هو: محمدُ بنُ إسماعيل بن محمدٍ بن الفضلِ بن عليٍّ بن أحمدَ بن طاهرٍ الطَّلحِي التَّيمِي الأصبهاني، المكنى بأبي عبد الله، كان من العلماء البارزين النابغين، إماما في اللغة وسائر العلوم، وكان أبوه يفضله على نفسه في اللغة وجريان اللسان (^٢)، مات صغيرا وعمره ستٌّ وعشرون سنةً.
لم يحظ هذا الإمام النابغة بترجمة وافية تناسب منزلته العلمية السامقة، ولو جمع كل ما ورد عنه في كتب التراجم فلن يعدو صفحةً أو صفحتين يتيمتين على أقصى تقدير، فصارت أغلب تفاصيل حياته الشخصية والعلمية مجهولة، لا تسعفنا المصادر فيها بنقير ولا قطمير!!
وشُحّ المعلومات في تراجم كثير من الأعلام أمرٌ مشهورٌ معروفٌ، ونظائر هذا الإمام في تاريخنا الإسلامي كثيرة لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى، ومرد ذلك في الغالب إلى تفريط التلاميذ والأبناء في التأريخ لمشايخهم والتعريف بهم
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨٤).
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨٣).
[ ١٨ ]
وبتراثهم، وقد كان ذلك سببا في ضياع علوم غزيرة ومصنفات عزيزة.
بل إن هذا التفريط من التلاميذ أدى إلى اندثار مذاهب ومدارس فقهية كانت قبلُ قائمة بأصولها ومناهجها … وكلمة الشافعي في مذهب الليث ذائعة مشهورة: (اللَّيْثُ أَفَقَهُ مِن مَالِكِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَه لَم يَقُومُوا بِهِ) (^١).
ثم إن من الأسباب الظاهرة بخصوص ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد الأصبهاني - إضافة إلى ما تقدم - موته المبكر وهو في ريعان شبابه فلم يصل إلى عقده الثالث.
وكان موته بهمذان، ففجع به أبوه، واشتد حزنه عليه، قال في شرح البخاري ناعيًا إياه: (ذَهَبَ بِطَرَائِه، وَأَوجَعَ القُلُوبَ، وَأَدمَعَ العُيُونَ ﵀ رَحمَةً وَاسِعَةً، وَبَلَّغَهُ دَرَجَةً عَالِيَةً فِيه) (^٢)، ولِبِرِّه بابنه وحبه ووفائه له، أخذ على عاتقه إتمامَ ما كان شرع فيه، من إملاء شرح الصحيحين، فأتمَّ الله مراده، وبلَّغه قصدَه، ورُوِي عنه أنَّه كان يملي شرح مسلم عند قبر ولَدِه، ولما أتمَّه عمِل مأدُبة، وصنع حلاوةً كثيرةً شكرا لله على أن مد له في العمر، حتى أتم ما بدأه ولده الذي فُجع فيه (^٣).
ومع صغر سنه فقد، بلغ مقام العلماء الكبار، وصنَّف تصانيف كثيرة في هذا السن، وكان شديد البرِّ بأبيه، قويَّ العلاقة به، فقد تتلمذ عليه، وأخذ عنه شرح الصحيحين، قال في مقدمته لشرح البخاري: (فإنَّ سيِّدنا وإمامَنا الوَالِد أبا القَاسِم
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي: ١/ ٥٢٤.
(٢) شرح صحيح البخاري لقوام السنة الأصبهاني (٢/ ١١٣).
(٣) تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢.
[ ١٩ ]
حَرسَ الله تَعالى وآنَسَ بِبَقائِه رِبَاع العِلم نَبَّهَنِي عَلَى صُنُوفٍ مِنَ المُشكِلَاتِ، حَدانِي ذلكَ عَلَى أَن أَقرَأَ هَذَا الكِتَابَ … وأَستَفِيدَ مِنْهُ فَوَائِدَه) (^١).
وقال: (فَزَادَ فِيَّ هَذَا حِرصًا، وَحَمَلَنِي عَلَى أَن أَسْتَأْنِفَ قِرَاءَةَ الكِتَابِ، وَأَتَفَقَّدَ ظَوَاهِرَهُ بِاسْتِقصَاءِ مَا فِيهَا مِنَ المَعَانِي الدَّقِيقَةِ عَنِ الفَهِمِ، فَعَلتُ حَتَّى تَمَّ لِي قِرَاءَةُ هَذَا الكِتَابِ عَلَيْهِ، فَمَا مِن حَدِيثٍ إِلَّا وَقَد أَطِلَعَنِي فِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ عَلَى مِثلِ مَا ذَكَرَهُ لِي فِي المَثَالِ الَّذِي ذَكَرتُه، فَأَطَالَ الله بَقَاءَه، وَلَا حَرَم أَهْلَ العِلمِ غَزِيرَ بَحرِه، وَلَا أَخلَاهُم مِن فَوَائِدِ عِلمِهِ، وَسَائِحِ فِكرِهِ، فَهُوَ الجَامِعُ لِأَطْرَافِ العُلُومِ، المُسَيْطِرُ عَلَيْهَا، المُسَلَّطُ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنَ المُشْكِلَاتِ، المَرجُوعُ إِلَيهِ فِيمَا يَقَعُ فِي الدِّينِ مِنَ المُعضِلَاتِ) (^٢).
قال عنه القفطي: (كَانَ شابًا، وَفَاقَ فِي الفَضلِ شُيوخَ أَهْلِ زَمانِهِ، لَكِنَّهُ استَوفَى أَنفاسَهُ وَطَوَى قِرطاسَهُ قَبْلَ أَوانِهِ، وَفُجعَ والده بِشَبابِه) (^٣)، وذكر له شعرا:
أحقًا خليلي أنت أوّل ناكبٍ … عن العهد تجفوني وتهجر جانبي
أترضى خليلي أن قلبي نُهبةً … تعاورها أيدي النوى والنوائب
يدا الدهر لا صحَّت رمتني بأسهم … نسيت لها ما فوقت بالحواجبِ
ومنه:
هوى البيض لا يجدي على المرء طائلًا … وإدمان شرب الراح يجني الغوائلا
_________________
(١) شرح صحيح البخاري (٢/ ٨).
(٢) شرح صحيح البخاري (٢/ ٩).
(٣) المحمَّدون من الشعراء للقفطي ص ١٢٨.
[ ٢٠ ]
وكم تبتغي أن تعذِل الدهر دائبًا … ودهرُك أولى أن يُرى لك عاذلا
وما العمر والأيام إلا وسائطًا … جُعِلن إلى نيل المعالي وسائلا
هذا ما أمكن ذكره هنا عن ترجمة الإمام الأصبهاني وولده، وفي بقية مباحث الدراسة شذرات؛ وإشارات؛ ومعالم أخرى عن الإمامين، آثرت أن أذكرها هناك تجنبا للتكرار.
* * *
[ ٢١ ]