قال أهل اللغة (^١) الزكاة زكاة المال، وإنما سُمِّيت بذلك؛ لأنه مما يُرجى به زكاة المال، وهو زيادتُه ونماؤُه، وقال قوم: سُمّيت زكاةً لأنها طُهرة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
ويقال: زرعٌ زاكٍ: بَيِّنُ الزكاء، ويقال: إذا كثرت المؤتفكات - أي: الرياح - زكت الأرض؛ أي: كثُر رَيعُها، وزكت النفقة: إذا بُورك فيها، وقيل: سُمّيت الزكاة زكاةً؛ للبركة التي تظهر في المال بعدها (^٢).
وقال ابن عرفة (^٣): سُميت زكاةً لأن مؤديها يتزكى إلى الله؛ أي: يتقرب إليه بها، وكل من تقرّب إلى الله بعملٍ صالح فقد تزكى إليه (^٤)، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: فاز بالبقاء الدائم؛ من تقرب إلى الله بالتقوى وكثرة العمل الصالح، ويقال: فلان زاكٍ: إذا كان كثير المعروف، وقرئ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (^٥) [الكهف: ٧٤]، أي: كثيرة
_________________
(١) ابن فارس في مجمل اللغة ص ٤٣٧.
(٢) الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد ٣/ ٨٢٥.
(٣) يقصد نفطويه؛ فهو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي الواسطي (٣٢٣ هـ).
(٤) الغريبين ٣/ ٨٢٥.
(٥) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي جعفر وأبي عمرو.
[ ١١٥ ]
المعروف، وقرئ: (زَكِيَّةً) (^١) أي: طاهرةً بريئة من الذنوب.
والزَّكا: الشَّفع، قال الراجز المنقري (^٢):
فَلَا زَكَا عَدِيدُهُ وَلَا خَسَا … كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا
الخسا: الوتر، والسَّفا: شوك البُهْمَى (^٣).
[١] وحديث أبي سعيد ﵁: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقٍ صَدَقَةٌ) (^٤) الحديث، قال أصحاب الشافعي ﵁ (^٥): ولا تجب الزكاة في ثمَر النخل والكرم؛ إلا أن تكون نصابًا، ونصابه خمسةُ أوسق؛ لحديث أبي سعيد ﵁، وهي ثلاثمائة (^٦) صاع، وذلك ألفٌ وستمائة رطل بالبغدادي.
والوسَق: حِمل البعير، فإذا بلغ يابسُه خمسة أوسق؛ وجب فيه الزكاة، وزكاته العشر فيما سقي بغير مُؤنة ثقيلة؛ كماء السماء والأنهار؛ وما يَشرَب بالعروق، ونصفُ العشر فيما سُقي بمُؤنة ثقيلة؛ كالنواضح والدواليب.
_________________
(١) قراءة حمزة وابن عامر وعاصم والكسائي.
(٢) الراجز رجل من بني سعد، ارتجز بهذا ردا على الأغلب العجلي، ينظر: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٧٣٩، معجم الشعراء ٤٩٠، بشيء من الاختلافات في صدر البيت، وذكره كما عند المؤلف الطبري في التفسير ١/ ٥٧٣، والماوردي في الحاوي الكبير ٣/ ٧١، ومنه النقل.
(٣) نبت يشبه سنبل الشعير بلا حب.
(٤) أخرجه برقم: ٩٧٩، وكذلك البخاري: ١٤٤٧.
(٥) مختصر المزني: ٨/ ١٤٢، الحاوي الكبير للماوردي: ٣/ ٢١٠.
(٦) في الأصل: (ثلاثمائة مائة صاع).
[ ١١٦ ]
[٢] روي مسلم في الباب الذي بعد هذا، عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالغَيمُ العُشْرُ (^١)، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ العُشْرِ) (^٢)، قوله: (وَالغَيْمُ)؛ يعني: المطرَ الذي ينزل من الغيم، و(السَّانِيَة): الناقة التي تسقي الأرض، يقال: سَنَت الناقةُ تَسْنو فهي سانيةٌ، ولا يجب العشر حتى يبدو الصلاحُ في الثمار، وبدوُّ الصلاح: أن يَحمَرَّ البُسْر ويَصْفَرَّ، ويتموَّهَ العنبُ، أي: يقع فيه الماء.
