* * *
تنوعت شروح صحيح مسلم، ولعل أشهرها شرح الإمام النووي، وقبله شرح المازري والقاضي عياض، وشرح القرطبي، وغيرها، وأرى أنه من غير المناسب أن نقارن كتاب التحرير بالمعلم وإكماله، وحتى بالمفهم للقرطبي، نظرا لاختلاف المسلكين، فالأول يعنى بالغريب أساسا، والأخرى تعنى بفقه الحديث وما تعلق به من مختلف العلوم.
وكذلك لا يناسب أن نقارنه بشرح الإمام النووي، ومن جاء بعده، لطول العهد وفارق الزمن، ما يجعل المتأخر أكثر استيعابا، بالإضافة إلى طبيعة الشرح، فهو بالمعنى الأوسع، لا بمعنى الغريب.
وتبقى المقارنة الأقرب للإنصاف أن نقارن بين التحرير للأصبهاني (٥٣٥ هـ)، والمفهم للفارسي (٥٢٩ هـ)، لاتحاد الموضوع والمسلك والزمن:
١ - الاسم:: لا أحد منهما نص في اسم الكتاب على موضوع الغريب، لكنهما وظفا مفردات دالة على البيان والإفهام التحرير في شرح/ المفهم لـ).
٢ - التراجم والأبواب: يتوفر كتاب التحرير على تراجم الكتب والأبواب، وليس في المفهم إلا تراجم الكتب، وبعض الأبواب التي هي جنسها، ويلحظ شيء من التوافق في صياغة الكتب، باستعمال (مِنْ) التبعيضية المسبوقة بواو الاستئناف.
[ ٩٥ ]
٣ - الاستيعاب لأحاديث الصحيح: لم يشترط أحد منهما استيعاب كل أحاديث صحيح مسلم، لكن يظهر أن صاحب التحرير أكثر استيعابا، لأن عدد الأحاديث التي شرحها -فقط- في الجزء الذي وصلنا فقط هو ٩٤٦ حديثًا، مع أن فيه سقطا في أثنائه وآخره، بالإضافة إلى الجزء الأول المفقود، وأما صاحب المفهم فجملة ما شرحه من الصحيح ١١٠٧ أحاديث.
٤ - المنهج المتبع في الشرح: ثمة فرق ظاهر بين الكتابين، فصاحب التحرير يشرح الغريب، ويعرج على الفقه والأحكام والفوائد والمعاني، وقد يطيل النفس في ذلك؛ خاصة في أبواب العبادات والمعاملات، وأما الفارسي فقد اقتصر على بيان الغريب بشكل مقتضب، ولا يكاد يتعرض للفقه والأحكام، إلا لماما.
وكذلك الفارسي يسوق الأحاديث بتمامها، أو قريبا من ذلك، ويكتفي الأصبهاني غالبا بذكر موضع الشاهد منها.
٥ - التقريرات العلمية: يتفق المؤلفان - إلى حد ما - في طريقة تناولهما للمسائل اللغوية، وإن كان صاحب التحرير أكثر تعمقا، وأما التقريرات الفقهية فتتعذر المقارنة لعدم اهتمام الفارسي بها، وإن كانا شافعيين مذهبا، أما التقريرات العقدية، فبينهما اختلاف واضح، تبعًا لاختلاف مذهبهما العقدي، فالأصبهاني على اعتقاد السلف، والفارسي على اعتقاد الأشاعرة.
وعلى العموم فمنهج الإمام الأصبهاني التوسع في اللغة والفقه والأحكام، بالإضافة إلى فوائد إعرابية وأدبية وعقدية ونحوها، حتى إن الحديث الواحد قد يستغرق بضع صفحات، وأما منهج الإمام الفارسي فالاقتصاد في ذلك، والتركيز
[ ٩٦ ]
على الغريب وما تعلق به من فوائد لغوية وبيانية وعقدية، كل ذلك بإيجاز واختصار، لا يتجاوز أوسعها شرحا نصف صفحة.
وأسوق هنا مثالا، حرصت أن يكون تناولهما له متقاربا:
التحرير في شرح مسلم المفهم لصحيح مسلم وفي حديث عائشة ﵂ (فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنْ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ ريحًا)، وفي رواية: (رِيحَ مَغَافِيرَ)، (تَوَاطَأتُ): أي اتفقت أنا وحفصة، وقوله: (مَا دَخَلَ)، ما زائدة و(المَغَافِير): صمغ يسيل من الشجر، قيل: من شجر العرفط، وهو حلو كالناطف، وله ريح منكرة، و(العُرفُط): من شجر العضاه، والعضاه كل شجر له شوك، والنحل يأكل منها، ومعنى: (جَرَسَت نَحلُهُ العُرْفُطَ) أي: أكلت من هذه الشجرة، ويقال للنحل جوارس.
وكان النبي ﷺ يكره أن يوجد منه رائحة شيء من الأطعمة والأشربة، وكان يتوقاها لأجل الملَك، وفي وفي حديث عائشة: تخبر أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش؛ فيشرب عِندها عسلًا. قالت: (فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافِير) وهو جمع مغفور؛ وهو مثل صمغ يخرج من الرمث؛ حلوٌ يؤكل وله رائحةٌ، والمغثور لغةٌ فيه، وفي حديثها: أنها قالت: (قِيل لي: أهدت لزينب امرأةٌ مِن قوِمها عكةً من عسل)، أي إناءٌ فيه عسلٌ، وكان ﷺ يشتُّد عليه أن يقال له: يوجد منك ريح.
وفي الحديث: أنه لما دنا من سودة قالت: (يا رسول الله! أكلت، مغافِير؟ قال: (لا)، قالت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة
[ ٩٧ ]
التحرير في شرح مسلم المفهم لصحيح مسلم الحديث دليل على الاحتراس من مكائد النساء، ودليل أن النبي ﷺ كان يحب الحلواء والعسل، و(العُكَّة): الزق الصغير، وفي الحديث دليل أن غيرة النساء على أزواجهن جِبلة. عسل) قالت: جَرَسَت نَحلُهُ العُرْفُطَ)؛ أي: أكلت نحله والنحل: زنابير العسل، يقال: جرست النحل؛ لأنها إذا أكلت سمع لها صوتٌ، وأصل الجرس الصوت، و(العرفط): شجر من العِضاهِ يسيل منه المغفور شبه صمغ، وورقته بيضاء مدحرجةٌ.
[ ٩٨ ]