* * *
وأما القدر الذي شرحه محمدُ بنُ إسماعيلَ (الابن) من صحيح مسلم فقال الذَّهبي: (فَأَملَى فِي شَرحِ كلِّ وَاحِدٍ مِنهُما صَدْرًا صَالحًا) (^١)، والظاهر أنه كان يملي شرح الصحيحين جميعا، كأن له مجلسين يراوح بينهما، أحدهما لصحيح البخاري، والآخر لصحيح مسلم، ولو قدَّم أحدهما على الآخر لكان الأول تامًّا، أولم يكن قد شرع في الثاني.
فيحتمل أن يكون مبلغه من شرح الصحيحين واحدًا متقاربًا، وهو كتاب الإيمان، فإنه توفي قبل أن يستوفيَ الكلام عن الحديث الثامن والأربعين من صحيح البخاري.
ولعل هذا الافتراض غيرُ مسلم، وإن بدا منطقيا، فقد نقل النووي في تهذيب الأسماء واللغات نقلًا نفيسًا عن كتاب التحرير، وهو من كتاب الصلاة، وفيه نفَس الأصبهاني الابن تقعيدًا وأسلوبًا، وزاده النووي تأكيدا بأن صدَّره باسم صاحبه فقال: (وَقَالَ الإمَامُ أَبو عبدِ الله صَاحِبُ التَّحرِيرِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ: في آمين لغتان: فَتحُ الأَلِفِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وَالثَّانِيَةُ: بِالمَدِّ، وَهِيَ مَبنيّةٌ، قَالَ بَعضُهُم: بُنِيَت لِأَنَّها لَيسَت عَرَبِيَّة، أَو أَنَّها اسمُ فِعلٍ كَصَه ومَه، أَلَا تَرَى أَنَّ مَعنَاهَا: اللَّهُمَّ استَجِب، وَأَعطِنَا مَا سَأَلْنَاكَ، وَقَالُوا: إِنَّ مَجِيءَ آمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَت عَرَبِيَّة،
_________________
(١) تاريخ الإسلام: ١١/ ٦٢٣.
[ ٣٣ ]
إِذ لَيسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ فَاعِيلَ، فَأَمَّا آرَى فَلَيسَ بِفَاعِيل، بَل هُوَ عِندَ جَمَاعَةٍ: فَاعُول، وَعِندَ بَعضِهِم: فَاعَلَى، وَعِندَ بَعضِهِم: فَاعَى بِالنُّقْصَانِ، وَقَد قَالَ جَمَاعَةٌ إِنَّ آمِينَ - يَعنِي المَقصُورَة - لَمْ يَجِئ عَنِ العَرَب، وَالبَيتُ الَّذِي يُنشَدُ: آمِينَ فَزَادَ اللهُ مَا بَينَنَا بُعدًا؛ لَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا الوَجهِ، وَإِنَّمَا هُوَ: فَآمِينَ زَادَ اللهُ مَا بَينَنَا بُعدًا، قال: وَكَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ يُشَدِّدُونَ المِيمَ مِنهَا، وَهُوَ خَطَأٌ لَا وَجْهَ لَهُ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ التَّحرِيرِ) (^١).
والتنبيه على أخطاء العامة من أسلوب الابن فثبت بهذا؛ أن الإمام أبا عبد الله قد بلغ من شرح مسلم كتاب الصلاة، وربما أبعد منه، وهذا ملمح في غاية الأهمية، فإن فيه إشارة إلى تقديم مسلم على البخاري في الشرح والإملاء والحفاوة أيضا، وهو ما سار عليه أبوه بعدُ من التعظيم، فكان يُملي شرح مسلمٍ عند قبر ولده (^٢)، لما علم من مكانته عنده واحتفائه به، ولما فرغ منه أظهر الفرح بذلك، ودعا الناس كما أشرنا إليه قبل.
