خلد الله سبحانه ذكر هذا الكتاب، فلا يكاد يخلو شرح من شروح الصحيحين وغيرهما من تقريراته وفوائده.
وإذا كان منهاج الإمام النووي أجلَّ وأوعبَ الشروح، وأوسعَها انتشارا، وأكثرَها قبولا، فإنه لم يستغن عن كتاب التحرير، بل جعله - إلى جانب إكمال القاضي عياض - عمدة كتابه، فأكثر النقل عنه، والإحالة عليه.
وباستقراء شرح الإمام النووي، فإن نقولاته التي نص عليها، وأحال فيها على صاحب التحرير، تبلغ خمسة وخمسين نقلا وإحالة؛ حسب ما يلي:
* ستة وثلاثون نقلا من كتاب الإيمان.
[ ٤٠ ]
* نقل واحد من كتاب الطهارة.
* نقل واحد من كتاب اللباس.
* نقلان اثنان من كتاب الآداب.
* نقل واحد من كتاب السلام.
* أحد عشر نقلا من كتاب الفضائل.
* نقل واحد من كتاب البر والصلة.
* نقل واحد من كتاب التوبة.
* نقل واحد من كتاب صفة القيامة.
واحتج بكلام صاحب التحرير بعد النووي خلق كثير من الشراح والعلماء، منهم:
* الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٧٢٨ هـ)، في كتاب الإيمان (^١)، وكذلك في مجموع الفتاوى (^٢)، في مسألة إطلاق اسم المؤمن على السارق والزاني.
* الإمام تاج الدين الفاكهاني اللخمي المالكي (٧٣٤ هـ)؛ في كتابه: (رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام في بيان معنى: (الله أكبر) (^٣).
* الإمام الخازن أبو الحسن علي بن محمد الشيحي (٧٤١ هـ)، في تفسيره
_________________
(١) الإيمان الكبير: ص ٢٨٢.
(٢) مجموع الفتاوى: ٧/ ٣٥٩.
(٣) رياض الأفهام: ٢/ ١١٥.
[ ٤١ ]
عند حديثه عن خلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، فذكر ما أثبته صاحب التحرير من ذلك (^١).
* الإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (٧٤٣ هـ) في كتابه: شرح المشكاة المسمى (الكاشف عن حقائق السنن)، في أكثر من عشرة مواضع، وكذا حكى قوله في إثبات الرؤية في حاشيته على الكشاف (^٢).
* الإمام شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني (٧٨٦ هـ)، في كتابه (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) (^٣)، أورد رأيه الذي لم يوافق عليه، وهو استدلاله بقول النبي ﷺ: (أَوْ مُسلِمٌ) على نفي الإيمان عن فلان من المؤلفة قلوبهم، وفي بيان قوله في ﷺ له عن موسى: (جَعْدٌ)، وأنه يحتمل جعودة الشعر، وجعودة الجسم، وهي اكتنازه واجتماعه.
* الإمام شمس الدين بن المحب الصامت (٧٨٩ هـ)، في كتابه (صفات رب العالمين)، نقله عنه نقلين نفيسين، أحدهما عن دخول الملائكة للبيت الذي فيه تصاوير، والآخر عن حديث الخلق ونفخ الروح من باب القدر، أنقلهما بالحرف لاحقا.
* الإمام سراج الدين عمر بن علي بن الملقن (٨٠٤ هـ)، في كتابه: (التوضيح في شرح الجامع الصحيح) (^٤)، في معنى (المَعدُوم)، وفي معنى:
_________________
(١) تفسير الخازن: ٤/ ٢٠٧.
(٢) وهي المسماة: فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، ينظر: ١٥/ ٨٤.
(٣) ينظر: ١/ ١٣٠ - ١٤/ ١٥.
(٤) تنظر المسائل بالترتيب: ٢/ ٢٧٩ - ٣/ ٢٠٩ - ٣/ ٢١٢ - ٢٩ - ٥٦٦.
[ ٤٢ ]
(الوَفْد)، وضبطِ الراء في قوله: (غَير خَزَايَا)، وفي رواية: (الحَنِين) بالحاء المهملة، وفي بيان معنى الأمانة في الحديث، وكذا استشهد، بكلامه في كتابه: (المعين على تفهم الأربعين) (^١)، في تذكير وتأنيث (تملآن)، وفي بيان قوله: (الصَّدَقَةُ بُرهَانٌ).
* الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (٨٢٦ هـ)، في تتميمه: (طرح التثريب في شرح التقريب) (^٢): ذكره في موضعين، كلاهما صرح بنقلهما عن النووي، وهما: ضبط محل (الجَهد) من الإعراب، وفي ضبط كلمة (سَوْرَة) (^٣) بالراء أو بالدال.
* الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي (٨٣١ هـ)، في كتابه: (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح) (^٤): ذكره في مسألة نفي الإيمان عن الرجل من المؤلفة قلوبهم، وفي حكاية الوجهين في (عرَّس) و(أعرس).
* شهاب الدين أحمد بن حسين بن رسلان (٨٤٤ هـ)، في كتابه: (شرح سنن أبي داود) (^٥): في بيان معنى: (رَضِيتُ بالله)، وفي بيان معنى: (الجُرْم) نقلا عن النووي.
* الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، في كتابه:
_________________
(١) ينظر: ص ٢٧٨، ص ٢٨١.
