سبق أن أشرنا إلى أن كتاب التحرير ليس كتاب غريب فحسب، بل فيه من الفقه والأحكام ما يضاهي ذلك، خاصة في أبواب العبادات والمعاملات، حيث يظهر قِوام السنة فقيها مكينا وإماما من أئمة الاجتهاد والترجيح، متضلعا في مسائل المذهب، حافظا لأقوال العلماء، مطلعا على اختلاف الأئمة الفقهاء، قال عنه الذهبي: (وأَمَّا عِلمُ الفِقهِ، فَقَد شُهِرَت فَتاويهِ فِي البَلدِ والرَّساتيقِ) (^١).
وكان ﵀ من أئمة الشافعية، قال النووي ﵀: (وَقَالَ التَّمِيمِيُّ مِن أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ التَّحرِيرُ) (^٢)، وقال عن ابنه: (وقال الإمامُ أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بن مُحَمَّدِ بن الفَضلِ التَّمِيمِيُّ الأَصبهَانِيُّ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كِتابهِ التَّحريرُ) (^٣)، كما تُرجم لقوام السنة في طبقات الشافعيين (^٤) لابن كثير، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (^٥)، ووصفه ابن القيم بقوله: (وَكَانَ إِمَامًا لِلشَّافِعِيةِ فِي وَقتِه رحمه الله تَعَالَى) (^٦).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٨٣.
(٢) المجموع شرح المهذب: ٣/ ٣١٠.
(٣) شرح مسلم: ١/ ١٤٥.
(٤) ص ٥٩١.
(٥) ١/ ٣٠١.
(٦) اجتماع الجيوش الإسلامية: ٢/ ١٨٠.
[ ٧٧ ]
أسوق هنا مثالا حرر فيه مسألة صيام عاشوراء، وبين ثمرة الخلاف فيه، قال: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ العِلمِ، أَنَّ صَومَ يَومِ عَاشُورَاء لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي وَقتِنَا، وَهَل كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ؟ الشَّافِعِيُّ ﵀ لا يُومِئُ فِي مَوضِعِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ، وَيُومِئُ فِي مَوضعِ إِلَى أَنَّهُ لَم يَكُن وَاجِبًا، وَالَّذِي يُشبِهِ مَذهَبَهُ أَنَّهُ لَم يَكُن وَاجِبًا، وَذَهَبَ أَبو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ، وَفَائِدَةُ الخِلَافِ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ لَهُم أَنَّ صَومَهُ كَانَ وَاجِبًا، ثَبَتَ جَوَازُ النِّيَةِ لِلصَّومِ الوَاجِبِ بِالنَّهَارِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى أَهلِ العَوَالِي يَومَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُم بِصَومِهِ، وَنَوَوا فِي تِلكَ الحَالَةِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَن لَم يَكُن أَكَلَ فَليَصُمْ وَمَن أَكَلَ فَلْيُمْسِك بَقِيَّةَ يَومِهِ) وَلَم يَأْمُرُهُ بِالقَضَاءِ، وَلَو كَانَ وَاجِبًا لأَمَرَ المُفطِرَ بِالقَضَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقتَ الحَاجَةِ إِلَى البَيَانِ، قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: وَالَّذِي أَختَارُ أَن يَصُومَهُمَا جَمِيعًا التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ) (^١).
* ويمكن تلخيص منهجه في تقريراته الفقهية فيما يلي: