صحيح مسلم؛ من المصنفات الحديثية المتقنة الصنعة، والمحكمة الترتيب، قال الزركشي ﵀: (اختَصَّ مُسلِمٌ بِأَنَّهُ أَحسَنُ الْأَحَادِيثِ مَسَاقًا، وَأَكمَلُ سِيَاقًا، وَأَقَلُّ تَكرَارًا، وَأَتَقَنُ اعْتِبَارًا، بِجَمعِهِ طُرُقَ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ إِسْنَادًا وَمَتنًا، فَيَذكُرُ المُجمَلَ ثُمَّ المُبَيِّنَ لَهُ، وَالمُشكِلَ ثُمَّ المُوَضِّحَ لَهُ، وَالمَنسُوخَ ثُمَّ النَّاسِخَ لَهُ، فَيَسهُلُ عَلَى الطَّالِبِ النَّظَرُ فِي وُجُوهِهِ) (^١)، وهذ الذي حدا ببعض العلماء إلى تقديم مسلم على غيره.
ذلك ومع وقع اختلاف شديد، واضطراب كثير في تبويبات مسلم، وهذا الاختلاف إنما يتعلق بصياغتها ووضع تراجمها وإلا فإن مسلما قد رتب صحيحه، وصنعه على هيئة التبويب، ولكنه لم يضع تراجمه، لذلك قال ابن الصلاح ﵀: (إِنَّ مُسلِمًا ﵀ وَإِيَّانَا رَتَّبَ كِتَابَهُ عَلَى الْأَبْوَابِ، فَهُوَ مُبَوَّبٌ فِي الحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذكُر فِيهِ تَرَاجِمَ الأَبْوَابِ، لِئَلَّا يَزدَادَ بِهَا حَجمُ الكِتَابِ، أو لِغَيرِ ذَلِكَ) (^٢).
_________________
(١) النكت على مقدمة ابن الصلاح: ١/ ١٦٧.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ص ١٠٣.
[ ٥٩ ]
فمن ترجم إذن أبواب مسلم؟ قال النووي ﵀: (وَقَد تَرجَمَ جَمَاعَةٌ أَبْوَابَهُ بِتَرَاجِمَ بَعضُهَا جَيِّدٌ، وَبَعضُهَا لَيسَ بِجَيِّدٍ، إِمَّا لِقُصُورٍ فِي عِبَارَةِ التَّرجَمَةِ، وَإِمَّا لِرَكَاكَةِ لَفظِهَا، وَإِمَّا لِغَيرِ ذَلِكَ)، فيكون جماع المسألة أن مسلما ﵀ هبوب صحيحه من غير تراجم، فاجتهد الرواة والشراح والنساخ في صنعها منذ زمن المؤلف، إلى أن استقرت عند النووي، ولعل الباعث على إهمالها، ليس مجرد الخوف من التطويل، بل لعله كره إقحام فقهه وآرائه في الصحيح لأن التراجم لا تكاد تنفك عن فقه، واضعها، ولسبب آخر نشير إليه بعد، فترَك ذلك للناس.
ولو شئنا أن نعقد مقارنة بين تبويبات صاحب التحرير وغيره، كالفارسي في المفهم والقاضي في الإكمال والقرطبي في المفهم، والنووي في المنهاج (^١)، فإننا لا نكاد نجد توافقا في صياغة التراجم، لكن نسجل ما يلي:
١ - باستثناء عبد الغافر الفارسي الذي اكتفى بالكتب دون الأبواب، فإن صاحب التحرير أقل هؤلاء في عدد الأبواب، والقرطبي أقربهم إليه، ويمكن ملاحظة ذلك في الجدول الآتي، الذي أدرجت فيه بعض الكتب من باب التمثيل:
_________________
(١) اعتمدت في هذه المقارنة، طبعة فؤاد عبد الباقي لصحيح مسلم، وطبعة يحي إسماعيل لإكمال المعلم، عن دار الوفاء مصر، وطبعة محي الدين مستو وآخرين لمفهم القرطبي عن دار ابن كثير دمشق، وطبعة مشهور الحرازي لمفهم الفارسي، عن دار أسفار (وفقها الله)، الكويت، وطبعة مازن السرساوي لمنهاج النووي؛ عن دار المنهاج القويم؛ سوريا.
