معلوم أن الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني، من كبار علماء أهل السنة في زمانه، ومعلوم دفاعه عن عقيدة السلف، وتقريره لها، وألف في ذلك كتابه الشهير (الحجة في بيان المحجة)، قال في مقدمته: (رَأَيتُ أَن أُملِيَ كِتَابًا فِي السُّنَّةِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَن قَصَدَ الاتِّبَاعَ وَجَانَبَ الإِبْتِدَاعَ، وَأُبَيِّنَ فِيهِ اعتِقَادَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَأَهلِ السُّنَّةِ فِي الأَمصَارِ، وَالرَّاسِخِينَ فِي العِلمِ فِي الأَقْطَارِ، لِيَلزَمَ المَرءُ اتِّبَاعَ الأَئِمَّةِ المَاضِينَ، وَيُجَانِبَ طَرِيقَة المُبْتَدِعِينَ) (^١).
ونعته تلميذه أبو موسى المديني بالسنة المثلى وطريقة السلف، والقول بما ورد من غير تكييف ولا تشبيه، ونقل عن الحافظ أبي زكريا ابن منده الأصبهاني قوله: (إِسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدٍ الحَافِظُ أَبو القَاسِم حَسَنُ الاعْتِقَادِ جَمِيلُ الطَّرِيقَةِ مَقبُولُ القَولِ، قَلِيلُ الكَلَامِ لَيْسَ فِي وَقتِه مِثْلُهُ) (^٢).
وكان ﵀ شديد الاحتياط في باب الاعتقاد، لا يخوض فيه بالجدل والتوسع في الكلام، ومما يدل على ذلك ما نقله الذهبي: (سُئِلَ أَبُو القَاسِمِ التّيمِيُّ ﵀: هَل يَجُوزُ أَن يُقَالَ: للهِ حَدٌّ، أَو لا؟ وَهَل جَرَى هَذَا الخِلَافُ فِي السَّلَفِ؟
فَأَجَابَ: هَذِهِ مَسأَلَةٌ أَسْتَعفِي مِنَ الجَوَابِ عَنهَا؛ لِغُمُوضِهَا، وَقِلَّةِ وُقُوفِي عَلَى غَرَضِ السَّائِلِ مِنْهَا، لَكِنِّي أُشِيرُ إِلَى بَعضٍ مَا بَلَغَنِي: تَكَلَّمَ أَهْلُ الحَقَائِقِ فِي تَفْسِيرِ الحَدِّ بِعِبَارَاتٍ مُختَلِفَةٍ، مَحصُولُهَا أَنَّ حَدَّ كُلِّ شَيءٍ مَوضِعُ بَينُونَتِهِ عَن غَيْرِهِ، فَإِن
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة: ١/ ٩٤.
(٢) طبقات الشافعيين: ص ٥٩٢.
[ ٨٤ ]
كَانَ غَرَضُ القَائِلِ: لَيسَ لِلَّهِ حَدٌّ: لَا يُحِيطُ عِلمُ الحَقَائِقِ بِهِ، فَهُوَ مُصِيبٌ، وَإِن كَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ: لَا يُحِيطُ عِلمُهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ، فَهُوَ ضَالٌّ، أَو كَانَ غَرَضُهُ: أَنَّ اللَّهَ بِذَاتِه فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَهُوَ أَيْضًا ضَالٌّ) (^١)، فبين أن مذهبه الذي يرتضيه لنفسه الإمساك عن الخوض في ذلك، ولما أجاب أجاب بما يقتضيه تنزيه الله ﷾.
وأما ما نسب إليه أنه كان يقول: (اللهُ يَنزِلُ بِذَاتِهِ) (^٢)، فلا أرى أنه يصح عنه، ولا يوافق منهجه في الصفات، وإن نُسب ذلك لبعض العلماء، قال الحافظ ابن عبد البر: (وَقَد قَالَت فِرقَةٌ مُنتَسِبَةٌ إِلَى السُّنَّةِ إِنَّهُ يَنزِلُ بِذَاتِهِ! وَهَذَا قَولٌ مَهجُورٌ) (^٣)، وإنما وقع، وإنما وقع ذلك ممن وقع منه؛ في سياق المحاججة والمناظرة وإرغام الخصم، ولم يكن الإمام الأصبهاني ممن يسلك هذا المسلك كما سيظهر في الأمثلة من كتاب التحرير.
ومما يدل على أن الأصبهاني لم يكن من أهل هذه المقالة، ما ذكره الإمام الذهبي عن ابن السمعاني في ترجمة الحافظ أبي مسعود كُوتَاه الأصبهاني، حيث قال: (لمَّا وردتُ أصبهانَ كانَ -يعني كوتاه- مَا يخرجُ من دارِه إِلَّا لحاجةٍ مهمّةٍ، كانَ شيخُه إسماعيلُ الحافظُ هجره، ومَنعه من حضورِ مجلسه لمَسأَلةٍ جرَت في النُّزولِ، وكان كوتاه يقولُ: النُّزولُ بالذَّات، فأنكَرَ إسماعيل هذا، وأمرَه بالرُّجوعِ عنه، فما فعل) (^٤).
وعند ابن السمعاني بسند أعلى، وعبارة أوضح: (فَإِنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٨٥.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة: ص ٤٦٩.
(٣) الاستذكار: ٢/ ٥٣٠.
(٤) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٣٣٠.
[ ٨٥ ]
فِي النُّزُولِ بِالذَّاتِ، وَالإِمَامُ إِسْمَاعِيلُ الحَافِظُ كَانَ يُنكِرُ عَلَيهِ وَيَقُولُ: إِنَّ السَّلَفَ مَا نُقِلَ عَنْهُم هَذَا) (^١).
