أنزل الله ﷾ كتابه العزيز ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وجعل نبيه الكريم ﷺ أفصح العرب لسانا، وأبلغهم بيانا، قال سبحانه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ولهذا فلا يمكن إدراك معاني الوحيين، ولا فهم مقاصد الشريعة، إلا بمعرفة اللغة العربية، قال الشاطبي ﵀: (فَإِذَا فَرَضْنَا مُبْتَدِئًا فِي فَهم العَرَبِيَّةِ فَهُوَ مُبْتَدِئٌ فِي فَهم الشَّرِيعَةِ، أَو مُتَوَسِّطًا؛ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ فِي فَهم الشَّرِيعَةِ وَالمُتَوَسِّطُ لَم يَبْلُغَ دَرَجَةَ النِّهَايَةِ، فَإِنِ انتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الغَايَةِ فِي العَرَبِيَّةِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ) (^١).
ولما كان الصحابة أهل عربية أصلا وانتسابا، وتحدثوها وفهموها فطرة وسليقة، وارتضعوا أنساقها وأوضاعها ووجوهها، كما ارتضعوا حليب أمهاتهم، فإنهم كانوا أسلم الناس فهما، وأعلم الخلق بمراد الله ومراد رسوله ﷺ، وكذلك التابعون، وحذاق الأئمة المجتهدون.
ولما اتسعت رقعة الإسلام، وبلغت دعوته المشرق والمغرب، ودخل في دين الله أفواج العجم، تفطن العلماء إلى ضرورة حفظ اللغة العربية وتقعيدها، لأنها بوابة الدين، وسياج الشريعة، فظهرت مصنفات الأئمة في مختلف جوانبها وعلومها، أبرزها كتب معاجم اللغة.
_________________
(١) الموافقات: ٥/ ٥٣.
[ ٥٢ ]
ومن هذه العلوم؛ علم غريب الحديث، فمنذ أواخر القرن الثاني الهجري، ظهرت جهود حثيثة لخدمة الشريعة من هذا الجانب، وقد نُسب التصنيف في ذلك لمجموعة من جهابذة اللغة، كالنضر بن شُمَيلٍ (٢٠٣ هـ)، وقُطرُب (٢٠٦ هـ)، وأبي عُبَيدة معمر بن المثنى (٢١٠ هـ)، وأبي زيد الأنصاري (٢١٥ هـ)، والأصمعي (٢١٦ هـ)، وغيرهم (^١).
غير أن عمدة هذا الفن، ومرجعَ اللاحقين بعدُ، هو كتاب: (غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ)، قال ابن قتيبة: (وَقَد كَانَ تعرُّفُ هَذَا وَأَشبَاهِه عَسِيرًا فِيمَا مَضَى عَلَى مَن طَلَبَه؛ لِحَاجَتِهِ إِلَى أَن يَسأَلَ عَنْهُ أَهْلَ اللُّغَة؛ وَمَن يَكمُلُ مِنهُم؛ لِيُفَسِّرَ غَرِيبَ الحَدِيثَ، وَفَتْقُ مَعَانِيهِ وَإِظْهَارُ غَوَامِضِه قَلِيلٌ، فَأَمَّا زَمَانُنَا هَذَا، فَقَد كُفِي حَمَلَةُ الحَدِيثِ فِيهِ مُؤنَةَ التَّفْسِيرِ وَالبَحثِ، بِمَا أَلَفَهُ أَبُو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ) (^٢).
ثم نسج على منواله عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢٧٦ هـ)، متعقبا إياه، ومستدركا عليه، وسمى كتابه كذلك: (غريب الحديث)، فكان على شاكلته منزلة وعلما.
ولما طبقت شهرة الكتابين الآفاق، وانتشرا في بلاد الأندلس، انتدب الإمام السرقسطي العوفي (٣٠٢ هـ) نفسه للتذييل عليهما، واستدراك ما فاتهما، وسماه (الدلائل في غريب الحديث)، قال أبو الربيع بن سالم: (وَمِن تَآلِيفِ بِلَادِنَا كِتَابُ الدَّلائِلِ فِي الغَرِيبِ، مِمَّا لَم يَذكُرهُ أَبو عُبَيدٍ وَلَا ابن قُتيبَةَ) (^٣).
_________________
(١) ينظر: حركة التأليف في غريب الحديث، ضمن كتاب منهج ابن الأثير في النهاية: ص ٦.
(٢) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ١٥٠.
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٥٦٣.
