تحدث الإمام الشاطبي في الموافقات عن تحصيل العلم من مصنفات أهل العلم، وذكر لذلك شروطا منها: (أَن يَتَحَرَّى كُتُبَ المُتَقَدِّمِينَ مِن أَهلِ العِلمِ المُرَادِ؛ فَإِنَّهُم أَقعَدُ بِهِ مِن غَيْرِهِم مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، وَأَصلُ ذَلِكَ التَّجرِبَةُ وَالخَبَرُ، أَمَّا التَّجْرِبَةُ، فَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي أَيِّ عِلمٍ كَانَ، فَالمُتَأَخِّرُ لَا يَبْلُغُ الرُّسُوخَ فِي عِلمٍ مَا يَبْلُغُهُ المُتَقَدِّمُ، وَحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ أَهلُ كُلِّ عِلمٍ عَمَلِيٍّ أَو نَظَرِيٍّ؛ فَأَعْمَالُ المتَقَدِّمِينَ - فِي إِصْلَاحِ دُنيَاهُم وَدِينِهِم - عَلَى خِلَافِ أَعمَالِ المُتَأَخِّرِينَ، وَعُلُومُهُم فِي التَّحقِيقِ أَقعَدُ، فَتَحَقُّقُ الصَّحَابَةِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ لَيسَ كَتَحَقُّقِ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعُونَ لَيسُوا كَتَابِعِيهِم، وَهَكَذَا إِلَى الآنِ) (^٢).
وإن كتاب التحرير من أوائل ما ألف في شرح مسلم، بل لم يسبقه إلى ذلك إلا عبد الغافر الفارسي (٥٢٩ هـ)، الذي كان من أقرانه ومعاصريه، وتوفي قبله
_________________
(١) المصدر السابق (٢٠/ ٨٢).
(٢) الموافقات: ١/ ١٤٧.
[ ٣٨ ]
بست سنوات فقط، وقد سمى كتابه: (المُفهِم لِصَحِيحِ مُسلِم).
هذا إن جعلنا تاريخ الوفاة معيارا للسبق كما جرت العادة، وإلا فيمكن أن ينضاف إلى من سبقه من معاصريه: الإمام المازري المالكي (٥٣٦ هـ) صاحب كتاب: (المُعلِم بِفَوَائِدِ مُسلِمٍ)، وهو وإن توفي بعد الإمام الأصبهاني بسنة واحدة، غير أن إملاءه للكتاب كان قبل ذلك بزمان.
فقد ورد في مقدمة المعلم: (هَذَا كِتَابٌ قُصِدَ فِيهِ إلى تَعلِيقِ مَا جَرَى فِي مَجَالِسِ الفَقِيهِ الإِمَامِ الجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ الْمَازِرِي ﵁ حِينَ القِرَاءَةِ عَلَيْهِ لِكِتَابِ مُسْلِمِ بن الحَجَّاجِ ﵀ فِي شَهرِ رَمَضَانَ المُكَرَّمِ؛ مِن سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَربَعمِائَة) (^١)، وذهب محقق الكتاب الشيخ محمد الشاذلي النيفر إلى أن إملاءه كله كان في رمضان من تلك السنة (٤٩٩ هـ)، معتمدا على ما ذكره ابن الأبار أن المازري قال: (إِنِّي لَم أَقصِد تَألِيفَه، وَإِنَّمَا كَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيَّ كِتَابُ مُسلِمٍ فِي شَهرٍ رَمَضَانَ فَتَكَلَّمتُ عَلَى نُقَطٍ مِنهُ) (^٢).
وأما كتاب المفهم للفارسي؛ فقد قدر محققه الدكتور مشهور بن مرزوق الحرازي زمن تأليفه ما بين عامي ٥٠٩ هـ و٥١٠ هـ، مستندا في ذلك على ما ذكره المؤلف عن نفسه، وهو يتحسر على أن فاتته رواية الصحيح عن جده: (ثُمَّ إِنِّي - مَعَ هَذَا - لَم أُرزَقِ العُلُوَّ فِي إِسْنَادِ هَذَا الكِتَابِ، لِتَأَخُّرِ مَولِدِي عَن وَفَاتِهِ، مَعَ قُربِهِ مِنْهَا، وإِنَّمَا سَمِعتُهُ مِن الرَّاوِينَ عَنهُ، وَفِي القَلبِ مِنْهُ حَسَرَةٌ، فَقَد نَاهَزتُ السِّتِّينَ) (^٣).
_________________
(١) المعلم بفوائد مسلم: ١/ ٢٦٩.
(٢) التكملة لكتاب الصلة: ٢/ ٣١٢، وينظر تحقيق كتاب المعلم: ١/ ١٩٣.
(٣) المفهم لصحيح مسلم: ١/ ٤٠٦، وينظر مقدمة التحقيق: ١/ ١٣٤، ١٦٧ - ١٧٠.
[ ٣٩ ]
وأما كتابنا هذا (التحرير)، فهو متأخر عنهما بزمن يسير، فإنه بما ثبت من إكماله بعد وفاة صاحبه، عُلم أنَّه إنما تم وانتُهِي منه ما بين سنةِ وفاة الابن: ٥٢٦ هـ، وسنة وفاة الأب: ٥٣٥ هـ، وأما ابتداء إملائه؛ فالظاهر أنه في ذات السنة التي توفي فيها الابن، أو قبلها بقليل، لأنه لم يمل منه إلا القدر اليسير، كما سبق بيانه.
وعلى كلٍّ؛ فهذه الكتب الثلاث هي البواكير الأولى لشرح صحيح مسلم، لم يسبق إلى ذلك غيرهم، وهم من الأقران المتعاصرين، وليس لسبق بعضهم على بعض مزية تذكر، إذ الظاهر من خلال مقارنتها؛ أن المتأخر منهم لم يطلع على ما كتبه سابقه، فكل منهم ألف كتابه استقلالا.