* * *
أشار غير واحد ممن ترجم للإمام الأصبهاني، ومن ذكر هذا الكتاب؛ إلى أن الذي ابتدأ تأليفه هو الابنُ: أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ الأصبهاني، لكن المنية اخترمته في وقت مبكر، فأتمه أبوه الإمامُ الحافظُ الأصبهاني؛ المعروف بقِوام السنة، قال ابن قاضي شهبة، وهو يعدد مؤلفاته: (وَشَرحُ صَحِيحِ البُخَارِي، وَصحِيحِ مُسلِمٍ، وَكَانَ ابنُه شَرَع فيهِما، فَمَاتَ فِي حَياتِه فَأَتَمَّها) (^١).
وكم من كتابٍ نفيسٍ كتب الله ألَّا يكتمل، إما لوفاةٍ، أو فتور عزمٍ، أو انشغالٍ بما هو أنفسُ وأهمُّ، أو عذرٍ حال دون ذلك، وقد تكرر هذا عبر تاريخ الإسلام؛ نذكر - على سبيل التمثيل - بعض ما تعلق بشرح دواوين السنة:
* التلخيص في شرح البخاري للنووي (٦٧٦ هـ): وصل إلى آخر كتاب الإيمان، وتوفي قبل إتمامه (^٢).
* الإيجاز شرح سنن أبي داود للنووي أيضا: وصل فيه إلى أثناء الوضوء (^٣).
_________________
(١) طبقات الشافعية: ١/ ٣٠٢، وينظر كذلك: تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢، وطبقات الشافعيين: ص ٥٩٢، وشذرات الذهب: ٦/ ١٧٥.
(٢) ينظر المنهل العذب الروي: ص ٧، وهو مطبوع.
(٣) المصدر نفسه، وقد طبع بتحقيق أبي قتيبة نظر محمد الفاريابي عن دار طيبة؛ ٢٠٠٨ م.
[ ٢٦ ]
* النفح الشذي في شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس (٧٣٤ هـ): بلغ فيه كتاب الصلاة فاخترمته المنية فجأة، فأتمه الحافظ العراقي (^١).
* منهاج الابتهاج بشرح مسلم بن الحجاج للقسطلاني (٩٢٣ هـ): بلغ إلى نحو نصفه في ثمانية أجزاء كبار (^٢).
* فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ لابن رجب الحنبلي (٩٩٥ هـ): وصل فيه إلى كتاب الجنائز، وتوفي قبل إتمامه (^٣).
* شرح الترمذي لابن حجر العسقلاني: شرع فيه ثم فتر عزمه عنه؛ كما ذكر تلميذه السخاوي (^٤).
وغير هذا كثير، وفي مختلف العلوم والفنون، حتى صار إتمام الناقص من مقاصد التأليف، وهو من البر بأهل العلم، وإحياء ذكرهم، وإعلاء شأنهم، وحفظ آثارهم، ولوكانت الأعمار توهب؛ فهم أحق بذلك وأولى، فلا أقل من أن تصرف وتوهب لآثارهم؛ شرحا واختصارا وتعليقا وتنكيتا وتتميما كذلك.
وقد قيض الله تعالى لكثير مما لم يكتمل منها - من الخلف الصالح - من ينسج على سَنَن أصحابها؛ فيتم ما نقص منها، إما أن يكون هذا الخلف تلميذا نجيبا، كالليث بن المظفر الكناني الذي أتم كتاب العين لشيخه الخليل بن أحمد الفراهيدي،
_________________
(١) ينظر: البداية والنهاية: ١٨/ ٣٧٢، ومقدمة تحقيق الكتاب للدكتور أحمد معبد عبد الكريم: ١/ ٦٦.
(٢) كشف الظنون: ١/ ٥٥٥.
(٣) كشف الظنون: ١/ ٥٥٠، والحطة: ص ١٨٩، وهو مطبوع متداول.
(٤) الجواهر الدرر: ٢/ ٦٧٦، ولا يعلم له وجود.
[ ٢٧ ]
وكالإمام السخاوي التي أتم كتاب نتائج الأفكار لشيخه ابن حجر العسقلاني.
وإما أن يكون عالما وفيا، معظما لجهد غيره، راغبا في نشره وتمام خيره، ككتاب المهذب للإمام النووي، فقد أتمه تاج الدين السبكي، والنفح الشذي السالف الذكر، وتفسير الجلالين الذي بدأه جلال الدين المحلى، وأتمه السيوطي.