وقوله: (خَمْسَةِ أَوسُقٍ)، قال أهل النحو (^٣): الجمع جمعان: قليل وكثير، والقليل: ما دون العشرة، والكثير: ما فوق العشرة، وسُمّي الأول الجمع القليل، ويسمى أدنى العدد، وهو على أربعة أبنية: أَفْعُل كأَوْسُق في جمع وَسَق، وأَفْعال كأوساق، وأَفْعِلة كأجربة في جمع جَريب، وفِعْلة كصبية في جمع صبي، فأما أَفْعُل وأفعال فالثلاثي، وأفعِلة وفِعلة لما زاد على الثلاثي، وليس في أدنى العدد أخفُّ من أَفْعُل، [فجُعل] (^٤) ذلك لجمع فَعْلٍ؛ لأن فَعْلا أخفُّ الأبنية الثلاثية، وجُعل أفعال لسائر الأبنية الثلاثية، وأَفْعِلة وفعلة ثقيلان؛ لمكان حرف التأنيث فيهما، فجُعلا لما زاد على الثلاثي.
_________________
(١) اللفظ عند مسلم: (العشُور) واختلفوا هل هو بالفتح أم بالضم، قال عياض ﵀ في الإكمال ٣/ ٤٦٧: (كذا رُوِّيناه عن عامة شيوخنا العَشور - بفتح العين المهملة - وهو اسم المخرج)، وقال النووي ﵀: (ضبطناه: العُشور بضم العين جمع عشر … وهو الصواب) شرح مسلم ٧/ ٥٤، وروي: (العشر) عند البخاري: ١٤٨٣.
(٢) أخرجه برقم: ٩٨١، وكذلك أبو داود: ١٥٩٧.
(٣) ينظر: الكتاب لسيبويه: ٣/ ٤٩٠، شرحه للسيرافي: ٤/ ٣٠٦، علل النحو لابن الوراق: ٥١٩، العدد في اللغة لابن سيده ٢٣.
(٤) في الأصل (فجمع) والسياق يقتضي المثبت.
[ ١١٧ ]
قال أهل اللغة (^١): يقال: لا أفعله ما وسقت عيني الماء، أي: حملته، وقال أهل اللغة (^٢): كل شيء حملته فقد وسقته، وقيل: الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء، قال أهل التفسير (^٣) في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]، أي: جَمَع وضَمَّ، والواسق: الذي يجمع الإبل، والوسيقة: الإبل التي يجمعها، وفي رواية: (فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوسُقِ) (^٤) بلا هاء حملا على القطع، لأن كل وسق قطعة، وقوله: (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَودٍ صَدَقَةٌ)، الذود: القطعة من الإبل ما بين [الثلاث] (^٥) إلى العشر، فإذا صارت عشرا فما فوق، قيل صِرْمَة من الإبل، فإذا بلغت أربعين قيل هَجْمَة، فإذا بلغت مائة قيل هُنَيدةُ غير مصروفة، قال الشاعر:
أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يحدُوها ثمانيةٌ … مَا فِي عَطَائِهِم مَنٌّ وَلَا سَرَفُ (^٦)
أي: يحدوها ثمانية رعاة، ويقال: (الذَّودُ إلى الذَّودِ إِبل، والحَبّة إلى الحَبّة علفٌ) (^٧)، وقوله: (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)، الأُوقية: أربعون درهمًا، وخمسُ أواقٍ: مائتا درهم، يقال: أُوقيةٌ وأواقيُّ بتشديد الياء، كأضحيةٍ وأضاحيٍّ،
_________________
(١) مجمل اللغة: ٩٢٥، الصحاح للجوهري: ٤/ ١٥٦٦.
(٢) ينظر تهذيب اللغة ٩/ ١٨٧، النهاية: ٥/ ١٨٥.
(٣) ينظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٣١٨، ابن أبي زمنين: ٥/ ١١٣، السمعاني: ٦/ ١٩١، البغوي: ٨/ ٣٧٥.
(٤) عند البخاري: ١٤٠٥، وأحمد: ١١٠٣٠، وغيرهما.
(٥) في الأصل: (الثلاثة)، والتصويب من: العين: ٨/ ٥٥، وغريب أبي عبيد: ١/ ٣١٤.
(٦) البيت لجرير يمدح عبد الملك بن مروان، ينظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة: ١/ ٤٦٠، العقد الفريد لابن عبد ربه: ١/ ٣٣١.
(٧) من أمثال العرب، يراد به أن القليل إذا جمع إلى القليل كثر، ينظر: جمهرة الأمثال: ١/ ٤٦٢، الأمثال للهاشمي: ١/ ٩٤.
[ ١١٨ ]
ومن العرب من يقول: أواقٍ بحذف الياء تخفيفا.
وفي الحديث: دليل على أن الفضة لا تُضم إلى الذهب، وإنما يعتبر نصابها بنفسها.