[ ٦٠ ]
الكتاب التحرير للأصبهاني صحيح مسلم المفهم للفارسي الإكمال لعياض المفهم للقرطبي المنهاج للنووي الزكاة ٢٨ ٥٥ - ٥٥ ٣٠ ٣٤ الصيام ٢٨ ٤٤ - ٤٤ ٢٩ ٣٤ الحج ٦٠ ٩٧ - ٩٧ ٦٣ ٩٤ الجهاد ٧٥ ١٠٧ - ١٠٧ ٧٤ ١٠٠
ملحوظة دمج المؤلف بين كتابي الصوم والاعتكاف، وكذلك بين الجهاد والإمارة، وفصل بينها الباقون، وقد راعيت ذلك في العد، حتى تكون المقارنة أكثر تعبيرا.
٢ - من نتائج هذه المقارنة أن النووي ﵀، اعتمد بشكل كامل على ما ورد في تبويب القاضي عياض ﵀، وعمد إلى الاستغناء عن بعضها، ودمج بعضها، في بعض، وإعادة صياغة بعضها، وأما تبويبات الأصبهاني والقرطبي، فمختلفة تماما فيما بينها، وكذلك بمقارنتها مع تبويبات غيرهما، إلا من حيث الإجمالُ والعموم.
٣ - في صياغة تراجم الكتب والأبواب: عند صاحب التحرير ما يوافق إلى حد كبير ما عند الفارسي في المفهم، فتُسبق عندهما -غالبا- بـ (مِنْ) التبعيضية، وقبلها الواو الدالة على الاستئناف، وأحيانا قليلة تتخلف هذه القاعدة، إما بإهمال الواو أو بإهمالهما معا، وهي عند الأصبهاني وفق ما يلي (^١):
_________________
(١) لا نستطيع عقد مقارنة إحصائية دقيقة، بسبب عدم اكتمال كتاب التحرير، فلا يمكن التخمين بعدد الكتب السابقة وبطبيعة تراجمها.
[ ٦١ ]
ومن كتاب كذا … من كتاب كذا … كتاب كذا … مجموع الكتب
١٩ كتابا … كتابان اثنان … ٧ كتب … ٢٨ كتابا
وعندهما أيضا ورد التبويب بـ (حديث كذا): عند الأصبهاني في ثلاثة مواضع، وهي الأحاديث الطوال: (ذكر حديث أم زرع -ومن باب حديث الغار- ومن باب حديث الإفك)، وعند الفارسي في موضعين: حديث أم زرع، وحديث الإفك.
* مناقشة:
١ - اختلاف التراجم عند هؤلاء الأئمة؛ دليل على أن الإمام مسلما ﵀ لم يبوب، وإنما ترك ذلك لما سنذكره لاحقا، فبوب العلماء بعده للتقريب والتيسير على الناس.
٢ - الإمام مسلم ﵀ عمد إلى ترتيب صحيحه ترتيبا يراعي جمع الأسانيد المختلفة للحديث الواحد، أكثر من مراعاة الوحدة الموضوعية، وبصيغة مختلفة: مراعاة الأسانيد بذكرها في مكان واحد دون تكرار؛ يضعف وحدة الموضوع، ويجعل ترتيبه على الفقه والأحكام أمرا في غاية الصعوبة، وإلى هذا ألمح الدكتور نور الدين عتر؛ حيث قال: (وَذَلِكَ أَنَّ مُسلِمًا لَم يَقصِد فِقهُ الحَدِيثِ، بَل قَصَدَ لإِبْرَازِ الفَوَائِدِ الإِسْنَادِيَّةِ فِي كِتَابِهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَروِي الحَدِيثَ فِي أَنسَبِ المَواضِعِ بِهِ، وَيَجْمَعُ طُرُقَهُ وَأَسَانِيدَهُ فِي ذَلِكَ الموضع) (^١).
وإنما كرر البخاري ﵀ الأحاديث؛ إيثارا منه للترتيب الفقهي، فأمكنه
_________________
(١) منهج النقد في علوم الحديث: ص ٢٥٤.
[ ٦٢ ]
بذلك أن يترجم الأبواب، وكذلك فعل، فإذا اتضح هذا المعنى، ظهرت عبقرية الإمام مسلم الفذة، وحكمته البالغة في عدم التبويب، وأن من رام ذلك وقع في تكلف لمخالفته طبيعة الترتيب الذي وضعه صاحبه، ولهذا قال السيوطي ﵀: (وَكَانَ الصَّوَابُ تَركُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا تَجِدُ النُّسَخَ القَدِيمَةَ لَيسَ فِيهَا أَبَوَابُ البَتَّةَ) (^١).