وكان كذلك ينكر حديث: (ينزل بذاته) (^٢)، ويضعفه، كما نقل عنه ابن تيمية (^٣)، وكتاب الحجة في بيان المحجة للمؤلف، كتاب تناول فيه عقيدة أهل السنة، وتعرض لمسألة النزول دون إشارة لهذه المقالة، فكيف يذكر على قائمة القائلين بها؟ والعجيب أن صاحب رسالة: (جهود الإمام الحافظ أبي القاسم في تقرير العقيدة والرد على المخالفين) لم يشر إلى هذه المسألة نهائيا، لا بالنفي ولا بالإثبات.
فيظهر أن تلك المقالة نسبت إليه خطأ، أو فهم كلامه على غير وجهه، وإلا فهو كما علمنا شديد الاحتياط، قليل الكلام.
وكان ابنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، على ما كان عليه والده من حسن الاعتقاد، قال المديني وهو يرد على بعض من تكلم في الصفات: (فهلَّا عمِلَ كما عمِلَ الفَتى الإمامُ والهمامُ بنُ الهمَام أَبو عَبدِ الله مُحَمَّدُ بنُ أستاذِنا الإمامِ أبي القاسم إسماعيلَ بن مُحَمَّدٍ ﵁ حِينَ ذَكَرَ إمَرَارَ أحَادِيثِ الصِّفَاتِ على ظَاهِرِهَا، وتَركَ التَّأْوِيلِ والتَّكييف فيها)، ثم قال: (فإن سُئِلْنَا عَن ذَلِكَ يَومَ القِيَامَةِ، أَقْسَمنَا بِعَظَمَتِهِ إِنَّا كُنا لا نُحِيط عِلمًا بِأَمْثَالِ هَذَا الحَدِيثِ، فَوَكَلْنا عِلمَهُ إِلَى قَائِلِهِ ﷺ وَبَاعِثِهِ ﷿ (^٤).
_________________
(١) التحبير في المعجم الكبير: ١/ ٤٣٣.
(٢) روي عن طريق أنس في تاريخ أصبهان ٢/ ١٦٧، ينظر زهر الفردوس رقم: ٢٤٨، قال علي القاري في الأسرار المرفوعة رقم: ٢١: (مُحدِثُه دجال).
(٣) مجموع الفتاوى: ٥/ ٣٩٤.
(٤) صفات رب العالمين لابن المحب الصامت: ص ٢٧٩.
[ ٨٦ ]
وهذا الذي ذكرناه عن قوام السنة في باب الاعتقاد، خاصة في الصفات، هو ما سار عليه في كتاب التحرير، عند كلامه عن أحاديث الصفات، فإنه يمسك عن الخوض فيها بالعبارات المبتدعة، وينأى بنفسه عن تلك التقريرات الجدلية، التي توقع أحيانا في إطلاقات محدثة، فيكتفي ببيان وجوب الإيمان والتسليم بها، مع تمام التنزيه الله سبحانه، ومن أمثلة ذلك:
١ - حديث: (مَرِضْتُ وَلَم تَعُدْنِي): قال في شرحه: (فِي هَذَا مَرتَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِلمُؤمِنِ؛ إِذ جَعَلَ عِيَادَتَهُ كَعِيَادَةِ نَفْسِهِ تَعَالَى الرَّؤُوفُ عَن أَن يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ) (^١).
٢ - حديث: (فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ): قال فيه: (يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَيُترَكُ التَّعَرُّضَ لِتَأْوِيلِهِ) (^٢).
٣ - حديث: (يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ): قال فيه: (الضَّحِكُ فِي صِفَاتِ اللهِ ﷿ مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسلِيمُ لَهُ) (^٣).
٤ - حديث: (فَإِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)، قال فيه: (هَذَا مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالتَّأْوِيلِ المُستَكرَه) (^٤)، وقد ورد عن أبي موسى المديني أنه سمع الأصبهاني يقول: (أَخطَأَ ابن خُزَيمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ، ولَا يُطعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَل لَا يُؤْخَذُ عَنهُ هَذَا فَحَسب) (^٥).
_________________
(١) ص ٥٩٠ من هذا الكتاب (التحرير).
(٢) ص ١٤٣ من الكتاب.
(٣) ص ٤٥٣ من الكتاب.
(٤) ص ٥٩٨ من الكتاب.
(٥) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٨٨.
[ ٨٧ ]
٥ - وقال: (وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ ذِكرُ الفَرَح، وَهُوَ صِفَةٌ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَالتَّسلِيمُ لَهَا) (^١).
٦ - حديث: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ قَدَمَهُ): قال فيه: (هَذَا مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يُكَيَّف) (^٢).
وغيرها من الأحاديث الكثيرة، التي تُجرَى على اللائق بجلال الله، فسلك المؤلف في شرحها وبيانها مسلك الإيمان والإثبات من غير كيف.
كما تعرض المؤلف لمسائل عقدية أخرى تتعلق بالقدرية والدهرية والخوارج، وأعمال الجاهلية ونحوها، وأصَّل تأصيلاتٍ عميقةً عند حديث محاججة آدم لموسى، وفي أحاديث الشؤم والطيرة، وفي حديث الفطرة وغيرها، تنظر في محلها؛ حتى لا نطيل بها هنا.
_________________
(١) ص ٦٢٢ من هذا الكتاب (التحرير).
(٢) ص ٦٥٢ منه.
[ ٨٨ ]