سقطت من (أ).
(٢) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٦٠).
(٣) انظر: "فتح الباري" (٩/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٤) في "السنن" رقم (٣٧٥٦). وأخرجه أحمد (٥/ ٤٠٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٧٥) وهو حديث حسن.
(٥) (١/ ٢٠٣ رقم ٦٠٥).
[ ٧ / ٦٤١ ]
"عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله [٤٤٩ ب]: إذا اجتمع داعيان" في حين.
"فأجب أقربهما بابًا، فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما" ولم يجتمعا.
"فأجب الذي سبق" بالدعوة ولو كانا في حين واحد.
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: ولا يضر جهالة الرجل بعد علم كونه صحابيًا؛ لما يقرره المحدثون أن الأصل في الصحابة أنهم كلهم عدول.
الثالث: حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -:
٣ - وعن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: كَانَ رَجُلٌ مِنْ الأْنصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى النَّبيَّ - ﷺ - فَعَرَفَ في وَجْهِهِ الجُوْعَ، فَقَالَ لِغُلاَمِهِ: وَيْحَكَ! اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخمْسَةِ نَفَرٍ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ رَسُولَ الله - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَدَعَا رسولُ الله - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلمَّا بَلَغَ البَابَ قَالَ - ﷺ -: "إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ تَأْذَنَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ" قَالَ: بَلْ آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ الله. أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]
بوب البخاري لهذا الحديث: باب الرجل يتكلف الطعام لإخوانه.
"قال: كان في الأنصار رجل يقال له: أبو شعيب" قال ابن حجر: لم أقف على اسمه.
"وكان له غلام لحام"، وفي رواية: "قصاب".
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٠٨١، ٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١)، ومسلم رقم (١٣٨/ ٢٠٣٦).
(٢) في "السنن" رقم (١٠٩٩). وهو حديث صحيح.
[ ٧ / ٦٤٢ ]
"فقال له: اصنع لنا طعامًا أدعو رسول الله - ﷺ - خامس خمسة" يقال: خامس خمسة وخامس أربعة بمعنى، أي: أحدهم، والأجود (١) نصب خامس على الحال، ويجوز الرفع على تقدير حذف وهو خامس خمسة، والمراد: فصنع الطعام.
"فدعا رسول الله - ﷺ - خامس خمسة فأتبعهم رجل" أي: لم يدعه صاحب الطعام.
"فلما بلغ الباب" باب صاحب الطعام.
"قال - ﷺ -: إن هذا اتبعنا، فإن شئت" يا صاحب الطعام.
"تأذن له، وإن شئت رجع، قال: بل آذن له يا رسول الله" في الحديث (٢): جواز الاكتساب بصنعة الجزارة، واستعمال العبد فيما يطيق له من الصنائع، وانتفاعه بكسبه منها.
وفيه: مشروعية الضياف، وتأكيد استحبابها لمن غلبت حاجته لذلك؛ لأن في الحديث: "إني عرفت الجوع في وجهه" (٣) وأنه - ﷺ - كان يجوع أحيانًا.
وفيه: إجابة الإمام والشريف الكبير [دعوة] (٤).
وفيه: أن من تطفّل كان لصاحب الدعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له حرمانه، ومن قصد التطفل لا يمنع ابتداء؛ لأن الرجل تبع النَّبي - ﷺ - فلم يرده لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له.
قال الحافظ ابن حجر (٥): وينبغي أن يكون هذا الحديث أصلًا في جواز التطفل.
_________________
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٦٠).
(٢) انظر: "فوائد الحديث في فتح الباري" (٩/ ٥٦٠).
(٣) انظر: "فتح الباري" (٩/ ٥٨٣).
(٤) كذا في "المخطوط" والذي في "الفتح": دعوة من دونهم وأكلهم طعام ذي الحرفة غير الرفيعة كالجزار.
(٥) في "الفتح" (٩/ ٥٦٠).
[ ٧ / ٦٤٣ ]
الرابع: حديث أنس - ﵁ -. [٤٥٠ ب]:
٥ - وعن أنس - ﵁ -: أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ الله - ﷺ - فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ الَمَرقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - طَعَامًا، ثُمَّ جَاءَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: "وَهَذِهِ؟ " لِعَائِشَةَ. فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - "لاَ" فَعَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "وَهَذِه؟ " فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ - "لاَ" ثُمَّ عَادَ يَدْعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "وَهَذِه؟ " قَالَ: نعم. فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنْزِلَهُ. أخرجه مسلم (١) والنسائي (٢). [صحيح]
"أن جارًا لرسول الله - ﷺ - فارسيًا" نسبة إلى فارس، ولم يعرف اسمه.