وحتى عندما اجتهد العلماء في تبويبه، تيسيرا على طالب الفقه، لم تكن تلك سهلة يسيرة، فشاب المحاولات الأولى شيء من التكلف، والقصور، والتكرار ونحو ذلك، ما اضطرهم أحيانا إلى التقديم والتأخير، كما اعترف بذلك الإمام القرطبي، وهو من العلماء الذين خدموا صحيح مسلم، وأسهموا في الترجمة لأبوابه، قال ﵀: (وربما قدَّمت بعض الأحاديث وأخَّرتُ حيثما إليه اضطررت؛ حرصًا على ضمّ الشيء لمشاكله؛ وتقريبًا له على مُتَناوله) (^٢).
ولعل تبويبات التحرير في شرح مسلم، من الاجتهادات الأولى في هذا الاتجاه، سواء كانت من المؤلف، أو كانت منقولة من نسخ وروايات سابقة، وهي تراجم تتسم -في عمومها- بما يلي:
* صياغتها بألفاظ قريبة، تبين عن معاني الأحاديث الواردة تحتها بشكل جد مبسط، كقوله مثلا: باب مقدار ما تجب فيه الزكاة باب الدعاء لصاحب الطعام .. ونحو ذلك، وهو الغالب على تراجمه.
* بعضها يحمل أحكاما تكليفية ظاهرة، كقوله: باب كراهية الإمارة لمن سألها باب النهي عن الحلف بغير الله باب تحريم بيع الخمر باب إباحة النظر
_________________
(١) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: ص ٧٥.
(٢) المفهم ١/ ١٠٥.
[ ٦٣ ]
إلى المرأة قبل النكاح … ونحو ذلك.
* بعضها لا يفصح عن حكم تكليفي، كقوله: باب ما جاء في الاغتسال للمحرم باب القبلة للصائم باب العدوى والطيرة، ونحو ذلك.
* الترجمة أحيانا بنصوص الوحيين، كقوله: باب قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ باب: لا تسبوا الدهر باب: لا تقاطعوا ولا تدابروا باب: لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ونحو ذلك.
ويمكن أن ينتقد على هذه التراجم بالتالي:
* كون بعضها غير منسجم مع الكتاب، فيحتاج مزيد بيان دفعا للالتباس، كقوله في كتاب الزكاة: باب طلب الولاية، وفيه أيضا: باب الخوارج.
* التكرار في الترجمة، وحصل ذلك في قوله: باب الدجال، وفي موضع آخر: باب في ذكر الدجال.
* عدم مناسبة الترجمة لجميع أحاديث الباب، ويصعب الحسم في هذه النقطة، لأن المؤلف لم يستوعب كل الأحاديث بالشرح، لكن حصل ذلك في الكتب فقد وقع فيها شيء من الدمج، كدمج أكثر كتاب الطلاق في كتاب الرضاع، ودمج كتاب الذكر والتوبة والفتن في كتاب العلم، فجعلها واحدًا.
وعلى كل حال، فهذه التراجم تؤرخ لمسيرة التبويب التي بدأت منذ ألَّف الإمام مسلم كتابه، ورواه عنه الجم الغفير من العلماء والنقاد، فبذلوا أوقاتهم وأعمارهم لخدمته وتقريبه للناس، حتى استقر الأمر عند الإمام النووي، فنقح وعدل، وصنع هذه التراجم التي طبعت اليوم مع صحيح مسلم، وهي في الحقيقة
[ ٦٤ ]
ثمرة جهد مشترك، أسهم فيه ثلة من العلماء الكبار.
ولولا أن الأمر قد استقر، والتزمه الباحثون وطلبة العلم في التوثيق ونحو ذلك مما ذكرناه من عوائق ترجع إلى طبيعة الوضع الأول للكتاب، لقلنا إن صحيح مسلم يستحق جهدا أكبر، وعناية أبلغ بتراجمه وأبوابه، قال الشيخ شبير أحمد العثماني (^١)، وهو من العلماء المتأخرين الذي شرحوا صحيح مسلم: (وَالإِنصَافُ أَنَّهُ لَم يُتَرجَم إِلَى اليَوم بِمَا يَلِيقُ بِشَأنِ المُصَنَّفِ الجَلِيل، وَلَعَلَّ الله يُوَفِّقُ عَبْدًا مِن عِبَادِهِ لِمَا يُؤَدِّي حَقَّهُ) (^٢).