* * *
القدر الذي بين أيدينا من الكتاب؛ إنما هو الجزء الثاني الذي يبدأ من كتاب الزكاة، وقدر الله تعالى أن يُفقد الجزء الأول الذي هو مظِنَّة كثيرٍ من المعطيات حول هذا السِّفر؛ وبتقرير المؤلف نفسِه، إذ من المظنون أن يكون المؤلف قد وضع له مقدمة، يُبِين فيها عن منهجه، ودوافعِ تأليفه، وامتساسِ الحاجة إليه، وكذلك يكشف فيها عن الاسم الذي وضعه واختاره، كما جرت في مصنفاته الأخرى، كالحجة في بيان المحجة؛ والمغازي؛ والترغيب والترهيب، ودلائل النبوة وغيرها، وهو أثبت ما يُعتمَد عليه في إثبات أسماء التآليف وضبطها، لكن لا يتأتى لنا هذا بخصوص الكتاب؛ للسبب الذي ذكرناه.
وحتى إن رجعنا إلى هذه المصنفات التي طبعت من آثاره، فلا نجد أي إشارة تقربنا من هذا الكتاب الذي نحن بصدد دراسته، لكن ثمة مظانَّ أخرى؛ يمكن أن نستعين بها للتعرف على اسم الكتاب:
* أولا: المخطوطة: فقد كتب على الصفحة الأولى من الجزء المتوفر اسم الكتاب وهو: (التَّحرِيرُ فِي شَرحِ مُسلِم)، والأظهر - بعد مقارنة الخط - أن كاتبَ هذه اللوحة التي تحمل اسم الكتاب ومؤلفَه، هو نفسُه ناسخُ الكتاب، أقول هذا من باب الاحتراز فقط؛ من أن يكون كُتِب اسمه عليه لاحقا من باب الفهرسة والترتيب، فلا يكون ذا قيمة، خاصة في حالات المشاححة فيه والاختلاف في ضبطه.
[ ٢٢ ]
فإن كان الأمر على ما ذكرناه، فالناسخ نقل الاسم من الأصل الذي نسخ منه، فيجري عليه ما يجري على بقية الكتاب من حيث الصحةُ والثبوتُ، خاصة أن النسخة قُوبِلت على الأصل كما يظهر.
* ثانيا: التنصيص عليه عند غيره ممن وقف على الكتاب ونقل عنه: فقد ذكره باسمه ثلة من العلماء بعده؛ ممن وقع بين يديه؛ فاعتمده ونهل منه ورجع إليه، وكلهم متفقون على تسميته بـ: (التَّحرِيرِ في شَرحِ مُسلِم)، وأحيانا بزيادة لفظ: (صَحيح)، وأحيانا يذكرونه بـ: (التَّحرِيرِ) اختصارا، ونذكر منهم:
* الإمام النووي ﵀ (٦٧٦) هـ): فقد أكثر النقل عنه، وصرح باسم الكتاب في مواضع كثيرة، قال في كتاب الإيمان من شرح مسلم: (وَقالَ الإِمامُ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بنُ إِسماعِيلَ بن مُحَمَّدِ بن الفَضلِ التَّمِيمِي الأَصبَهَانِي الشَّافِعِي ﵀ في كِتابِه التَّحْرِيرِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِم الإيمانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَصدِيقُ) (^١).
وقال في المجموع: (وَقالَ التَّمِيمِي مِن أصحابنا فِي كِتَابِهِ التَّحريرِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ: مِنَ النَّاسِ مَن قالَ رَفعُ اليَدَينِ تَعَبُّدٌ لَا يُعقَلُ مَعناهُ) (^٢).
وكذا ذكره في مواضعَ من كتاب تهذيب الأسماء واللغات (^٣).
* الإمام تاج الدين الفاكهاني اللخمي ﵀ (٧٣٤ هـ): نقل عنه في كتابه: رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، وذكره بنفس الاسم، حيث قال - وهو يذكر أقوال العلماء في معنى: الله أكبر: (قال صاحِبُ التَّحرِيرِ فِي شَرحِ مُسلِمٍ:
_________________
(١) شرح صحيح مسلم: ١/ ١٤٦.
(٢) المجموع شرح المهذب: ٣/ ٣١٠.
(٣) ينظر: ٢/ ٢٩١ - ٣/ ١٣ - ٣/ ١٤ - ٣/ ١٥٨.
[ ٢٣ ]
هَذَا أَحْسَنُ الأَقوالِ؛ لِمَا فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعنَى) (^١).
* وأما من ترجم له من العلماء، فقد اكتفوا بذكر موضوعه: (شَرحُ صحيحِ مُسلِمٍ) دون تمييزه بالاسم المذكور، كما وقع عند الذّهبي (^٢)، وابنِ كثيرٍ (^٣)، والسيوطي (^٤)، والداودي (^٥)، والزركلي (^٦)، وغيرهم، ويبدو أن مصدرهم واحد، وهو ما نقله الذهبي عن أبي موسى المديني.
وعلى العموم؛ فهذا الكتاب قد استفاض ذكره باسم: التحرير في شرح مسلم، بلا خلاف في ذلك، ويكفي ما ذكرناه في إثباته وتعيينه.
وتسميته بالتحرير إشارة إلى منهجه في الكتاب، وهو تتبعُ الألفاظ وضبطُها، وإتقانُها روايةً ودرايةً، واستيفاءُ الكلام عنها؛ وتبيينُ وجوه الإشكال والغرابة فيها، فكان كتابًا جديرا بهذا المعنى، خليقًا بأن يرجع إليه كل من التبست عليه ألفاظ الحديث، ورام تحرير القول فيها.
واختار المؤلف لكتابه هذا الاسم، بعيدا عن السجع الذي نجده في أغلب التصانيف، خاصة ما تعلق منها بشروح دواوين السنة، والأمر راجع - في نظري - إلى أن المؤلف لم يكن ممن تستهويه هذه العناوين، وإن كان فعل ذلك في كتاب: (الحُجَّة فِي بَيانِ المَحَجَّة)، إلا أن بقية كتبه خِلوٌ من ذلك، يضاف إلى هذا واقع
_________________
(١) رياض الأفهام: ٢/ ١١٥.
(٢) تاريخ الإسلام: ١١/ ٦٢٣.
(٣) طبقات الشافعيين: ٥٩٢.
(٤) طبقات المفسرين: ٣٨.
(٥) طبقات المفسرين: ١/ ١١٥.
(٦) الأعلام: ١/ ٣٢٣.
[ ٢٤ ]
عصره؛ فإن الحركة العلمية حينها، لم تشهد، بعد هذا الانتشار الواسع لهذا الضرب من العناوين، كما حصل في بعض القرون المتأخرة، وإن وجد شيء من ذلك؛ حتى قبل عصره، كما نجد عند ابن عبد البر وغيره.
* * *
[ ٢٥ ]