وقد يكون ابنا بارا صالحا، جاريا على سنن أبيه في العلم والصلاح، ككتاب المحلى لابن حزم، فقد مات دون إتمامه، فأتمه ابنه أبو رافع من كتاب الإيصال، وكذلك رد المحتار لابن عابدين، أتمه ابنه محمد، وكتاب طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي، فقد أتمه ابنه ولي الدين، وغيرها من المؤلفات.
ومن نكت هذا الضرب من التأليف، أن يتولى الأب ما بدأه الابن وهذا - بلا شك - من بر الوالد، بولده، ورضاه عنه، واعترافه له بالمكانة والفضل، خاصة إن كان الأب من العلماء الحفاظ المبرزين، ولم أجد لهذا إلا مثالين اثنين:
* كتاب الدلائل في غريب الحديث، لأبي محمد القاسم بن ثابت العوفي السرقسطي (٣٠٢ هـ): وهو من أجل ما ألف في هذا العلم، جعله كالذيل على غريب أبي عبيد وغريب ابن قتيبة، وقد فاجأته المنية دون إتمامه، وعُمِّر أبوه الحافظ الكبير ثابت بن حزم السرقسطي (٣١٣) هـ)، فأتم الكتاب وأظهره للناس وحدث به (^١).
* كتاب التحرير في شرح صحيح مسلم: وهو كتابنا هذا، فقد ابتدأه - كما
_________________
(١) ينظر: الديباج المذهب: ١/ ٣١٩، وإنباه الرواة: ١/ ٢٩٧، والرسالة المستطرفة: ص ١٥٥، وتاريخ الأدب العربي: ٨/ ١١٠، ومقدمة تحقيق الدلائل للدكتور محمد القناص.
[ ٢٨ ]
أسلفنا - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأصبهاني، وأتمه أبوه، ومعه شرح صحيح البخاري كذلك.
والذي يعنينا في هذا المبحث؛ ليس إثبات نسبه الكتاب إلى مؤلفه، فذلك ثابت على الوجه الذي ذكرناه من البدء والإتمام، وإنما يعنينا أن نتعرف على القدر الذي كتبه الابن وهل وصلنا منه شيء في المخطوطة التي بين أيدينا؟
والجواب - كما سنبين - أن الذي وصلنا من الكتاب كله للأب الحافظ قِوام السنة، ولم يصلنا شيء مما كتبه الابن والدليل على ذلك أمور:
١ - الجزء المفقود من أول الكتاب هو من بداية الشرح إلى آخر كتاب الجنائز، وهو جزء لا بأس به، فيكون احتمال الضياع واردا على كل ما كتبه الابن لأنه لم يبلغ هذا القدر كما سنبين.
٢ - في شرح الإمامين لصحيح البخاري نص نفيس، يمكن من خلاله أن نتبين صاحب الجزء الذي بين أيدينا، فقد نص فيه قوام السنة ﵀ على الموضع الذي أكمل منه شرح ولده؛ حيث قال: (وإليه انتهى مَا تولاه ولَدِي أبو عبد الله ﵀ ونوَّر قبرَه من شَرح الكتَاب، ومن هَاهُنا تَولَّيتُ أَنَا شَرحَه، فأقولُ وأَستَمِدُّ المعُونَة مِنَ الله، وأَسأَله أن يُجريَ في ذَلِك الصَّواب علَى لسَاني، وأن يُجزل الثَّوابَ لابني أبي عبدِ الله ﵀ لِسَبقه إلى هَذا الشَّرح، وشَرح كِتَاب مُسلمٍ) (^١).
فأمكننا أن نقارن بين أسلوبي المؤلفين، لنتعرف على صاحب الجزء الذي وصلنا من صحيح مسلم، ثم إنه بهذا يفترض أن يكون قوام السنة ﵀؛ قد نص
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لقوام السنة الأصبهاني (٢/ ١١٣).
[ ٢٩ ]
كذلك على الموضع الذي أكمل منه شرح مسلم، خاصة أن احتفاءه به أشد وأقوى، فقد ورد - كما مر - أنه دعا الناس يوم فراغه منه، وعمل مأدبة، وصنع حلاوة كثيرة (^١)، ولا نجد في الجزء الذي وصل إلينا شيئا من ذلك.