[ ٥٣ ]
وقبل تمام القرن الرابع الهجري ظهر كتابان نفيسان، لا يستغنى عنهما بمن سبقهما، بل يرومان إتمام مسيرة الاستدراك والإكمال والتجويد، أولهما: (غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)، الذي تتبع كتابي أبي عبيد وابن قتيبة، وشرح ما فاتهما.
وثانيهما: (كتاب الغريبين في القرآن والحديث) لأبي عبيد أحمد بن محمد العبدي الهَرَوِيّ (٤٠١ هـ)، ورام فيه جمع ما في الكتب السابقة وزيادة، ورتبه على ترتيب المعجم، ولم يسبق إلى ذلك.
وظل كتاب الغريبين في القرن الخامس الهجري وما بعده، عمدة هذا الفن ومنتهى هذا العلم، ومادة المصنفين والدارسين وعلى منواله صنف الإمام الزمخشري (٤٣٨ هـ) كتابه الفائق)، وعمد أبو موسى المديني (^١) (٥٨١ هـ) إلى تتبعه واستدراك ما فاته في كتابه: (المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث).
وكذا فعل أبو الفرج بن الجوزي (٥٩٧) هـ)، فقد قصد بكتابه: (غريب الحديث) الاستدراك على الغريبين، قال في مقدمته: (وَرَأَيْتُهُ قَد أَخَلَّ بِأَشْيَاءَ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ لَيسَت بِغَرِيبَةٍ، فَلَا تَحتَاجُ إِلَى تَفسِيرٍ، فَرَأَيْتُ أَن أَبذُلَ الوُسعَ فِي جَمعِ جَمِيعِ غَرِيبٍ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصحَابِهِ وَتَابِعِيهم) (^٢).
وهكذا استمرت حركة التصنيف والإفادة والاستدراك، إلى أن جاء ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ)، فألف كتابه: (النهاية في غريب الحديث)، وهو كتاب
_________________
(١) وهو التلميذ المقرب لقوام السنة.
(٢) غريب الحديث له: ١/ ٤.
[ ٥٤ ]
له من اسمه أوفر نصيب، فحاول أن يجمع ما تفرق في ما سبق، وترسَّم خطى أبي عبيد في الغريبين، وأبي موسى في المجموع المغيث.
وبموازاة مع حركة التصنيف في الغريب، اهتم الفقهاء من علماء الإسلام بشرح دواوين السنة، وبيان ما انطوت عليه من العقائد والفقه والأحكام، وكانت كتب الغريب بالنسبة لهم كالمفاتيح، إذ لم يتوقفوا عند امتلاكها، واطلاعهم عليها، وسماعها، وروايتها بل استثمروها، واستثمروا غيرها من القواعد والأصول وعلوم الآلة، فصنفوا في الفقه والتفسير والعقيدة والحديث.
وأول من صنف في شرح كتاب مخصوص من كتب السنة الستة، هو الإمام أبو سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)، بكتابين نفيسين، وهما: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ومعالم السنن في شرح سنن أبي دواد.
ثم ألف أبو جعفر أحمد الداودي التلمساني (٤٠٢ هـ)، كتاب النصيحة في شرح صحيح البخاري، وهو في حكم المفقود، وفي نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجريين، ظهرت لأول مرة شروح صحيح الإمام مسلم.
ومن بين هذه الشروح كتاب: (التحرير في شَرحِ مُسلِم)، وهو شرح حاول فيه صاحبه - الذي كان إماما في اللغة والفقه - أن يسلك المسلكين معا، وأن يجمع في كتابه بين تفسير الغريب وفقه الحديث، وبين الغريبين لأبي عبيد، ومعالم الخطابي، إذ جعلهما من أهم مصادره في الكتاب.
فالإمام الأصبهاني أراد بكتابه هذا؛ أن يسهم في الحركة العلمية، بالتصنيف على هذا الوجه المخصوص، الذي لم يسبقه إليه أحد من شراح مسلم،
[ ٥٥ ]
وهو الجمع بين الفنين، على نحو من الابتكار والإبداع، فإنه كلما تقدم الزمن بالتأليف؛ قل الاستدراك في المادة العلمية، واتجه أكثرَ إلى الترتيب والتنظيم وحسن التصنيف.
وحتى نتعرف أكثر على هذا الكتاب، نخصص الفصل الموالي - من هذه الدراسة - للحديث عن منهج المؤلف في كتاب التحرير.
* * *
[ ٥٦ ]