ما زال العلماء يعقب بعضهم على بعض، ويستدرك بعضهم على بعض، وقد كانت عائشة ﵂ تستدرك على الصَّحابة، وكذلك العلماء عبر التاريخ، وذلك في حد ذاته اعتراف بالسبق والمكانة، كما قال الشاعر:
مَن ذَا الَّذي تُرضى سَجاياه كلّها … كَفَى المرءَ نُبلًا أَن تُعَدَّ مَعَايِبُه (^١)
سأحاول أن أنقل هاهنا؛ المواضع التي ناقش العلماء فيها اجتهادات الأصبهاني، واستدركوا فيها على اختياراته:
١ - حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (مَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ) (^٢)، وفيه: (فَإِذَا رَبِيعٌ
_________________
(١) ينسب إلى أبي يزيد المهلبي، ينظر الحماسة البصرية: ٢/ ١٢٤٧.
(٢) عند مسلم في كتاب الإيمان برقم: ٣١.
[ ٤٦ ]
يَدخُلُ فِي جَوفِ حَائِطِ مِن بِئرٍ خَارِجَةٍ)، اختلف في ضبط (بئر خارجة) على ثلاثة أوجه، ذكرها الأصبهاني:
* بِئْرٍ خَارِجَةٍ، فتكون صفة للبئر.
* بِئْرٍ خَارِجَهُ، بهاء الضمير.
* بِئْرِ خَارِجَةَ، بالإضافة على أن خارجةَ اسم رجل، وهو اختيار الأصبهاني حيث قال: (وَالبِئرُ يَعنُونَ بِهَا البُستَانَ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُونَ هَذَا فَيُسَمُّونَ البَسَاتِينَ بِالآبَارِ الَّتِي فِيهَا، يَقُولُونَ بِئرُ أَرِيسٍ، وَبِئرُ بُضَاعَةَ، وَبِئْرُ حَاءٍ وَكُلُّهَا بَسَاتِينُ) (^١).
عقب النووي ﵀ على اختياره فقال: (هَذَا كَلامُ صَاحِب التَّحْرِيرِ، وَأَكثَرُه أو كلُّه لَا يُوافَقُ عَلَيْهِ وَاللهُ أَعلَم، واختار الأول، وهو ما عليه القاضي عياض أيضا (^٢)، وما أثبته ابن الصلاح من الأصل بخط أبي عامر العبدري عن الجلودي (^٣)، وأسند ابن الصلاح إلى أبي موسى المديني الأصبهاني هذه الأوجه الثلاثة المذكورة.
٢ - في نفس حديث أبي هريرة في قوله: (فَاحْتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعْلَبُ)، اختلف الرواة هل هو بالزاي أم بالراء، والذي اختاره الأصبهاني أنه بالراء، قال النووي متعقبا: (وأمَّا صَاحِبُ التَّحرير فأنكرَ الزَّايَ وخطَّأ رُواتِها، واختَارَ الرَّاءَ، وليسَ اختِيارُه بمُختَارٍ واللهُ أعلَم) (^٤)، والذي اختاره الأصبهاني هو رواية عامة
_________________
(١) شرح النووي: ١/ ٢٣٥، وهو من الجزء المفقود من الكتاب.
(٢) مشارق الأنوار: ٢/ ٣٥٧.
(٣) صيانة صحيح مسلم: ص ١٨٨.
(٤) شرح مسلم: ١/ ٢٣٦.
[ ٤٧ ]
الرواة، قال القاضي عياض: (كذا هوَ عِند السَّمَرقَندِي بالزَّاي، وعندَ كافَّتهم بالرَّاء المُهمَلة، والأوَّلُ هو الصَّواب، ومعناه تَضَامَمْتُ واجتَمَعتُ) (^١).
وقال ابن الصلاح: (هوَ بالرَّاءِ المُهمَلَة محقَّقًا فِي الأَصلِ المَأخُوذِ عَنِ الجَلودِي وَالأَصلِ الَّذِي بِخَط العَبدَرِي، وَهِي الرِّواية الأكثَر) (^٢)، لكن يرى أن الأقرب من حيث المعنى رواية الزاي.
٣ - حديث سعد قال: قسم رسول الله ﷺ قَسما، فقلت: يا رسول الله، أعط فلانا فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ: (أَوْ مُسلِمٌ)، أقولها ثلاثا، ويرددها عليَّ ثلاثا: (أَوْ مُسلِمٌ)، الحديث (^٣).