"وكان طيب المرق" يحسن صنعه.
"فصنع لرسول الله - ﷺ - طعامًا ثم جاء يدعوه، فقال رسول الله - ﷺ -: وهذه" أي: ادعه معي.
"يعني: عائشة. قال: لا" أي: لا أدعوها.
"قال رسول الله - ﷺ -: لا" أي: لا أجيب الدعوة.
"ثم جاء يدعوه، فقال رسول الله - ﷺ -: وهذه؟ قال: لا، فقال رسول الله - ﷺ -: لا، ثم عاد في الثالثة" أي: يدعوه.
"فقال رسول الله - ﷺ -: وهذه؟ قال: نعم، فقاما" أي: رسول الله - ﷺ - وعائشة.
"يتدافعان إلى منزله" كأن المراد: مستدفعان إليه.
_________________
(١) في صحيحه رقم (٢٠٣٧).
(٢) في "السنن" (٦/ ١٥٨).
[ ٧ / ٦٤٤ ]
أخذ من الحديث (١) الأول من قوله - ﷺ -: "إن شئت أذنت له " إلخ أنه لا يمتنع المدعو إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه، وهذا الحديث عارضه، فإنه لما لم يأذن الفارسي لعائشة لم يجبه - ﷺ -.
وأجيب (٢) عنه: بأن الدعوة لم تكن لوليمة، وإنما صنع الفارسي طعامًا بقدر ما يكفي الواحد، فخشي إن أذن لعائشة أن لا يكفي النَّبي - ﷺ -.
ويحتمل أن يكون الفرق: أن عائشة كانت حاضرة عند الدعوة، بخلاف الرجل الذي أتبع النبي - ﷺ - في الحديث الأول.
وأيضًا (٣): فالمستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو معه كما فعل صاحب الغلام اللحام، بخلاف الفارسي، فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها، وخيّر الداعي في الرجل الذي طرأ.
أو علم حاجة عائشة، أو أحبَّ أن تأكل معه منه؛ لأنه كان موصوفًا بالجودة، ولم يعمل مثله في قصة اللَّحام (٤).
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (١٣/ ٢٠٨)، "فتح الباري" (٩/ ٥٦١).
(٢) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٦١).
(٣) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٦١). وقال النووي في "شرحه لصحيح مسلم" (١٣/ ٢٠٩) وهي قضية أخرى فمحمول على أنه كان هناك عذر يمنع وجوب إجابة الدعوة، فكان النبي - ﷺ - مخيرًا بين إجابته وتركها، فاختار أحد الجائزين وهو تركها إلا أن يأذن لعائشة معه لما كان من الجوع أو نحو، فكره - ﷺ - الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل الماشرة وحقوق المصاحبة وآداب المجالسة المؤكدة، فلما أذن لها اختار النبي - ﷺ - الجائز الآخر لتجدد المصلحة وحصول ما كان يريده من إكرام جليسة وإيفاء حق معاشرته فيما يحصل.
(٤) ذكره الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٦١).
[ ٧ / ٦٤٥ ]
وأورد عليه قصة ضيافة أبي طلحة، حيث دعا النبي - ﷺ - فقال لمن معه: "قوموا".
ومثله قصة ضيافة جابر يوم الخندق، فأجاب المازردي (١): بأنه يحتمل أن يكون - ﷺ - علم رضا أبي طلحة فلم يستأذنه، بخلاف قصة صاحب اللحام فلم يعلم رضاه فاستأذنه، وكان الذي أكله القوم [٤٥١ ب] عند أبي طلحة كان مما خرق الله فيه العادة لرسوله - ﷺ -، فكان أكثر ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها، فلم يفتقر إلى استئذانه.
أو لأن أبا طلحة صنع الطعام لرسول الله - ﷺ - فيتصرف فيه كيف أراد، وصاحب اللحام صنعه له - ﷺ - ولمن عيّنه معه من الخمسة (٢).
قوله: "أخرجه مسلم والنسائي".