فهو الإمام الحافظ العلامة المتفنن، المتفق على جلالته وإمامته، اجتمعت فيه كل مقومات الرياسة والإمامة:
* العلم: قال تلميذه الإمام أبو سعد السمعاني: (وَكَانَ إِمَامًا فِي فُنُونِ العِلمِ: فِي التَّفسِيرِ وَالحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَبِ، حَافِظًا مُتقِنًا، كَبِيرَ الشَّأنِ، جَلِيلَ القَدرِ، عَارِفًا بِالمُتُونِ وَالأَسَانِيدِ، سَمِعَ الكَثِيرَ بِنَفْسِه وَنَسَخَ، وَوَهَبَ أَكْثَرَ أُصُولِهِ فِي آخِرِ عُمُرِه، وَأَمَلَى بِجَامِع أَصْبَهَانَ قَرِيبًا مِن ثَلَاثَةِ آلَافِ مَجْلِسٍ، وَكَانَ يَحضُرُ مَجْلِسَه
[ ٣٦ ]
جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّيوخِ وَالشُّبَّانِ وَيَكتُبُونَ …) (^١).
* قوة الحفظ والبديهة: قال أبو موسى: (أَمَلَى ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسِ مِائَةِ مَجْلِسٍ، وَكَانَ يُملِي عَلَى البَدِيهَة) (^٢).
* الزُّهْد والعفاف: قال أبو موسى المديني: (وَكَانَ نَزِهَ النَّفْسِ عَنِ المَطَامِعِ، لَا يَدخُلُ عَلَى السَّلَاطِينِ، وَلَا عَلَى مَنِ اتَّصلَ بِهِم، قَد أَخلَى دَارًا مِن مُلْكِهِ لأَهلِ العِلمِ مَعَ خِفَّةِ ذَاتِ يَدِهِ، وَلَو أَعطَاهُ الرَّجُلُ الدُّنْيَا بِأَسرِهَا لَم يَرتفع عِندَهُ) (^٣).
* التعبد والنسك كان ﵀ عابدا من العباد متنسكا مقبلا على مولاه بأنواع القربات والطاعات، قال أبو موسى: (سَمِعتُ مَن يَحكِي عَنْهُ فِي اليَومِ الَّذِي قَدِمَ بِوَلَدِهِ مَيِّتًا، وَجَلَسَ لِلتَّعزِيَةِ، أَنَّهُ جَدَّدَ الوُضُوءَ فِي ذَلِكَ اليَومِ مَرَّاتٍ نَحوَ الثَّلَاثِينَ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي رَكَعَتَينِ) (^٤).
وقال محمد بن عبد الواحد الدقاق: (كَانَ أَبُو القَاسِمِ عَدِيمَ النَّظِيرِ، لَا مِثلَ لَهُ فِي وَقتِهِ، كَانَ مِمَّن يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الصَّلَاحِ وَالرَّشَادِ) (^٥).
* الحكمة: ومن أجلى صور الحكمة عند العلماء جمال الطريقة والأسلوب، وقلة الكلام إلا فيما يفيد، وقد اتصف بهما الإمام أبو القاسم الأصبهاني ﵀، قال الحافظ يحيى بن منده: (كَانَ أَبُو القَاسِمِ حَسَنَ الاعْتِقَادِ،
_________________
(١) الأنساب للسمعاني (٣/ ٤٠٨).
(٢) المصدر السابق، (٢٠/ ٨٢).
(٣) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨٢).
(٤) المصدر السابق، (٢٠/ ٨٣).
(٥) المصدر السابق، (٢٠/ ٨٥).
[ ٣٧ ]
جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، قَلِيلَ الكَلَامِ، لَيسَ فِي وَقتِه مِثلُهُ) (^١).
وما زال العلماء يحتفون بما كتبه الأئمة الكبار، ممن استجمع هذه الصفات، ويقدمونه على غيره، لا لمجرد السمعة والمكانة الرمزية، بل لما يلزم من ذلك من جليل علمهم، وحسنِ فهمهم، وسلامةِ ما بثوه ونشروه في تضاعيف تصانيفهم، فهم أبعد عن الفهم السقيم، وأرفع عن الهوى والقول على الله بغير علم.