٣ - بالمقارنة بين ما وصلنا من شرح مسلم، وما في شرح البخاري من إملاء الإمامين، نلمس تطابقا واضحا، وانسجاما كبيرا مع أسلوب قِوام السنة؛ وطريقة شرحه، بحيث لا يماري في هذا أحد، ولو بالنظرة العجلى في الكتابين، ففي أسلوب قِوام السنة معالم وإشارات لا تخفى، تميزه عن أسلوب ولده، ومن ذلك:
* أن للأب عباراتٍ يُكثِر من استعمالها، لا نجدها إطلاقا في شرح الابن من ذلك تكراره لـ: (قَالَ صَاحِبُ المُجمَل)، (قَالَ أَهلُ اللُّغَة)، (قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَين)، وهو نفس ما تكرر في مواضع كثيرة في شرح مسلم.
* أن الابن يسوق فقه الحديث مع المباحث اللغوية، سياقا واحدا، وأما الأب فقد سلك مسلكا آخر، وهو البداءة بفقه اللغة، ثم ذكر ما في الحديث أو بعضه من الفقه والأحكام، مشيرا إلى ذلك بقوله: (وَفِيهِ)، (وَمِن فِقهِ الحَدِيثِ)، (وَفِيهِ دَلَالَةٌ …)، وهو ما لا نجده في شرح الابن.
* نجد فيما وصلنا أن المؤلف قد أسند، بعض الأحاديث، منها حديث طلب الولاية في بداية الجزء الذي بين أيدينا، حيث قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نَصرٍ مُحَمَّدُ بنُ سَهلٍ السرَّاج …)، ومعلوم أن أبا نصر توفي سنة ٤٨٣ هـ، وهو من شيوخ
_________________
(١) تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢.
[ ٣٠ ]
قوام السنة بنيسابور (^١)، فيتأكد، بهذا أن الشارح هو الأب لا الابن لأن هذا الأخير لم يدرك أبا نصر، فإنه لم يولد إلا في حدود الـ ٥٠٠ هـ، وكذلك أسند حديث الإفك عن الدَّشْتِي، وهو أبو سهل عبد الملك بن عبد الله الدَّشْتِي النيسابوري توفي سنة ٤٨٨ هـ، وأسنده كذلك عن النِّعالي، وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد النِّعالي البغدادي الحافظ، توفي سنة ٤٩٣ هـ (^٢).
* الابن يطيل النفس في اللغة، ويغوص في أعماقها، ويورد مذاهب اللغويين، ويرجح، ويستدرك، ويناقش، ويذكر أخطاء العامة، ونحو ذلك، والأب لا يتعمق هذا التعمق الواسع.
* يبحث الابن أسماء الصحابة من جهة اللغة؛ أولَ ما ترِد عليه، كقوله: (حَدِيثُ سَعدِ بن أَبِي وقَّاصٍ السَّعدُ: ضد النَّحْسِ، والوقَّاص: الكَثِيرُ الكَسْر، يُقالُ: من وَقَصت الشَّيء: إذا كَسَرته، واسمُ أبي وقَّاص: مَالِكُ بنُ أُهَيْب بن عَبد مَناف بن زُهرة بن كِلاب) (^٣)، وهكذا لبقية الصَّحابة، وليس لهذا نظير فيما وصلنا من شرح مسلم.
* يستشهد الابن - أحيانا - بأقوال والده ومذهبه في بعض القضايا، كقوله: (وَذَكَر إمَامُنا الوَالدُ في هذه اللفظة وَجهًا آخرَ اسْتَحسَنه) (^٤)، ولم نجد إشارة من هذا القبيل في شرح مسلم.
_________________
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٧٢، وطبقات الشافعيين: ٥٩١.
(٢) ينظر: سير ١٩/ ١٠٣، أعلام النبلاء: ١٩/ ١٠٣، وسمي الحافظ لأنه كان يحفظ ثياب حمام بالكرخ.
(٣) شرح صحيح البخاري (٢/ ٨٧).
(٤) شرح صحيح البخاري (٢/ ٣٧).
[ ٣١ ]
* من خلال ما نقله النووي مما أملاه الابن نلحظ أنَّه يستعمل ضمائر المتكلم: (لم نعثر، ولستُ، ذَكَرنَاه، ولَكِنَّا لَا نَتَمَسَّك، وَقَعَ لِي مَعنًى مَلِيحٌ)، كما نجده يناقش ويتعقب ويستدرك، وذلك كله دال على عنفوان الشباب، لا نلمس مثله في أسلوب الأب الهادئ.
وبهذا نعلم أن ما بين أيدينا من شرح صحيح مسلم؛ كلُّه للإمام الحافظ قوام السنة، وهو نسَق واحد، ومنهج مطرد، لا يختلف أو يتخلَّف، وليس فيه شيء مما كتبه الابن، ولو كان لظهر من غير التباس.
* * *
[ ٣٢ ]