كتاب التحرير ليس شرحا محضا بالمعنى الذي استقرت عليه الشروح بعد ذلك، وإنما هو نوعٌ مخصوصٌ من الشرح، مائل إلى شرح الغريب، والغريب - كما أسلفنا - من العلوم التي ظهرت في وقت مبكر، وكان له أعلامه ورجاله، سئل أحمد عن كلمة في حديث فقال: (اسأَلُوا أَصْحَابَ الغَرِيبِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَن أَتَكَلَّمَ فِي قَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّنِّ) (^١).
وهو كما عرفه ابن الصلاح: (عِبَارَةٌ عَمَّا وَقَعَ فِي مُتُونِ الأَحَادِيثِ مِنَ الأَلْفَاظِ الغَامِضَةِ البَعِيدَةِ مِنَ الفَهم، لِقلَّةِ استعمالها) (^٢)، وعرفه السخاوي بنحوه فقال: (مَا يَحْفَى مَعْنَاهُ مِنَ المُتُونِ؛ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ وَدَورَانِهِ، بِحَيثُ يَبعُد فَهمُهُ، وَلَا يَظهَرُ إِلَّا بِالتَّنقِيرِ عَنهُ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ) (^٣).
فعِلْم الغريب إذن لا يُعنَى بشرح المتون، بل بما وقع فيها من الألفاظ الغامضة، مما يقل دورانه واستعماله، وهذا في الغالب الأعم، وإلا فالأمر نسبي في بعض الألفاظ، فقد نجد في كتب الغريب إعراضا عن بعضها لوضوحها عند المؤلف أو في زمانه ومكانه، وفي المقابل قد يعمد إلى تفسير ألفاظ يظهر له أنها
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح: ص ٢٧٢.
(٢) نفس المصدر.
(٣) فتح المغيث لشرح ألفية الحديث: ٤/ ٢٤.
[ ٦٦ ]
تحتاج إلى ذلك، وهي واضحة جلية عند غيره، وهو من النادر القليل.
والإمام الأصبهاني في كتابه التحرير حاول -ما أمكنه ذلك- الجمع بين شرح غريب الحديث وحل ما استغلق من ألفاظه، وبين شرح المتون وبيان فقهها وأحكامها، فزاوج بهذا بين الأمرين، واستحق أن يكون شرحًا بالمعنيين.
* شرح الغريب: منهج المؤلف في الكتاب أن يتتبع أحاديث صحيح مسلم فيبين غريبها، ويكشف غوامضها، مستعينا في ذلك بأهل اللغة والغريب، وبالروايات والأشعار، وبالنصوص والآيات، مع تفصيل دقيق، وتحقيق متين، وضبط عميق، يدل على علو الكعب في اللغة والحديث والفقه.
* استخراج الأحكام: يحرص المؤلف على بيان الفقه والأحكام، وذكر الفوائد والمعاني التي يتضمنها الحديث، فمنه ما يجعله آخر الشرح، ومنه ما يُذكر مع بيان الغريب، ويحرص كذلك على صياغته بأسلوب قريب ومختصر، وعادة ما يصدره بقوله: (وَفِيهِ دَلَالَةٌ)، أو: (وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقهِ)، أو: (وَفِيهِ)، ونحو ذلك.
* تقطيع الأحاديث: لا يورد المؤلف الحديث كاملا، وإنما يورد مواضعَ الشرح والشاهدَ منه، ويشير إلى الحديث المعني - بعد ترجمة الباب - إما بذكر مطلعه، كقوله: (حَدِيثُ: يَخْرُجُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبيرٌ)، أو بذكر راويه، كقوله: (وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ) ونحو ذلك، أو تسميته بما يعرف به، كقوله: (وَفِي حَدِيثِ الوِصَالِ)، وأحيانا قليلة يشرع في ذكر الغريب دون تعيين.
* التتبع والاستقراء: يتتبع المؤلف الألفاظ المفردة في مختلف الاستعمالات
[ ٦٧ ]
والوجوه، ويذكر اشتقاقاتها، ويوظفها في سياقات وتعبيرات أخرى، ويذكر نظائرها في الآثار والأشعار والأمثال.
* ذكر الروايات: يستعين المؤلف في الشرح والبيان، بالروايات إن وجدت، ويقارن بينها، ويوجه معانيها، وما بينها من الاختلاف، ويذكر المحفوظ والشاذ منها، وما في الصحيح منها وما في خارجه، ويشير أيضا إلى اختلاف النسخ.
* ترتيب ألفاظ الغريب: لم يراع ترتيب الألفاظ في الحديث، بل يمكن أن يبين غريب آخر الحديث، ثم يرجع إلى غريب أوله أو وسطه، وكذلك في ترتيب أحاديث الباب، وهذا الذي ذكرناه ليس غالبا.
* الاستطراد: أودع المؤلف في كتابه نكتا علمية ولغوية نفيسة، وقصصا من الأدب والتاريخ والسيرة وغيرها، فإنه أحيانا يتوسع في شرح بيت من الشعر وذكر مناسبته، أو ينبه على فائدة لغوية أو نحوية اقتضاها المقام (^١)، أو يتعمق في مناقشة مسألة فقهية أو عقدية، وكل ذلك يجعل القارئ منجذبا إليه، من غير ملل أو ضجر.
* التقديم والتوطئة في بداية الكتب الكبرى؛ ككتاب الزكاة والصيام والحج والنكاح والجهاد وغيرها، يمهد المؤلف بتوطئة أو فصل يبسط فيها الكلام عن موضوع الكتاب، وأهم مسائله قبل الشروع في شرح أحاديثه.
* الإسناد: أورد أحاديث قليلة بإسناده، وهي:
_________________
(١) كقوله: (قيل: حبَّ أصله حَبُبَ، ولم يأت عن العرب فَعُل مضعَّفًا إلا في أربعة أحرف: حَبُبتَ ولَبُبتَ وشَرُرتَ ودَمُمتَ)، وغيره هذا كثير.
[ ٦٨ ]
* حديث طلب الولاية في الزكاة؛ رواه عن أبي نصر السراج.
* حديث: (إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)، عنه أيضا.
* حديث كريب في اختلاف المطالع، عنه أيضا.
* حديث ابن عباس في رؤية الهلال: (إِنّ الله أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ)، عنه أيضا.
* حديث: (انْتَدَبَ اللهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبِيلِه)، في فضل الجهاد، رواه عن أحمد الفقيه.
* حديث ابن مسعود: (أَرْوَاحُهُم كَطَيرٍ خُضر)، في فضل القتال، وهو أيضا عن محمد بن أحمد الفقيه.
* حديث أم زرع رواه عن محمد بن ثابت بن الحسن، وكذلك عن عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني.
* حديث ابن عباس: (أَوَّل مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ)، رواه عن أبي المظفر السمعاني.
* حديث الإفك، من طريقين: عن أبي سهل بن أبي القاسم الدشتي بنيسابور، وكذلك عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي ببغداد.
ملحوظة: من يطالع كتاب التحرير يجد تقديما وتأخيرا في بعض الأحاديث، وأحيانا يُتم شرح غريب في الباب بعده، وكأن المؤلف يرجع ليبين ما أغفله حين تذكره، ويتأكد هذا إذا استحضرنا أن هذا الشرح كان إملاء ولم يكن تأليفا.
[ ٦٩ ]