ولعل الباعث على إيثاره شرح مسلم، هو حاجة الناس إليه، فإنه لم يكن محلَّ عناية الشُّرَّاح من قبل، بخلاف صحيح البخاري؛ فقد، سبق إليه الإمام الخطابي (٣٨٨ هـ)، في أعلام الحديث، ولم يكن من جاء بعده بأقدرَ على معارضته، وهو سبب كافٍ لفتور العزائم عن مثله.
لذلك قال عبد الغافر الفارسي؛ مبينا قيمة شرح الإمام الخطابي، وكفايتَه عن غيره: (قَد سَبَقَ غَيْرَهُ فِي تَصَانِيفِه فِي عُلُومِ الحَدِيثِ، وَزَادَ عَلَى المُتَقَدِّمِينَ، وَأَتعَبَ مَن بَعدَهُ مِنَ اللَّاحِقِينَ، لِوُفُورِ مَعرِفَتِهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إِسنَادًا وَمَتنًا، وَتَمَامِ
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ١٣.
(٢) تذكرة الحفاظ: ٤/ ٥١.
[ ٣٤ ]
حَظِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ وَمَجَارِي طُرُقِهَا، وَاحتِظائِهِ مِنَ الفِقهِ وَالأُصُولِ بِأَوفَرِ نَصِيبٍ، وَاحْتِصَاصِهِ مِنَ التَّأْلِيفِ وَالتَّصْنِيفِ بِأَعجَبِ عَجِيبٍ) (^١).
بل حتى إمامنا الأصبهاني؛ لم يخرج عن قاعدة الفارسي: (أَتعَبَ مَن بَعدَهُ مِنَ اللّاحِقِين)، فإنه وإن اقتحم العقبة؛ وعزم على شرح البخاري، إلا أنه أشار في مقدمته، إلى شيء مما ذكره الفارسي فقال: (وَقَصدِي فِي ذَلِكَ تَجِنُّبُ مَا أَورَدَه الخَطَّابِي ﵀، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَد ذَكَرَ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الاختِصَارِ، فَأَبَسُطَ القَولَ فِيهِ، أَو يَكُونَ قَد ذَكرَ فِي حَدِيثٍ أَولَفظٍ وَجهًا، فَيَكُونُ عِندِي فِيهِ وجَهٌ آخَرَ فَأَذْكُرُه) (^٢)، ثم حقَّر من نفسه، وأعلى من شأن الإمام الخطابي، متمثِّلا قول جرير:
وابنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ … لَم يَستَطِع صَولَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ (^٣)
وإنما قال هذا حتى لا يظن ظان أن استدراكه عليه من حسد أو بغض، وختم كلمته عنه بقوله: (أَخَذْنَا مَا أَخَذْنَا عَنهُ وَعَن أَمَثَالِه، واتَّخَذْنَاهُم قُدوَةً فِيمَا نَتَعَاطَاهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، رَجَاءَ أَن نَدخُلَ فِي غِمَارِهِم وَنُعَدّ مِن أَصحَابِهِم، وَإِن لَم نُعَدَّ مِن خِيَارِهِم).
ولأجل هذا؛ اتجهت عناية العلماء في القرن السادس إلى شرح صحيح مسلم، لِمسيس الحاجة إليه، ولأنه لم يُطرق من قبل، وهو ما يفسر ظهور أربعةٍ من الشروح المهمة النفيسة في هذا القرن، وهي: المعلم للمازري (٥٣٦ هـ)، والمفهم للفارسي (٥٢٩ هـ)، والتحرير للأصبهاني (٥٣٥ هـ)، والإكمال للقاضي عياض (٥٤٤ هـ).
_________________
(١) المفهم لصحيح مسلم (١/ ٤٠١ - ٤٠٢) ط. أسفار.
(٢) شرح صحيح البخاري (٢/ ٨).
(٣) ديوان جرير: ١/ ١٢٨، وينظر: فحولة الشعراء: ص ٩، والعقد الفريد: ٢/ ٣٣٠.
[ ٣٥ ]