استدل الأصبهاني بقول ﷺ: (أَوْ مُسلِمٌ) على أن ذلك الرجل لم يكن مؤمنا، ونوزع في ذلك، على أن المراد هو ترك القطع له بالإيمان، لأن الإيمان من أعمال الباطن، وأما الإسلام فمعلوم بحكم الظاهر، حتى قالوا إنما تركه النبي ﷺ ولم يعطه لأنه وكله إلى إيمانه، ﷺ بعد ذلك: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)، لذلك خطأ النووي ما ذهب إليه الأصبهاني فقال: (وقَد زَعمَ صاحِبُ التَّحريرِ أَنَّ فِي هذا الحَديثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الرَّجِلَ لَم يَكُن مُؤْمِنًا ولَيسَ كَمَا زعمَ بَل فيهِ إشارَةٌ إِلَى إيمانِهِ) (^٤).
٤ - حديث بدء الوحي (^٥)، وفيه: (وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ)، اختلف في المقصود
_________________
(١) مشارق الأنوار: ١/ ٢٠٨.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ص ١٩٠.
(٣) رواه مسلم برقم: ١٠٥.
(٤) شرح مسلم: ٢/ ١٨١.
(٥) عند مسلم برقم: ١٦٠.
[ ٤٨ ]
بالمعدوم، على وجهين:
* المال النفيس النادر: ثم اختلفوا في المراد، فقيل: تعطي غيرك المال المعدوم تبرعا، وقيل: تُحَصِّلُ المال العظيم الذي يعجز عنه غيرك ثم تجود به في وجوه الخير، وهذا اختيار النووي.
* الفقير المُعدمُ العاجز عن الكسب: فسمي معدوما لأنه كالميت.
والذي قواه ورجحه الأصبهاني هو التفسير الأخير، وإلى ذلك مال الخطابي أيضا، غير أنَّه قال: (صَوَابه: وَتكسِبُ المُعدِم) (^١)، فتعقبه الأصبهاني، وخطَّأه روايةً فقال: (مَا رَواهُ الرُّوَاة صوابٌ)، ووافقه درايةً، فقال: (تَكسِبُ المَعدُومَ أَي: تَسعَى فِي طَلَبِ عَاجزٍ تُنعِشُه، وَالكَسْب هو الاسِتفَادةُ).
ويظهر أن ابن حجر اقتنع بتوجيه الأصبهاني رواية ودراية، لذلك قال: (قُلتُ ولا يَمتنِعُ أَن يُطلَقَ عَلَى المُعدِم المعدُوم لكَونه كالمعدُومِ الميِّت الَّذِي لا تصرُّفَ لَهُ، وَالكَسبُ هُو الاستِفَادةُ) (^٢).
وأما النووي فلم يرتض هذا التفسير، ورأى أن تفسيره بالمال أولى وأرجح، قال: (وَهذَا الَّذِي قَاله صَاحِبُ التَّحريرِ وَإن كانَ لهُ بَعضُ الاتِّجَاهِ كَما حرَّرتُ لفْظَه فَالصَّحِيحُ المُختَارُ مَا قدَّمتُه وَالله أَعلَم) (^٣)، وهذا تعقيب لطيف، ورد رفيق، لأن مذهب الأصبهاني له وجهه، إن لم نقل إنه الأنسب سياقًا، والأبلغ معنى.
الأنسب سياقا، لأن خديجة ﵂ تتحدث عن جود النبي ﷺ وكرمه
_________________
(١) أعلام الحديث: ١/ ١٢٩.
(٢) فتح الباري: ١/ ٢٤.
(٣) أعلام الحديث: ١/ ١٢٩.
[ ٤٩ ]
المتعدي إلى الغير، فإنه يصل الرحم، ويحمل الكلَّ، ويقري الضيف، فالأشبه أن يكون المعدوم غيرا، وقد تنبه النووي لهذا، فغلَّط من فسره بمجرد كسب المال، فقال: (وأيُّ معنًى لهذا القَولِ في هذا المَوطِن) ثم أضاف إضافة حتى ينصلح المعنى، فقال: (إلَّا أنَّه يُمكن تصحِيحُه بِأن يُضم إليه زيادةٌ فيكون معناهُ: تَكسِبُ المالَ العَظيمَ الذِي يَعجزُ عنه غيرُك، ثمَّ تَجودُ، به في وُجوهِ الخيرِ وأبوَابِ المَكَارِم)، حتى ينسجم مع سابقه فقال: (كَمَا ذكَرَتْ منْ حمل الكَلِّ، وصِلةِ الرَّحم، وقِرَى الضَّيفِ، والإِعَانةِ على نوائِبِ الحَقّ) (^١)، فآل معنى كلامه في النهاية إلى ما قرره الأصبهاني.