(٢) ينظر: ٤/ ١٨٨ - ٧/ ٥٥.
(٣) طرح التثريب: ٧/ ٥٥.
(٤) ينظر: ١/ ١٩٥ - ١٤/ ٧٠.
(٥) ينظر: ٧/ ٣٤٨ - ١٨/ ١٢٣.
[ ٤٣ ]
(فتح الباري شرح صحيح البخاري) (^١): ذكر قوله في تعيين وفد عبد القيس، واستدرك عليه، وفي إثبات ركوب الأنبياء للبراق، وفي ضبط: (حَوتِيَّة)، وفي بيان معنى: (مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) في حديث الشفاعة، وفي مد (جَربَاء)، وفي بيان معني الأمانة في الحديث.
* الإمام بدر الدين محمود بن أحمد العيني (٨٥٥ هـ)، في كتابه: (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) (^٢): كذلك في إطلاق لفظ الإيمان، وفي معنى الوفد، وفي تعيين وفد عبد القيس، وفي تصحيف (سَوْرَة)، وفي معنى الجعد.
* الإمام جلال الدين عبد الرَّحمن بن أبي بكر السيوطي (٩١١ هـ)، ذكره في مواضع من كتبه، يطول إيرادها: في (الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج)، وفي (التطريف في التصحيف)، وفي (عقود الزبرجد)، وفي (التوشيح على الجامع الصحيح)، وكلها نقولات لا تخرج عما أسلفنا ذكره.
* الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني (٩٢٣ هـ)، في كتابه: (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (^٣): ذكره في تعيين وفد عبد القيس، وفي فعل (عرس) بالهمز، وفي بيان الأمانة، وفي قوله في تفسير: (العقال).
وهكذا تناقل العلماء - وغير من ذكرت كثير - تقريرات صاحب التحرير، وتلقوها بالقبول، وارتضوا اجتهاداته، وأنزلوها منزلة الأقوال والمذاهب المنقولة عن السلف الأولين.
_________________
(١) فتح الباري: ١/ ١٣٠ - ٧/ ٢٠٧ - ١٠/ ٢٨١ - ١١/ ٤٣٤ - ١١/ ٤٧٠ - ١٣/ ٤٠.
(٢) عمدة القاري: ١/ ١٩٤ - ١/ ٣٠٤ - ١/ ٣٠٨ - ١٣/ ١٣٨ - ١٥/ ٢٤٦.
(٣) إرشاد الساري: ٦/ ٤٣٠ - ٨/ ٢٥٨ - ٩/ ٢٧٥ - ١٠/ ٣٠٦.
[ ٤٤ ]
هل وقف كل هؤلاء العلماء على كتاب التحرير؟
استقرأت تلك النقول، وتتبعتها في المصادر التي ذكرت، ثم قارنتها بما نقله الإمام النووي؛ إذ هو أكثرهم وأسبقهم نقلا، فوجدت أن مدارها جميعا عليه في المنهاج، وكنت توهمت أن الإمام الفاكهاني، ممن تفرد بالنقل عنه، لكن تبين أنَّه نقل أيضا بواسطة النووي في شرح المهذب (^١).
ولم أجد أحدا زاد على ذلك شيئا، إلا نقلين نفيسين عند ابن المحب الصامت في صفات رب العالمين، فصح نقله عن الكتاب من غير واسطة، وذلك في موضعين:
* حديث نفخ الروح: ٢٦٤٤، فقد نقل عنه قوله: (ووجه الجمع بين خبر ابن مسعود وبين خبر حذيفة بن أسيد، أن التصوير يكون عند انقضاء ثنتين وأربعين ليلة، ونفخ الروح يكون بين انقضاء أربعة أشهر من وقت وقوع النطفة في الرحم) (^٢)، وهذا النقل من المواضع المفقودة من الكتاب.
* حديث دخول الملائكة للبيت الذي فيه تصاوير برقم: ٢١٠٧، فقد نقل عنه أن هذا خاص بملائكة الوحي، وأن الملكين الموكلين بالإنسان فيدخلان معه كل موضع، ثم قال: (حكاه إسماعيل التيمي في شرح مسلم) (^٣)، وهو نص ثابت في هذا الشرح بلفظه.
وعلى هذا يكون كتاب التحرير في شرح مسلم للإمام الأصبهاني، كتابا
_________________
(١) المجموع في شرح المهذب: ٣/ ٢٩٨، ويتعلق الأمر بنقله عنه في بيان معنى: (الله أكبر).
(٢) صفات رب العالمين: ٢٩٨.
(٣) صفات رب العالمين: ٣٤٣.
[ ٤٥ ]
عزيزا فريدا نادرا، لم يقف عليه - حسب هذا الاستقراء - إلا الإمام النووي، وابن المحب الصامت، ولم ينقل عنه غيرهما، حتى من عرف منهم بالتتبع والتحقيق كابن حجر ﵀، ومن عرف منهم بالإحاطة وتنوع الموارد كالسيوطي ﵀.
وحتى نَقلُ النووي عن الكتاب يطرح إشكالا كبيرا، فقد كثر عنده النقل في كتاب الإيمان، ثم قل وانعدم في بقيتها، إلا كتاب الفضائل فقد تعدد فيه النقل من جديد، فهل يكون الإمام النووي؛ إنما وقف على أجزاء متفرقة منه؟ أم الأمر راجع إلى منهجيته في النقل؟ لا نستطيع الجزم بشيء.