الزكاة حق أوجبه الله على العباد في أموالهم، مواساةً لذوي الحاجة، وأكد التنبيه على هذا فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأخبر أن النبي ﷺ يطهرهم بما يأخذ من زكواتهم من أدناس الذنوب، ويعلي ذكرهم في المؤمنين، و[يجر] (^١) إليهم حسن الثناء به، ثم أمر بأن يدعوَ لهم، وأخبر أن في دعائه لهم تسكينا لقلوبهم، سكون ثقةٍ بإجابة ما يدعو به النبي ﷺ.
وهذه المواساة: أن يُخرج الأغنياء من أموالهم ما يسد خلة فقرائهم، حتى يكون الفقراء مستغنين بالأغنياء، وقال النبي ﷺ: (أُمِرْتُ أَن آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُم وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُم) (^٢)، ثم جعل من يوضع فيهم الزكاة أصنافا فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة:٦٠]، وعلَّق الوجوب ببعض المال دون بعض، وذلك ما يقتنى للتموُّل وطلب الفضل فيه، وجعل مقدار الواجب: ما لا يُؤَثِّر في غنى المُخرج تأثيرًا بيِّنا؛ في جنب المال الذي يخرجه منه، كخمسة دراهم في مائتي درهم، وشاة في خمس من الإبل، وشاة في أربعين شاة وتبيعٍ
_________________
(١) عدم وضوح في الأصل.
(٢) الحديث متفق عليه: البخاري: ١٣٩٥، مسلم: ١٩، غير أنه بلفظ: (إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)، ولفظ المؤلف رواية بالمعنى ورد في بعض كتب الفقه.
[ ١١٩ ]
في ثلاثين بقرة، وما أشبه هذا.
ثم لم يقتصر على هذا التخفيف، حتى جعل لهم أمدًا يجب الحقُّ عليهم بحلوله، ليتوسعوا في التصرف في المال، وذلك مضيُّ الحول على المال، فيبقى المال بعد أداء الحق منه، ويكون الحق بإزاء النماء الحاصل بالتصرف.
ثم جعل مال الزكاة ثلاثة أصناف: صنف منها: الذهب والفضة، وصنف: ما تنبته الأرض من أنواع النبات والأشجار، والثالث: ما يقتنى لطلب النماء فيه من الأنعام، فالذهب والفضة بهما يقع التعامل؛ وإليهما ترجع أصول الأموال كلِّها، ولم يدخل في ذلك الحديدُ والنحاسُ والصُّفرُ، وأما ما تنبته الأرض؛ فما كان قوتا تقوم به الأبدان كالبُر والشعير ونحوِها، ولا يدخل في ذلك البُقول والخضر والفواكه.
وأما الأنعام: فالإبل والبقر والغنم؛ دون الحمير والبغال والخيل، جعل جميع ذلك فيما يكثر اقتناؤها ويَعُمُّ الانتفاع بها.
فالذهب والفضة لا يجد أحدٌ منهما بدا، والأقوات يَعُمُّ الانتفاع بها، لامتِسَاس الحاجة إليها، وما يُؤْتَدَم به أو يُتَفَكَّه منحط عن هذه الدرجة في عموم الحاجة، وحاجة الناس إلى الإبل والبقر والغنم أعمُّ من حاجتهم إلى الخيل والحمير؛ التي لا تقتنى للنماء في أغلب الأحوال، وكذا الدور والعقار والثياب والمتاع والرقيق، لأن عظم المنفعة فيها: التزين والجمال؛ دون الاقتناء طلبا للأرباح،، فلا زكاة فيما هذا وصفُه، إلا أن يخرج عن أصله، فيصرف إلى الاقتناء لطلب الفضل بالتصرف فيه للتجارة، فحينئذ تجب فيه الزكاة.
[ ١٢٠ ]
ولهذا المعنى شرط في المواشي أن تكون سائمةً لا معلوفة، لأن الماشية تنمى على السوم ما لا تنمى على العلف، وإنها إذا عُلِفت أحاط ثمنُ العلف بنمائها أو بأكثره، فيلحق بما يقل نماؤه من الحيوان؛ وهو الحمير والبغال والخيل.
ثم على هذه الجملة اختلاف قدر الزكاة فيما تخرجه الأرض؛ بما يسقى من ماء السماء والعيون، وما يسقى بالدلاء من النواضح، فخُفَّفَ في مقدار الحقِّ المُخْرَج؛ فجُعِل نصف العشر لكثرة المُؤنة، وفيما سُقِي بماء السماء العُشر لخفة المؤنة.
[٣] وفي حديث أبي هريرة: (لَيسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ) (^١)، وفي رواية: (لَيسَ فِي الْعَبدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطرِ).
قال أصحاب الشافعي ﵁: الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، فلما كان العبد والفرس تحيط مؤنتهما بما يُنتفع به منهما، لم تجب فيهما صدقة (^٢).
وفي قوله: (إِلَّا صَدَقَةُ الفِطرِ) معنى لطيف، وذلك أن معنى الاستثناء إذا كان آخر الكلام، فهو للكلام كله إلا بدليل، وهذا الاستثناء للعبد دون الفرس، فصار مخصوصا بما عُرف من معناه.
وفي الحديث الذي قبل هذا الباب: (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالغَيمُ العُشْرُ)، إجمال، والمفسِّر له: الحديث الذي قبله: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقِ صَدَقَةٌ).
_________________
(١) أخرجه برقم: ٩٨٢، والبخاري برقم: ١٤٦٣.
(٢) ينظر الحاوي الكبير للماوردي: ٣/ ٨٨، المهذب للشيرازي: ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ١٢١ ]