وأما كونه الأبلغ معنى، فقد وضحه التُّورِبِشتِي حيث قال: وأَجرَاهَا بعضُهم عَلَى الاتِّسَاعِ، فَرَأَى أَنَّه أَنزَلَ العَائِلَ مَنزِلَةَ المَعدُومِ مُبالغةً في العَجْزِ، كَقولِكُ للبخيلِ أو الجبانِ: ليسَ بِشيءٍ) (^٢).
٥ - حديث عائشة، وفيه قولها: (مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) (^٣)، وحديثها عن زينب ﵁ تمدحها، وتقصد أنَّها لا تنكر عليها شيئا، إلا حدَّة في طبعها، ومع ذلك تفيء وتهدأ سريعا، وسياق الكلام يزكي هذا المعنى.
لكن الأصبهاني ﵀ صحف لفظ: (سَوْرَة) إلى (سَوْدَة)، فصار المعنى عنده: (أي: لم أَرَ امْرَأَةً قطُّ خيرًا في الدَّينِ مِن زَينَبَ، ثُمَّ استَثنَت من ذلك سودةَ بنتَ زمعة) (^٤)، قال النووي منبها: (وَقَد صحَّفَ صاحِبُ التَّحريرِ فِي هَذا الحديثِ
_________________
(١) شرح مسلم: ٢/ ٢٠١.
(٢) الميسر في شرح مصابيح السنة: ٤/ ١٢٦٣.
(٣) رواه مسلم برقم: ٢٤٤٢.
(٤) ص ٥٤٩ من هذا الكتاب (التحرير).
[ ٥٠ ]
تَصحِيفًا قَبيحًا جدًّا فقالَ: مَا عدَا سَودَة بالدَّال وَجَعَلَهَا سَودَةَ بِنتَ زَمعةَ وهَذَا مِنَ الغلط الفاحِش نبَّهتُ عَليهِ لئَلَّا يُغتَرَّ بهِ) (^١)، وقال العيني: (وهُوَ ظَاهِرُ الغَلط) (^٢).
٦ - في حديث وفد عبد القيس، ذكر الأصبهاني أنهم أربعة عشر رجلا، وسمى منهم رجالا، ثم قال: (وَلَم نَعثُر بَعدَ طُولِ التَّتبُّع على أَسماءِ البَاقِين) (^٣).
فاجتهد ابن حجر في تتبع الستة الباقين وهم: عقبَة بنَ جَروَةَ، وقَيسُ بنُ النُّعمانَ العَبديُّ، والجهمُ بنُ قُثَمٍ، والرُّستُم العَبديِّ، وجُوَيريَةُ العَبديُّ، والزَّارِعُ بنُ عَامِرٍ العَبدِيُّ، وكذا استدل على عددهم، ووفق بين قول صاحب التحرير إنهم أربعة عشر، وما صُرِّح به في بعض الروايات أنهم أقل من ذلك أو أكثر، ثم قال: (وَإِنَّما أطَلتُ فِي هَذا الفَصلِ لِقولِ صَاحِبِ التَّحرِيرِ إِنَّهُ لَمْ يَظفَر بَعدَ طُولِ التَّتَبّع إِلَّا بِمَن ذَكرَهُم) (^٤).
وهذه أمثلة تبين مدى المكانة العلمية للإمامين الأصبهانيين، وكيف أسهمت اجتهاداتهما في إثراء النقاش الفقهي الحديثي، بغض النظر عن الراجح والمرجوح، وأشير قبل غلق هذا المبحث إلى أن كل هذه الأمثلة التي أوردناها، هي من تحرير الأصبهاني الابن سوى المثال الخامس فهو للأب.
* * *
_________________
(١) شرح مسلم: ١٥/ ٢٠٦.
(٢) عمدة القاري: ١٣/ ١٣٨.
(٣) شرح النووي: ١/ ١٨١.
(٤) فتح الباري: ١/ ١٣١.
[ ٥١ ]